جديد
الرئيسية / فكر وفلسفة / مقالات / راينر فورست: تنبثق الحاجة إلى التسامح من صلب الصراع والنِّزاع

راينر فورست: تنبثق الحاجة إلى التسامح من صلب الصراع والنِّزاع

كوة: رشيد العلوي

“يتوجب على التسامح أن يكون مؤقتاً فقط، عليه أن يقود إلى الاعتراف فالتسامح إهانة”، غوته.

يعد الفيلسوف الألماني المعاصر راينر فروست أحد أبرز وجوه النظريَّة النَّقديَّة بحيث يمثل الجيل الرابع من أجيال مدرسة فرانكفورت شأنه شأن جوديث بتلر ونانسي فرازر وأكسيل هونيث مدير المدرسة حالياً. ولد فورست في مدينة فيزبادن يوم 15 غشت 1964 وتحصل على شهادة الدكتوراه في موضوع “سيَّاقات العدالة” تحت إشراف يورغن هابرماس سنة 1993 ويشغل حالياً منصب أستاذ النَّظريَّة السيَّاسيَّة بجامعة غوته بفرانكفورت الألمانيَّة وكتب عن العدالة والتسامح والحق في التبرير وقضيَّة الاعتراف التي ساجل فيها نانسي فريزر وأكسيل هونيث، وحضي باهتمام بالغ في أوروبا وأمريكا بسبب نقاشاته الحادة مع اللِّيبراليَّة السيَّاسيَّة ومع أستاذه هابرماس.

ينطلق فروست من فرضية أن مفهوم التسامح لا ينشأ إلا في ظل وجود صراع ونزاع يصعب تخطيه أو مجاوزته، وهو ما نتلمسه بشكل جلي في وضع العالم اليوم بكل نزاعاتِه العرقيَّة والدينيَّة واللُّغويَّة والجنسيَّة والثقافيَّة والاقتصاديَّة، لأن التبريرات الدينيَّة للحاجة إلى التسامح لم تعُد مقبولة كما كان الأمر في القرنين السَّابع والثامن عشر بل نحن بحاجة إلى تسامح مبني على أسس حقوقيَّة وسيَّاسيَّة جديدة لاستتباب الأمن والاستقرار في كل رقع وبؤر التوتر والصراعات المسلحة والحروب الأهليَّة، وعلى هذا الأساس جاء إعلان منظمة اليونسكو (موسكو 1995) “إعلان مبادئ التسامح” كأرضيَّة ضروريَّة جواباً على الوضع العالمي الراهن، بما هو إعلان يتجاوز التبريرات والأسس الدِّينيَّة التي قام عليها التسامح أيام الحروب الدِّينيَّة.

يفيد التسامح في النِّزاع بحسب راينر فورست أربعة معانٍ:

أولًا، إن مفهوم التسامح يرتبط صميميًّا بالِّنزاع؛ لأنه سلوك أو ممارسة، لا يصبح ضروريًّا إلا عند اندلاع نزاع ما. أي أن الفرقاء في نزاع ما، ينتهون إلى اتخاذ موقف متسامح؛ لأنهم يرون أن أسباب الرفض المتبادل تقف حيالها أسباب أخرى للقبول المتبادل، حتى إن كانت أسباب القبول المتبادل لا تسمح بتجاوز أسباب الرفض، لكنها تتحدث لصالح التسامح، بل تطالب به. إن وعد التسامح يقول بإمكانية التعايش في ظل الاختلاف.

ثانيًا، أن مطلب التسامح لا يمكن أن يتحقق فيما وراء الصراعات التي يعرفها مجتمع ما، بل يُولَد في رحمها، بشكل يجعل الشكل الواقعي للتسامح مرتبطًا بالظروف التي تحيط به.

ثالثا، تاريخ التسامح هو تاريخ النزاع، وتاريخ التسامح وحاضره – كما سيظهر لنا ذلك – هو دائمًا تاريخ الصراعات الاجتماعية وحاضرها. إن مفهوم التسامح متجذر في هذا التاريخ، وكي نفهمه في كل تعقيده، يجب علينا استعادة هذا التاريخ.

رابعاً، إن الاختلافات المتعلقة باستعمال وتقييم مفهوم التسامح، تعود إلى التصورات المختلفة التي نشأت عبر التاريخ، وفي صراع بعضها مع بعض، حول هذا المفهوم.

ويعتبر أن التسامح مفهوم من الصعب الإمساك به فلسفيًّا، وأن خطاب التسامح من الناحيَّة التاريخيَّة يتسم بمنظورين: منظور تاريخي للدولة، ومنظور تذاوتي. وهو ما عبر عنه يورغن هابرماس في بيانه أن مقاربة هذا المفهوم يطرح مشكلات أخلاقيَّة مرتبطة بالعلاقات بين الأفراد والجماعات في تدبير شؤونها الروحيَّة والعقديَّة وتعبُّداتِها وممارساتها، ومشكلات سيَّاسيَّة تتصل بمبدأ الحيَّاديَّة في الدولة الديمقراطيَّة الدستوريَّة كما بلوره جون راولز في أطروحاته حول اللِّيبراليَّة السيَّاسيَّة.

 

يشدد راينر على أن خطاب التسامح يتسم، إذا ما ألقينا عليه نظرة تاريخيَّة، بمنظورين يتموقع أحدهما فوق الآخر: منظور تاريخي للدولة «عمودي»، ومنظور تذاوتي «أفقي». وبخصوص المنظور الأول، يفهم التسامح أساسًا بوصفه ممارسة سيَّاسيَّة، وشكلًا من أشكال سيَّاسة الدولة، شغله الشاغل صيَّانة السلام والنِّظام العام والاستقرار والقانون أو الدستور ومن ثمة الحفاظ على السُّلطة.

أما المنظور الثاني، فيفهم التسامح كسلوك، أي كخلق يتحلى به أشخاص في سلوكيَّاتهم، وفي تصرفاتهم إزاء النزاعات التي تنشب بينهم بسبب قناعاتهم المختلفة، يبدو التسامح مسلكًا مناسبًا وصحيحًا بالنسبة لهم. هذان المنظوران لا يمكن الفصل دومًا بينهما بوضوح، وهما يفعلان فعلهما في وقت واحد لدى بعض المؤلفين، مع أن التفريق بينهما يوضح بدرجة رفيعة خطاب التسامح المعقد. لذلك يقول في كتابه “التسامح في النزاع.. فضيلة تدعو إليها الأخلاق أو موقف متعجرف؟”: “إن النظر بأعين متسامحة إلى الذات والعالم يعني القدرة على التمييز بين ما يستطيع البشر طلبه أخلاقيًّا بعضهم من بعض، ولربما يكون أكثر أهمية بكثير بالنسبة لهم، ألا وهو أفكارهم حول ما يجعل الحياة خيرة وتستحق أن تعاش”.

يساند راينر فورست في أطروحته يورغن هابرماس في تقريره للحاجة إلى اعتبار الاضطهاد الثقافي والعرقي والجنسي مشابهاً للاضطهاد الدِّيني بحيث يحث على ضرورة صياغة مقاربة معياريَّة جديدة للأخلاق ولهويَّة الأشخاص، لذلك يقول: “لا يواكب الوعي بتنوع تصورات الخير تطور فكرة التسامح فقط، بل يلازم أيضًا شرعيَّة هذه التعدُّدية. وبذلك يصير الحديث عن «خطاب التسامح» انعكاسيًّا، ويصف –استنادًا إلى مفهوم الخطاب عند يورغن هابرماس- خطاب شرعنة التسامح، الذي يجب على الحجج المعياريَّة دعمه، بما أن لها، بذلك، نوعيَّة معياريَّة تراتبيَّة وملزمة، تبرز في مواجهة القناعات والسلوكات القيميَّة المنخرطة في النِّزاع. هكذا يكون تاريخ التسامح تاريخَ تبلورِ فهمٍ جديد للأخلاق، ونظرة جديدة إلى هوية الأشخاص الإثيقية والقانونيَّة والسيَّاسية والأخلاقيَّة، وهو تاريخ مفعم بالصراع لمطالب معياريَّة وللنزاعات ولإعادة تعريف مستمرة لفهم الإنسان لذاته”. ممَّا يفرض الحاجة إلى إعادة النَّظر في المبادئ المؤطرة لشرعيَّة الدولة الديمقراطيَّة المعاصرة ومنها أساساً مبدأ الحيَّاديَّة وتصور الخير، لأن الجماعات الثقافيَّة المتعددة يهمها أيضاً أمر السيَّاسة. وهكذا فإن “تنافر مساري الأخلاق والسُّلطة يجعل مطلب التسامح مدفوعًا بالمساءلة المستمرة لشرعيَّة علاقات التسامح القائمة”، وما يعنيه ذلك من أن حل هذا التنافر يجعل راينر بعيداً عن جون راولز لأن الأمر لا يخص فقط نحت مبادئ معياريَّة جديدة، وقريباً من كانط لصياغة تصور للتسامح “يمتلك أساسًا أخلاقيًّا مستقلًّا، يتأصل في نهاية الأمر في مفهوم محدد للعقل العملي – التبريري – والاستقلالية الأخلاقيَّة”.

نشر في جريدة الأحداث المغربية عدد 6586 يوم 03 غشت 2018.

شاهد أيضاً

الخلود في فلسفة عصر النهضة

علي محمد اليوسف يبّين  الجدل الدائر عن الخلود موجّه باسره ضد علم اللاهوت الطبيعي،  ماجعل(بومبو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *