الرئيسية / تربية و تعليم / فلاسفة / موليم العروسي: حكواتي في الفلسفة، وفيلسوف في الإبداع

موليم العروسي: حكواتي في الفلسفة، وفيلسوف في الإبداع

رشيد العلوي

يتمحور عمل الفرد المستقل من طِينة موليم العروسي حول ثلاثة مجالات كبرى: تتعلق الأولى ببرُوزِه كذاتٍ مُستقلة، والثانيَّة، كفاعِل اجتماعي وسيَّاسي بغضِّ النَّظر عن القيَّم والحُمولات الثقافيَّة، يتفاعل وينفعل مع مجموع التغيُّرات والأحداث الجاريَّة، والثالِثة كمُعبِرٍ يُجسَّدُ الفهم الذاتي للعالم وللأشياء.

تغطي أعمال هذا المفكر مجالات شتى: الأدب (الرواية)، الفلسفة، التحليل النفسي، النقد: الجمالي والفني والسيَّاسة… هي إذن أربعة مجالات كبرى كانت حاضرة بهذا القدر أو ذاك في فكر هذا الرجل الذي كرس حياته وجهده ونضاله في سبيل مجتمع مغربي متنور وحر وأفق إنساني كوني واسع ورحب.

ليست فلسفة الفعل المقصودة هنا بنوع الفلسفة التي تبحث عن مفاهيم ميتافيزيقية أو مجردة أو مقولات وجودية تسعى إلى فهم جوهر الدازاين من الخارج بل ينغمس في هذا الدازاين بحثا عن معنى الحياة، رغم أن مرحلة مهمة من مساره الفكري والسياسي والفلسفي كان غارقاً في الايديولوجية التي أعاد فيها النظر بفضل ألتوسير. وإنما هي فلسفة متصلة بجوهر المعيش وكنهه، متصلة بالواقع الذي يحيى فيه الفرد ويساهم فيه بكل تجاربه واحساساته وجوارحه، فلسفة ليست من نوع الفلسفة الموجهة للبراكسيس، بل النابعة من عمق التجربة الانسانيَّة، من صلب الممارسة البشريَّة المحسوسة، فلسفة فاعِلة في واقعها وتربتها، تقرأ الجاري كما هو لتضفي معنى عن حياة الأفراد والأشياء وأثرهم.

ألخص أثر موليم وفلسفته بالفعل في:

1 – الكتابة الجارحة: أي قدرته على نسغ كتابة فريدة في مجال الروايَّة، أسميها الكتابة الجارحة: كتابة نابعة من الصميم، كتابة جارحة للذات ووعيها، ولكنها في الواقع أسمى تعبير حقيقي عن الذات في عمق معاناتها، ولأنها كتابة تنتمي إلى مجال الاحساس والشعور؛ جارحة لأنها تستسلم أحيانا للاشعور وللخيال وللسرد وللشفوي وللمعيش كما هو؛ جارحة لأنها صميميَّة وعميقة وانغماسيَّة، ورغم كل ذلك استطاعت كتابته أن تحول الوقائع التاريخيَّة والمشكلات السيَّاسيَّة والمعرفيَّة والايديولوجيَّة إلى حكي سردي قادر على صوغ الأفكار في حكاية: هي حكاية ليست من نوع السرديات الكبرى كما عرفناها في فكر ما بعد الحداثة، إلا أنها ستصير حتماً محكيَّة تاريخيَّة بفعل وقوة التاريخ، هكذا فضل تعبيره الدَّال: “أنا حكواتي في الفلسفة، وفيلسوف في الإبداع”، بحيث لا يفصل بين الفلسفة وباقي التخصصات، بل هدم الجدران المؤسساتية بين الأدب والفنون والفلسفة.

2 – نقديَّة جماليَّة فاعلة وحيَّة: وفائه لمجال تخصصه وتجديد المعاني القابعة في الأثر الفني المغربي واعطائِها أبعاداً جماليَّة وفلسفيَّة في الآن ذاته، بحيث تتبع أعمال الفنانين المغاربة لما يقارب نصف قرن، بحثاً عن معنى الفرد وعن تجل الفردانيَّة وحداثة ونبل التعبيرات التي تحبل بها، دون أن ننسى أثر الايديولوجيَّة في الفن المغربي المعاصر، لذلك سبر أغوار حياة فنانين مغاربة كبار في أدق تفاصيلها الجارحة والقاتلة وليس بهين أن تعيش مأساة فنَّانٍ مبدع ومعاناته في الزمان والمكان كما فعل هو. ولهذا ظل سؤال التنوير والحداثة حاضراً بقوة في كتاباته في مجال النقد الجمالي والفني كهاجس يحرك أثر فلسفة موليم التي هي بكل تأكيد فلسفة فاعلة، وهو الذي يحث على أن الفلسفة “أصبحت مثلاً تتجه إلى أن تكون علماً دقيقاً لا يهتم إلا بالمفاهيم، مفاهيم لا تصلح لشيء غير أنها تدرس لأشخاص سوف يدرسونها بدورهم وابتعدت بذلك عن الاهتمام بالشأن العام. لم ينتج هذا عن طبيعة الفلسفة بما هي كذلك بل عن طبيعة المتفلسفين الذين شأنهم شأن باقي المثقفين والمبدعين رأوا في تصالحهم مع النظام مصلحة في أن يغيروا اتجاه اهتمامهم”، ففيما تصلح إذن المفاهيم الفلسفيَّة إذا لم تكن محايثة للبراكسيس، وتدفعنا إلى إضفاء المعنى على الحياة؟ هكذا يجمع موليم بين الفعل السيَّاسي والاجتماعي والثقافي.

3 – الالتزام بالفعل: لم يكتفي وهو المثقف العضوي بتتبع أثر الأعمال الفنيَّة فقط بل ساهم في مراحل مختلفة في إعطاء معنى للفن المعاصر الذي تمرد على الفن التجريدي نحو تعبيرات معاصرة تحاكي الفن العالمي، ولعل العديد من المعارض التي رأت النور بفضله خير مثال على ذلك. وفي مقاربته لسؤال الجسد ودور الحس والشعور في التعبير قوَّض الفكر الدوغمائي في العقلانيَّة الأكثر شهرة: عقلانية ديكارت.

4 – نقض التقليدانيَّة والنزعة المحافظة: تعبيره السياسي في شكل صورة أربك حسابات التيَّارات المحافظة التي حاولت أن تقدم لنا دروسا في التقيَّة دون جدوى، ونموذجاً ايديولوجيّاً لا علاقة له بتاريخ المغرب. فقُبلة سبيدرمان التي تتذكرونها جميعاً هي مسمار في نعش دعاة التقليدانيَّة والفكر المُحافظ، ورغم ما نتج عنها من ألم فقد كانت قُبلة كل شباب المغرب قُبلة مغرب متنور يؤمن بالفكر الحر كما نظَّر له موليم فالفكر الحر في نظره: “هو ذلك الفكر الذي لا يتردد في وضع المعرفة المكتسبة أياً كانت على محك السؤال والنظر”. أي أنه “فكر يوجد على النقيض من الفكر المتزمت الذي يعيش تحت سلطة ووصاية التقليد الأعمى”. ولهذا يشدد موليم على أن “أن الشعب الأمي أحسن بكثير من الشعب نصف المتعلم. أفضل الفلاح الذي يرتبط بالأرض ويتعامل مع الفصول ويقاوم شراسة الطبيعة هذا الفلاح أقرب إلى الفكر العقلاني من ذلك الذي غادر المدرسة في منتصف أو في نهاية التعليم الابتدائي والذي انتقل إلى المدينة لبيع التين الهندي (الهندية) أو الأقراص المدمجة لدعاة القتل والدمار والذي وقع فريسة أفكار تخرب الذهن والبدن والذي أصبح يطلق العنان للسانه لكي يُفتي في أمور الدنيا والدين. فبينما تجد الفلاح ينتبه الآن لنشرة الأحوال الجويَّة في الراديو والتلفزيون لينظم نفسه ويتعامل مع الطوارئ الجويَّة بنوع من العقلانيَّة تجِدُ النَّوع الثاني يُفسِّر كل شيء بخرافات التوكل والخوارق. إذن لو قدر لنا في يوم من الأيام أن نشرح العلمانيَّة أو مشكلة فصل الدين عن السياسة فلا يجب أن نتيه في النظريَّات وإنما أن نركز على ما هو عملي”.

5 – الهدم والبناء: قدرته على هدم الحواجز المنهجيَّة (المُنمَّطة) والعقديَّة بين مختلف التعبيرات البشريَّة، وعبارة “أنا حكواتي في الفلسفة وفيلسوف في الابداع” أصدق تعبير عن أثره في فلسفة عمليَّة وفاعِلة في واقعها وتربتها ووطنها تحمل هموم الذات التي تعبر عنها. هكذا يتزامن مع موليم فعل الهدم بما هو بناء، لأن تشييد الجديد يترافق مع الهدم الحثيث للقديم.

 

شاهد أيضاً

حوار كوة مع المفكر التونسي فريد العليبي

خاص كوة 1 : من هو فريد العليبي وكيف اهتجس بالفلسفة؟ ـ ولدت في سفح …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *