الرئيسية / منشورات / جرائد / ايف شارل زاركا: التسامح كفضيلة صعبة

ايف شارل زاركا: التسامح كفضيلة صعبة

كوة: رشيد العلوي

على عكس فولتير وليسينج اللذان مدحا التسامح، فإن الفيلسوف التونسي الأصل ايف شارل زاركا Yves Charles Zarka يعتبر أن التسامح فضيلة صعبة، ولا يذهب إلى حد ذمه أو التقليل من أهميته، وإنما وضَعه موضِع تساؤلات فلسفيَّة عميقة، ففي كتابه “صعوبة التسامح” يقف كثيراً وبشكل تفصيلي ويطرح الإشكال التالي: لما التسامح هو فضيلة صعبة؟

يعتبر زاركا أن الدلالة والحمولة المعاصرة لمفهوم التسامح تختلف عن دلالة القرون الوسطى، لأنها تعني أساساً الاحترام والاعتراف: احترام واعتراف متبادل دون أيَّة صعوبات، ولهذا فالتسامح ليس فضيلة عفويَّة بل ناتجة عن تربيَّة وتنشئة اجتماعيَّة، فلا يمكننا أن نتسامح بالمعنى الأخلاقي ما لم نتلقى تربيَّة على ذلك. ويشدِّد على كون قيمة التسامح صعبة للغاية من حيث هي فضيلة أخلاقيَّة لأن معنى أن تكون متسامحاً ومنفتحاً ومحترماً للغير وقادراً على العيش معه والاعتراف باختلافه… هو أنك تتبنى خطاباً أخلاقياً موجهاً لك باعتبارك شخصاً متخلقاً ويمكنك العمل به. فلماذا إذن تشتغلون على مفهوم لا يعني شيئاً؟

يؤكد زاركا أن لا معنى للتسامح على المستوى الأخلاقي فالخطاب يوجه لأشخاص ليسوا كذلك وينصحهم بالعمل على أن يكونوا متسامحين، ولكنه مفيد على المستوى السيَّاسي / القانوني – التشريعي، وهذا ملاحظ في فكر القرنين السادس والسابع عشر وفي الفكر الوضعي الحديث وخاصة مع نهاية القرن السابع عشر مع جون لوك وبيير بايل، وفي القرن الثامن عشر مع فولتير وآخرون. وهو مفيد على المستوى القانوني – السيَّاسي لأن التسامح فعل فرضه واقع ضرورة تسامح الأديان، لدمجها المؤسساتي حيث تم الإعلان في فرنسا وبريطانيا والبلدان المنخفضة عن ميثاق التسامح للانتقال من وضع الأزمة والصراع بتعبير راينر فورست إلى وضع الاستقرار والوحدة السيَّاسية بتعبير هابرماس، تحكم فعل مأسسة التسامح والمصادقة على قوانينه ومواثيقه واعلاناته ضرورة الحفاظ على الشرعيَّة السيَّاسية لأنظمة الحكم والتي هي في شبه المستحيل دون استقرار للأوضاع الاجتماعيَّة واندماج كامل للأفراد في جماعاتهم، وهو ما لن يتم دون إقرار قوانين الردع في حق المخالفين للتشريعات السيَّاديَّة التي تضمن الحريَّة الدِّينيَّة لكل الطوائف، وعلى هذا الأساس، أفاد التسامح كثيراً في ضمان الوحدة السيَّاسية والدِّينية كأساس لظهور العلمانيَّة (الفصل بين الدولة والكنيسة، بين السياسة والدِّين).

مثل التسامح في القرنين السادس والسابع عشر ثورة ثقافية ودينية وسيَّاسية هامة على المستوى القانوني والسيَّاسي لأنه سمح بتحقيق انسجام الأديان والطوائف وحفظ الاستقرار الاجتماعي للجميع فيما يشبه عيشا مشتركا داخل أسوار المدينة الحديثة وداخل الأمة الواحدة بفضل الدور الأيديولوجي الذي لعبته قوى ونخب خارج دائرة الحكم ولكنها متعاونة كثيرا مع السُّلطة السيَّاسية لضمان الخروج من عصر الظلمات والحروب الدِّينية، كما ضمنت الانتقال من دولة محاكم التفتيش حيث تم التضحية بالمفكرين والعلماء إلى دولة الانسجام الدِّيني عوض الحروب الدِّينية التي كلفت أوروبا الكثير، لهذا نتساءل: هل يمكن أن يلعب التسامح الدِّيني دوراً في الوضع الراهن حيث تنامي الأحقاد والإقصاء وغياب الاعتراف؟ ألا يمكن إعادة التفكير في التسامح لإيجاد انسجام جديد في العالم؟ لا تكمن المشكلة اليوم في نظر إيف شارل زاركا في الدِّين وفي المطالبة بالتسامح الدِّيني شأنه في ذلك شأن يورغن هابرماس وراينر فورست وإنما في مستويات أخرى ثقافية ولغوية واختلاف طرق العيش، وتعدد الاعتقادات المتنوعة والمقصيَّة أحياناً والتي يمكن أن تقود مجدداً إلى دولة الاقصاء ومحاكم التفتيش ما لم يتم تدارك الأمر واستباق الأحداث.

يقف إيف شارل زاركا على النماذج المعاصرة التي عالجت مسألة التسامح من قبيل جون راولز (ليس راولز الأول صاحب نظريَّة العدالة وانما راولز الثاني صاحب السيَّاسة اللِّيبراليَّة) والذي أخص التسامح مكانة هامة ومركزيَّة في تفكيره وتحديداً محاولته لمعرفة: كيف يمكن للجماعات المختلفة أن تحقق الانسجام لأنها تتبنى منظورات وتمثلات مختلفة لمفهوم الخير؟ وميشيل والزر michael walzer الذي طرح التسامح على المستوى العالمي والحاجة إلى تعاقدات دوليَّة لضمان سِلم شامل ودائم، وشارل تايلور charles taylor الذي نظَّر للتعدديَّة الثقافيَّة في كندا إلى جانب ويل كيمليكا، ويورغن هابرماس الذي أقام بمعيته ندوة علميَّة في الموضوع سنة 2002 في السوربون حول التسامح… ليخلص إلى أن كل هؤلاء وغيرهم من المهتمين بفلسفة القانون وبالفلسفة السيَّاسيَّة والعلوم السيَّاسيَّة يشهدون على حقيقة انتقال التسامح المعاصر من الدِّين إلى الثقافة، ولذلك يشدد: “ليس التسامح اليوم مجرد مسألة تاريخيَّة وإنما فلسفيَّة لا نطرحها لكي نعيد ما قاله جون لوك أو سيبستيان كاستيليون sébastien castellion أو بيير بايل pierre bayle أو فولتير voltaire وإنما للإجابة عن المعضلات السيَّاسية التي تمزق العالم المعاصر”.

يعتقد ايف شارل زاركا أن السؤال الأهم عنده هو: هل يمكن أن نبني تصوراً قانونيّاً – سيَّاسياً للتسامح في الديمقراطيَّات الدستوريَّة بهدفين: 1 – أن نجعلها ديمقراطيَّات غير ظالمة 2 – تسمح بحل الصراعات بين الجماعات التي تخترقه؟

هذا هو الرهان المطروح على العالم الغربي الذي يمجد النماذج الديمقراطيَّة والدستوريَّة لديه، بل ويسعى إلى تعميمها على تجارب أخرى ناشئة وأحياناً يفرضُها بالقوة وكأنها قدر محتوم. في حين أننا نجد ثقافة تسامح أقوى في مجتمعات غير متقدمة ولم تعرف بعد سيطرة موجة النيوليبرالية أو الرأسمالية المتوحشة ومع ذلك تعتبر من منظور التقدم الرأسمالي مجتمعات متخلفة وغير آهلة لدخول نادي الدول الأقوى اقتصاداً، وهو ما يدعو إلى التفكير في جوهر التسامح كما نظَّر له كبار فلاسفة التنوير والذي تجسد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وفي المواثيق والعهود والحقوق المكملة له لأن حجم مشكلات اليوم تتجاوز تنظيرات القرنين السابع والثامن عشر وما قبلهما، وهو ما يضفي على أطروحة صعوبة التسامح كما فكر فيها ايف شارل زاركا مصداقية وذات راهنية كبرى في عالم يعج بالتناقضات على أعلى المستويات.

 

شاهد أيضاً

انسحبت مُبَكِّرًا من الفلسفة لذلك لم أشرب مما شرب منه سقراط

بقلم: عمر بن أعمارة “بتعاطي الفلسفة كما ينبغي، لا يفعل المرء غير طلب الموت” أفلاطون …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *