الرئيسية / تربية و تعليم / فلاسفة / في الأخلاق – فريدريش إنجلز

في الأخلاق – فريدريش إنجلز

ت، حسين اسماعيل
هذه الجزئية مقتطعة من كتاب “الرد على ديورنغ” المنشور عام ١٨٧٨م.

…إذًا، إذا لم نتمكن من إحراز تقدمٍ جدّي في مسألة الحق والباطل، فلن نتمكن من إحراز تقدمٍ كبير في مسألة الخير والشر. يتجلّى هذا التعارض (بين الخير والشر) حصريًا في مجال الأخلاق، وهو المجال الذي ينتمي لتاريخ البشرية. وفي هذا المجال تحديدًا لم تُزرعْ بذور الحقائق المطلقة والنهائية إلا بشكلٍ متناثر، إذ تتنوّع التصورات حول الخير والشر بشكلٍ كبيرٍ من بلدٍ لبلد، ومن عصرٍ لعصر، لدرجة أنها غالبًا ما وقعتْ في تناقضٍ مباشرٍ مع بعضها البعض.

وبغض النظر عن ذلك، فقد يعترض أحدهم في أنّ الخير ليس شرًا، والشرّ ليس خيرًا؛ وإذا ما تم الخلط بين الخير والشر فستكون نهاية الأخلاق، وحينها يستطيع أيًّا كان القيام بما يشاء [أي بلا ضابط أخلاقي]. حين نجرّد الرأي المذكور في العبارة السابقة من الطابع التنبؤي، نجد أنه ذات الرأي الذي يؤمن به ديورنغ. إلا أنه من غير الممكن تجاهل المسألة بهذه البساطة، فلو كان الموضوع بتلك السهولة لما كان الجدل حول الخير والشر قائمًا حتى اليوم، ولكان الجميع عرف ما هو خير وما هو شر.

لكن كيف هي الأمور اليوم؟ ما هي الأخلاق التي يتم تبشيرنا بها؟ إذ أن هناك اليوم أخلاقيات المسيحية الإقطاعية أولًا، وهي الموروثة من أزمان دينية سابقة، وتُقسّم بشكلٍ رئيسي إلى أخلاق كاثوليكية وأخلاق بروتستانتية، وكل منها ينقسم كذلك إلى أقسامٍ أصغر، كالكاثوليكية اليسوعية والبروتستانتية الأرثوذكسية، وصولًا للأخلاق التنويرية ذات الطابع الفضفاض.

بالإضافة للأخلاق المسيحية هذه، نجد أخلاق البرجوازية المعاصرة، وإلى جانبها أخلاق البروليتاريا المستقبليّة. لذلك ففي الدول الأوروبية المتطوّرة، يوفّر كلٌّ من الماضي والحاضر والمستقبل ثلاث جماعاتٍ ضخمةً للنظريات الأخلاقية، حيث تكون متواجدةً في الوقت نفسه، وبالجوار من بعضها البعض على الرغم منها. لكن أيّها هو الصحيح؟ إن كنا نتحدّث بشكلٍ مطلقٍ ونهائي فلا أحد منها صحيح، ولكنّ [الصحيحة] ستكون حتمًا تلك الأخلاق التي تحتوي أكثر عناصر تَعِدُ بالديمومة، وهي التي تمثّل في الوقت الحاضر انقلابًا على الواقع المعاصر، وتمثّل المستقبل أيضًا، وهي الأخلاق البروليتارية.

لكن حين ننظر إلى الطبقات الثلاث في المجتمع المعاصر، نجد أن كلًا من الإقطاعية الأرستقراطية، والبرجوازية، والبروليتاريا لها أخلاقٌ خاصةٌ بها، ولذلك لا يمكننا إلا أن نستنتج بأن الأفراد في المقام الأخير (سواءً كانوا واعين بذلك أم لا) يشتقّون أفكارهم الأخلاقيّة من العلاقات العمليّة التي يُبنى عليها موقع طبقتهم، أيْ من العلاقات الاقتصادية التي تحملهم على الإنتاج والمبادلة.

وعلى أية حال، هناك الكثير من القواسم المشتركة بين النظريات الأخلاقية المذكورة أعلاه، وهو الأمري الذي يستدعي سؤال ما إذا كان هناك جزءٌ ثابتٌ من الأخلاق بشكلٍ دائم, هذه النظريات الأخلاقية تمثّل ثلاث مراحلة مختلفة لذات التطوّر التاريخي، لذلك فلها الخلفية التاريخية نفسها، وهذا هو السبب الوحيد وراء امتلاكهم بالضرورة قواسم مشتركة، وأكثر من ذلك.

ففي مراحل مشابهة أو تقريبية من التطور الاقتصادي، يتحتّم على النظريات الأخلاقية أن تكون متوافقةً بشكلٍ أو بآخر. ففي اللحظة التي تطوّرت فيها الملكية الخاصة والأملاك المنقولة، فإنّ كل المجتمعات التي وُجِدتْ فيها هذه الملكية الخاصة امتلكت هذه الوصية الأخلاقية القائلة: لا تسرق. فهل تصبح هذه الوصية بذلك وصية أخلاقية خالدة؟ طبعًا لا. فالمجتمع الذي تزول فيه كل دوافع السرقة، أي في مجتمعٍ لا يسرق فيه إلا المجانين، سيتم الهزء بالمبشّر الذي يحاول بصدقٍ أن يعلن هذه الوصيّة كحقيقة أبديّة: لا تسرق!

لذا نحن نرفض كل محاولة لفرض أي دوغما أخلاقية (مهما كانت) بصورة قانون أخلاقي أبديّ ومطلقٍ وغير متغيّر بذريعة أن العالم الأخلاقي يمتلك مبادئ خالدة تتسامى عن التاريخ والفروقات بين الأمم. بل نزعم على العكس من ذلك؛ كل النظريات الأخلاقية حتى اليوم ناتجة (كما في التحليل الأخير) عن الظروف الاقتصادية المتوفرة للمجتمع آنذاك. وطالما أنّ المجتمع حتى اليوم يتحرّك بسبب التضادات الطبقية، فإن الأخلاق فيه ستكون أخلاق الطبقة. فالأخلاق إما أن تبرر هيمنة ومصالح الطبقة الحاكمة، أو أنها تعبّر عن حالة السخط على الهيمنة وتمثّل المصالح المستقبلية للطبقة المسحوقة (ولم يتم هذا الأمر إلا حين أصبحت الطبقة المسحوقة قويّةً بشكلٍ كافٍ).

لا أحد يشكّ أن هذه العملية حملت تطورًا في الأخلاق، مثلما حملت تطورًا بكل فروع المعرفة الإنسانية. لكننا لم نتجاوز بعد أخلاق الطبقة. الأخلاق الإنسانية الحقيقية، والتي تتسامى عن الصراعات الطبقية وكل تشابهاتها، ستكون ممكنةً فقط في المرحلة التي يتجاوز فيها المجتمع الصراعات الطبقيّة، بل وينساها في حياته العمليّة.

يمكن الآن أن نستنكر الدعوى التي قدمها “هير ديورنغ”، وهي الدعوى التي انبثقت من أعماق المجتمع الطبقي القديّم وفي عشيّة الثورة الاجتماعيّة، ويحاول فيها أن يفرض على مجتمع المستقبل اللاطبقي أخلاقًا خالدةً منفصلة عن الزمان والتغيرات في الواقع.

شاهد أيضاً

تفاهة الشر: حنة أرندت في القدس 

بقلم: كريم محمد “الشرّ دائماً متطرّف وليس جذريّاً أبداً. الخير هو الجذريّ والعميق”. حنّة أرندت. -1- …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *