الرئيسية / تربية و تعليم / فلاسفة / والتر بنجامين، الفاشية والمستقبل – بيتر تومبسون

والتر بنجامين، الفاشية والمستقبل – بيتر تومبسون

ترجمة هشام عمر النور

بالنسبة إلى بنجامين فإن الدين عبارة عن وعاء يحتوي بداخل تاريخه السلطوي وبنياته شرارة التحرر. والتر بنجامين.

يذكرنا والتر بجامين، مقتبساً هيجل، أنه قبل كل الفلسفة يأتي الصراع من أجل الوجود المادي: “أمّن أولاً الطعام والملابس وستأتيك مملكة الرب من تلقاء نفسها ـــ هيجل، 1807م”، أو كما قال بريخت ـــ أقرب صديق لبنجامين ـــ “أولاً الخبز، ومن ثم الأخلاق”. ولكن هذا لا يعني على نحو دقيق أن نرفض التجريد والتأمل والفكر كما هي لصالح مادية تاريخية ميكانيكية بشكل كلي. إن ما يضع كل مفكري هذه السلسلة من المقالات بعيداً عن معاصريهم من الماركسيين الأرثوذكس هو وعلى نحو دقيق اهتمامهم بتلك القضايا التي لا يمكن قياسها أو اختبارها أو التقرير بشأنها والتي تبقى غير مقررة وغير قابلة للتقرير.

وكما قال بنجامين في كتابه في مفهوم التاريخ: “الصراع الطبقي، الذي يظل محل نظر المؤرخ الماركسي، هو صراع من أجل الأشياء المادية والصلدة، التي بدونها لن يكون هنالك أي شئ فاضل وروحي. وعلى الرغم من ذلك فإن هذه الأخيرة لا توجد في الصراع الطبقي ككنز يفوز به أخيراً المنتصر، وإنما توجد كثقة، كشجاعة، كروح للدعابة، كتحسب، وكإلتزام في هذا الصراع، وهي تعود إلى وقت مبكر من تاريخ النوع الإنساني. وهي ستضع، الآن وإلى الأبد، أي انتصار يحرزه الحكام تحت المساءلة. تماماً مثل الزهور التي تدير رؤوسها باتجاه الشمس، كذلك تفعل تلك التي تدار بفضل نوع سري من الاستجابة، باتجاه الشمس التي تشرق في سماء التاريخ. إن ما يجب أن يلفت انتباه المؤرخ هو هذا التحول غير الملحوظ من بين كل التحولات.”

في هذه القراءة يفر التاريخ من الطريق الخطي والغائي حول نقطة ثابتة ويصير خليط من النقاط التي تتحقق بها الاحتمالات أو يتم رفضها ولكنها لا تختفي نهائياً. مرة أخرى، فإن هذه مواصلة لموضوعة تناولها ماركس في رسالته إلى روج عام 1844م، والتي اقتبستها من قبل، عن تحقق حلم الإنسانية الذي طال أمده. بنجامين يدعو هذا بالزمن المسيحي messianic time والذي يُبعث فيه الاحتمال التاريخي مرة بعد أخرى لتنوير خياراتنا في المواقف التاريخية المحددة. ولهذا السبب فإن ماديته التاريخية استدعت خدمات اللاهوت، والتي يجب، على أية حال، أن تظل خافية على نظر العامة على الرغم من أنها تحرك الخيوط في بعض الأحيان. وبالنسبة إلى الذين ينتقدون الشيوعية والماركسية كمحض شكل جديد من الاعتقاد الديني، فإن موقف بينجامين ـــ كما هو موقف إرنست بلوخ الذي سأتناوله الأسبوع القادم ـــ هو أن الدين وعاء يحتوي بداخل تاريخه السلطوي وبنياته شرارة التحرر الذي لا يمكن أن يتحقق كاملاً إلاّ من خلال تحولات مادية تاريخية. وبهذا المعنى فإن الدين هو محض شكل قديم من المستقبل وحلم لم يتحقق بعد.

وحتى يصبح هذا المستقبل غير القابل للتحقق قابلاً للتحقق فإن آثاره يجب أن تتم قراءتها في الأشكال الرمزية من التعبيرات الإنسانية في الفترات التاريخية العديدة الاختلاف. وبالعودة إلى تناول أدورنو للتاريخ في كتابه الديالكتيك السلبي، فإن موقف بنجامين هو أننا سنجد حلاً لما يبدو أنه لا هوية المادي والمتعالي ضمن ما هو رمزي. إننا نستطيع أن نرى هنا وبطريقة واضحة تماماً نقطة إلتقاء أخرى بين ماركس وفرويد حيث توجد الأفكار المتعالية ليس كشئ منفصل عن الواقع المادي وإنما كشئ يتم انتاجه بواسطة هذا الواقع المادي ولكن وفي نفس الوقت يؤثر ويفعل فيه، أي كشئ مُنْتَج ومُؤثِّر معاً. عند ماركس هذه هي العلاقة المتداخلة بين البنية التحتية والبنية الفوقية، إذا وضعناها في أبسط صورها، وعند فرويد فهي توجد في العلاقة بين مجالي الوعي واللاوعي. عند فرويد الرمزي يلعب دور التعبير عما هو غير معروف لدينا ولكننا نعرفه بطريقة سرية؛ تحديداً، اللاوعي. عند ماركس، هذا التعبير الرمزي يوجد في الأيدولوجيا، والتي، بعيداً من أن تكون علاقة خطية مستقيمة بين البنية التحتية والفوقية، تكون في حالة تغير دائم ولا يمكن إمساكها أو تغييرها إلاّ بمحاولات تحقيق الإمكان الإنساني. الأفكار تتغير عندما يتغير المجتمع ولكن الأفكار أيضاً يمكن أن تخلق تغييراً اجتماعياً.

وهذا يعني أن الفنون يجب أن تلعب دوراً سياسياً بزيادة الوعي بما هو إمكانيات إنسانية حقيقية مستمرة الديمومة لتحقيق الأحلام القديمة. وهي يمكن أن تسير في أي من الاتجاهين؛ إلى الأسفل في طريق أدورنو من المقلاع إلى قنبلة الميغاطن أو إلى الأمام والأعلى إلى الأراضي العليا المشرقة للتحرر الاجتماعي. ومن ثم أصبحت الفنون والتكنولوجيا مترابطة ومسيسة، وعلى نحو سائد في السينما. روح الفنون التقليدية قد تكون حطمتها الحداثة ولكن روح المستقبل للإنسانية المتحررة كعمل حي للفنون يجب أن تأخذ مكانها. وإذا كانت الفاشية مثلت التحويل الإستاطيقي للسياسة فإن الكفاح ضد الفاشية يجب أن يشمل تسييس الاستاطيقا والخلق الفعال لروح الإمكان.

وهذا هو السبب الذي جعل بنجامين يقول: “أن تقاليد المقموع تعلمنا أن (حالة الطوارئ) التي نعيش فيها ليست استثناءً وإنما قاعدة. وأننا يجب أن نكون مفهوماً للتاريخ يتلاءم مع هذه الرؤية. ومن ثم فإن علينا أن ندرك بوضوح أن مهمتنا أن نحقق حالة طوارئ حقيقية، وهذا سيحسن من موقفنا في الكفاح ضد الفاشية.” بكلمات أخرى، كل المجتمع الطبقي حالة طوارئ دائمة تكون فيها القواعد دائماً تحديد التهديد. ولهذا فإن الفاشية ليست نوعاً ما من الخرق لهذا التقليد ولكنها استمرار لتقاليد الحكم الطبقي بوسائل أخرى. ومن ثم فإن التغلب على ذلك يتطلب ليس فقط سلوكاً معادياً للفاشية ولكن أيضاً تحطيماً لجذورها في القمع الطبقي. أو، كما قال هوركهايمر في عام 1939م: “إذا كنت لا تريد الكلام عن الرأسمالية فمن الأفضل إذن أن تظل صامتاً عن الفاشية.”

 

شاهد أيضاً

“في معنى الموسيقى والتنغيم” تأليف: القديس أوغسطين

ترجمة وتقديم: كمال بومنير القديس أوغسطين Saint Augustin فيلسوف ولاهوتي مسيحي من أصل جزائري، وُلد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *