الرئيسية / تربية و تعليم / ديداكتيك الفلسفة / هيجل وسؤال الدولة: من يخدم الآخر الدولة أم الفرد؟

هيجل وسؤال الدولة: من يخدم الآخر الدولة أم الفرد؟

ةوة: رشيد العلوي

من المعروف جداً أن فلسفة هيجل فلسفة نسقيَّة، تترابط في مكوناتها ترابطاً منطقيّاً، يصعب، في حالة غياب هذا النَّسج العجيب، الإلمام بكامل عناصرها. وينطبق هذا الامر بطبيعة الحال على سؤال الدولة كما ينطبق على الدين والفلسفة وعلم الطبيعة والمنطق والوعي…
تتطور الدولة على نحو ما عرضه هيجل في كتابه “مبادئ في فلسفة الحق” وفق منطق يحكم الترابطات في مثلث يتشكل من الكلي والجزئي والفردي؛ حيث الانتقال من الكلي نحو الجزئي ثم إلى الفردي، لذلك فالدولة هي تتويج لسيرورة تبدأ من الأسرة (الكلي) مروراً بالمجتمع المدني (الجزئي) كلحقة وسطى، وعلى هذا الأساس يعتبر الدولة ذلك الفردي الذي يجمع بين الكل (الأسرة) والجزء (المجتمع المدني) . إنها بالفعل: “الوجود بالفعل للفكرة الأخلاقيّة” توجد على نحو مباشر “في العرف والقانون” وعلى نحو غير مباشر في “الوعي الذاتي للفرد ومعرفته ونشاطه” كوعي يجد فيه الفرد حريّته الجوهريّة “، وبهذا نكون إزاء العلاقة بين الفرد والدولة.
الدولة “عقلية على نحو مطلق من حيث هي التحقق الفعلي للإرادة الجوهريَّة التي تمتلكها في وعيها الذاتي بصفة خاصة” ولما يبلغ هذا الوعي مرحلة الوعي الكلي تصبح آنذاك هي الغاية المطلقة والثابتة في ذاتها، تبلغ فيها “الحرية حقها الأعلى وقيمتها العليا” أي حق أعلى وأسمى من الفرد بما هي التجسيد العقلاني لفكرة الحريَّة، لذا فالفرد مجرد عضو في الدولة يأتمر بأوامرها ويخضع لما تطلبه منه، أي يبقى في خدمتها ما دامت هي الممثل الأسمى لروح الشعب.
يناقش هيجل العلاقة بين الفرد والدولة على النحو التالي: “ما دامت الدولة هي الروح وقد تموضعت فإن الفرد لن تكون له أية موضوعيّة ولا أية فرديّة أصيلة، ولا حياة أخلاقيّة إلا بوصفه عضواً من أعضائِها. إن الاتحاد الخالص والبسيط هو المضمون الحقيقي والهدف الصحيح للفرد، ومصير الفرد هو أن يعيش حياة كليّة جماعيّة، والإشباع الجزئي الأبعد من ذلك والنشاط ونمط السلوك تتخذ من هذه الحياة الجوهريّة والمشروعة على نحو كلي نقطة البداية والنهاية”. و”الدولة هي التحقق الفعلي للفكرة الأخلاقيّة، إنها العقل الأخلاقي بوصفه إرادة جوهريّة تظهر وتتجلى أمام ذاتها، وتعرف نفسها، وتعقل ذاتها”. وهكذا يتضح أن الدولة هي تمام وكمال الفكرة الأخلاقيّة أي مستوى الأخلاقيّة الإجتماعيّة.
إن الدولة هي عنصر الفرديّة في الفكرة الأخلاقية سيراً على البناء الجدلي الهيجيلي (كليّة، جزئيّة، فرديّة).الدولة فرد حقيقي، والفرد كلي ضمنا، فالكلية هي جوهره والدولة هي الكلي الموجود بالفعل، وعلاقة الدولة بالفرد علاقة مزدوجة: يشعر أن الدولة خارج عنه، “لأنها يجب أن تعلو فوق أو على جميع المصالح الذاتية والمنافع الخاصة” [لقد وجه لينين في العقد الثاني من القرن العشرين نقدا لاذعا لممثلي الإيديولوجية البرجوازية الصغيرة الروس الذين أخذوا هذه الفكرة عند هيغل وجل ممثلي مصالح البرجوازية العالمية من مفكرين وفلاسفة مثاليين هؤلاء الذين يتغنون بمثل هذه النظريات التضليلية التي تهدف بالأساس إلى تبرير جملة مصالح البرجوازية العالمية . فمتى كانت الدولة جهازا مستقلا عبر التاريخ ؟ ومتى كانت تعبر حقيقة عن مصالح أوسع الشرائح الاجتماعية الفقيرة، إن الدولة جهاز منبثق من صلب التناقضات الموضوعية التي يعيشها المجتمع البشري منذ ظهور تقسيم العمل ، وهي جهاز لممارسة الإكراه في شقيه المادي والإيديولوجي ، والقانون الذي تعتمده ما هو إلا عنف منظم ضد الطبقة النقيض . فمن يمتلك زمام الأمور في المجتمع الذي ينشده هيجل وغيره من ساسة الملكية الخاصة ! لا شئ سوى مملكة الروح التي سماها إنجلز بمملكة البرجوازية ” … ونعرف اليوم أن مملكة العقل هذه لم تكن شيئا أكثر من مملكة البرجوازية التي أسبغ عليها ثوب المثالية ، وأن هذا الحق الأبدي قد تحقق في العدالة البرجوازية ، وأن هذه المساواة قد اقتصرت ذاتها على المساواة البرجوازية أمام القانون …” (إنجلز ” أنتي دوهرينغ مقدمة الطبعة الثالثة ص 22).
تنتظم الدولة داخليا في هيكلة سياسية تمثل دستورها حيث نجد أولا السلطة التشريعية، السلطة التنفيذية، وسلطة الملك. ف كل دولة مستقلة ذات سيَّادة وطنيَّة في نطاقها الجغرافي والسيَّاسي، ولكل دولة قانونها الخاص ومحاكمها، ويستحيل توحيدها أو الإرتقاء بها إلى مستوى عقد تحالفات، وحتى إن وجدت فهي عابرة ويطيب لكل دولة الخروج منه، وفكرة كانط التي تتطلع إلى إقامة تحالف بين الدول يحل المنازعات التي تقوم بين الدول، هي مجرد حلم كما يرى هيجل . والوسيلة الوحيدة التي تحل بها المشاكل والنزاعات بين الدول هي الحرب ، ولا شئ غير الحرب ! لكن لهيجل منظور تمويهي للحرب كآفة هتكت حضارات بأكملها وشعوب وقبائل.
لا يكفي وجود قاعة قانونية للحديث عن تمظهر الدولة وقدرتها على ممارسة سيادتها وعقد اتفاقات وتحالفات دولية، لأنها فكرة عقلية تتجسد في التاريخ الكلي أو تاريخ العالم: هكذا ينبثق تاريخ العالم من الدول التي تبقى وجهاً جزئيا من الفكرة الشاملة، وهو الذي لا تحكمه الصدفة أو القدر الأعمى وإنما يحكمه العقل الخالد، إنه بتعبير آخر: تطور عاقل، فباعتبار كل دولة صورة متناهية للعقل ، فإن أعمال الدول ومصيرها في علاقاتها هو جدل التناهي لهذه العقول ومنه ينبثق العقل الكلي ، عقل العالم متحررا من جميع القيود . وخصائصه أنه يشكل ذاته ويمارس حقه وهو أعلى الحقوق ، ويتجسد في كل حقبة من التاريخ في شعب من الشعوب ويسير في مقدمة ركب الحضارة وقد ظهر عند المصريين ، الآشوريين ، الفرنسيين ، الإغريق، الرومان ، اليونان …إلخ
ظل النقاش حول العلاقة بين الفرد والدولة مستمرا في الفكر السياسي الغربي لعصور خلت ويبدو أن هذا النقاش وما يطرحه من مشكلات فلسفية كبرى قد أقبر أمام زحف العولمة والتحكم الكلياني في الخرائط الجيو-سياسية، فأمام توغل الرأسمال المتوحش باسم العولمة وقيم حقوق الإنسان استسلم الجميع لسلطة المال والجاه، وتوسعت هفوة الاستبعاد الاجتماعي والسياسي، وصار الحكم داخل نطاق وطني رهين حسابات وتطلعات سيطرة الشركات العابرة للقارات.

شاهد أيضاً

موت الإنسان وفكر ما بعد القرن التاسع عشر

يونس كلة  اهتم ميشال فوكو بدراسة العلوم الإنسانية ( الطب العيادي، علم الجريمة…) من أجل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *