الرئيسية / تربية و تعليم / فلاسفة / أكسيل هونيث: الاحتقار أساس المجتمع الرأسمالي المعاصر

أكسيل هونيث: الاحتقار أساس المجتمع الرأسمالي المعاصر

رشيد العلوي

برز أكسل هونيث Axel Honneth كفيلسوف ألماني معاصر يُدير حالياً مدرسة فرانكفورت (الجيل الرابع) وزعيم النظريَّة الاجتماعيَّة النقديَّة التي تحاول النَّظر في الأسُس التي قام عليها الاجتماع البشري في حياتنا المعاصرة. ولد سنة 1949 في مدينة إيسن essen الألمانية ويدرُّس منذ سنة 2011 بجامعة كاليفورنيا بنيويورك، ونال سنة 2015 جائزة ارنست بلوخ وسنة 2016 جائزة برونو كرايسكي. كتب عن العدالة والصراع من أجل الاعتراف بمعيَّة نانسي فريزر كما اهتم بنقد السلطة حيث طوَّر نظريَّة الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو وتتلمذ على يد هابرماس الذي أشرف على تأهيله الجامعي.

شيَّد هونيث في أطروحته لنيل درجة التأهيل مقاربة فلسفيَّة حول نظريَّة “الصراع من أجل الاعتراف” التي نحت هيجل أسسها الأولى فيما يعرف بجدليَّة العبد والسيد، ليضع معالم نظريَّة اجتماعيَّة ذات مضمون معياري يتخذ من الظواهر العينيَّة أساساً للتميِّيز بين مختلف علاقات التعارف حيث يقول: “إذا ما أردنا الاستناد إلى نموذج هيجلي بخصوص الاعتراف، لا من أجل تطوير نظريَّة معياريَّة تتناول المؤسسات، ولا بهدف اقتراح تصور أخلاقي موسَّع يعالج مسائل نظريَّة الذاتيَّة، بل من أجل منظور اجتماعي ببعدٍ معياري”، (هونيث: الصراع من أجل الاعتراف) لذلك ميَّز بين ثلاثة أشكال من الاعتراف: الحب، القانون، التقدير القيمي (التضامن) والتي تقابلها ثلاثة أشكال من الاحتقار والازدراء: الجُور، سلب الحق، الإهانة.

نحث مفهوم الاحتقار للبحث في القواعد الأخلاقيَّة للأزمات الاجتماعيَّة من خلال إعادة النَّظر في مقولة هيجل حول “الاعتراف” وقد انطلق من التساؤلات التاليَّة: كيف يمكن لتجربة الذُّل / الاحتقار أن تجتاح حياة الذوات الإنسانيَّة العاطفيَّة لدرجة الدَّفع بها للمقاومة والمواجهة الاجتماعيَّة أو بتعبير آخر لدفعها للصراع من أجل الاعتراف؟ هل بالإمكان فعلاً إيجاد معادلٍ لمختلف أشكال الاعتراف المتبادل في تجارب الاحتقار الاجتماعي؟ هل بحوزتنا معطيات تاريخيَّة – اجتماعيَّة تسمح بالتأكيد إذا كانت مثل أشكال الاحتقار هذه فعلاً مصدراً للمواجهات الاجتماعيَّة؟

ينظر هونيث إلى الذُّل / الاحتقار كتعبير عن غياب الاعتراف بالذات وبالآخرين مميِّزاً بين:

  • ذُل يطال الشخص في سلامته البدنيَّة (سوء المعاملة التي تعني تحطيم علاقة الذات العمليَّة مع نفسها كالتعذيب والاغتصاب)؛
  • ذُل يتعلق بأحوال الذل الشخصي التي تكون الذات ضحيتها حيث تجد نفسها مقصيَّة بنيوياً من بعض الحقوق في المجتمع؛
  • ذُل ينال من الشخص في الاحترام الذي يحمله لذاته سواء كفرد أو كعضو في جماعة (تحقير حياة الأفراد والجماعات).

اعتبر هونيث أن الذل هو نفي الاعتراف بما هو سلوك غير عادل يتمظهر في ثلاثة أشكال رئيسة:

1 – تحطيم هويَّة الشخص: بحيث إن الذل يمثل تجربة تشكل خطراً يتهدد بتحطيم هويَّة الشخص بكامله ويلحِق الأذى بالذات من خلال جرح الفكرة الإيجابيَّة التي تكوِّنها الذات عن نفسها في عمليَّة التبادل التذاوتي قبل أن يطالها في حريتها في العمل أو في إلحاق الأذى بها. ف “مهما اختلفت نظم التبرير الاجتماعيَّة التي بالإمكان خلقها للاستدراك، فإن تجربة العذاب والاغتصاب ستظل تثير، على الدوام، خياراً دراميّاً في ثقة الفرد بالعالم الاجتماعي وبأمنه الذاتي أيضاً (هونيث: 242).

2 – الحرمان من الحقوق: بحيث إن الفرد كامل العضويَّة في جماعة بما أن له حقوق مشروعة بالقدر الذي عليه واجبات عمليَّة، ويعتبر حرمانه من بعض الحقوق أو جلها اقصاءً له: “اذا ما تمَّ رفض بعض الحقوق بشكل منظم، فذلك يعني ضمنيّاً أنه لا يعترف له بالدرجة نفسها عن المسؤوليَّة الأخلاقيَّة التي يعترف بها لسائر أعضاء المجتمع” (ص 243)، لذلك ترتبط تجربة الحرمان من الحقوق نمطيّاً مع فقدان احترامه لذاته، أي مع العجز أن تعتبر الذات نفسها شريكاً متفاعلاً وقادراً على التعامل مع الأقران على قدم المساواة.

3 – النظرة التحقيريَّة لأنماط حياة الأفراد أو الجماعات: أو الحكم سلباً على القيمة الاجتماعيَّة لبعض الأفراد أو بعض الجماعات، ويتخذ من نموذج الإساءة أو التعدي على كرامة الغير مثالاً دالاً على ذلك، فشرف وكرامة الفرد هي ما يترجم درجة “التقدير الاجتماعي” المنسوبة إلى الطريقة التي تتحقق داخل أفق المجتمع الثقافي: “إذا كانت تراتبيَّة القيم الاجتماعيَّة قد قامت على أساس الحكم على أنماط الحياة أو القناعات من حيث كمالها أو نقصانها، فهي بذلك تحرم الأفراد المعنيِّين من أن يعزو إلى قدراتهم الشخصيَّة، أي قيمة اجتماعيَّة” (ص 245)، لأن الحط ممن يقومون بذلك لا يستطيعون عزو أي دلالة إيجابيَّة لوجودهم داخل الجماعة.

هكذا تلعب أشكال الذُّل على أنواعها فيما يخص سلامة الفرد النفسيَّة الدور السلبي نفسه الذي تلعبه الأمراض العضويَّة في إعادة تكوين جسده، وما يعنيه ذلك من أن سيَّاسة الاحتقار التي تواجه الأفراد في المجتمع المعاصر تحتاج إلى علاج ووقاية دائمة من كل ما يؤدي إليها، لأن الأفراد الذين يتعرضون باستمرار لسلسلة احتقارات تقلِّل من قيمته الأخلاقيَّة وتقديره الشخصي لمكانته الاجتماعيَّة قد يصنفون خارج التراتبيَّة الاجتماعيَّة كمستبعدين، ولهذا فنحن بحاجة إلى الاعتراف بما هو قوة أخلاقيَّة تعزز تطور المجتمع وتقدمه.

يشدِّد هونيث على فكرة هامة ستمكننا من فهم ما يجري في الفضاء العمومي وتتمثل في أن “تجربة الذل هي في أساس كل وعي يتسم بالانفعال، ومن ذلك تتولد حركات المقاومة الاجتماعيَّة والتمردات الاجتماعيَّة”، وهو ما يضفي على أطروحته كل الجدة المعهودة في منظري مدرسة فرانكفورت، ولتبريرها رجع إلى فلسفة ما بعد هيجل حيث يقول: “ولنا في الفلسفات الاجتماعية لدى كل من ماركس وسوريل sorel وسارتر أمثلة واضحة لتيار فكري تعتبر فيه الصراعات الاجتماعيَّة، وخلافاً لكل من هوبس وماكيافيلي، صراعات حاملة لغرض الاعتراف”، مؤكداً أن ماركس قد قام باختزال النموذج الهيجلي في نظريَّة الاعتراف ليجعل منه مجرد تزيِّين للإنتاج. وبذلك أطاح بطيف صراع الطبقات الاجتماعيَّة في عصره بكل مظاهر الاعتراف التذاوتي التي تتولد مباشرة من سيرورة العمل بوصفه نشاطاً تعاونيّاً ذاتياً، ليجعل بشكل ضمني هذه الصراعات هدفاً وحيداً هو التحقق الذَّاتي للإنسان بواسطة الإنتاج، وهو بذلك قد لفت الانتباه الى ظواهر الإهانة الإنسانيَّة المرتبطة بنظام العمل الرأسمالي. فمتى ينتبه الماركسيون وأنصار البروليتاريا إلى الأسس الجديدة التي يقوم عليها الاستغلال والتي ستكون بدون شك سبباً مباشراً في تنامي وتجذر المقاومة الاجتماعيَّة الجديدة؟

 

شاهد أيضاً

“في معنى الموسيقى والتنغيم” تأليف: القديس أوغسطين

ترجمة وتقديم: كمال بومنير القديس أوغسطين Saint Augustin فيلسوف ولاهوتي مسيحي من أصل جزائري، وُلد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *