جديد
الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / الفلسفة بصيغة المؤنث أم المؤنث بصيغة الفلسفة؟

الفلسفة بصيغة المؤنث أم المؤنث بصيغة الفلسفة؟

 

عبد الرحيم رجراحي

لتحميل الكتاب وقراءته أنقر هنا

كتاب الفلسفة بصيغة المؤنث – العلوي رشيد

نهدف من هذا المقال إلى تسليط الضوء على كتاب “الفلسفة بصيغة المؤنث”[1] لرشيد العلوي، لكن ليس على سبيل تلخيصه أو تقديمه، وهو ما نهضت به الباحثة خديجة زنتيلي في مقال لها[2]،  وإنما من أجل التماس مداخل للجواب عن السؤال الذي وسمنا به مقالنا، وهو سؤال تمخض عن مفعول قراءتنا لهذا النص موضوع المقال، ونعتقد أنه سؤال يسمح بالتفكير فيما لم يُفَكَّر فيه، وإن كان الجواب عن هذا السؤال لا يغني عن العودة لتفاصيل الكتاب التي ليس هذا مقام لعرضها جملة وتفصيلا، وإنما سنكتفي منها بما من شأنه أن ينير طريقنا لتحقيق الغرض من مقالنا.

يراهن الكاتب من خلال مؤلفه على أن يقدم لجمهور القراء فلسفة جديدة هي التي يعَبِّر عنها بالفلسفة بصيغة المؤنث، وهي فلسفة متحررة من التقليد الفلسفي القديم الذي هيمن عليه الفلاسفة ذوي الأنساق الفلسفية الكبرى التي تفصل القول في المسائل النظرية والعملية، واضعة الحدود بين الفلسفة وما عداها، بين الحق والباطل، بين الخير والشر؛ وهي الحدود  التي تمردت عليها الفيلسوفات اللواتي خصَّهن  الكاتب بمقالات ضمن الكتاب وهن بالترتيب كالآتي: إديث شتاين وسيمون فايل وصبا محمود ونادية دوموند وآين راند ونانسي فريزر وسيلا بن حبيب وحنا أرندت، والملاحظ أن أغلبهن فيلسوفات معاصرات ولا تحضين بشهرة في المجال التداولي العربي الإسلامي، وفي هذا الصدد يرجع للكاتب الفضل في التعريف بإسهاماتهن الفكرية التي أهلتهن لدخول تاريخ الفلسفة من أبواب لا عهد للفلاسفة الأولين بها.

ولا شك لما لهذا الكتاب من فضل، خاصة في مجتمعات تسودها تمثلات سلبية حول المرأة، من قبيل أنها ناقصة عقل ودين، وأنها مصدر الرذيلة والشر؛ ومن ثمة وجب إخضاعها باسم قوامة مزعومة، وفرض الوصاية على مالها وجسدها وعقلها، اتقاء للفتنة والفساد في الأرض، وهي مبررات تسعى في الواقع للحفاظ على الهيمنة الذكورية ضدا على كل ما من شأنه أن يفضح مركزيتها ويشكك في الأساطير المؤسسة لها، التي تبوئ الذَّكر  مرتبة الشَّرف والحُكم والوصاية!!

لذلك فإن ما ميَّز التجربة الفلسفية للفيلسوفات موضوع الكتاب هو تسليطهن الضوء على مواضيع تقع على هامش الفلسفة بمعناها التقليدي؛ ذلك أنهن طفقن ينظرن في مسألة الأقليات الدينية والجنسية والعرقية، أي تلك الجزئيات التي تفضح المركز وتخلخل مركزيته، وكأني بهن تمردن على المبدأ الأرسطي الذي كان  يعتبر أن لا عِلم  إلا بالكليات، مستعيضات عنه بمبدأ على النقيض منه وهو أن العِلم الحق هو ذلك الذي يولي أهمية للجزئي الذي ظل محكوما عليه بالتهميش.

ولعل هذا ما جعل الفلسفة النسوية تسعى  لإعادة الاعتبار للمرأة، من خلال الاعتراف بها كإنسان كامل لا تعوزه القدرة على التفكير والفعل والحكم والإبداع، ودفاعهن عن فضاء عمومي يسع الناس أجمعين، على اختلاف مللهم ونحلهم، وفي هذا الصدد انتقدت نانسي فريزر طرح يورغن هابرماس بشأن الفضاء العمومي، معتبرة إياه طرحا برجوازيا، من حيث أنه مشروط بنموذج وستفالي يجد مشروعيته في حدود وطنية ضيقة، لا تسع عموم الناس، من عمال وفلاحين ونساء ومهاجرين وأقليات جنسية ودينية وعرقية.

غير أنه على الرغم من أهمية الحديث عن الفلسفة بصيغة المؤنث، إلا أننا نعتقد أن هذا المؤنث لا يمكن أن يعبر عن كينونته إلا في ضوء الفلسفة، أي أن صياغة أفكاره، فضلا عن مراجعاته وانتقاداته ورهاناته ونزعاته لا مفر لها من الانتظام داخل تاريخ الفلسفة، وهو ليس تاريخ فلان أو علان، تاريخ رجال أو نساء، وإنما هو تاريخ الوجود، وهو تاريخ مبني للمجهول وليس للمعلوم، وما هذه الفكرة أو تلك، بغض النظر عن صاحبها، رجلا كان أو امرأة، فيلسوفا أو شاعرا، قديما أو حديثا، إلا علامات على  الوجود الذي يطبعه التصدع، حيث يتراوح بين الحضور والغياب، بين التذكر والنسيان؛ ومن ثمة فما إسهامات هؤلاء الفيلسوفات، مهما كان شأنها، إلا شكلا من أشكال التعبير عن الوجود.

ويجد هذا الطرح مبرره عند الفيسلوف فريدريك هيغل الذي يعتبر أنه لا يمكن الفصل بين الفلسفة وبين تاريخها الذي ليس إلا تاريخا للوجود، وهو ما يؤكده كذلك الفليسوف مارتن هايدغر، وإن كان يختلفان في تحديدهما لمفهوم الوجود؛ إذ بينما يخلط  فريدريك هيغل بين الموجود والوجود، ساعيا لإثبات التطابق بينهما، نجد أن مارتن هايدغر يعتبر الطرح الهيكيلي طرحا ميتافيزيقيا، مستدركا عليه من خلال بعثه للاختلاف بين الموجود والوجود، وتحرير هذا من فلسفة الحضور التي تسعى لاحتواء تصدعه واختلافه المرجأ.

يتحصل من ذلك أن الصراع الظاهر في تاريخ الفلسفة بين التقليد القديم والجديد لا تمليه حزازات شخصية أو نزعات جنسية أو دينية أو عرقية، وإنما هو صراع من صميم الوجود، ولعل هذا الطرح  هو الذي يجعلنا نولي التفكير شطر  الوجود وليس الموجود، وهو تفكير أصيل يحررنا من النزعات الضيقة التي تَحُولُ دون فعل التفكير، أي تلك التي تنسى الوجود وتقصر النظر على الموجود، مستسلمة في ذلك لانفعالات ما أنزل بها فعل التفكير من سلطان، كما هو الشأن لآن راين أحد الفيلسوفات اللوتي خصهن الكاتب بمقال ضمن الكتاب، والتي تعتبر أن إيمانويل كانط أكبر رجل سيء في تاريخ الفلسفة، بل تصفه بالفيلسوف الكسول،  لا لشيء إلا لأنه دعا لتخليق العلاقات الإنسانية، وحفظ التضامن الاجتماعي مما يتهدده من نزعات أنانية!! وهو ما يدعو بحق إلى الاستغراب، ولاسيما أنه صاحب مشروع نقدي فتح فتحا مبينا في تاريخ الفلسفة؛ فهل هناك من عاقل يمكنه أن يشكك في أهمية إسهاماته وهو صاحب “نقد العقل الخالص”، و”نقد العقل العملي”، ونقد ملكة الحكم”، و”الدين في حدود العقل”، و”أسس ميتافيزيقا الأخلاق”، و”مشروع السلام الدائم”؟ !

يدعونا هذا السؤال إلى الاحتراز من  أن تنزع الفلسفة بصيغة المؤنث منزعا يسوده التطرف والجحود بإسهامات الفلاسفة السابقين، بدل التعايش والتسامح والاعتراف المتبادل، ولاسيما أنه إن كان هناك من حيف فهو حيف ضد الإنسان، وليس ضد جنس بعينه؛ ذلك أن الاستغلال والعنف والتهميش صار قدر العالمين أمام الرأسمالية المعولمة، وما مقاربات النوع إلا قناعا للتخفيف من حدة التوثر والتهميش دون أن يعني ذلك القضاء عليه بصفة نهائية، ما لم يتم التفكير في حل جذري بعيدا عن ذر الرماد في العيون.

نستخلص مما تقدم أن انخراط النساء في تاريخ الفلسفة لا يمكن أن يكون انخراطا فاعلا إلا في ضوء  الدعوة للعيش المشترك بين مختلف فئات المجتمع، ونبذ مختلف أشكال التعصب، من أجل التأسيس لفضاء عمومي متعدد الأصوات، مثلما تعبر عن ذلك اللوحة التشكيلية في عتبة الكتاب، وهو ما جعل من الفيلسوفات موضوع الكتاب يشكلن بحق تجارب فكرية قائمة الذات ولسن فقط تجارب عرضية في حياة الفلاسفة، هذا إن لم نقل أن عظمة رجالات الفلسفة من عظمة نسائهن، سواء من ظهرن للعلن أو  المتواريات رغبة منهن أو رهبة، وربما هذا ما حدا بالكاتب للتفكير في الفلسفة بصيغة المؤنث اعترافا منه بطريقة غير مباشرة بمن لازمته في الحل والترحال، وشدت عضده في السراء والضراء،  وألهمته  في السر والعلن.

هوامش:

[1]  رشيد العلوي، الفلسفة بصيغة المؤنث، مؤسسة هنداوي، المملكة المتحدة، الطبعة الأولى، 2017.

[2]  http://hwamsh.net/tag/%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%84%D8%B3%D9%81%D8%A9-%D8%A8%D8%B5%D9%8A%D8%BA%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A4%D9%86%D8%AB/

من أرشيف الباحث عبد الرحيم رجراحي:

استئناف النَّظَر في الفلسفة الرُّشدية قراءة في كتاب رشيد العلوي[1]

بقلم عبد الرحيم رجراحي   قد يتساءل سائل، ما الهدف من إنجاز قراءة في كتاب يبحث في مشكلة فلسفية؟ ويردف ثان، ما الحاجة للنظر في مشكلة فلسفية تعود لفلسفة العصور الوسطى ونحن أبناء القرن الواحد والعشرين؟ ويتعجب ثالث، هل لازال لابن رشد راهنيته وهو الذي قضى نحبه منذ قرون خلت؟! …

أكمل القراءة »

تفكير في حركة 20 فبراير

 عبد الرحيم رجراحي يُمَثِّلُ يوم 20 فبراير من سنة 2011 حدثا تاريخيا في المغرب، تَمَّ من خلاله التأسيس لحركة اجتماعية ذات مطالب سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية، وهو ما تشهد عليه الشعارات التي رفعت في المسيرات الاحتجاجية التي خرجت في مختلف ربوع المغرب، والتي ترتَّب عن قوة تنظيمها، وتنوع تياراتها، وتضحيات …

أكمل القراءة »

في الحاجة إلى سَلَامٍ دائم

عبد الرحيم رجراحي – باحث مغربي يعد كتاب مشروع السلام الدائم[1] امتدادا للمشروع النقدي لإيمانويل كانط، بعد أن ألف نقد العقل الخالص، ونقد العقل العملي، ونقد ملكة الحكم، وفيه ينتقد الحروب التي شهدها العالم، والتي ما فتئت أسبابها في تزايد، أمام الحظ على الخيانة، وانتهاك شروط السلام، والتجسس على الدول، …

أكمل القراءة »

الأخرويات الإسلامية من الدين إلى الأدب: قراءة في رواية الأربعينية لخوان غويتيصولو[1]

عبد الرحيم رجراحي يعد خوان غويتيصولو (1931…) أنموذجا للأدب الإسباني المعاصر، خاصة في جنس الرواية؛ ذلك أن دراسة أعماله الأدبية والنقدية تكشف للناظر عن فَرادة في الإبداع وجدة في النظر لا عهد بهما للأدب القديم والحديث على حد سواء؛ وهو أمر طبيعي إذا ما أخدنا في الاعتبار أن الرجل كان …

أكمل القراءة »

الفلسفة ونظرية الحجاج

عبد الرحيم رجراحي – المغرب سعى برلمان رفقة تيتيكان من خلال مؤلفهما المشترك في الخطابة الجديدة إلى تقديم طرح جديد بخصوص الحجاج؛ لذلك كان المقصد من مؤلفهما هو تحرير الحجاج من جهتين: الأولى، من شبهات الخطابة، وما تحيل عليه من مناورات ومغالطات وتبكيتات؛ والثانية، من صرامة الجدل، وما يحيل عليه …

أكمل القراءة »

في مشروعية الدولة

عبد الرحيم رجراحي يعدُّ الإنسان كائنا مدنيا، من حيث أنه محكوم عليه أن يجتمع ببني جنسه وأن ينخرط في تدبير الشأن العام إن إيجابا أو سلبا، فاعلا أو منفعلا؛ ولما كان الأمر كذلك، فالإنسان في مسيس الحاجة لتنظيم سياسي يتولى  تدبير أموره وقضاء مصالحه وحل خلافاته. ولعل الدولة من التنظيمات …

أكمل القراءة »

شاهد أيضاً

شرعنة العنف وتفاهة الشر  عند حنة أرندت

عزالدين بوركة  (كاتب وباحث مغربي) رغم رفضها للَقب “فيلسوفة”، بحجة أنها تشتغل في التنظير السياسي، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *