الرئيسية / منتخبات / عامة /   نظرة موجزة حول رائد المقالة الحديثة “ميشال دي مونتيني”

  نظرة موجزة حول رائد المقالة الحديثة “ميشال دي مونتيني”

بقلم الباحث عبد الرحيم أمعضور 

منذ ان بدأ الكتابة ، حاول مونتين أن ينخرط وبشكل صارم في تدوين مذكراته الشخصية بأسلوب لا يقتحم كل المجالات ، كما كان مقتنعا بأن التعبير عن الذات يمكن أن يتخذ طرقا مختلفة ، ولا يمكن للفرد ان يتقيد بالكتاب كأسلوب نثري لازمه الانسان من القدم ، بل يمكنه الانفتاح ايضا على أساليب أخرى كالمقالة مادامت هي الاخرى قادرة على تأدية أغراضها التعبيرية قياسا الى التحولات الفكرية التي عرقتها اوروبا انذاك، والتي تتجلى في انتشار الصحف والمجلات ، والرغبة القوية في الابتعاد عن التكلف اللفظي والتفاصيل المملة ، وقد اختار مونتين لمقالاته التي استغرقت وقتا طويلا عنوانا وهو ” المحاولات” ومن خلال هذا العمل المتميز دشن أسلوبا جديدا في الكتابة وهو الذي اعتبره الدارسين فن المقالة .

بالعودة الى التاريخ يتضح أن العرب هم أيضا كانوا سباقين الى التفكير في المقالة ونذكر في هذا الصدد ابن الاثير من خلال كتابه ” المثل السائر” ثم القلقشندي ومؤلفه الضخم “صبح الاعشى” الذي يتضمن العديد من المقالات ، لكن معظم الدارسين بعد ذلك اعتبروا ان تلك المقالات كانت اشبه بالرسائل ، لأنها تفتقد لضوابط فن المقالة فصار بعد ذلك مونتين مؤسس المقالة الحديثة بدون منازع رغم الانتقادات اللاذعة الموجهة له من قبيل افتقاده لخطة ومنهج.

تمكن مونتين من جمع مقالاته وأصدرها في كتابين ، بحيث جمع فيها ما يقارب أربع وتسعين مقالة، كما انه لم ينشرها الا في حدود سنة 1580 وكان يعود اليها مرارا من أجل تقويتها ، وكذا تعزيز تأملاته بأكبر قدر ممكن من الامثلة و الاقتباسات ، ففي كل عودة كان يضيف اليها شيئا جديدا ، الا ان أصبح هذا الكتاب يتضمن اكثر من 1000 صفحة ، لكنه لم يتخذ منهجا خاصا في الكتابة بل تعددت الاساليب ، و لم يكن ذلك اعتباطيا بل لاعتقاده انها الطريقة الامثل لإيصال افكاره الى القراء على نحو أفضل ، وقد رفض المعرفة القائمة على الذاكرة لأنها معرضة للنسيان في اي لحظة ، لذلك ينبغي الاعتماد على الشك وعلى التفكير الحر لبناء التصورات ، وقد سخر في كتاباته من الفلاسفة اذ نجده يعتبر ارسطو رجل سطحي بل وصل الى درجة اتهام شيشرون بالغباء ، أما علماء اللاهوت فلم يسلموا بدورهم من انتقاداته اللاذعة ، خصوصا عندما يعتمدون على العقل للتدليل على صدق العقائد الايمانية ، فالدين يكون في الغالب قائم على الايمان وينبغي ان يكتفي بذلك لأنه لو استخدم الناس عقولهم لرفضوا المعجزات وخلود النفس …الخ . كما نجده يدعو الى التواضع وتفادي العنجهية والترفع كما يثير تأملا في غاية الروعة بقوله : ” ان الانسان عاجز عن ان يخلق دودة لكنه تمكن من خلق الارباب والالهة ”

صحيحً أن مونتين من خلال هذا العمل – المحاولات –  قدم لنا الكثير من التفاصيل حول حياته الخاصة ، وطعامه ، وملابسه ، وصحته ،  كما تطرق لبعض المواضيع ذات الصلة بالحياة اليومية لكنه اختار الحديث عن نفسه اولا وهو اختيار له ما يبرره اذ يعتبر ان تعميم اكتشافاته ينطلق من حياته الشخصية  لذلك يمكن للدارسين ان يتخذوا من حياته الشخصية مدخل اولي لاقتحام كتاباته وفهما .

معلوم ان مونتين كان ينتمي لعائلة ميسورة في ريف فرنسا ، تلقى تعليمه الاولي عن طريق أستاذ خاص كان يدرسه باللغة اللاتينية لأنها لغة العلم الوحيدة والمتاحة انذاك .

حاول مونتين في مجمل تفكيره أن يدافع عن أطروحة قوامها بأن الإنسان كائن متحرك  ، غير قادر على الوصول إلى الحقيقة فلا العلم ولا العقل ولا الفلسفة قادر على أن يهديه اليها بسهولة ، لأنه ببساطة يطيع العرف والأحكام المسبقة كما انه متعصب ويخضع بشكل او بأخر للظروف الخارجية وللانطباعات الخاصة. فما يعتبره الانسان ميزة يمتلكها دون غيره من الكائنات ليس صحيحا لان هناك حيوانات تمتلك مجموعة من الصفات كالصبر والوفاء كما تجدها احيانا تفوق الانسان ذكاء وجمال .

يدعو مونتين ايضا الى مراجعة علاقة الانسان بالطبيعة فهي من بين الاشياء الاكثر ليونة ، فينبغي الانحياز لها اكثر من شي اخر وقد افرد مقالاته الاخيرة لهذا الموضوع ، أما المعرفة التي ندعي انها اتت عن طريق الوحي هل هناك اثبات لذلك ؟ ماذا نعرف عن الله وعن النفس؟ فكل المفكرين الذين حاولوا الاجابة لم يتمكنوا من ذلك لان ادراكها خارج قدرة العقل .

يبدو أن الحضارة الغربية تدين بالفضل الكبير لمونتين ، لأنه قدم تصورا تبناه الانسان الغربي ودافع عنه بقوة ، ففي الوقت الذي تجد فيه الفرد يستهدف فردا اخر لدرجة القتل لا لشيء الى لفرض شيء يعتبره حقيقة منزهة ، وهو مؤشر دون شك على حجم الغباء البشري ، خرج مونتين بكتاباته ليعتبر ان ذلك الذي يمكن اعتباره حقيقة ليس سوى تخمينات ، لذلك فهو يدعو الى تعليق الحكم ، وجدير بالذكر ان جل الافكار التي يطرحها مونتين جوهرها مستمد من كتابه المفضلين كالمؤرخين والأخلاقيين  وعلى الأخص: بلوتارخ ، سينيكا ، تاكيتوس  ، كاميني ، و الشعراء: كتيرينس ، هوراس ، فيرجيل ، أوفيد…الخ

 

شاهد أيضاً

اللّعب مع سيبويه

شعر مصطفى ملح   ضَعْ تَحْتَ كُلِّ عِبارةٍ سَطْراً، وسَطْراً فَوْقَ غُصْنِ التّينِ.. جَرِّدْ من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *