الرئيسية / منتخبات / ترجمة / “التقنية ومسار الحضارة الإنسانية” تأليف: هربرت ماركوز

“التقنية ومسار الحضارة الإنسانية” تأليف: هربرت ماركوز

ترجمة وتقديم: أ.د/ كمال بومنير

هربرت ماركوز Herbert Marcuse فيلسوف ألماني معاصر (1898-1979). تأثر بهيغل وماركس وشيلر وهيدغر وفرويد. انظم عام 1934 إلى معهد الدراسات الاجتماعية بفرانكفورت إلى جانب ماكس هوركهايمر وثيودور أدورنو، وأسهم في تعميق النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت من خلال مقالاته وبحوثه. ثم هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية وأصبح ممثلا لما يسمى بالتيار الفرويدو-ماركسية، وخاصة بعد صدور كتابه “إيروس والحضارة: مساهمة في فرويد” عام 1955. لقد أعطى ماركوز للجماليات كامل الأهمية ويرى فيها مجالا يستطيع الإنسان المعاصر توظيفها في نقد المجتمع القائم، وفي تجاوز أشكال السيطرة. انطلاقا من هذا أكد على أهمية الدور النقدي للجماليات محاول استخراج دلالاتها وأبعادها الاجتـماعية والسياسية قصد تغيـير وضع الإنسان في المجتمعات المتقدمة تكنولوجيا، وهي مجتمعات أصبحت تقودها العقلانية الأداتية (أو التكنولوجية) نحو التدمير الذاتي، لذلك يمكن أن تلعب الجماليات دورا ايجابيا وتسهم في تحقيق التحرر الإنساني. من أهم مؤلفات هربرت ماركوز: “الرواية عند الفنانين الألمان” 1922، “أنطولوجيا هيغل ونظرية التاريخانية” 1932،”العقل والثورة:هيغل ونشأة النظرية الاجتماعية” 1941، “الماركسية السوفيتية” 1958،”التسامح القمعي” 1965، “نحو التحرر” 1969، ” البُعد الجمالي”1977.

النص:

كان مارتن هيدغر يعتقد أن التقنية La technique بمثابة “مشروع” Projet العالم الذي قد يسبق (بل يجب أن يسبق) التقنية نفسها باعتبارها مجموعة من الوسائل والأدوات. وهذا ما سيدفع الإنسان في آخر المطاف إلى النظر إلى الواقع من خلال” رؤية تقنوية ” قبل تأثيره الفعلي على هذا الواقع نفسه من منظور تقني، وهذا على الرغم أن للمعرفة “المتعالية” Transcendantale قاعدتها المادية المتمثلة في جملة الحاجات التي يعجز المجتمعُ أحيانا عن إشباعها. لذلك كان من الضروري التأكيد على أن زوال القلق و”تهدئة الحياة” وتحقيق المتعة هي في واقع الأمر سوى جانب من الحاجات الحيوية نفسها. ولهذا السبب تضمن المشروع التقني مقتضيات هذه الحاجات نفسها. بهذا الصدد، يجدر بنا أن نشير هنا إلى أنه أصبح من الممكن تحديد هذه المقتضيات نفسها من خلال ما يُسمى ﺒـ”انسجام العوالم” Harmonie des mondes والقوانين الفيزيائية مع فكرة الإله الرياضي التي تضمنها العلم الحديث نفسه. ولا يخالجنا أدنى شك أننا إذا أخذنا بعين الاعتبار الطابع الوجودي للتقنية فإنه يصبح من الممكن الحديث عن “السبب الغائي التكنولوجي”، بل وعن عملية الكبت التي تتم بسبب التقدم الاجتماعي للتقنية.غير أنّ هذه الأخيرة، وفي سياق التطوّر الحاصل اليوم، ونظرا لكونها أصبحت ذات طابع أداتي خالص، قد صرفت النظر عن تلك “العلة الغائية”، لأنّها لم تعد هدفًا يصبو إلى تحقيقها التقدمُ التكنولوجي الخالي تماما من فكرة الغائية، بل والأدهى من ذلك،هو أننا أصبحنا نشهد تحوّل هذا التقدم إلى أداة سيطرة شاملة؛ لقد أصبح المجتمع الصناعي في وقتنا الحالي يتضمن قمعًا بدائيًا، وهو القمع الذي مارسه الإنسان على الإنسان في الماضي (أي في المجتمعات ما قبل التكنولوجية) وهذا على حساب المتعة وامتثالا لمبدأ الواقع Le principe de réalité، وهذا حينما أصبح يتم ممارسة القمع La répression “بفعالية” كبيرة وبقسوة أشد مما كان عليه الأمر في الماضي. غير أن هذا القمع أصبح يتم اليوم في ظل التقدم التقني نفسه، وانطلاقًا من الإنجازات التي عرفتها الحضارة الصناعية، وهذا على الرغم أنّه لم يعد ضروريًا اليوم. ولكن ومع ذلك، اتسم هذا القمع –ضمن هذه الشروط- بطابع لاعقلاني. لهذا السبب كان من الواجب التأكيد هنا على أهمية الجانب السياسي الذي يمكن استخلاصه من مؤلفات سيغموند فرويد وبالأخص ما تعلق بتحليله” لجدلية التقدم”. وعلى هذا، فإنّ مسار الحضارة هو مسار جدلي مزدوج من جانب ارتباطه بالمجال الاقتصادي والسياسي من جهة، وبالمجال البيولوجي والعقلي من جهة ثانية. ضمن هذا السياق بإمكاننا القول أيضا: إنّ كل تقدم وكل تنمية قد تتحقق ضمن العملية الإنتاجية، هو في حقيقة الأمر تقدم قائم على قمع تدريجي وعلى “دمار منتج” قد يتوّلد عن التقسيم الاجتماعي لسيرورة جدلية لا مفر منها، وهي جدلية يعتبر فيها كل تقدم للعقل هو في الوقت نفسه تقدم نحو اللاعقلانية، وكل خطوة نحو الحرية هي أيضا خطوة نحو الاستعباد والخضوع والسيطرة. ولكن ومع ذلك، سيتبين لنا في آخر المطاف أن هذه الجدلية لم تعد اليوم– في ظل الحضارة المتقدمة–تثبتُ على حال واحد، لأنه كلما تمت سيطرة المجتمع على الطبيعة وازدادت ثرواته المادية كلما أصبح ذلك” القمع المزدوج” غير ضروري، إذ من الممكن أن تتقلص الفجوة بين الحاجات وعملية إشباع هذه الحاجات نفسها بفضل إنجازات التقنية وعملية الإنتاج. وضمن هذه الشروط، اعتقد أنه يمكن أن يتحقق “عالم هادئ “لا تكون فيه الحياة مجرد وسيلة للعيش بل يمكن أن تكون متحققة في ذاتها وبذاتها. ولكن ومع ذلك، سيبقى القمع سائدا.
Herbert Marcuse. « De l’ontologie à la Technologie. Les tendances de la Société industrielle ». In. Revue Arguments. n 4. Année 1960, pp 58-59.

شاهد أيضاً

هابرماس: مفهوم جديد للسيادة يقوم على ديمقراطية عابرة للقوميات

أجري هذا الحوار مع هابرماس في فبراير الماضي آرمن فون بوقداندي مدير معهد بلانك للقانون …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *