الرئيسية / صوت وصورة / الفنون الجميلة والاخلاق

الفنون الجميلة والاخلاق

عمر بوساحة رئيس الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية وبروفسور التعليم العالي بجامعة الجزائر 2

تاريخ العلاقة بين الفن والاخلاق في النقد الفني وفلسفة الجمال قديمة قدم الحضارات الانسانية، غير ان الحضارة اليونانية هي من اعطى لهذه العلاقة مكانة بارزة بالقياس إلى سابقاتها. وقد ظهر ذلك بشكل واضح كموضوع للفلسفة بداية من سقراط وأفلاطون وصولا الى أرسطو. تكلم الثلاثة عن الترابط المفترض بين القيم الثلاثة: الحق والخير والجمال. والفن بالنسبة إلى هذا الثالوث الفلسفي لا يكون ذا جدوى، ولا يكون بالتالي جميلا، إلَا إذا كان في خدمة البشر. إلى الحد الذي جعل أفلاطون يشن حربا شعواء على الشعراء ” هومروس نموذجا ” في دولته المثالية، لأن الشعراء في رأيه لم يحترموا الأخلاق وأهانوا آلهة الناس. والتراجيديا التي أولاها أرسطو أهمية كبيرة في كتابه ” فن الشعر” هي خادمة للفضيلة، وتتولى الكوميديا ذم الرذائل كما ورد لدى نفس الفيلسوف. غير أنه وعلى الرغم من هذه الأهمية لهاته النظريات الفلسفية الموجهة للعمل الفني ظل الابداع الفني في الغالب يشتغل خارجها وظلَ “هوميروس” على الرغم من “مطرقة” أفلاطون من كبار شعراء اليونان.
انتقلت هذه الأفكار الخاصة بالفن إلى مفكري العصور الوسطى وبخاصة لفلاسفة الإسلام. فكتب الفارابي حول المسألة معتمدا على ما ورد عند أرسطو تارة، وعلى ما رآه مناسبا لعصره تارة أخرى. وأهم ما ورد عنده حول علاقة الفن بالاخلاق ما ضمَنه في كتابه “كتاب الموسيقى الكبير” الذي تناول فيه موضوع ماهية الموسيقى وكيفية وضع الألحان ورسالتها الاجتماعية. والأمر نفسه ورد عند ابن سينا. وختم المسألة الفيلسوف ابن رشد، الذى لخَص كما هو معروف أعمال أرسطو ومنها “فن الشعر” الذي حاول فيه ابن رشد المطابقة بين نوعي الشعر العربي واليوناني فخانه فهمه، فالمدح والهجاء غير التراجيديا والكوميديا. ولكنه هو الآخر احتفظ في فلسفته بالوظيفة الاجتماعية للفن، هاته الوظيفة التي لم يجدها في الأشعار العربية كما قال.
لم تؤثر أفكار فلاسفة الاسلام كثيرا على الابداعية الفنية العربية، فلا الشعر تقيد بتوجيهاتهم ولا باقي الفنون، كالزخارف والمنمنمات وغيرها. ولم يكن للدين الاسلامي كذلك كبير الأثر على هذا المسار، فقد اغتنى الشعر فترة الحضارة العربية بأغراض شعرية جديدة لم تعرفها الجاهلية ولا صدر الاسلام، ومنها ما يصنف بغير الاخلاقي بالمقاييس التي أرادها الفقهاء. وقد نتذكر هنا شعر أبي نواس وغيره من الشعراء الآخرين كأبي العلاء المعري، والحلاج، والمتنبي، والقائمة طويلة. هؤلاء الذين يمثلون كبار الشعراء في تراثنا العربي الإسلامي. فالاسلام بشكل عام لم يقدم نظرية للفن ولم يعترض في الغالب الأعم سوى على الشعراء الذين عارضوا رسالته، “وهي الوظيفة التي أوكلت لحسان بن ثابت وغيره”. بدليل ان الرسول “ص” استمع الى العديد من أنواع الشعر وكان يردد بعضا مما قاله شعراء الجاهلية بما في ذلك القصيدة الغزلية كقصيدة “بانت سعاد” لكعب بن زهير مثلا.
أما عن جماليات العصور الحديثة فقد بدت الدعوة واضحة لاستقلال المجالين: الاخلاق والفن، وتكرس ذلك بداية من فلسفة إمانويل كانط في كتابه “نقد ملكة الحكم”. فالفن ابداع حر”لعب” لملكة الخيال، لذلك لا يجب أن يخضع لغايات أخرى خارجة عن نطاقه. فغايته ان يصتع الجمال والامتاع في ذاته، وان حدث إن تقاطع مع الاخلاق فبالصدفة لا بالتخطيط. فغاية الفن تحقيق المتعة في ذاتها وليس القيام بوظائف أخرى لا تمت إلى عالمه بصلة. إنه التوجه العام الذي سارت عليه الجماليات الحديثة.
في وقتنا الراهن تراجعت الجماليات ونظريات الفن لصالح حرية الابداع الفني. فقد حدثت ثورة شاملة على المرجعيات الفكرية والأخلاقية لفلسفة الحداثة، فنشأ ما يسمى بفنون ما بعد الحداثة، التي لم تعد تحسب حسابا كبيرا لأقوال الفلاسفة ولا لنظريات النقد الفني. ولنا في موسيقى العصر “الراي الجديد واحد منها” وفي السينما والعمارة والرواية وباقي الفنون مثل واضح على هذا التوجه. فقد تحررت فنون ما بعد الحداثة من غالبية القيود الأخلاقية وغيرها التي فرضتها عليها المرجعيات القديمة، وشكلت بذلك ثورة احتجاج فنية على ثقافة الرياء والاقصاء لهذا العصر وحضارته.

شاهد أيضاً

أنا الشر عَيْنُهُ

 عمر بن اعمار “أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا خَلَقْتُ الْخَيْرَ وَقَدَّرْتُهُ فَطُوبَى لِمَنْ خَلَقْتُهُ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *