جديد
الرئيسية / Non classé / أنا الشر عَيْنُهُ

أنا الشر عَيْنُهُ

 عمر بن اعمار

“أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا خَلَقْتُ الْخَيْرَ وَقَدَّرْتُهُ فَطُوبَى لِمَنْ خَلَقْتُهُ لِلْخَيْرِ وَخَلَقْتُ الْخَيْرَ لَهُ وَأَجْرَيْتُ الْخَيْرَ عَلَى يَدَيْهِ , أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا خَلَقْتُ الشَّرَّ وَقَدَّرْتُهُ فَوَيْلٌ لِمَنْ خَلَقْتُ الشَّرَّ لَهُ وَخَلَقْتُهُ لِلشَّرِّ وَأَجْرَيْتُ الشَّرَّ عَلَى يَدَيْهِ .حديث قدسي ضُعِّفَ من حيث السند.

“اللهم إنا نعوذ بك من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا”. عوذة علمها رسول الله عليه السلام لرجل حين طلبه

“حقا أقول لكم، إن البشر هم الذين ابتدعوا لأنفسهم كل الخير والشر. حقا، لم يتسلموا ذلك، ولم يجدوا ذلك، ولاشيء من ذلك جاءهم وحيا من السماء.” فريديريش نيتشه ،كتاب: هكذا تكلم زرادشت ترجمة علي مصباح صفحة121.

ماذا لو خرجت ذات صباح مشمس أو في ليلة مقمرة وأنا حامل ثقبا أسودا على شمالي ورحت أمشي على الأزقة والدروب وأصيح: “أنا الشر، أنا الشر عينه، أنا الشر نفسه، أنا الشر ذاته”، وأخذت أمتص وأبتلع كل الأنوار: من نور الشمس حتى نور القمر. كيف ستكون ردة فعل العموم ؟ هل سيلتف من حولي الناس ؟ هل سيستنكرون فعلي وأمري ؟ هل سيهرعون إلى بيوتهم ويقفلوا أبوابهم ؟ أكيد أن منهم من سيعتبر الحدث من علامات الساعة والنهاية، هناك من سيقفل باب بيته ونوافذها مرددا “صَبَّحْنا على الله” أو “حسبي الله ونعم الوكيل “، هناك من سيعتبرني مجرد مشعوذ أو دجال حداثي أو حتى أحمق ومعتوه. هل سيعملون على الإمساك بي ليصلبوني أو ليرجموني كي يتخلصوا من كل ما هو شر في أنفسهم ؟ ربما أطفال بعض الأزقة سيعملون على رشقي بالحجارة. أكيد أن السلطات المختصة ستكون معنية بالأمر وستتدخل في لحظة ما حين ستجد نفسها أمام حدث قد يثير من الفتنة ما قد ينفلت من قبضتها، كي تتحرى في أمري وإن كان من ورائي ما يفزعها أو أن الأمر لا يعدو أن يكون سوى مجرد رقم انضاف إلى لائحة ضحايا ومعتوهي هذا البلد. وإن استدعتني للتحقيق معي، فتحت أي عنوان ستفتح الملف ؟ وأي نوع من الأسئلة ستخطر على بال مخبريها كي يطرحوها علي؟ وماذا ستسجل وتدون في محاضرها ؟ وهل سيغلق الملف أم سيبقى مفتوحا للمزيد من البحث والتحري؟.

حين يطلب المسلم في إحدى دعواته: “اللهم إنا نعوذ بك من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا”. أليس في هذا الدعاء الاعتراف الصريح ما يفيد بأنني (أنا الشر) أسكن كل نفس؟ ماذا لو عمل المسلمون على تأسيس فرع في علم النفس اختصاصه الوحيد هو سحب الشرور من كل النفوس البشرية كتتمة وتفعيلا لدعائهم هذا، مادام البعض منهم يكلف نفسه عناء البحث عن كل ما هو علم وعلوم في الكتاب والسنة ؟.

أنا الشر، أنا الآن أعلن وأفصح عن نفسي، أنظر إلى ذاتي فيكم كي أراكم وأجدكم في. أنا أتأسس خارج كل المعايير والأبعاد وحتى القوانين، لست بالمتناهي أو حتى اللامتناهي، أتواجد خارج الزمان والمكان، لا شكل لي ولا جوهر، لا سطح لي ولا عمق، لست بكم ولا كيف، لا فعل ولا انفعال لي، أنا خارج الوحدة والكثرة، لست بعلة ولا معلول، خارج الصواب والخطأ أسكن أنا، القوة والضعف أبعد من كل رهاناتي، الحقيقة والوهم ليسوا مما يثير شهيتي، حتى الموت والحياة لا حضور لهما في وجودي. ولتبحثوا في كتبكم وعند كهانتكم فلن تجدوا من وصفة جاهزة تليق بي كي تدمروني أو حتى تستبعدونني عن طريقكم التي هي في آخر المطاف طريقي. فكيف لكم أن تتخلصوا مني هل هناك من يتخلص من ذاته ؟. وجودي في عدمكم وعدمكم ما هو إلا شكل من أشكال حضوري، أراهن على كل الفراغات كي أعمم نفسي، أنا من صممت للعدم كي يرى الظلام، أنا أوجد خارج الأنا وخارج الهو بل حتى خارج نفسي. لا كينونة لي إلا كينونتكم السائلة، لا زمان لي إلا ما انتهى من زمانكم، لا نزوع لكم إلا نحوي بل أنتم ديمومتي أنا في حلتي الدائمة.

كل توقيعاتي تكون باسم العدم، كل الكوارث هي مجرد فتات من موائدي المفضلة، أنا أنشر شظايا شروري في كل ما هو حياة فيكم، فتدمير كل ما هو جميل من واجباتي اليومية ونبذ كل ما هو سعادة رياضتي المفضلة وتقويض كل ما هو أمل وتفاءل من أعمالي الروتينية وتبديد كل ما هو أحلام جزء من مخططاتي المسطرة، إنني أمقت كل ما هو حقوق، واجبات، مساوات، عدل وأخوة، من مشاغلي واهتماماتي تجفيف كل البحيرات وحرق كل الزهور وإطفاء كل الشموع وتشطيب كل الكتب وتكسير كل الأجنحة، في كل صباح أنثر من روحي على كَوْنكم وكل ما هو متوهج أعمل على إطفائه، لا أعدكم بسعادة ما أو بأي سلام على وجه الأرض، لكن أدعوكم باستمرار إلى مائدة الجحيم وأؤكد لكم دائما أنكم تجهلون كل شيء في وعني. قد تفعلون كل شيء كي تلغوني، لكن بأعمالكم هذه لا تقومون سوى على تقويتي وتعظيمي. ألم تسعوا جميعا وبكل الطرق كي تكتشفوا أمري وما بداخلي؟.

ماذا يعني أن أكون أنا الشر؟ لماذا يتبرأ ويتهرب الكل مني؟ لماذا لا أحد منكم أراد أن يعلن ويجهر عن انتسابه إلي؟ ماذا يعني ألا تنتموا جميعا إلي رغم أنني أتشكل منكم في غيابكم ووجودكم وما أفعالكم اليومية إلا بعض من حركاتي؟ لماذا كلما تستحضرونني أنا والخير تضعونني دائما بعده، ألست أنا الأصل فيكم ؟ ألست أنا البداية والنهاية في كونكم ؟ أنا الشر ذاته وفي ذاته وبذاته ولذواتكم أنتم. أنا الشر عينه، أنا الجوهر فيكم، لم أولد لكن أنا من أوجدت نفسي لنفسي ولكم. كل الآلهة – بمن فيها إله الشر نفسه – سعت عبر كل الطرق لمحاربتي ولإبادتي واجتثاثي أو على الأقل الحد من أثر تصرفاتي وأفعالي وخطورتي، لكن أظل أنا هو أنا دائما وأبدا وما الخير الذي تنشدونه إلا فتاتا مما يتساقط مني في لحظات ما من شروري، كل محاولاتكم باءت وستبوء بالفشل لأنكم لا تعرفونني ولن تفهموني. ألم يقل أحد منكم -المسمى ايمانويل كانط – في ذات رأي: “إنه لا يمكن معرفة الشيء في ذاته” بعقولكم التي هي نفسها جزء من فتات مائدتي التي لن أدعو أبدا أحدا منكم إليها ؟ إذن أنا هو الشيء الذي لا يمكن معرفته في ذاته. فمن منكم باستطاعته أن يصنع إطارا لي أو حتى يضع تعريفا دقيقا أو عاما لي ؟ فحتى الذين تجرؤوا منكم لم يعملوا سوى على وصفي واستعراض بعض من ظواهري وتجلياتي وأثر أفعالي. إن محاولاتكم العمل على إلغائي أو التخلص مني لن تأتي بأي نتيجة تترجونها، لأن في إلغائي أنا أوجد، أسكن، أكبر وأستمر وما العدم إن لم يكن جزءا من تمظهراتي ؟.

إنني أراقبكم بعيوني التي تفيض حقدا وضغينة. أنتم كلما اقتربتم مني كلما وجدتم أنفسكم الشريرة، أنا أهاتفكم من أعماقكم، أنا رنين دواخلكم كلما غَلَّبْتُمْ شروركم المفيدة، لماذا لا تستطيعون أن توَقِّعوا تحت شروركم وتعلنوا عن انتمائكم الصريح إلى أنفسكم. سأظل أقذف بحممي كل صباح لأريحكم من كل حقد يكسو تصرفاتكم، كل براكين الجغرافيا والتاريخ هدايا مني لكل من يركب ضغينة الدمار منكم، كل الأعاصير التي تجتاحكم ليست إلا غفواتي المريحة وما الزلازل إلا أطيافا من حركاتي الهوجاء في لحظات انتشائي بعد انتصاراتي على كل ما هو خير فيكم، أنا أحمل من الشر ما فيه الكفاية كي أتلف كل تواريخ ميلادكم وبذور أزهاركم وكي أذكركم باستمرار بلحظات موتكم، فنائكم ونهاياتكم. وما نفاياتكم النووية إلا جزءا من فتات مائدتي المفضلة وما قواعدكم العسكرية إلا بعضا من بيوتي وأشكال من مقاماتي، كل حروبكم المقدسة والقذرة ماهي إلا جزءا من غضبي المريح، فلا تجعلوني أستضيفكم دائما لموائدي وبيوتي وغضبي.

في كل الوجبات التي أقيمها على شرف غيابكم أدعوكم إلى أنفسكم ولا تستجيبون، فما أنتم إلا أشكالا معتمة من حضوري. كل استقراري واستمراري لا يتم إلا خارج كل أشكال قواعدكم. أنا الآن أراهن دائما على مخازن الخبث فيكم، ففي ذات مرة صاح ذلك المسمى نيتشه حينما أراد أن يتحدث إلينا على لسان زرادشت: “أنا لا أحب في الأساس غير الحياة – والحق أقول لكم، إنني لا أحبها أكثر مما أفعل عندما أكون حاقدا عليها ! ” (نفس المرجع السابق ص 215   ) وأضاف قائلا: “الحق أقول لكم إن خيرا وشرّا خالدين في الثبات – أمر لا وجود له ! كل شيء محكوم بضرورة تجاوز نفسه على الدوام”.( نفس المرجع ص 230).

ولنتجاوز أنفسنا عملا بحكمة نيتشه على لسان زرادشت أو “اللهم إنا نعوذ بك من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا”. عملا بعوذة نبي الإسلام عليه السلام.

شاهد أيضاً

عندما تَصرخُ الأجساد.. تقديم لرواية “صهيلُ جسدٍ”

محمد بدازي باحث في الفلسفة ومهتم بالأدب منذ البداية، يتعرف قارئ رواية “صهيلُ جسدٍ” على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *