الرئيسية / منتخبات / عامة / ﺍﻟﺘﺄﺛﻴﺮ ﺍﻟﻨﻴﺘﺸﻮﻱ ﻋﻠﻰ ﻣﺪﺭﺳﺔ ﻓﺮﺍﻧﻜﻔﻮﺭﺕ / ﺭﺅﻳﺔ ﻫﺎﺑﺮﻣﺎﺱ

ﺍﻟﺘﺄﺛﻴﺮ ﺍﻟﻨﻴﺘﺸﻮﻱ ﻋﻠﻰ ﻣﺪﺭﺳﺔ ﻓﺮﺍﻧﻜﻔﻮﺭﺕ / ﺭﺅﻳﺔ ﻫﺎﺑﺮﻣﺎﺱ

ﺃﺷﺮﻑ ﺣﺴﻦ ﻣﻨﺼﻮﺭ
ﻋﺮﻑ ﻋﻦ ﻓﻼﺳﻔﺔ ﻣﺪﺭﺳﺔ ﻓﺮﺍﻧﻜﻔﻮﺭﺕ ﺍﺗﺠﺎﻫﻬﻢ ﺍﻟﻤﺎﺭﻛﺴﻲ ﺍﻟﻮﺍﺿﺢ ، ﻭ ﺍﻟﺬﻱ ﺃﻋﻠﻦ ﻋﻨﻪ ﺑﻮﺿﻮﺡ ﺃﻋﻀﺎﺀ ﺍﻟﻤﺪﺭﺳﺔ ﺧﺎﺻﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺜﻼﺛﻴﻨﺎﺕ ﻭ ﺟﺰﺀ ﻣﻦ ﺍﻷﺭﺑﻌﻴﻨﺎﺕ .
ﻓﻘﺪ ﻋﺮﻑ ﻋﻦ ﻫﻮﺭﻛﻬﺎﻳﻤﺮ ﻭ ﺃﺩﻭﺭﻧﻮ ﻭ ﻣﺎﺭﻛﻴﻮﺯ ﺃﻧﻬﻢ ﻣﻦ ﺃﻫﻢ ﺃﻋﻼﻡ ﺗﻴﺎﺭ ﺍﻟﻤﺎﺭﻛﺴﻴﺔ ﺍﻟﻐﺮﺑﻴﺔ ﺃﻭ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺣﺎﻓﻈﺖ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺠﻮﺍﻧﺐ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﻴﺔ ﻭ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﻴﺔ ﻣﻦ ﻓﻜﺮ ﻣﺎﺭﻛﺲ ﻭ ﺩﺍﻓﻌﺖ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﺎﺭﻛﺴﻴﺔ ﻓﻲ ﺻﻴﻐﺘﻬﺎ ﺍﻟﻬﻴﺠﻠﻴﺔ ﺍﻟﺠﺪﻟﻴﺔ ﻓﻲ ﻣﻘﺎﺑﻞ ﺍﻟﻔﻬﻢ ﺍﻟﻨﺼﻲ ﺍﻷﺭﺛﻮﺫﻛﺴﻲ ﺫﻭ ﺍﻟﻨﺰﻋﺔ ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩﻳﺔ ﺍﻟﻤﺒﺎﻟﻐﺔ ﻟﻠﻤﺎﺭﻛﺴﻴﺔ ﺍﻟﺴﻮﻓﻴﻴﺘﻴﺔ ﺃﻭ ﺍﻟﻠﻴﻨﻴﻨﻴﺔ ﻭ ﺍﻟﺴﺘﺎﻟﻴﻨﻴﺔ . ﻛﻤﺎ ﺗﻌﺪ ﺍﻟﻤﺪﺭﺳﺔ ﺇﺣﻴﺎﺀ ﻟﻠﻴﺴﺎﺭ ﺍﻟﻬﻴﺠﻠﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻛﺎﻥ ﻣﺎﺭﻛﺲ ﻧﻔﺴﻪ ﻣﻨﺘﻤﻴﺎ ﺇﻟﻴﻪ ﻓﻲ ﺷﺒﺎﺑﻪ .
ﻭ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﺃﻥ ﻳﻮﺭﺟﻦ ﻫﺎﺑﺮﻣﺎﺱ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻤﺜﻞ ﺍﻟﺠﻴﻞ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺪﺭﺳﺔ ﻛﺎﻧﺖ ﻟﻪ ﺩﺭﺍﺳﺎﺗﻪ ﻭ ﺗﻌﻠﻴﻘﺎﺗﻪ ﻋﻠﻰ ﺃﻋﻤﺎﻝ ﺍﻟﺠﻴﻞ ﺍﻷﻭﻝ ﻟﻠﻤﺪﺭﺳﺔ ، ﻭ ﺃﺗﻰ ﺃﻳﻀﺎ ﺑﺘﻔﺴﻴﺮﺍﺕ ﻋﺪﻳﺪﺓ ﻷﻓﻜﺎﺭ ﺟﻤﻴﻊ ﺃﻋﻀﺎﺀ ﺍﻟﻤﺪﺭﺳﺔ .3 ﻭ ﺍﻟﺠﺪﻳﺪ ﺍﻟﺬﻱ ﺃﺗﻰ ﺑﻪ ﻫﺎﺑﺮﻣﺎﺱ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺸﺄﻥ ﻫﻮ ﺗﻘﺴﻴﻤﻪ ﻟﺘﻄﻮﺭ ﺍﻟﻤﺪﺭﺳﺔ ﺇﻟﻰ ﻣﺮﺣﻠﺘﻴﻦ : ﺍﻟﻤﺮﺣﻠﺔ ﺍﻷﻭﻟﻰ ﻭ ﺗﻤﺘﺪ ﻣﻦ ﻧﺸﺄﺓ ﺍﻟﻤﺪﺭﺳﺔ ﻭ ﺣﺘﻰ ﺍﻟﺤﺮﺏ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ ، ﻭ ﻫﻲ ﻣﺮﺣﻠﺔ ﺗﻤﺜﻴﻞ ﺍﻟﻤﺪﺭﺳﺔ ﻟﺘﻴﺎﺭ ﺍﻟﻤﺎﺭﻛﺴﻴﺔ ﺍﻟﻐﺮﺑﻴﺔ . ﺃﻣﺎ ﺍﻟﻤﺮﺣﻠﺔ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ ﻓﺘﺒﺪﺃ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﺮﺏ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ ﻭ ﺗﻜﺸﻒ ﻋﻦ ﺗﺨﻠﻰ ﺍﻟﻤﺪﺭﺳﺔ ﻋﻦ ﻛﺜﻴﺮ ﻣﻦ ﻣﺒﺎﺩﺋﻬﺎ ﺍﻟﻤﺎﺭﻛﺴﻴﺔ ﻭ ﻣﺸﺮﻭﻋﻬﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﻈﺮﻳﺔ ﺍﻟﻨﻘﺪﻳﺔ ﺍﻟﺬﻱ ﻛﺎﻥ ﺻﻮﺭﺓ ﻣﻌﺪﻟﺔ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﺎﺩﻳﺔ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺨﻴﺔ ﻭ ﻣﻴﻠﻬﺎ ﻧﺤﻮ ﺍﻟﺘﺸﺎﺅﻡ ﻭ ﺍﻟﻌﺪﻣﻴﺔ ﻣﺘﺄﺛﺮﺓ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﺑﻨﻴﺘﺸﺔ . ﺗﺸﺨﻴﺺ ﻫﺎﺑﺮﻣﺎﺱ ﻫﺬﺍ ﻟﻠﺘﻄﻮﺭ ﺍﻟﻔﻜﺮﻱ ﻟﻠﻤﺪﺭﺳﺔ ﻳﻬﺪﻑ ﺇﻟﻰ ﺗﻮﺿﻴﺢ ﺍﻟﺘﺄﺛﻴﺮ ﺍﻟﻨﻴﺘﺸﻮﻱ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺑﻌﺪ ﺍﻟﺤﺮﺏ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ ، ﻭ ﺫﻟﻚ ﻓﻲ ﻣﻘﺎﺑﻞ ﺍﻗﺘﺼﺎﺭ ﻣﻌﻈﻢ ﺍﻟﻤﻌﻠﻘﻴﻦ ﻋﻠﻰ ﺗﺎﺭﻳﺦ ﺍﻟﻤﺪﺭﺳﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺘﺄﺛﻴﺮﺍﺕ ﺍﻟﻤﺎﺭﻛﺴﻴﺔ . ﻳﺮﻳﺪ ﻫﺎﺑﺮﻣﺎﺱ ﺇﺛﺒﺎﺕ ﺃﻥ ﻧﺒﻴﺘﺸﺔ ﻫﻮ ﺍﻟﺸﺨﺼﻴﺔ ﺍﻷﺳﺎﺳﻴﺔ ﺍﻟﻤﺆﺛﺮﺓ ، ﻭ ﺗﺄﺛﻴﺮﻩ ﻳﻔﻮﻕ ﺗﺄﺛﻴﺮ ﺷﻮﺑﻨﻬﺎﻭﺭ ﻋﻠﻰ ﻫﻮﺭﻛﻬﺎﻳﻤﺮ ، ﻭ ﻛﻴﺮﻛﺠﻮﺭ ﻋﻠﻰ ﺃﺩﻭﺭﻧﻮ ، ﻭ ﻫﺎﻳﺪﺟﺮ ﻋﻠﻰ ﻣﺎﺭﻛﻴﻮﺯ ﻭﺟﺪ ﻫﺎﺑﺮﻣﺎﺱ ﻧﻔﺴﻪ ﻓﻲ ﺑﺪﺍﻳﺔ ﺣﻴﺎﺗﻪ ﻣﻬﺘﻤﺎ ﺑﻤﻦ ﻳﻬﻮﻟﻮﻥ ﻣﻦ ﺍﻵﺛﺎﺭ ﺍﻟﺴﻠﺒﻴﺔ ﻟﻠﺤﺪﺍﺛﺔ ، ﻭ ﺫﻟﻚ ﻫﻮ ﺍﻟﺬﻱ ﺟﺬﺑﻪ ﻧﺤﻮ ﻗﺮﺍﺀﺓ ﺃﻋﻤﺎﻝ ﺍﻟﺠﻴﻞ ﺍﻷﻭﻝ ﻣﻦ ﻣﺪﺭﺳﺔ ﻓﺮﺍﻧﻜﻔﻮﺭﺕ .1 ﻓﻔﻲ ﺷﺒﺎﺑﻪ ﻛﺎﻥ ﻣﺮﻛﺰﺍ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺘﺮﺍﺙ ﺍﻟﻤﺎﺭﻛﺴﻲ ﻭ ﻛﺘﺎﺑﺎﺕ ﺍﻟﻤﺎﺭﻛﺴﻴﻴﻦ ﺍﻟﻤﻌﺎﺻﺮﻳﻦ ﻟﻪ ﻭ ﺧﺎﺻﺔ ﺃﺻﺤﺎﺏ ﺍﻟﻤﺎﺭﻛﺴﻴﺔ ﺍﻟﻐﺮﺑﻴﺔ . ﻭ ﺑﺬﻟﻚ ﻗﺮﺃ ﻣﺆﻟﻔﺎﺕ ﻟﻮﻛﺎﺗﺶ ﻭ ﻫﻮﺭﻛﻬﺎﻳﻤﺮ ﻭ ﺃﺩﻭﺭﻧﻮ ﻭ ﻣﺎﺭﻛﻴﻮﺯ ﻋﻠﻰ ﺃﻧﻬﺎ ﻣﺎﺭﻛﺴﻴﺔ . ﻭ ﺳﻮﻑ ﻳﻜﺘﺸﻒ ﻫﺎﺑﺮﻣﺎﺱ ﺑﻌﺪ ﺫﻟﻚ ﺃﻥ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺸﺨﺼﻴﺎﺕ ﻻ ﺗﺪﻳﻦ ﻟﻤﺎﺭﻛﺲ ﺑﻘﺪﺭ ﻣﺎ ﺗﺪﻳﻦ ﻟﻨﻴﺘﺸﺔ ، ﻭ ﺃﻥ ﺃﻋﻤﺎﻟﻬﻢ ﺃﻗﺮﺏ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻨﻘﺪ ﺍﻟﺮﺍﺩﻳﻜﺎﻟﻲ ﺍﻟﻨﻴﺘﺸﻮﻱ ﻟﻠﺤﺪﺍﺛﺔ ﻭ ﺍﻟﺘﻨﻮﻳﺮ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺎﺩﻳﺔ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺨﻴﺔ ﺑﻤﻌﻨﺎﻫﺎ ﺍﻟﻤﺎﺭﻛﺴﻲ ﺍﻟﺪﻗﻴﻖ .
ﻫﺎﺑﺮﻣﺎﺱ ﻭ ﻧﻴﺘﺸﻪ :
ﻛﺎﻥ ﺗﺄﺛﻴﺮ ﻧﻴﺘﺸﺔ ﺃﻳﻀﺎ ﻭﺭﺍﺀ ﺍﺗﺠﺎﻫﺎﺕ ﻓﻜﺮﻳﺔ ﺟﺪﻳﺪﺓ ﻇﻬﺮﺕ ﻓﻲ ﻓﺮﻧﺴﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﺼﻒ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ ﻣﻦ ﺍﻟﻘﺮﻥ ﺍﻟﻌﺸﺮﻳﻦ ﻣﺜﻞ ﻣﺎ ﺑﻌﺪ ﺍﻟﺒﻨﻴﻮﻳﺔ ﻭ ﺍﻟﺘﻔﻜﻴﻜﻴﺔ ﻭ ﻣﺎ ﺑﻌﺪ ﺍﻟﺤﺪﺍﺛﺔ . ﻭ ﺍﻧﺸﻐﻞ ﻣﻌﻈﻢ ﺃﻋﻼﻡ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺘﻴﺎﺭﺍﺕ ﻓﻲ ﺇﻋﺎﺩﺓ ﺗﻔﺴﻴﺮ ﺃﻋﻤﺎﻝ ﻧﻴﺘﺸﻪ ﻭﻭﺿﻊ ﺃﻓﻜﺎﺭﻩ ﻓﻲ ﺳﻴﺎﻕ ﺍﺗﺠﺎﻫﺎﺗﻬﻢ ﻣﺜﻞ ﻓﻮﻛﻮ ﻭ ﺑﺎﺗﺎﻱ ﻭ ﺩﺭﻳﺪﺍ ﻭ ﺩﻭﻟﻮﺯ . ﺍﻫﺘﻢ ﻫﺎﺑﺮﻣﺎﺱ ﺑﻬﺬﻩ ﺍﻻﺗﺠﺎﻫﺎﺕ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ ﺍﻟﺠﺪﻳﺪﺓ ﻣﻦ ﺑﻴﻦ ﺍﺗﺠﺎﻫﺎﺕ ﻓﻜﺮﻳﺔ ﻋﺪﻳﺪﺓ ، ﻭ ﻫﺬﺍ ﻣﺎ ﺩﻓﻌﻪ ﺇﻟﻰ ﺗﺨﺼﻴﺺ ﺩﺭﺍﺳﺔ ﻣﺴﺘﻘﻠﺔ ﻋﻨﻬﺎ . ﻻﺣﻆ ﻫﺎﺑﺮﻣﺎﺱ ﺃﻳﻀﺎ ﺃﻥ ﻧﻴﺘﺸﻪ ﻳﻌﺪ ﺗﺮﺍﺛﺎ ﻣﺸﺘﺮﻛﺎ ﺑﻴﻦ ﻫﺬﻩ ﺍﻻﺗﺠﺎﻫﺎﺕ ﺍﻟﻔﻜﺮﻳﺔ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ ﻭ ﺍﻟﺠﻴﻞ ﺍﻷﻭﻝ ﻣﻦ ﻣﺪﺭﺳﺔ ﻓﺮﺍﻧﻜﻔﻮﺭﺕ ﻭ ﻳﻤﺎﺭﺱ ﺗﺄﺛﻴﺮﺍ ﻣﻤﺎﺛﻼ ﻋﻠﻴﻬﻤﺎ ﻣﻌﺎ . ﻭ ﻫﺬﺍ ﻣﺎ ﺩﻓﻌﻪ ﺇﻟﻰ ﺗﻨﺎﻭﻝ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺠﻴﻞ ﺍﻷﻭﻝ ﻣﻊ ﻓﻼﺳﻔﺔ ﻣﺎ ﺑﻌﺪ ﺍﻟﺤﺪﺍﺛﺔ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻴﻴﻦ ﻓﻲ ﻧﻔﺲ ﺍﻟﺪﺭﺍﺳﺔ ، ﻭ ﺍﻟﺒﺪﺀ ﺑﻨﻴﺘﺸﻪ ﻭ ﺭﺅﻳﺘﻪ ﻟﻠﺤﺪﺍﺛﺔ ﺑﺎﻋﺘﺒﺎﺭﻩ ﺍﻟﻨﻘﻄﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﺒﺪﺃ ﻣﻨﻬﺎ ﻭ ﻳﻌﺘﻤﺪ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻓﻜﺮ ﻣﺎ ﺑﻌﺪ ﺍﻟﺤﺪﺍﺛﺔ ﻭ ﻓﻜﺮ ﻣﺪﺭﺳﺔ ﻓﺮﺍﻧﻜﻔﻮﺭﺕ ﺃﻳﻀﺎ .2
ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻧﺖ ﺍﻟﺤﺪﺍﺛﺔ ﺗﺘﻤﻴﺰ ﺑﻮﻋﻴﻬﺎ ﺑﺬﺍﺗﻬﺎ ﻭ ﺑﻮﻋﻴﻬﺎ ﺑﺎﻟﺰﻣﻦ ، ﺃﻱ ﺑﺄﻧﻬﺎ ﺗﻤﺜﻞ ﻣﺮﺣﻠﺔ ﺗﺎﺭﻳﺨﻴﺔ ﻭ ﺣﻀﺎﺭﻳﺔ ﺟﺪﻳﺪﺓ ، ﻭ ﺑﺄﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻮﻋﻲ ﻫﻮ ﻣﺼﺪﺭ ﻣﻌﺎﻳﻴﺮﻫﺎ ﻭ ﻗﻴﻤﻬﺎ ، ﻓﺈﻥ ﻧﻴﺘﺸﻪ ﻗﺪ ﺫﻫﺐ ﺇﻟﻰ ﺃﻥ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤﺪﺍﺛﺔ ﻓﺎﺭﻏﺔ ﻭ ﺑﺪﻭﻥ ﻣﻀﻤﻮﻥ ، ﻓﻬﻲ ﻟﻢ ﺗﺄﺕ ﻟﻨﺎ ﺇﻻ ﺑﺎﻟﻌﺪﻣﻴﺔ ، ﻭ ﻣﻦ ﻫﻨﺎ ﻓﺈﻥ ﻣﺸﺮﻭﻉ ﺍﻟﺤﺪﺍﺛﺔ ﻓﻲ ﻧﻈﺮ ﻧﻴﺘﺸﺔ ﻣﻨﻬﺎﺭ ﻣﻨﺬ ﺑﺪﺍﻳﺘﻪ . ﺑﺸﺮﺕ ﺍﻟﺤﺪﺍﺛﺔ ﺑﺎﻟﻌﻘﻞ ، ﺇﻻ ﺃﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﻟﻢ ﻳﻘﺪﺭ ﻋﻠﻰ ﺗﺤﻘﻴﻖ ﺍﻟﺘﻮﺍﻓﻖ ﺍﻟﺬﻱ ﻛﺎﻥ ﻳﻘﻮﻡ ﺑﻪ ﺍﻟﺪﻳﻦ . ﻓﻘﺪ ﻫﺎﺟﻤﺖ ﺍﻟﺤﺪﺍﺛﺔ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﻭ ﺃﺣﻠﺖ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﻭ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﻣﺤﻠﻪ ﺩﻭﻥ ﺃﻥ ﺗﻨﺠﺢ ﻓﻲ ﺃﺩﺍﺀ ﺍﻟﻮﻇﻴﻔﺔ ﺍﻟﻘﺪﻳﻤﺔ ﻟﻠﺪﻳﻦ . ﻧﻴﺘﺸﻪ ﻫﻨﺎ ﻳﺨﻄﻮ ﺧﻄﻮﺓ ﺃﺑﻌﺪ ﻣﻦ ﻫﻴﺠﻞ ،3 ﻓﺎﻷﺧﻴﺮ ﻛﺎﻥ ﻳﺪﺍﻓﻊ ﺩﺍﺋﻤﺎ ﻋﻦ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﻭ ﺩﻭﺭﻩ ﻓﻲ ﺍﻹﺣﻼﻝ ﻣﺤﻞ ﺍﻟﺪﻳﻦ ، ﺃﻣﺎ ﻧﻴﺘﺸﺔ ﻓﻠﻦ ﻳﻠﺠﺄ ﺇﻟﻰ ﺃﻳﺔ ﺧﻴﺎﺭﺍﺕ ﻫﻴﺠﻠﻴﺔ ﻟﻤﻌﺎﻟﺠﺔ ﺃﺯﻣﺔ ﺍﻟﺤﺪﺍﺛﺔ ، ﺳﻮﺍﺀ ﻛﺎﻧﺖ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ ﻋﻨﺪ ﻫﻴﺠﻞ ﺍﻟﺸﺎﺏ ﺃﻭ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﻟﺪﻯ ﻫﻴﺠﻞ ﺍﻟﻜﻬﻞ .
ﻭ ﺑﻤﺎ ﺃﻥ ﺍﻟﺘﺮﺍﺙ ﺍﻟﺪﻳﻨﻲ ﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳﺴﺘﻌﺎﺩ ﻣﺮﺓ ﺃﺧﺮﻯ ﺑﻌﺪ ﻋﺼﺮ ﺍﻟﺘﻨﻮﻳﺮ ﻭ ﺍﻟﻨﻘﺪ ﺍﻟﺬﻱ ﺗﻌﺮﺽ ﻟﻪ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﺍﻟﻼﻫﻮﺗﻲ ، ﻓﺈﻥ ﺍﻷﻣﻞ ﻋﻨﺪ ﻧﻴﺘﺸﻪ ﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳﻨﻌﻘﺪ ﺇﻻ ﻓﻲ ﺍﻷﺳﻄﻮﺭﺓ . ﻭ ﻣﻦ ﻫﻨﺎ ﻳﻀﻊ ﻧﻴﺘﺸﺔ ﺃﻣﻠﻪ ﻓﻲ ﺇﻣﻜﺎﻧﻴﺔ ﻋﻮﺩﺓ ﺍﻟﺮﻭﺡ ﺍﻟﺪﻳﻮﻧﻴﺴﻴﺔ ، ﺃﻱ ﺭﻭﺡ ﺍﻟﻤﻐﺎﻣﺮﺓ ﻭ ﺍﻹﻗﺪﺍﻡ ، ﻭ ﻳﺼﻒ ﻫﺬﺍ ﺍﻷﻣﻞ ﺑﻠﻐﺔ ﺷﻌﺮﻳﺔ ﺃﺳﻄﻮﺭﻳﺔ . ﻳﺄﺧﺬ ﻓﻜﺮ ﻧﻴﺘﺸﻪ ﻫﻨﺎ ﻃﺎﺑﻌﺎ ﻣﺴﻴﺤﻴﺎ ﻗﻮﻳﺎ ﻳﺠﻌﻠﻪ ﻳﻨﺘﻈﺮ ﺍﻹﻟﻪ ﺍﻵﺗﻲ ﻗﺮﻳﺒﺎ ، ﺃﻱ ﺫﻟﻚ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺍﻷﻋﻠﻰ ﺫﻭ ﺍﻟﺮﻭﺡ ﺍﻟﺪﻳﻮﻧﻴﺴﻴﺔ . ﻭ ﺑﺎﻟﻄﺒﻊ ﻓﺈﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻄﺎﺑﻊ ﺍﻟﻤﺴﻴﺤﻲ ﻓﻲ ﻓﻜﺮ ﻧﻴﺘﺸﻪ ﻳﻘﺘﺼﺮ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺠﺎﻧﺐ ﺍﻟﻼﻫﻮﺗﻲ ، ﺃﻱ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺠﺎﻧﺐ ﺍﻟﻤﻨﺘﻈﺮ ﻟﻠﺨﻼﺹ ﻭ ﻟﻌﻮﺩﺓ ﺍﻟﻤﺴﻴﺢ ﻣﺮﺓ ﺃﺧﺮﻯ ، ﺍﻟﺘﻲ ﻫﻲ ﻋﻮﺩﺓ ﺍﻟﺮﻭﺡ ﺍﻟﺪﻳﻮﻧﻴﺴﻴﺔ ﻋﻨﺪ ﻧﻴﺘﺸﻪ ، ﻭ ﻟﻴﺲ ﺍﻟﺠﺎﻧﺐ ﺍﻷﺧﻼﻗﻲ ﻭ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺨﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﺍﻧﺘﻘﺪﻩ ﻧﻴﺘﺸﻪ ﺑﻌﻨﻒ 1
ﻛﻤﺎ ﺃﺻﺒﺢ ﺍﻟﻔﻦ ﻋﻨﺪ ﻧﻴﺘﺸﺔ ﻫﻮ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻌﻮﺽ ﺿﻴﺎﻉ ﺍﻟﻤﻴﺘﺎﻓﻴﺰﻳﻘﺎ ، ﺃﻱ ﻳﺼﺒﺢ ﻫﻮ ﺍﻟﻤﻴﺘﺎﻓﻴﺰﻳﻘﺎ ﺍﻟﺠﺪﻳﺪﺓ . ﻭ ﻣﺎ ﺩﻓﻊ ﻧﻴﺘﺸﺔ ﻧﺤﻮ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻨﻈﺮﺓ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻔﻦ ﻫﻮ ﺃﻥ ﺍﻟﻮﺍﻗﻊ ﻋﻨﺪﻩ ﺃﺻﺒﺢ ﺯﺍﺋﻔﺎ ﻭﻭﺍﻫﻤﺎ ، ﻭ ﺍﻟﻔﻦ ﻫﻮ ﺍﻟﻘﺎﺩﺭ ﻋﻠﻰ ﺭﺑﻄﻨﺎ ﺑﺎﻟﻮﺟﻮﺩ ﺍﻷﺻﻴﻞ .
ﺗﺄﺛﻴﺮ ﻧﻴﺘﺸﺔ ﻋﻠﻰ ﻣﺪﺭﺳﺔ ﻓﺮﺍﻧﻜﻔﻮﺭﺕ ﻳﺴﻴﺮ ﻓﻲ ﺛﻼﺛﺔ ﺍﺗﺠﺎﻫﺎﺕ : ﺍﻻﺗﺠﺎﻩ ﺍﻷﻭﻝ ﻧﻘﺪ ﺍﻟﺤﺪﺍﺛﺔ ﻭ ﺍﻟﺘﻨﻮﻳﺮ ، ﻭ ﺍﻻﺗﺠﺎﻩ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ ﻧﻘﺪ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺘﺤﻮﻝ ﻟﺪﻯ ﺍﻟﻤﺪﺭﺳﺔ ﺇﻟﻰ ﻧﻘﺪ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﺍﻷﺩﺍﺗﻲ ، ﻭ ﺍﻻﺗﺠﺎﻩ ﺍﻟﺜﺎﻟﺚ ﻫﻮ ﺍﻟﺘﺤﻮﻝ ﻧﺤﻮ ﺍﻟﻔﻦ ﺧﺎﺻﺔ ﻟﺪﻯ ﻣﺎﺭﻛﻴﻮﺯ ﻭ ﺃﺩﻭﺭﻧﻮ ﺑﺎﻋﺘﺒﺎﺭﻩ ﺳﺒﻴﻼ ﻟﻠﺨﻼﺹ ﻭ ﺍﻟﻤﻴﻞ ﻧﺤﻮ ﺻﻴﺎﻏﺔ ﻧﻈﺮﻳﺔ ﻓﻲ ﺍﻹﺳﺘﻄﻴﻘﺎ ﺗﻜﻮﻥ ﺑﺪﻳﻼ ﻟﻤﺸﺮﻭﻉ ﺍﻟﻨﻈﺮﻳﺔ ﺍﻟﻨﻘﺪﻳﺔ ﺍﻟﺬﻱ ﺗﺨﻠﺖ ﻋﻨﻪ ﺍﻟﻤﺪﺭﺳﺔ . ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺨﺼﺎﺋﺺ ﺍﻟﺜﻼﺛﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻣﻴﺰﺕ ﺍﻟﻤﺪﺭﺳﺔ ﺑﻌﺪ ﺍﻟﺤﺮﺏ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ ﺗﻈﻬﺮ ﺑﻮﺿﻮﺡ ﺍﻟﺘﺄﺛﻴﺮ ﺍﻟﻨﻴﺘﺸﻮﻱ ﻭ ﻏﻴﺎﺏ ﺍﻟﺘﺄﺛﻴﺮ ﺍﻟﻤﺎﺭﻛﺴﻲ .
ﻧﻘﺪ ﺍﻟﺤﺪﺍﺛﺔ ﻭ ﺍﻟﺘﻨﻮﻳﺮ :
ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻇﻬﺮﺕ ﺍﻟﻤﺪﺭﺳﺔ ﻛﺎﺗﺠﺎﻩ ﻓﻜﺮﻱ ﻓﻲ ﺍﻟﺜﻼﺛﻴﻨﺎﺕ ﻛﺎﻧﺖ ﻻ ﺗﺰﺍﻝ ﺗﺄﺧﺬ ﻧﻘﺪ ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻲ ﺍﻟﻤﺎﺭﻛﺴﻲ ﻧﻤﻮﺫﺟﺎ ﻟﻨﻘﺪ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﺍﻟﺮﺃﺳﻤﺎﻟﻲ ﻭ ﻟﻠﺘﺤﺮﺭ ، ﻭ ﺗﻌﺘﻘﺪ ﺃﻥ ﺍﻟﺤﻞ ﻳﺘﻤﺜﻞ ﻓﻲ ﺗﻐﻴﻴﺮ ﺛﻮﺭﻱ ﻟﻠﻌﻼﻗﺎﺕ ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩﻳﺔ ﺍﻟﺴﺎﺋﺪﺓ ، ﻭ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﺮﻭﻟﻴﺘﺎﺭﻳﺎ ﻛﻬﺪﻑ ﻳﻌﻤﻞ ﻣﻦ ﺃﺟﻠﻪ ﺍﻟﻨﻘﺪ ﻭ ﻳﻌﺪﻩ ﻟﻤﻬﻤﺔ ﺍﻟﺘﻐﻴﻴﺮ 2 . ﻭ ﻗﺪ ﻭﺍﺟﻬﺖ ﺍﻟﻨﻈﺮﻳﺔ ﺍﻟﻨﻘﺪﻳﺔ ﻟﻤﺪﺭﺳﺔ ﻓﺮﺍﻧﻜﻔﻮﺭﺕ ﻣﻦ ﺟﺮﺍﺀ ﺫﻟﻚ ﺻﻌﻮﺑﺘﻴﻦ : ﺍﻷﻭﻟﻰ ﺗﺘﻤﺜﻞ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺼﻴﺮ ﺍﻟﺬﻱ ﺁﻟﺖ ﺇﻟﻴﻪ ﺍﻟﻤﺎﺭﻛﺴﻴﺔ ﻓﻲ ﺭﻭﺳﻴﺎ ﻭ ﺍﻟﺘﺸﻮﻳﻪ ﺍﻟﺬﻱ ﺗﻌﺮﺿﺖ ﻟﻪ ﻫﻨﺎﻙ ، ﻭ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ ﺗﻤﺜﻠﺖ ﻓﻲ ﺇﺩﺭﺍﺝ ﺍﻟﻄﺒﻘﺔ ﺍﻟﻌﺎﻣﻠﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﺮﺃﺳﻤﺎﻟﻲ ﻣﻤﺎ ﺃﺣﺒﻂ ﺇﻣﻜﺎﻧﻴﺔ ﺍﻟﺜﻮﺭﺓ ﻭ ﺍﻟﺘﻐﻴﻴﺮ ، ﺑﺎﻹﺿﺎﻓﺔ ﺇﻟﻰ ﻧﺠﺎﺡ ﺍﻟﺮﺃﺳﻤﺎﻟﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﻐﻠﺐ ﻋﻠﻰ ﺃﺯﻣﺎﺗﻬﺎ ﺑﻔﻀﻞ ﺗﻐﻴﻴﺮﻫﺎ ﻟﺒﻨﺎﺀ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﻤﻮﺫﺝ ﺍﻟﻠﻴﺒﺮﺍﻟﻲ ﺇﻟﻰ ﻧﻤﻮﺫﺝ ﺩﻭﻟﺔ ﺍﻟﺮﻓﺎﻫﻴﺔ ﺫﺍﺕ ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩ ﺍﻟﻤﺨﻄﻂ 1.
ﻭ ﻫﺬﺍ ﻣﺎ ﺃﺩﻯ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻨﺰﻋﺔ ﺍﻟﺘﺸﺎﺅﻣﻴﺔ ﻟﻬﻮﺭﻛﻬﺎﻳﻤﺮ ﻭ ﺃﺩﻭﺭﻧﻮ ﻭ ﻭﺻﻮﻝ ﺍﻟﻨﻘﺪ ﻟﺪﻳﻬﻤﺎ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻌﺪﻣﻴﺔ ﻭ ﺗﺨﻠﻴﻬﻤﺎ ﻋﻦ ﻧﻤﻮﺫﺝ ﻧﻘﺪ ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻲ ﻛﺄﺣﺪ ﻣﺸﺮﻭﻋﺎﺕ ﺍﻟﻨﻈﺮﻳﺔ ﺍﻟﻨﻘﺪﻳﺔ ، ﻭ ﺇﺣﻼﻝ ﻧﻤﻮﺫﺝ ﻧﻘﺪ ﺍﻟﻌﻘﻼﻧﻴﺔ ﺍﻷﺩﺍﺗﻴﺔ ﻣﺤﻠﻪ ، ﻭ ﻫﻮ ﻣﺎ ﻓﺘﺢ ﺃﻣﺎﻡ ﻫﺎﺑﺮﻣﺎﺱ ﺍﻛﺘﺸﺎﻑ ﺍﻟﺘﺄﺛﻴﺮ ﺍﻟﻨﻴﺘﺸﻮﻱ ﻋﻠﻴﻬﻤﺎ . ﻭ ﻫﺬﺍ ﺃﻳﻀﺎ ﻣﺎ ﺃﺩﻯ ﺑﻤﺎﺭﻛﻴﻮﺯ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺘﺨﻠﻲ ﻋﻦ ﻣﺸﺮﻭﻉ ﺍﻟﻨﻈﺮﻳﺔ ﺍﻟﻨﻘﺪﻳﺔ ﻭ ﻋﻦ ﺍﻧﺘﻤﺎﺀﺍﺗﻪ ﺍﻟﻤﺎﺭﻛﺴﻴﺔ ﺍﻟﺴﺎﺑﻘﺔ ﻭ ﻣﻤﺎﺭﺳﺔ ﻧﻔﺲ ﺍﻟﻨﻘﺪ ﺍﻟﻌﺪﻣﻲ ﺍﻟﺘﺸﺎﺅﻣﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻇﻬﺮ ﻋﻨﺪ ﻫﻮﺭﻛﻬﺎﻳﻤﺮ ﻭ ﺃﺩﻭﺭﻧﻮ .
ﻣﻦ ﺃﻫﻢ ﺍﻟﺪﻋﺎﺋﻢ ﺍﻟﺘﻲ ﻗﺎﻣﺖ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺍﻟﺤﺪﺍﺛﺔ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﻭ ﺍﻟﺘﻜﻨﻮﻟﻮﺟﻴﺎ . ﻭ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﺃﻥ ﻣﺎﺭﻛﺲ ﻧﻔﺴﻪ ﻛﺎﻥ ﻳﻨﻈﺮ ﻧﻈﺮﺓ ﺇﻳﺠﺎﺑﻴﺔ ﻟﻬﻤﺎ ، ﻓﻘﺪ ﺍﻋﺘﻘﺪ ﺃﻥ ﺗﻘﺪﻡ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﻭ ﺍﻟﺘﻜﻨﻮﻟﻮﺟﻴﺎ ﺳﻮﻑ ﻳﻌﺠﻞ ﻗﻴﺎﻡ ﺍﻟﺜﻮﺭﺓ ﺍﻻﺷﺘﺮﺍﻛﻴﺔ ﻭ ﻳﻌﻤﻞ ﻋﻠﻰ ﻇﻬﻮﺭ ﺗﻨﻈﻴﻢ ﺟﺪﻳﺪ ﻟﻠﻌﻤﻞ ﻭ ﺍﻟﻌﻼﻗﺎﺕ ﺍﻹﻧﺘﺎﺟﻴﺔ ﻳﺴﺘﺠﻴﺐ ﻟﻬﺬﺍ ﺍﻟﺘﻄﻮﺭ . ﺇﻻ ﺃﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﻘﺪﻡ ﻟﻢ ﻳﻌﻤﻞ ﺇﻻ ﻋﻠﻰ ﺗﺪﻋﻴﻢ ﺍﻟﺮﺃﺳﻤﺎﻟﻴﺔ ﻭ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﻋﻠﻰ ﺇﻣﻜﺎﻧﻴﺔ ﺗﻜﻮﻳﻦ ﻃﺒﻘﺔ ﻋﺎﻣﻠﺔ ﻣﻮﺣﺪﺓ ﺫﺍﺕ ﻭﻋﻲ ﺫﺍﺗﻲ ﻣﺴﺘﻘﻞ . ﻭ ﻫﺬﺍ ﻣﺎ ﺃﺩﻯ ﺑﻤﺪﺭﺳﺔ ﻓﺮﺍﻧﻜﻔﻮﺭﺕ ﺇﻟﻰ ﻣﻤﺎﺭﺳﺔ ﻧﻘﺪ ﺷﺎﻣﻞ ﻟﻠﺤﺪﺍﺛﺔ . ﻓﺒﻴﻨﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﻓﻜﺮ ﺍﻟﻤﺪﺭﺳﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺜﻼﺛﻴﻨﺎﺕ ﻳﺘﺮﻛﺰ ﺣﻮﻝ ﻧﻘﺪ ﺍﻷﻳﺪﻳﻮﻟﻮﺟﻴﺎ ﻭ ﺫﻟﻚ ﺑﻬﺪﻑ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﻗﻴﻢ ﺍﻟﺤﺪﺍﺛﺔ ﻣﺜﻞ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﻭ ﺍﻟﻌﺪﺍﻟﺔ ﻭ ﺍﻟﺤﺮﻳﺔ ، ﺗﺤﻮﻝ ﻓﻲ ﺍﻷﺭﺑﻌﻴﻨﺎﺕ ﺇﻟﻰ ” ﻧﻘﺪ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺦ ” ﺃﻱ ﺍﻟﻌﻘﻼﻧﻴﺔ ﻛﻤﺎ ﻓﻬﻤﺘﻬﺎ ﺍﻟﺤﺪﺍﺛﺔ ﺍﻷﻭﺭﻭﺑﻴﺔ ﻭ ﻣﺎﺭﺳﺘﻬﺎ ﻃﻮﺍﻝ ﺗﺎﺭﻳﺨﻬﺎ . ﻭ ﺑﺬﻟﻚ ﺗﺤﻮﻝ ﺍﻟﻨﻘﺪ ﻟﺪﻯ ﺍﻟﻤﺪﺭﺳﺔ ﺇﻟﻰ ﻓﻠﺴﻔﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺦ ، ﻭ ﻳﻈﻬﺮ ﺫﻟﻚ ﻭﺍﺿﺤﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﻨﻮﺍﻥ ﺍﻟﻔﺮﻋﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻭﺿﻌﻪ ﻫﻮﺭﻛﻬﺎﻳﻤﺮ ﻭ ﺃﺩﻭﺭﻧﻮ ﻟﻜﺘﺎﺑﻬﻤﺎ ” ﺟﺪﻝ ﺍﻟﺘﻨﻮﻳﺮ ” ﻭ ﻫﻮ ” ﺷﺬﺭﺍﺕ ﻓﻠﺴﻔﻴﺔ ﻧﺤﻮ ﻓﻠﺴﻔﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺦ ” .2 ﻓﺒﺪﻻ ﻣﻦ ﺗﺘﺒﻊ ﺃﻭﺟﻪ ﺍﻟﻼﻋﻘﻼﻧﻴﺔ ﻓﻲ ﻓﺘﺮﺓ ﺗﺎﺭﻳﺨﻴﺔ ﻣﻌﻴﻨﺔ ﻳﺘﻢ ﺍﻟﺤﻜﻢ ﻋﻠﻰ ﺗﺎﺭﻳﺦ ﺍﻟﺤﺪﺍﺛﺔ ﺍﻷﻭﺭﻭﺑﻴﺔ ﻛﻠﻬﺎ ﺑﺄﻧﻪ ﻣﺴﻴﺮﺓ ﻧﺤﻮ ﺍﻟﻌﺪﻣﻴﺔ .
ﺗﺘﺒﻊ ﻫﻮﺭﻛﻬﺎﻳﻤﺮ ﻭ ﺃﺩﻭﺭﻧﻮ ﺃﺻﻮﻝ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﺣﺘﻰ ﻭﺻﻼ ﺇﻟﻰ ﺑﺪﺍﻳﺘﻪ ﻓﻲ ﻋﺼﺮ ﺍﻟﺘﻨﻮﻳﺮ ، ﻭ ﺭﺃﻳﺎ ﺃﻥ ﻣﻔﻬﻮﻡ ﺍﻟﺘﻨﻮﻳﺮ ﺍﻟﺬﻱ ﻛﺎﻥ ﺃﺳﺎﺱ ﻓﻜﺮﺓ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﻛﺎﻥ ﻳﻌﻨﻲ ﺗﺨﻠﻴﺺ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻣﻦ ﺍﻟﺨﻮﻑ . ﻓﺎﻟﺒﺮﻧﺎﻣﺞ ﺍﻷﺳﺎﺳﻲ ﻟﻠﺤﺪﺍﺛﺔ ﺍﻟﻐﺮﺑﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺑﺸﺮﺕ ﺑﺎﻟﻌﻠﻢ ﻛﺎﻥ ﺗﺨﻠﻴﺺ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﻣﻦ ﻃﺎﺑﻊ ﺍﻟﻐﻤﻮﺽ ﺍﻟﺬﻱ ﺍﻛﺘﻨﻔﻪ ﻓﻲ ﻇﻞ ﺍﻟﺘﻔﻜﻴﺮ ﺍﻟﺪﻳﻨﻲ ﻭ ﺍﻷﺳﻄﻮﺭﻱ ﺍﻟﻘﺪﻳﻢ ، ﻭ ﺫﻟﻚ ﺑﺈﺣﻼﻝ ﺍﻟﻤﻌﺮﻓﺔ ﺍﻟﻌﻠﻤﻴﺔ ﻣﺤﻞ ﺍﻷﻓﻜﺎﺭ ﺍﻟﺨﻴﺎﻟﻴﺔ . ﻭ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺮﻏﻢ ﻣﻦ ﺫﻟﻚ ﻓﺈﻥ ﻣﺴﻴﺮﺓ ﺍﻟﺤﺪﺍﺛﺔ ﻛﺸﻔﺖ ﻋﻦ ﺃﻧﻬﺎ ﻟﻢ ﺗﺘﺨﻠﺺ ﺗﻤﺎﻣﺎ ﻣﻦ ﺍﻷﺳﻄﻮﺭﺓ ﺑﻞ ﺃﺻﺒﺤﺖ ﺗﺤﻤﻞ ﻓﻲ ﺩﺍﺧﻠﻬﺎ ﻋﻨﺎﺻﺮ ﺃﺳﻄﻮﺭﻳﺔ .3 ﻓﻘﺪ ﺗﺨﻠﺼﺖ ﻣﻦ ﺳﻴﻄﺮﺓ ﺍﻟﻜﻨﻴﺴﺔ ﻟﺘﻀﻊ ﻣﻜﺎﻧﻬﺎ ﺳﻴﻄﺮﺓ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺃﺻﺒﺤﺖ ﻫﻲ ﺍﻷﺳﻄﻮﺭﺓ ﺍﻟﺠﺪﻳﺪﺓ . ﻛﻤﺎ ﺗﺨﻠﺼﺖ ﻣﻦ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﺍﻟﻐﻴﺒﻲ ﺍﻟﻼﻫﻮﺗﻲ ﻟﺘﻀﻊ ﻣﺤﻠﻪ ﻧﺰﻋﺔ ﻋﻠﻤﻴﺔ ﻭﺿﻌﻴﺔ ﻻ ﺗﻬﺪﻑ ﺇﻻ ﻟﻠﺴﻴﻄﺮﺓ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﺔ ﻭ ﻷﻏﺮﺍﺽ ﺃﺩﺍﺗﻴﺔ ، ﻭ ﺑﺬﻟﻚ ﺃﺻﺒﺤﺖ ﺍﻟﺘﻜﻨﻮﻟﻮﺟﻴﺎ ﺃﺳﻄﻮﺭﺓ ﺟﺪﻳﺪﺓ ﺃﻳﻀﺎ .1
ﻭ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﺍﻷﺳﻄﻮﺭﻱ ﻗﺪ ﺭﺃﻯ ﺃﻥ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﻣﻠﺊ ﺑﺎﻟﻘﻮﻯ ﺍﻟﺨﻔﻴﺔ ﻭ ﺍﻟﻐﻴﺒﻴﺔ ﻭ ﺍﺳﺘﺨﺪﻡ ﺍﻟﺴﺤﺮ ﻹﺭﺿﺎﺀ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻘﻮﻯ ﻭ ﺇﺧﻀﺎﻉ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﺔ ﻹﺭﺍﺩﺓ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ، ﻓﺈﻥ ﻓﻜﺮ ﺍﻟﺘﻨﻮﻳﺮ ﻫﻮ ﺍﻵﺧﺮ ﻟﻢ ﻳﻨﻈﺮ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﺔ ﺇﻻ ﻋﻠﻰ ﺃﻧﻬﺎ ﻣﻠﻴﺌﺔ ﺑﺎﻟﻄﺎﻗﺔ ﻭ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﻤﻜﻦ ﺇﺧﻀﺎﻋﻬﺎ ﻟﺨﺪﻣﺔ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ . ﻭ ﺑﻌﺪ ﺃﻥ ﻛﺎﻧﺖ ﺍﻟﻘﻮﻯ ﺍﻟﺨﻔﻴﺔ ﻫﻲ ﻣﻔﺘﺎﺡ ﺍﻟﺴﻴﻄﺮﺓ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﺔ ، ﺃﺻﺒﺢ ﺍﻟﺴﺒﺐ ﻭ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻌﻠﻤﻲ ﻫﻮ ﻣﻔﺘﺎﺡ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺴﻴﻄﺮﺓ . ﻭ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺮﻏﻢ ﻣﻦ ﺃﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﺤﻮﻝ ﺍﻟﻬﺎﺋﻞ ﻳﺤﻤﻞ ﻓﻲ ﻇﺎﻫﺮﻩ ﺗﻘﺪﻣﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻘﻼﻧﻴﺔ ﻭ ﻧﺰﻋﺎ ﻟﻠﺼﻔﺔ ﺍﻟﺴﺤﺮﻳﺔ ﻋﻦ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ، ﺇﻻ ﺃﻧﻪ ﻓﻲ ﺃﺳﺎﺳﻪ ﻳﺤﻤﻞ ﻧﻔﺲ ﺍﻟﻌﻼﻗﺔ ﺑﺎﻟﻄﺒﻴﻌﺔ ﻭ ﻧﻔﺲ ﺍﻟﻤﻮﻗﻒ ﺗﺠﺎﻫﻬﺎ 2.
ﻧﻘﺪ ﺍﻟﻌﻘﻞ :
ﻳﻤﻴﺰ ﻫﻮﺭﻛﻬﺎﻳﻤﺮ ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺏ ﻟﻪ ﻇﻬﺮ ﺑﻌﺪ ” ﺟﺪﻝ ﺍﻟﺘﻨﻮﻳﺮ ” ﻋﻨﻮﺍﻧﻪ ﺫﻭ ﺩﻻﻟﺔ ﻫﺎﻣﺔ ﻭ ﻫﻮ ” ﺍﺿﻤﺤﻼﻝ ﺍﻟﻌﻘﻞ ” ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﺍﻟﺬﺍﺗﻲ ﻭ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﺍﻟﻤﻮﺿﻮﻋﻲ .3 ﺍﻟﻌﻘﻞ ﺍﻟﺬﺍﺗﻲ ﻋﻨﺪﻩ ﻳﺘﺼﻒ ﺑﺄﻧﻪ ﺃﺩﺍﺗﻲ ، ﺃﻱ ﻳﻨﺸﻐﻞ ﺑﺎﻟﺤﺴﺎﺏ ﻭ ﺍﻟﺘﻔﺎﺻﻴﻞ ﺍﻟﺠﺰﺋﻴﺔ ﻭ ﺍﻷﻫﺪﺍﻑ ﺍﻟﻘﺮﻳﺒﺔ ، ﻭ ﻟﺬﻟﻚ ﻓﻬﻮ ﻳﻬﺪﻑ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺴﻴﻄﺮﺓ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﺔ ، ﻭ ﻳﺮﻛﺰ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻮﺳﺎﺋﻞ ﺍﻟﻤﻨﺎﺳﺒﺔ ﻟﺘﺤﻘﻴﻖ ﺍﻷﻫﺪﺍﻑ ، ﻭ ﻳﺮﻯ ﺃﻥ ﺍﻟﻤﻌﻘﻮﻟﻴﺔ ﺗﺘﻤﺜﻞ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﻨﺎﺳﺐ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻮﺳﺎﺋﻞ ﻭ ﺍﻷﻫﺪﺍﻑ . ﻭ ﺍﻷﻫﺪﺍﻑ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﺴﻌﻰ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﺍﻟﺬﺍﺗﻲ ﻫﻲ ﺍﻟﺤﻔﺎﻅ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺬﺍﺕ ، ﻭ ﻗﻴﻤﺘﻪ ﺗﺘﺤﺪﺩ ﺑﺎﻟﻔﺎﺋﺪﺓ ﺍﻟﻌﻤﻠﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳﻘﺪﻣﻬﺎ ﻣﻦ ﺃﺟﻞ ﺍﻟﺴﻴﻄﺮﺓ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﺔ ﻭ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺒﺸﺮ .
ﺃﻣﺎ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﺍﻟﻤﻮﺿﻮﻋﻲ ﻓﻬﻮ ﻳﺆﻛﺪ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻘﻴﻢ ﺍﻟﻌﻠﻴﺎ ﻛﻐﺎﻳﺎﺕ ﺳﺎﻣﻴﺔ ، ﻣﺜﻞ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺍﻟﻔﺎﺿﻠﺔ ﻭ ﺍﻟﺴﻌﺎﺩﺓ ، ﻭ ﺃﻳﻀﺎ ﻋﻠﻰ ﺗﺤﻘﻴﻖ ﺍﻟﻤﻌﻘﻮﻟﻴﺔ ﻓﻲ ﺣﻴﺎﺓ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ . ﺣﻤﻞ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﻭ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﺍﻟﻼﻫﻮﺗﻲ ﻭ ﺍﻟﻤﻴﺘﺎﻓﻴﺰﻳﻘﻲ ﺗﺮﺍﺙ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﺍﻟﻤﻮﺿﻮﻋﻲ ، ﻭﻗﺪ ﺗﻌﺮﺽ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﺮﺍﺙ ﻟﻼﺿﻤﺤﻼﻝ ﺑﻌﺪ ﺃﻥ ﺍﻧﺘﻬﻰ ﺍﻟﺪﻭﺭ ﺍﻟﺘﻘﻠﻴﺪﻱ ﻟﻠﺪﻳﻦ ﻭ ﺗﻌﺮﺽ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﺍﻟﻤﻴﺘﺎﻓﻴﺰﻳﻘﻲ ﻟﻠﻨﻘﺪ . ﻛﻤﺎ ﻟﻢ ﻳﺮﺽ ﻫﻮﺭﻛﻬﺎﻳﻤﺮ ﻋﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﺮﺍﺙ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﺍﻟﻤﻮﺿﻮﻋﻲ ، ﺫﻟﻚ ﻷﻧﻪ ﻟﻢ ﻳﻤﻴﺰ ﺑﻴﻦ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻭ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﺔ ، ﻭ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻼﺗﻤﻴﻴﺰ ﻳﺤﻤﻞ ﻓﻲ ﺩﺍﺧﻠﻪ ﻧﻴﺔ ﻣﻀﻤﺮﺓ ﻟﻠﺴﻴﻄﺮﺓ ﻋﻠﻰ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻭ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﺔ ﻣﻌﺎ .4 ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﻓﻠﺴﻔﺎﺕ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﺍﻟﻤﻮﺿﻮﻋﻲ ﻣﺜﻞ ﺍﻷﻓﻼﻃﻮﻧﻴﺔ ﻭ ﺍﻟﻬﻴﺠﻠﻴﺔ ﻟﻢ ﺗﺴﺘﻄﻊ ﺃﻥ ﺗﺘﺨﻠﺺ ﺗﻤﺎﻣﺎ ﻣﻦ ﻣﻴﺮﺍﺙ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﺍﻷﺳﻄﻮﺭﻱ ﻭ ﺍﻟﺪﻳﻨﻲ . ﻓﻠﻘﺪ ﺣﻤﻠﺖ ﺍﻷﻓﻼﻃﻮﻧﻴﺔ ﺁﺛﺎﺭﺍ ﻣﻦ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﺍﻷﺳﻄﻮﺭﻱ ﺍﻟﻴﻮﻧﺎﻧﻲ ، ﻭ ﺣﻤﻠﺖ ﺍﻟﻬﻴﺠﻠﻴﺔ ﺁﺛﺎﺭﺍ ﻣﻦ ﺍﻟﻼﻫﻮﺕ ﺍﻟﻤﺴﻴﺤﻲ . ﺗﻜﺸﻒ ﻣﺪﺭﺳﺔ ﻓﺮﺍﻧﻜﻔﻮﺭﺕ ﺃﻥ ﻫﻨﺎﻙ ﺟﺪﻻ ﻣﺴﺘﻤﺮﺍ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﻛﻐﺎﻳﺔ ﻭ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﻛﺄﺩﺍﺓ . ﻓﻜﻞ ﺗﻘﺪﻡ ﺟﺪﻳﺪ ﻳﺤﻘﻘﻪ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺠﺎﻝ ﺍﻟﻤﺎﺩﻱ ﻳﺆﺩﻱ ﺇﻟﻰ ﺯﻳﺎﺩﺓ ﺍﻟﻘﻬﺮ ﻭ ﺍﻟﻬﻴﻤﻨﺔ ، ﻓﻲ ﺣﻴﻦ ﺃﻧﻪ ﻳﺠﺐ ﺃﻥ ﻳﺆﺩﻱ ﺇﻟﻰ ﺯﻳﺎﺩﺓ ﺍﻟﺘﺤﺮﺭ ، ﻭ ﻛﻞ ﺗﻮﺳﻊ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻴﻄﺮﺓ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﺔ ﻳﻮﺍﺯﻳﻪ ﺗﻮﺳﻊ ﻣﻤﺎﺛﻞ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻴﻄﺮﺓ ﻋﻠﻰ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ . ﻛﻤﺎ ﺍﺧﺘﻔﻰ ﻣﻔﻬﻮﻡ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﻛﻤﺎ ﻇﻬﺮ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺮﺍﺙ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﻲ . ﺇﺫ ﻓﻬﻤﻪ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﺮﺍﺙ ﻋﻠﻰ ﺃﻧﻪ ﻫﻮ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻤﻴﺰ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻋﻦ ﺍﻟﺤﻴﻮﺍﻥ ، ﻭ ﻋﻦ ﻃﺮﻳﻘﻪ ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺗﺤﺮﻳﺮ ﻧﻔﺴﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﺒﻮﺩﻳﺔ ﻟﻠﻄﺒﻴﻌﺔ . ﻭ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻳﻌﻨﻲ ﺍﻟﺘﺤﺮﺭ ﻣﻦ ﻋﺒﻮﺩﻳﺔ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﺔ ﺍﻟﺴﻴﻄﺮﺓ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻭ ﺇﺧﻀﺎﻋﻬﺎ ، ﻭ ﺇﻧﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﻳﻌﻨﻲ ﻓﻬﻤﻬﺎ ﻭ ﺍﺳﺘﻴﻌﺎﺏ ﻣﻨﻄﻘﻬﺎ ﺍﻟﺨﺎﺹ 1 . ﻛﻤﺎ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﻛﻤﺎ ﻓﻬﻤﺘﻪ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ ﻣﺮﺗﺒﻄﺎ ﺑﺎﻟﻮﺟﻮﺩ ﺍﻟﺸﺨﺼﻲ ﻟﻠﻤﺮﺀ ، ﺑﻞ ﺑﺎﻟﺤﻴﺎﺓ ﺑﻮﺟﻪ ﻋﺎﻡ ، ﻭ ﻫﺬﺍ ﻳﻌﻨﻲ ﺗﺠﺎﻭﺯ ﺣﺪﻭﺩ ﺣﻔﻆ ﺍﻟﻤﺮﺀ ﻟﺬﺍﺗﻪ ﻭ ﻟﻤﺼﻠﺤﺘﻪ ﺍﻟﺸﺨﺼﻴﺔ ﻭ ﺍﻻﻫﺘﻤﺎﻡ ﺑﺎﻟﺤﻴﺎﺓ ﺍﻟﻔﺎﺿﻠﺔ ﻟﻠﺠﻤﺎﻋﺔ ﻛﻠﻬﺎ . ﺃﻣﺎ ﻣﻊ ﺳﻴﺎﺩﺓ ﺍﻟﺘﺼﻮﺭ ﺍﻷﺩﺍﺗﻲ ﻋﻦ ﺍﻟﻌﻘﻞ ، ﻓﺘﺘﺤﻮﻝ ﺍﻟﻤﻠﻜﺎﺕ ﺍﻟﺬﻫﻨﻴﺔ ﺇﻟﻰ ﻭﻇﺎﺋﻒ ، ﺇﻱ ﺇﻟﻰ ﻧﻮﻉ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﻘﻨﻴﺔ ﺗﺘﻄﻠﺐ ﺍﻟﺘﺪﺭﻳﺐ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻟﻤﻤﺎﺭﺳﺘﻬﺎ ﺟﻴﺪﺍ ، ﻛﻤﺎ ﺗﺘﻄﻠﺐ ﺍﻟﺨﺒﻴﺮ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺘﺨﺼﺺ ﻓﻲ ﺟﺰﺋﻴﺔ ﺻﻐﻴﺮﺓ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﻤﻠﻴﺎﺕ ﺍﻟﻌﻘﻠﻴﺔ ﺑﺪﻻ ﻣﻦ ﺍﻟﺸﺨﺼﻴﺔ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﺍﻟﻜﺎﻣﻠﺔ . ﻭ ﺑﺘﻔﺘﻴﺖ ﺍﻟﻌﻤﻠﻴﺎﺕ ﺍﻟﻌﻘﻠﻴﺔ ﺇﻟﻰ ﺃﺟﺰﺍﺀ ﺻﻐﻴﺮﺓ ﻭ ﺗﺤﻮﻝ ﻫﺬﻩ ﺍﻷﺟﺰﺍﺀ ﺇﻟﻰ ﺍﺧﺘﺼﺎﺻﺎﺕ ﻟﺨﺒﺮﺍﺀ ﻳﺘﻢ ﺗﺸﻴﺆ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﻭ ﺗﺤﻮﻟﻪ ﺇﻟﻰ ﺁﻟﺔ . ﻭ ﺑﺬﻟﻚ ﻳﺘﺤﻮﻝ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﻣﻦ ﻗﻮﺓ ﻧﻘﺪﻳﺔ ﺇﻟﻰ ﻗﻮﺓ ﺧﻀﻮﻉ .
ﺍﻹﺳﺘﻄﻴﻘﺎ ﻛﺒﺪﻳﻞ ﻟﻤﺸﺮﻭﻉ ﺍﻟﻨﻈﺮﻳﺔ ﺍﻟﻨﻘﺪﻳﺔ :
ﺑﻌﺪ ﺃﻥ ﻭﺻﻔﺖ ﻣﺪﺭﺳﺔ ﻓﺮﺍﻧﻜﻔﻮﺭﺕ ﺍﻟﻌﻘﻼﻧﻴﺔ ﺍﻟﺴﺎﺋﺪﺓ ﺑﺄﻧﻬﺎ ﻋﻘﻼﻧﻴﺔ ﻫﻴﻤﻨﺔ ﻭ ﺳﻴﻄﺮﺓ ﻭ ﺇﺧﻀﺎﻉ ، ﻭ ﺑﻌﺪ ﺃﻥ ﺣﻜﻤﺖ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﻛﺬﻟﻚ ﺑﺄﻧﻪ ﻳﺤﺘﻮﻱ ﻓﻲ ﺑﻨﺎﺋﻪ ﺍﻟﻤﻨﻄﻘﻲ ﻋﻠﻰ ﺇﻣﻜﺎﻧﻴﺔ ﺗﺠﻌﻠﻪ ﻳﺴﺘﺨﺪﻡ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻴﻄﺮﺓ ، ﻭ ﺑﻌﺪ ﺃﻥ ﻧﻘﺪﺗﻪ ﺑﺎﻋﺘﺒﺎﺭﻩ ﻳﺤﻤﻞ ﺗﻮﺟﻬﺎ ﺗﺴﻠﻄﻴﺎ ﻧﺤﻮ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﺔ ﻭ ﻧﺤﻮ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ، ﺃﺭﺍﺩﺕ ﺍﻟﻌﺜﻮﺭ ﻋﻠﻰ ﻣﺠﺎﻝ ﺁﺧﺮ ﻻ ﻳﺴﻮﺩﻩ ﻣﺜﻞ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﻮﺟﻪ ﻭﻭﺟﺪﺗﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﻦ .
ﺣﻜﻢ ﺃﺩﻭﺭﻧﻮ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﺍﻟﺘﺼﻮﺭﻱ – ﺃﻱ ﺍﻟﺘﻔﻜﻴﺮ ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﺗﺼﻮﺭﺍﺕ – ﺑﺄﻧﻪ ﻳﻜﺸﻒ ﻋﻦ ﻋﻼﻗﺔ ﺷﻜﻠﻴﺔ ﺃﺩﺍﺗﻴﺔ ، ﺇﺫ ﻳﺴﻌﻰ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﺑﺬﻟﻚ ﺇﻟﻰ ﺇﺧﻀﺎﻉ ﺗﻨﻮﻉ ﺍﻷﺷﻴﺎﺀ ﻟﺘﺼﻮﺭﺍﺕ ﻭﻓﻖ ﻣﻨﻄﻖ ﺃﺩﺍﺗﻲ ﻳﺴﻬﻞ ﺍﻟﺘﻌﺎﻣﻞ ﺍﻟﻤﺎﺩﻱ ﻣﻌﻬﺎ . ﻭ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻘﺎﺑﻞ ﺭﺃﻱ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﻦ ﺑﺪﻳﻼ ﻋﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻨﻤﻂ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﻔﻜﻴﺮ ﻷﻥ ﺍﻟﻮﺣﺪﺓ ﺑﻴﻦ ﻋﻨﺎﺻﺮ ﺍﻟﻔﻦ ﻟﻴﺴﺖ ﻭﺣﺪﺓ ﺗﻘﻮﻡ ﻋﻠﻰ ﺗﺼﻮﺭﺍﺕ ﺑﻞ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺨﻴﺎﻝ . ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﺍﻟﻔﻦ ﻳﺴﻌﻰ ﻧﺤﻮ ﺍﻟﻜﻠﻴﺔ ، ﺃﻱ ﻳﻀﻔﻲ ﻋﻠﻰ ﻣﻮﺿﻮﻋﺎﺗﻪ ﻃﺎﺑﻊ ﺍﻟﺸﻤﻮﻝ ، ﻓﺎﻷﺻﺎﻟﺔ ﺍﻟﺪﺍﺧﻠﻴﺔ ﻟﻸﻋﻤﺎﻝ ﺍﻟﻔﻨﻴﺔ ﻭ ﻣﺎ ﺗﻜﺸﻒ ﻋﻨﻪ ﻣﻦ ﺣﻘﻴﻘﺔ ﻭ ﻣﺼﺪﺍﻗﻴﺔ ﺗﻘﻒ ﺿﺪ ﻛﻠﻴﺔ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﺍﻷﺩﺍﺗﻲ ﻭ ﺗﺸﻬﺪ ﻋﻠﻰ ﺇﻣﻜﺎﻧﻴﺔ ﻭﺟﻮﺩ ﺗﺼﻮﺭ ﻣﺨﺘﻠﻒ ﻋﻦ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﻏﻴﺮ ﺍﻟﺬﻱ ﻧﺠﺪﻩ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺼﻮﺭ ﺍﻟﻮﺿﻌﻲ ﻋﻦ ﺍﻟﻌﻠﻢ . ﺍﻟﻔﻦ ﺇﺫﻥ ﻫﻮ ﺍﻟﻘﺎﺩﺭ ﻋﻠﻰ ﺗﺤﻘﻴﻖ ﻭﺟﻮﺩ ﻏﻴﺮ ﻣﻐﺘﺮﺏ ﻟﻺﻧﺴﺎﻥ ﻳﺨﺮﺟﻪ ﻋﻦ ﺃﺷﻜﺎﻝ ﻭ ﻣﻈﺎﻫﺮ ﺍﻟﺘﺸﻴﺆ ﺍﻟﻤﻮﺟﻮﺩﺓ ﺑﺎﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﻭ ﻳﺨﻠﺼﻪ ﻣﻦ ﺳﻴﻄﺮﺓ ﺻﻨﻤﻴﺔ ﺍﻟﺴﻠﻊ ﺍﻟﺴﺎﺋﺪﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﺮﺃﺳﻤﺎﻟﻲ .
ﺃﻣﺎ ﻣﺎﺭﻛﻴﻮﺯ ﻓﻴﻀﻊ ﺁﻣﺎﻟﻪ ﻛﻠﻬﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﻦ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺮﻯ ﺍﻧﻪ ﻫﻮ ﺍﻟﺒﺪﻳﻞ ﻋﻦ ﺍﻟﺘﻘﻨﻴﺔ ﻭ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻨﺰﻉ ﺇﻟﻰ ﺃﻥ ﻳﺸﻜﻞ ﺍﻟﻮﺍﻗﻊ ﺑﻄﺮﻳﻘﺔ ﻣﺨﺘﻠﻔﺔ ﻋﻦ ﻃﺮﻳﻘﺔ ﺗﺸﻜﻴﻞ ﺍﻟﺘﻜﻨﻮﻟﻮﺟﻴﺎ ﻟﻪ ، ﻭ ﺍﻟﺬﻱ ﺳﻮﻑ ﻳﺨﺘﻔﻲ ﻓﻴﻪ ﺍﻟﺘﻌﺎﺭﺽ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺨﻴﺎﻝ ﻭ ﺍﻟﻌﻘﻞ ، ﻭ ﺍﻟﻤﻠﻜﺎﺕ ﺍﻟﻌﻠﻴﺎ ﻭ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ، ﻭ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﺍﻟﺸﻌﺮﻱ ﻭ ﺍﻟﻌﻠﻤﻲ . ﻛﻤﺎ ﺃﻧﻪ ﻳﻨﻈﺮ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻔﻦ ﻋﻠﻰ ﺃﻧﻪ ﺍﻟﻘﺎﺩﺭ ﻋﻠﻰ ﺗﺸﻜﻴﻞ ﻣﺒﺪﺃ ﺟﺪﻳﺪ ﻟﻠﻮﺍﻗﻊ ﻳﺨﺘﻠﻒ ﻋﻦ ﻣﺒﺪﺃ ﺍﻟﻮﺍﻗﻊ ﺍﻟﻘﻤﻌﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﻈﺮﻳﺔ ﺍﻟﻔﺮﻭﻳﺪﻳﺔ .
ﺃﺻﺒﺤﺖ ﻣﻬﻤﺔ ﻛﺸﻒ ﻭ ﺍﺳﺘﺒﺎﻕ ﻣﺠﺘﻤﻊ ﺟﺪﻳﺪ ﻋﻘﻼﻧﻲ ﻭ ﺣﺮ ﻋﻨﺪ ﻣﺎﺭﻛﻴﻮﺯ ﻣﻬﻤﺔ ﺍﻟﻔﻦ . ﻓﺎﻟﺤﺲ ﺍﻟﺠﺪﻳﺪ ﺍﻟﺬﻱ ﺳﻴﺄﺗﻲ ﺑﻪ ﺍﻟﻔﻦ ﺃﺻﺒﺢ ﻋﻨﺪﻩ ﻫﻮ ﺍﻟﻤﻤﺎﺭﺳﺔ ﺍﻟﻮﺍﺟﺐ ﺍﻟﻘﻴﺎﻡ ﺑﻬﺎ ، ﻓﻬﺬﺍ ﺍﻟﺤﺲ ﺍﻟﺠﺪﻳﺪ ﻳﻨﺸﺄ ﻓﻲ ﺍﻟﺼﺮﺍﻉ ﺿﺪ ﺍﻟﻌﻨﻒ ﻭ ﺍﻻﺳﺘﻐﻼﻝ ﻓﻲ ﺳﺒﻴﻞ ﺃﺷﻜﺎﻝ ﻭ ﻃﺮﻕ ﺟﺪﻳﺪﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ . ﻭ ﺗﺘﻤﺜﻞ ﺍﻟﻤﻤﺎﺭﺳﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺳﻴﺄﺗﻲ ﺑﻬﺎ ﺍﻟﻔﻦ ﻓﻲ ﻧﻔﻲ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﻘﺎﺋﻢ ﻛﻠﻪ ﺑﺄﺧﻼﻗﻪ ﻭ ﺛﻘﺎﻓﺘﻪ ، ﻭ ﺗﻮﻛﻴﺪ ﺣﻖ ﺑﻨﺎﺀ ﻣﺠﺘﻤﻊ ﻳﻨﺘﻬﻲ ﻓﻴﻪ ﺍﻟﻔﻘﺮ ﻭ ﺍﻟﻜﺪ ﻭ ﺍﻟﺘﺤﻮﻝ ﺇﻟﻰ ﻋﺎﻟﻢ ﺗﺼﺒﺢ ﻓﻴﻪ ﻗﻴﻢ ﺍﻹﺣﺴﺎﺱ ﻭ ﺍﻟﻠﻌﺐ ﻭ ﺍﻟﻬﺪﻭﺀ ﻭ ﺍﻟﺠﻤﺎﻝ ﺃﺷﻜﺎﻻ ﻟﻠﻮﺟﻮﺩ ، ﻭ ﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﺗﺼﺒﺢ ﺷﻜﻞ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﻧﻔﺴﻪ

شاهد أيضاً

  نظرة موجزة حول رائد المقالة الحديثة “ميشال دي مونتيني”

بقلم الباحث عبد الرحيم أمعضور  منذ ان بدأ الكتابة ، حاول مونتين أن ينخرط وبشكل صارم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *