الرئيسية / منتخبات / عامة /  أركون تحت سهام حميش أو النقد كإلغاء للآخر

 أركون تحت سهام حميش أو النقد كإلغاء للآخر

عمر بن اعمارة

 

“في الإسلام الثقافي”

هو عنوان الكتاب الذي أصدره الكاتب المغربي الدكتور بنسالم حميش عن الدار المصرية اللبنانية للنشر الطبعة الأولى مايو 2016 يقع فيما مجموعه 336 صفحة ،21 سم وهو مقسم الى مقدمة وستة فصول وخاتمات و ثلاثة ملاحق.

الكتاب، بعد المقدمة تحدث في خمسة فصول، عن عينة من الأعلام الكبار(ف 1 أبو حنيفة ،ف  2 التوحيدي ،ف 3 ابن بطوطة ،ف 4 ابن رشد ،ف 5 ابن خلدون) الذين اجتهدوا وطبعوا تاريخ الحضارة العربية الاسلامية بإبداعاتهم المتميزة، كما تحدث في الفصل السادس عما أسماه الكاتب، حقوق الانسان والمرجعية الإسلامية، وفي خاتمات استعرض ما عنونه ب :-1- ان الاسلاموفوبيا لواقع .-2- محمد أركون بين الاختزال والافتراء.-3- عن المدجنين الجدد.وختم بملاحق حول: 1- هكذا تكلم نيتشه في الاسلام .2- نص لهيجل. 3- نصوص منتقاه .

الكتاب في عمومه لم يأتي بأي جديد يذكر ولم نلمس فيه أي اجتهاد أو ابداع فكري أو بناء نظري وفلسفي مؤسس. نفس المواضيع المتداولة على صفحات المجلات والكتب باستمرار خصوصا في العقود و السنين الأخيرة، حيث رحلة القرن وتذكرة سفر الى التراث متوفرة للجميع . لا أدري لماذا تم تغييب أعلام “الاسلام الشيعي” مادام الكتاب يتحدث عن الاسلام الثقافي في شموليته ؟. في ما أسماه الكاتب في الفصل السادس “حقوق الانسان والمرجعية الاسلامية” تناول عدة اشكالات من القضايا الساخنة والمثارة في الراهن من طرف الرأي العام الوطني والعربي (الايمانية، حرية العقيدة و وضع المرتد، المرأة و تعدد الزوجات، الزوجة الناشزة، قطع يد السارق، عقوبة الزنى، حاشية في الارث) لم نلاحظ أدنى جهد أو اجتهاد أو طراوة في الطرح، بقدر ما صادفنا إعادة وتكرار واجترار، بل طغى أسلوب الانتقاء والتلفيق. لكن رغم ذلك نشكر الكاتب على الجهد الذي بذله خصوصا في انتقاء وجمع بعض النصوص ونقلها إلى القارئ.

ما أثارني أساسا في الكتاب،هو شق خاتمات وبالتحديد النص الثاني المعنون ب “محمد أركون بين الاختزال والافتراء”،فالمقال هو نفسه الذي نشر تحت عنوان “بنسالم حميش يكتب عن أركون بين الاختزال والافتراء” على صفحات أحد المواقع الإليكترونية في 23 فبراير من سنة 2016 مع بعض الحذف الذي لم يمس المقال في جوهره ومضمونه.

مع انتهائي من قراءة المقال للمرة الثانية على التوالي، كانت  أسئلة كثيرة وبعض الخلاصات تتسابق و تتزاحم في ذهني، نظرا لطبيعة المقال، وصاحبه ،والمعني بالنقد فيه ،ولكثرة النقط التي أثارها. وقريبا من الموضوعية المطلوبة، ولو في حدها الأدنى في أي خطاب يتوخى الإفادة والاستفادة، و بما أن

مساحة المقال لا تتسع للرد على كل النقط التي أثارها السيد حميش ( حوالي خمسين نقطة) كما أنني لست من أصحاب الثقافة المترامية الأطراف ولا من الراسخين في العلم ،سأكتفي بالإشارة والرد على بعض النقط التي أراها أساسية.

 * حين يمارس النقد كإلغاء للآخر.

أولا : في المنهجية وموضوع المقال .

موضوع المقال كان هو المفكر التنويري المرحوم محمد أركون ومساره الفكري والعملي، حيث كاتب المقال صال وجال في حياة أركون، سلوكه، تصرفاته، لسانه، طموحاته، مشاريعه، فكره ومواقفه من عدة قضايا وعلاقاته ببعض المثقفين العرب وبمسلمي فرنسا وكذا بسلطاتها، كما لم يفت الكاتب الخوض في هندام وطريقة نطق اركون اللغة العربية واللغة الفرنسية. ربما المقال كانت تنقصه الإشارة إلى طفولة اركون وسجله العدلي  لتكتمل سيرته الذاتية .منهجية المقال إتسمت بحضور إستراتيجية الاجتياح والتدمير والارتجالية والخوض في الجزئيات المملة ،وغياب وحدة الموضوع حيث نبش ما يقرب عن خمسين نقطة وقضية: من كون أركون يدين للإستشراق التقليدي بالكثير، الى طرده من دوائر الفكر الفلسفي والبحث القويم الموضوعي، وحشره مع زمرة الإيديولوجيا والتزييف فالنسيان والزوال .فإن كان اركون يستعمل المنهج التفكيكي ويحمل المعول ،مما عابه عليه الاستاذ حميش ،فان هذا الاخير ركب الجرافة بل حرك مدفعيته الثقيلة وأخذ يقصف في كل الاتجاهات واستعمل المنهج “التفخيخي التفجيري” إذا جاز لنا ان نستعير هذا المصطلح من المجال الحربي ونستعمله هنا.

ثانيا : في أدب الحوار .  “وجادلهم بالتي هي أحسن :القرآن الكريم

الأخلاق قبل المعرفة والعلم .

إن كاتب المقال، لم يراع ولم يحترم أبجديات أدب الحوار، فلم يحترم لا نفسه ولا مكانته العلمية ،ولم يحترم أركون كما لم يحترمنا كقرائه ، فالكاتب لم يشر ولو مرة واحدة الى وضعية اركون الحالية، فلم يقل مثلا، المرحوم، أو الراحل، أو الهالك. الكاتب راح يخوض في سلوك أركون وأموره الشخصية ، مثلا علاقته ببعض المثقفين العرب، علاقته بمسلمي فرنسا ، التقليل من قيمة المرحوم العلمية، الإعابة عليه في طريقة نطقه وكلامه باللغة العربية ،- وهو ذو الأصول الأمازيغية وعاش و كبر تحت هيمنة المستعمر الفرنسي كما هاجر واستقر مبكرا بفرنسا – يقول حميش عن أركون: ” بضاعة الإسلامولوجي أركون من اللغة العربية دون المستوى المطلوب من متخصص، فإن تكلمها أَلَكَنَ ولحن، وعن كتابتها عجز وتأخر ” – الأستاذ لا يحتاج إلى تذكيره أن المرحوم أركون لم يرضع ثديا عربيا مبينا و لم يكن فقيهه الأول عربي اللسان كما أن أباه لم يرسله إلى بوادي قريش حتى يصقل و يتملك اللسان العربي الأصيل والفصيح -. حميش هنا كمن يطلب من السوسي أو الريفي أن ينطق الدارجة المغربية كما ينطقها الشاوي أو الفاسي . أو من الإفريقي أن ينطق الفرنسية كما ينطقها الفرنسي أو البلجيكي . وهل نذكر أستاذنا المحترم أنه في مرحلة ما اشتغل كوزير الثقافة لكل المغاربة .فما موقعه من الثقافة الأمازيغية و ما علاقته بها و بإشكالاتها ؟ وهل يجيد التحدث بها ؟ وماذا قدم لها كثروة وطنية  أم لا فائدة ترجى من لغة وثقافة البرابرة ؟.و المفروض في أي وزير للثقافة في المملكة المغربية أن يتقن اللغة الأمازيغية و أن يكون على دراية تامة بثقافتها كحد أدنى .

شخصيا لا أدري و لا أفهم كيف كان المفكر أركون يقرأ ويستنطق ويفهم  ويدرس في جامعة السربون كنوز التراث العربي الاسلامي إن كان لا يتقن هذه اللغة ؟.

ثالثا : في الموضوعية .” لاتبخسوا الناس أشياءهم” :القرآن الكريم

إن السيد حميش لم يلتزم بالحد الأدنى من الموضوعية والتجرد في مقاله هذا ، إذ تحكمته العدمية حيث لم يشير ولو لنقطة واحدة ايجابية في مسار أركون الفكري الذي تجاوز أربعين سنة من العطاء ما دام قد أخضع تجربة المرحوم كلها للنقد، الكاتب لجأ إلى أسلوب الاختزال والتضليل والافتراء ، الكاتب لم يستعين إلا بالقليل من المراجع التي استقى منها استنتاجاته.كما أنه راح يفتش في حياة اركون وعلاقاته .

رابعا : في التصنيف .

إن نقد السيد حميش لأركون، ينصب في الانتقادات القديمة التي تعتمد الاتهامات والتصنيفات ،فهو يجسد هنا النموذج العقائدي الدوغمائي في شكله الحديث ،فالكاتب في مرات عديدة مارس الكر والفر، واللف والدوران حول هوامش فكر أركون، وذلك من أجل أن يصنفه خارج ” خير طائفة أو صفوة أخرجت للناس “،وخارج جنة البحث العلمي . إذ على ما يبدو أن كاتب المقال هو المالك للمفاتيح وهو الآمر والناهي .وبالتالي المقال كان عبارة عن محاكمة غيابية لمسار وفكر اركون ، لكن دون احترام الحد الأدنى لأسس وقوانين المحاكمة العادلة ، فالمقال مارس قراءة متربصة ومغرضة ،بل قصد وأصر على التضليل من أجل التشويه. فمن أول جملة إلى آخر جملة في المقال،كان يبحث جاهدا عن الشيطان في مسار أربعين سنة من الفكر والعطاء ،بل حتى في سلوك  وممارسات وعلاقات المرحوم بالآخرين .

خامسا : مجرد تساؤلات

– هل فعلا عمل كاتب المقال بمقولة الفيلسوف الفرنسي  غاستون باشلارالتي استحضرها في مقدمة مقاله المنشور على صفحات هيسبريس إن المعرفة المتماسكة هي نتاج العقل السجالي وليس العقل المعماري” ؟.

– هل فعلا كاتب هذا النص اطلع على كتابات أركون بما يكفي لاستصدار أحكام عامة وشاملة ثقيلة ؟

– ألم تصاحب كاتبنا طيلة مقاله  انتقائية مفرطة إلى درجة طفت وغطت على أية موضوعية مفترضة ؟

– ألم يسقط الكاتب فيما اتهم به أركون من الاختزال والافتراء ؟

– لماذا لم ينفد الكاتب إلى عمق مشروع أركون وظل يحوم حول هوامشه ؟ مثلا الكاتب لم يناقش مدى صحة أو عدم صحة استعمال وتطبيق المناهج الحديثة المنتسبة إلى العلوم الانسانية  في فهم التراث العربي الإسلامي، بل اكتفى بإصدار أحكام على أن أركون غير ملم بهذه المناهج، دون حتى أن يعطينا ولو دليلا واحدا من كتب المرحوم .

– هل استطاع الكاتب أن يقنعنا بأن المرحوم أركون لم يكن ملما بالمناهج الحديثة المنتسبة الى العلوم الإنسانية ؟ مثلا أن يبين لنا من خلال كتاب اركون المعنون “القرآن من التفسير الموروث الى تحليل الخطاب الديني” الذي استعمل فيه أركون المنهج اللساني أو الألسني هل وفق في تطبيقه أم لا ؟ وهل الرجل متمكن وملم بالمنهج أم لا ؟.

– الكاتب لم يناقش مشروع أركون، وبالتالي لم يبين لنا هل نظرة أركون للتراث الإسلامي كانت عدمية ولا تاريخية، بقدر ما اكتفى بإصدار أحكام على اركون من قبيل كانت تربطه علاقة العداء والكراهية بهذا الموروث.ألا تظهر هنا ذاتية دسمة و مفرطة للكاتب وكذا محاكمة النوايا ؟.

– لماذا لم يظهر الكاتب الرؤية الشاملة لأركون حول ما يسميه المثلث الأنثربولوجي: العنف المقدس والحقيقة ؟ لماذا اختزل الكاتب نظرة أركون للعنف في القرآن في سورة التوبة آية 5 ؟. في كتابه “تحرير الوعي الاسلامي نحو الخروج من السياجات الدغمائية المغلقة” ترجمة هاشم صالح صفحة  167  تحت عنوان  القرآن و مسألة العنف يقول أركون :« قلنا في الفقرة السابقة بأن هناك أربعة مواقف للقرآن من مسألة العنف : موقف يمنع ، وموقف يقلص من استخدامه ، وموقف يدل على حصول مناقشة حامية بين المؤمنين الأوائل بشأنه ، وموقف يجيزه أو يأمر به في ظروف معينة » وقد أورد أركون الآيات القرآنية التي تتحدث عن المواقف الأربعة حسب رأيه، ومن أراد المزيد من التفاصيل فليرجع الى الكتاب المذكور أعلاه من الصفحة 153 الى الصفحة   181.

– هل من حق أستاذ وكاتب متخصص يجر من وراءه تجربة تفوق ثلاثين سنة أن يقع في مثل هده الاخطاء ؟.

–  لماذا مقارنة أركون بالأساتذة: عبد الله العروي و هشام جعيط  أو غيرهم ؟ فلكل مجاله واختصاصه وخصوصياته.

– هل يقبل الكاتب أن نعامله بالمثل ونقارنه في عجالة مع الأساتذة:علي أومليل أو سالم يفوت أو محمد سبيلا أو فهمي جدعان أو رضوان السيد أو ناصف نصار أو جمال الغيطاني و غيرهم كثر؟.

– الكاتب تحدث عن غياب الإشعاع والتأثير عن كتابات أركون. أنا بدوري أسال الاستاذ، هل هناك حاليا كاتب واحد في الوطن العربي له أي إشعاع أو تأثير؟ ولتدلنا عنه لنزوره ونتبرك به.

– الكاتب تحدث عن غياب قاعدة واسعة من القراء الشغوفين الحقيقيين لدى أركون. وأنا أسال كيف علمت يا أستاذ بوضع وحالة قرائه هل هم شغوفون حقيقيون أم مجرد مهملين وأشباح ؟ و ماذا عن الأساتذة : ناصر أبو زيد و علي حرب و عبد الاله بلقزيز وغيرهم ؟ ما أظنك يا أستاذ ستقذف بهم خارج القراء الشغوفين الحقيقيين الذين تناولوا فكر أركون بقدر وافر من الموضوعية و النقد البناء ؟ هل لك أن تنيرنا وتمدنا ولو برقم يتيم عن مبيعات كتب أركون أو عن عدد الدراسات والأطروحات التي أنجزت حول فكره من الثمانينات الى يومنا هذا ؟ كما أسائل كاتبنا عن أية قاعدة واسعة تتحدث يا أستاذ ؟ ومن صاحبها في عصرنا وزمننا هذا ؟ خاصة في الثلاثين سنة الأخيرة ؟ هل جمهور الغناء ذو الرداءة العالية ؟ هل جمهور كرة القدم الذي ينهي كل مقابلة بعنف وشغب ؟ هل زبناء المقاهي المملوءة حتى الأرصفة ؟ مع الأسى والأسف ، القاعدة العريضة والواسعة الآن، هي قاعدة التفاهة والرداءة والضحالة والتزييف والنفاق والغوغاء ، قاعدة الأنانية المفرطة والانتهازية ،قاعدة “راسي يا راسي” قاعدة الجهل المقدس والمؤسس والمكدس حتى تكلس ، قاعدة الأمية بجميع أبعادها، قاعدة التكرار والاجترار والنقل حتى بدون عقل. أما القاعدة الواسعة من القراء الشغوفين الحقيقيين، فلم يكن لها مكان تحت شمس أمة إقرأ منذ أن خبرنا القراءة والكتابة، فمع ارتفاع منسوب الفقر والجهل والأمية وسياسات الاقصاء والتهميش، في مجتمعات غير قارئة أصلا ،القاعدة  الواسعة من القراء الشغوفين الحقيقيين ليست إلا وهم لا يصلح حتى للحلم .

– الكاتب عاب على اركون علاقته بالسلطات الفرنسية، وأنا بدوري أسأل عن العلاقة التي كانت تجمع مجموعة من مثقفينا وكتابنا بحكام العراق وسوريا وليبيا في الماضي القريب ؟ وماذا عن السرب في الحاضر الذي يحج صباح مساء الى مملكة الحجاز وإمارات دبي والشارقة وكذا دولة قطر العظيمة ؟ نعم إمارات وقبلة الأنوار عفوا الدولار فلا فرق في زمننا هذا.

– الكاتب عاب على اركون علاقته بالعروي و جعيط وغيرهم من الكتاب العرب . وأنا بدوري أسأل كيف كانت علاقة العروي بالمرحوم الجابري؟ وكيف كانت علاقتك أنت بهذا الأخير ؟ وقس على ذلك مئات الكتاب والمثقفين فهذه معضلتكم جميعا أيها المثقفون العرب وربما جزء من أزمتكم.

– الكاتب تحدث عن موقف المرحوم مما يسمى” النهضة العربية “في القرن التاسع عشر. نعم يا أستاذ ما سمي ويسمى “النهضة العربية” في القرن التاسع عشر، موضوع للنقاش والجدال والمساءلة، وأنا من خلال هذا المقال أسألك، هل فعلا كانت هناك نهضة عربية في القرن التاسع عشر ؟ بما لهذه الكلمة “نهضة “من معنى و ثقل، دون حتى أن نقارن أنفسنا بنهضة أوروبا القرن السادس عشر. أم مجرد التنويه الذاتي والترويح على النفس بنخبة قليلة من المثقفين العرب في المشرق العربي أساسا مصر وبلاد الشام (جلهم من أصول مسيحية)؟ انفتحوا على الحضارة والثقافة الانسانية التي تحمل أوربا لواءها ،واستفادوا من مدارسها ومناهجها.أي إشعاع يا دكتور كان لهذه الحركة الثقافية خارج هذه النخبة القليلة أو مراكز بعض المدن التاريخية  حيث كانت تستقر شريحة من التجار وكبار الملاكين في ظل وضع عربي اتسم بركود وجمود وتمزق وتخلف شامل؟ وهذه الحركة الثقافية شهدناها أيضا في أواخر العشرينيات وفي الثلاثينيات ومع أواخر الستينيات وبدايات السبعينيات و إن بأشكال متفاوتة كما شهدناها في شكلها المشوه والممسوخ مع ما سمي بالصحوة الإسلامية ابتدءا من الثمانينيات من القرن العشرين .في تقديري الخاص، لم تكن هناك نهضة أو انبعاث أو يقضه أو صحوة ،لم يتم الخروج من الكهوف، بل كان مجرد فتح كوة ،ومنها تسرب شعاع شمس الشروق ونسائم الصباح، لكن سرعان ما أتت غيوم حجبت النور، سرعان ما أتت رياح حولت النسيم إلى غبار.

يقول الأستاذ حميش إنه شارك في ندوات تكريمية باللغة الفرنسية أقيمت لأركون. الفعل مستحب، لكن مع المقال الذي بين أيدينا ، حيث الكاتب أوفى الكيل للمرحوم ، ما أظنه كان صادقا مع نفسه وفي عمله ،وإن كان كذلك فسبحان مبدل العقول ومحرك عقارب الساعة.

ألم يكن من الأجدى بالكاتب تكريما لروح أركون، ألا يخرج بمثل هذا المقال للنشر؟ ليس خوفا من النقد ،بل مرحبا بأي نقد موضوعي بناء- فالعلوم والمعارف لا تتقدم بدون انتقادات علمية وموضوعية- لا بل تفاديا للرداءة والضحالة المستشرية ، إذ سيزيد في تلويث الساحة الثقافية والفكرية أكثر مما هي ملوثة .

أهمس في أذن الكاتب وأقول له ،ألم يكن من الأفيد لك أن تكتب في جمل مختصرة على فيسبوك  أوفي تغريدة على تويتر ما يلي،حتى تختصر علينا الطريق وتشفي غليلك ؟ :  

«إن الرجل المسمى قيد حياته محمد أركون ،الجزائري الفرنسي  ذي الأصول الأمازيغية أو على الأصح البربرية، لم يكن لا مفكرا، ولا مجتهدا، ولا باحثا، بل حتى درجة الأستاذية التي  منحت له من طرف المستعمر الفرنسي لا يستحقها، لكونه غير ملم بمناهج العلوم الإنسانية على وفرتها وتعددها، ولكونه لا يتقن اللغة العربية نطقا وحديثا وكتابة ،كما أنه لم يفهم ولم يستوعب التراث العربي الإسلامي في مجمله وفي أدق تفاصيله، ولم يعمل على الدفاع عنه أمام المستشرقين و الغربيين عامة، بل كان يسترزق به، وأنه ذو نرجسية ونظرة استعلائية واحتقارية للمفكرين العرب خصوصا المعاصرين له، وبذلك لا علاقة له  بالبحث العلمي، بقدر ما هو مرتزق، كان يسعى على عتبات وأبواب المستعمر الفرنسي، كما أنه ناقل الكفر، فهو لا يؤمن بوحي القرآن من عند الله الواحد القهار، وأنه كان مسخرا ومندسا من أجل هدم الإسلام وأصوله، و تخريب الأمة العربية والإسلامية . وبه وجب التبليغ. والسلام على من تمذهب بمذهبي».

باختصار شديد ،الكاتب كان يجلد المرحوم أركون لعدم اهتمامه في كتاباته بما هو صوفي أدبي وفني في التراث العربي الإسلامي وربما بأسلوب أدبي فني أيضا ،ولعدم تناوله للتراث العربي الاسلامي بالشكل الذي أراده هو وفي المواضيع التي حبذها هو وبالمنهج الذي يستسيغه هو. ولنقرأ جميعا ما كتبه السيد حميش: «لو أن مدار البحث عند اركون كان حول ما حفل به “علم الكلام” من قضايا جسيمة كقضية خلق القران عند المعتزلة….لو أن مدار البحث عنده كان في الناسخ والمنسوخ وفي الايات المتشابهات ،رغم أنها ليست من أم الكتاب، أو كان في المضامين المتعارضة ….لو أن اركون في هذه المواضيع وأخرى كثيرة من صنفها. فكر و بحث و صنف اذن لأجاز المختصون ذلك و ناقشوه فيه و جادلوا ،لكن هذا يصير غاية في الصعوبة بل الاستحالة حين يذهب صاحبنا الى حد نفي الأصل الالهي عن القران وإرجاع كثير من أساسياته، كالوحي والغيوب والإعجاز، كما أشرنا، الى العقلية الميثية والعجائبية ».

إن تهمة التكفير والزندقة ،هي تهمة جاهزة ومعلبة في عقول عفوا في أكياس وصناديق كثيرة، إذ عانى منها أعلام من تاريخ الحضارة الإسلامية عبر عصورها كما تفضل الأستاذ وأشار إلى بعضهم في كتابه، واللائحة طويلة.وكان ذلك من طرف حكام وفقهاء كثيرو التحجر والغلو ومن أجل مصالح معلنة وأخرى مضمرة.هذه التهم مازالت مستمرة وتلفق إلى يومنا هذا وإن بأشكال مختلفة ومتعددة مع الأسى والأسف.و كاتبنا المحترم لا يخلو أسلوبه من لوثة هذه الجرثومة الخبيثة و إن كان ذلك بأسلوب مختلف لا يصل حد التكفير،لا كن يتغذى من بِرْكة الإقصاء بل ربما تشتم منه رائحة الكراهية والتخوين.

صاحب المقال أقام محاكمة للمرحوم أركون ،واستصدر أحكاما غيابية قاسية وغير عادلة ،ابتدأت بعدم إلمام أركون بمناهج العلوم الانسانية ،وجهله اللغة العربية و التراث العربي الاسلامي، وعمله على تدمير أسسه وأصوله .وهذا ما يحتم إقصاءه من مملكة البحث العلمي وإلحاقه بدوائر الفكر المؤدلج وصولا الى طرده من جنة الاعتقاد والإيمان وحشره مع زمرة المدجنين الجدد.

إن مقال الأستاذ الفاضل الذي بين أيدينا عن المرحوم أركون، أبعده كل البعد عن الكتابة الموضوعية الرصينة في أبجدياتها الأولى ،وأدخله في المقابل في طيات الكتابات المتحاملة المملوءة بالحقد والضغينة، ولا علاقة لها لا بالعلم ولا بالنقد الموضوعي البناء ،ولا بالبحث العلمي الأكاديمي ،وبذلك في نظرنا المتواضع نصنفها ضمن موجات الرداءة والضحالة المنتشرة والسائدة حاليا مع الأسى والأسف.

*مع المفكر التنويري محمد أركون .

يعتبر اركون (1928-2010) ،من أبرز وأوائل المشتغلين على الفكر الإسلامي بامتياز ،وهو صاحب مشروع” نقد العقل الإسلامي” في أصوله وفروعه وتفاصيله ،فلم يكتف بالقشور أي النظريات والمذاهب بل غاص في العمق، في الأصول و الأسس، وفي تحليل أنظمة المعرفة وآليات إشتغالها ،كما عمل على تحرير الخطاب القراني من التضليل الذي مارسه عليه الخطاب الدوغمائي المتحجر المجسد في أطياف من الفقه والمتجلي في  شروحاته  وتأويلاته ،وقد وظف المرحوم واشتغل بالمناهج الحديثة المتعددة والمتنوعة ، من الفيلولوجيا والإبستملوجيا وعلم التاريخ والأنثربولوجيا والأركيولوجيا واللسانيات والسميائية والمنهج التفكيكي .

هل المفكر أركون يمثل الحقيقة ؟ وهل هناك من حقيقة تحتاج الى من ينوب عنها ؟ هل أركون يمثل النموذج ؟ وهل هناك من نموذج حتى ينصب صنما له ؟ .

أركون هو فقط تجربة متميزة ،كغيره من المثقفين الذين اجتهدوا وأبدعوا وضحوا من أجل كرامة الإنسان (العروي ،الجابري،ع بدوي، حسن حنفي،حسين مروة ،ناصر أبو زيد،هشام جعيط ،ع الشرفي، سمير أمين ،وغيرهم) ،أركون هو مثال للمثقف الذي سكن قلبه تراث عربي إسلامي، واستوطنت عقله ثقافة إنسانية طلائعية ،تنمو وتكبر حاليا في حقول الغرب في انتظار ربما مرحلة تاريخية ما ،قد تنتقل فيها إلى حقول اخرى كي تنمو و تزهر أكثر وتثمر.

مع أركون عرفت معنى الدرس الفلسفي، مع أركون تعلمت معنى المنهج التاريخي وقيمته ،مع أركون تعلمت أن السؤال معرفة وفن ، السؤال هو خلخلة اليقين، السؤال بناء ، مع أركون انفتحت على التراث العربي الاسلامي بعد أن كانت تسكنني نظرة عدمية عنه، مع أركون رحت أستسقي من العين  “القران والحديث” بعد أن كنت أكتفي بملء جوفي من صنبور ” الفقهاء وشروحاتهم وتأويلاتهم”، مع أركون تصالحت مع البخاري ومسلم وابن هشام والطبري والشافعي وابن تيمية والغزالي وابن رشد، مع أركون رحت أبحث عن التوحيدي وابن مسكويه ، مع أركون إقتربت أكثر من المدارس الغربية واطلعت على كنوزها وآخر ما أبدعه العقل الانساني في مجال العلوم الانسانية والمناهج الحديثة ، مع أركون إطلعت على إنتاجات مستشرقين أبدعوا في الفكر الاسلامي ما لم يبدعه غيرهم من مثقفين ومختصين عرب ومسلمين، مع أركون عرفت بول ريكور وفوكو وجاك دريدا وشابي و نولدكه وفان ايس ، مع أركون عرفت أن قوة الماركسية وطراوتها في مشروعها النقدي و في نسبيتها.

أركون الأستاذ والمفكر المجتهد، كتلك النحلة التي تطوف على أجمل الزهور وتختار أحلى الرحيق لتصنع ألد عسل .

لكن كل هذا الإطراء في حق أركون لا يثنيني عن مساءلته ومساءلة مشروعه “نقد العقل الإسلامي “. لكن بعيدا كل البعد عن منطق ومنهج السيد حميش، سوف لن أبحث في سلوكه وعلاقته بالآخرين، ولا يهمني طريقة نطقه وإخراجه الحروف العربية او الفرنسية، بقدر ما يهمني ما نطق به وما كتبه، سوف لن أبخس أعماله بل سأناقشه في عمله، سوف أسائله في لب فكره لا في قشوره، سوف أبتعد قدر الإمكان عن الاختزالية التي تؤدي حتما الى التمويه والتضليل ثم التلفيق والافتراء، سوف أسائل أركون فيما يفيذنا استعمال و تطبيق المناهج الحديثة المستعملة في حقول العلوم الانسانية على النصوص الدينية ؟  وهل المطلوب منا التفكيك أم التأويل ؟ وإن سلمنا بضرورة التأويل هل النص يمنحنا كل المساحة الكافية لكي نؤول دون ان نتعسف عليه ودون أن نمارس الرياضة المحبذة للعقل الدوغمائي اي”المصادرة على المطلوب” ؟  وهل قراءة أركون للتراث الإسلامي موفقة ؟ وهنا أستعير بعض الأسئلة  من الناقد اللبناني علي حرب الواردة في كتابه “نقد النص” ألم يكن أركون ضحية ثقافته الواسعة ؟ ألم يقع أركون أسير المناهج الغربية المتعددة دون أن يؤصل هو لمنهج ما ؟  لماذا يلجأ أركون الى ترسانة ضخمة حتى التخمة من الأدوات والمفاهيم المؤسسة للمناهج الحديثة ؟” . لماذا استبعد أركون قامات فكرية هائلة من دائرة الفكر الفلسفي والتفلسف كابن عربي وابن خلدون والشيرازي والسهروردي ؟ كما أشار النقاد الى ذلك منهم الأستاذ حميش في مقاله هذا. بعد التفكيك تأتي مرحلة البناء. فأين ما بنى أركون ؟ لكن أليس من الإجحاف في حق أركون أن نطلب منه البناء ؟ أليس هناك متخصصون في التفكيك وآخرون في البناء ؟ ألم يعمل أركون على تحريك الآسن الجامد ؟ ألم يضع القاطرة على السكة ونحن مطالبون بإتمام المشوار؟ أليس كسلنا و ارتكاننا إلى الجاهز هو الذي يجعلنا ننتظر من يمنحنا مشاريع جاهزة لنلتهمها كما تلتهم الأطباق والأكلات الجاهزة ؟ .

 

شاهد أيضاً

  نظرة موجزة حول رائد المقالة الحديثة “ميشال دي مونتيني”

بقلم الباحث عبد الرحيم أمعضور  منذ ان بدأ الكتابة ، حاول مونتين أن ينخرط وبشكل صارم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *