الرئيسية / أنشطة ومواعيد / تغطية / حوار كوة مع المفكر والمترجم الجزائري محمد جديدي

حوار كوة مع المفكر والمترجم الجزائري محمد جديدي

يدشن موقع كوة حواره الثاني مع المفكر والمترجم الجزائري محمد جديد – أستاذ بجامعة قسنطينة ونائب رئيس الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية- ومهتم بالفلسفة المعاصرة وعلى الأخص الإسهام الأمريكي، وهو مهتم أيضا بالاشكالات التي تطرحها البيو-إثيقا في سبيل بناء وعي فلسفي نقدي اتجاه المشكلات الراهنة التي تعترض إنسان اليوم والتي ستتنامى دون شك مستبقلاً. يحاول في هذا الحوار أن يقربنا أكثر من ولوجه لعوالم الفلسفة؛ (حيث يقول: ولجت عالم أو بالأحرى عوالم الفلسفة الذي هو بمثابة ورطة ـ ورطة جميلة أقصد ـ لا يستطيع المرء الانسلاخ أو التملص منها حينما ينغمس فيها ويجد بين ثناياها متعة هي من قبيل الفضائل العقلية التي تتغلب على غيرها من الفضائل والمتع الأخرى. ويزداد التعلق بهذه الحكمة ومحبتها كلما اتضحت الرؤية ونضجت، تصير خلفية نظرية وسلوكية للذات وللآخر والعالم بمحاولة تشكيل تصور خاص وإن كان  نتيجة تراكمات وترسبات لقراءات ولاستعمالات للعقل في نصوص متنوعة تؤلف في نهاية المطاف هذا التصور الفلسفي)؛ مذ أن كان تلميذا في العقد الثامن من القرن الماضي حيث بدأ مشواره الفلسفي في بسكرة (240 كلم عن قسنطينة)، وقادته رحلته إلى مصاحبة طه عبد الرحمان من المغرب في بحث الماستر وصحبة فتحي التريكي من تونس في بحث الدكتوراه. لهذا شددنا على محاورته ليكشف لنا عن جانب لا يعرفه الكثير عن مسيرته الفلسفية.

تعرفت على الأستاذ محمد أول الأمر منذ ما يقارب أربع سنوات كمشرف على مجلة دراسات فلسفية التي تصدرها الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية والتي ساهمت في أعداد منها، وأثار انتباهي ارساله لأعداد التي ساهمت فيها عن طريق البريد وأحسست أن الرجل نبيل ويقدر قيمة البحث ويحترم جهد الباحثين، هكذا دام تواصلنا إلى أن التقيته في المؤتمر السادس للجمعية، وكان لقاء جميلا وراقيا استمتعت برفقته طوال أيام المؤتمر، وحضرت كلمة تكريمه كواحد من جنود خفاء الجمعية :كلمة صادقة ومعبرة احتفت بالشخص في مكانه الطبيعي. تبادلنا العديد من الأفكار وتقاسمنا الكثير حول الفلسفة والثقافة والمغارب. وإذ أنا مسرور بحفاوته وبكرمه وبساطته في التعارف وعمقه الفكري أتمنى له كامل التوفيق في مساره.

صورة محمدجديدي في المؤتمر 26 أبريل 2018 بأزير بلاج (الشاطئ الأزرق).

كوّة ــ كيف اهتممتم بالفلسفة ؟ وكيف ولجتم عوالمها ؟

م. ج. ــ بداية شكري الجزيل لكم على هذا التواصل وعلى هذا الحوار الذي يزيد وينمّي من تواصل ونشاط فكري بيننا كمغاربيّين ويعزّز من أفق التعاون إن على مستوى الأفراد أو المؤسسات وبشكل متنوع في التظاهرات الثقافية والمؤتمرات الفلسفية والكتابات الفكرية والنقدية عموما.

أما عن سؤالكم كيف اهتمت بالفلسفة؟ كان ذلك أن الفلسفة هي التي اهتمت بي فقد كانت في انتظاري وأنا في دراستي الثانوية سنة 1980 (بثانوية العربي بن مهيدي بمدينة بسكرة) هناك اكتشفت الفلسفة لأول مرة كمادة دراسية ووقتها كانت تدرس في السنة الثالثة ثانوي ليس كما هو الحال اليوم حيث صارت تدرس في السنة الثانية ثانوي وإن بكيفية مقتضبة وبتركيز على الجوانب المفاهيمية والقضايا الكلامية. حينما استهوتني المواضيع التي بدأت تثير متابعتي ووجدت ضمنها لا أقول اجوبة عن تساؤلات كانت تخطر بذهني وتؤرقني من قبيل الحرية والوعي واللغة والمعنى وربما سؤال آخر قد يبدو بسيطا ولكنه عميق عمق الأفكار والخواطر التي تلاحق الإنسان، أقصد سؤال ماهية الفلسفة فكلما ازددت اهتماما بالدرس الفلسفي تنامى لديك سؤال عن ماهية الفلسفة.  في الواقع هذه التساؤلات عمقت الاهتمام بالفلسفة وبالاستزادة منها لأن السؤال يولد أسئلة أخرى أعمق وأوسع أفقا. هذا الاهتمام الفلسفي هو ما دفعني إلى بذل المزيد من الجهد تطلعا للمساءلات الفكرية وللنجاح أيضا حيث لم أعد أعبأ بما أحصل من نقاط وأنا في صف الثالثة ثانوي وكنت أعلم يقينا أن علاماتي في الفلسفة كانت دوما هي الأولى وعندما كان أستاذنا محمود فارس عابدين ـ حفظه الله ــ وهو مصري الجنسية يعيد إلى القسم أوراق الفروض والاختبارات لم يكن يداخلني أبدا أي شك في أن أعلى علامة في الفلسفة هي من نصيبي. بقيت على تلك المثابرة والجد حتى نلت في آخر السنة شهادة البكالوريا في جوان 1980 حينها استشرت أستاذي محمود فارس إن كنت أصلح لدراسة الفلسفة فشجعني على المواصلة والاستمرار في تخصص الفلسفة الذي لم يكن موجودا في تلك الأثناء إلا بالجزائر العاصمة لم أتمكن من الالتحاق بفرع الفلسفة لأن التسجيلات أغلقت نظرا لكثرة الطلب ولأن التسجيل وطني فقد اخترت أقرب فرع للفلسفة كما بدا لي وهو علم النفس أين سجلت بـ جامعة قسنطينة وهي الأقرب إلى مقر سكني ببسكرة (تبعد 240 كلم عن قسنطينة) ودرست عاما كاملا بعدها فتح تخصص الفلسفة بالجامعة نفسها سنة 1982 فقمت بتحويل الفرع وهكذا بدأت رحلتي الفلسفية التي امتدت ثلاث سنوات بداية نلت على إثرها شهادة الليسانس ثم انتقلت إلى دراسات ما بعد التدرج وقد كان فيها الدكتور طه عبد الرحمان مشرفا على بحثي قرابة سنتين ولسوء الحظ لم يستمر إشرافه على عملي  الذي أنهيته سنة 1997 وحصلت فيه على شهادة الماجستير لتستمر المغامرة وتشرف على مرحلة أكاديمية أخرى هي الدكتوراه التي نلتها سنة 2006 تحت إشراف الدكتور فتحي التريكي من تونس.

من اليمين: عبد نور شرفي، محمد شوقي الزين، البشير ربوح، عمر بوساحة، رشيد العلوي، محمد جديد، مولدي عزديني.

هكذا ولجت عالم أو بالأحرى عوالم الفلسفة الذي هو بمثابة ورطة ـ ورطة جميلة أقصد ـ لا يستطيع المرء الانسلاخ أو التملص منها حينما ينغمس فيها ويجد بين ثناياها متعة هي من قبيل الفضائل العقلية التي تتغلب على غيرها من الفضائل والمتع الأخرى. ويزداد التعلق بهذه الحكمة ومحبتها كلما اتضحت الرؤية ونضجت، تصير خلفية نظرية وسلوكية للذات وللآخر والعالم بمحاولة تشكيل تصور خاص وإن كان  نتيجة تراكمات وترسبات لقراءات ولاستعمالات للعقل في نصوص متنوعة تؤلف في نهاية المطاف هذا التصور الفلسفي.

 

كوّة ــ من خلال امتهانك للترجمة: هل يمكنك أن تحدثنا عنه تجربتك وهواجسها وعوائقها؟

م. ج. ـــ الترجمة ليست مهنتي وإنما فرضت علي بحكم تعاملي مع النصوص الفلسفية باللغات الأجنبية بحثا وتدريسا. ومن هذه الزاوية فهي أداة عمل وبحث ووسيلة للتعايش والتقارب الإنساني.

تجربتي المتواضعة مع الترجمة والتي أثمرت لحد الآن 5 نصوص مترجمة أولها كان “ماكس فيبر ومفارقات العقل الحديث” للسوسيولوجي فيليب رينو والثاني نص للباحث الفرنسي ستيفان هابر حول “هابرماس والسوسيولوجيا” ليردفا هذين العملين بترجمتين الأولى لكتاب اشرف عليه فريديرك وورم بعنوان “الفلسفة في 100 كلمة” والثانية موسومة بـ “الدروس الأولى في علم الاجتماع” للكاتب الفرنسي في علم الاجتماع الاتصال فيليب ريتور أما العمل الأخير فهو نص “البيوإتيقا: الطبيعة، المبادئ، الرهانات “وضع له صاحبه غي ديران مقدمة حصرية للطبعة العربية. بالإضافة إلى عديد المقالات المترجمة سواء في مجال الفلسفة المعاصرة ومقالات رورتي بالخصوص أو مقالات في البيوإتيقا وفي مواضيع فلسفية أخرى  منشورة في مجلات وفي مواقع إلكترونية. في الواقع هذه التجربة المتواضعة حملتني من جعة ثانية ليس بممارسة الترجمة فحسب بل التفكير فلسفيا في الفعل الترجمي وهذه المحاولة أثمرت نصا آمل أن يرى النور قريبا حول الترجمة من زاوية فلسفية.

إذن هذا التوازي في التفكير للترجمة عمليا ونظريا شكّل لدي هاجسا ظل يراودني منذ بداياتي الأولى في دراستي الجامعية إذ كان يتوجب علي التوجه للترجمة لسد فراغ كبير تعرفه المكتبة العربية كلما تعلق الأمر بالدرس الفلسفي المعاصر حيث لا نجد النص الفلسفي المرغوب إلا بلغته الأصلية  بالفرنسية والإنغليزية الأمر الذي يجعلنا أمام مواجهة مفتوحة بالتوجه للترجمة ما دامت لغة التدريس والبحث في جامعاتنا هي العربية. إذن اصبحت الترجمة لعملنا في الدراسة والتدريس والبحث ضرورة وليست اختيارا ولم تكن محاولتنا الترجمية من دون صعوبات وعوائق تذكر. وأولها أن جهودنا كانت فردية من دون تأطير وهو ما يجعلك دائم البحث عن مقارنات ومعايير تضبط دقة الترجمة في اختيار المصطلحات ودقة الألفاظ ودلالاتها ومراعاة المعنى والأسلوب والصياغة للنص الفلسفي. علاوة على هذا غياب النصوص الفلسفية الأصلية التي يجب أن تكون متوفرة سواء ترجمت أو لم تترجم بغية الاطلاع والمراجعة والمقارنة. وأيضا غياب القواميس المتخصصة في ترجمة المصطلحات الفلسفية وحتى الموجود منها غير محين مما يجعل العمل الترجمي عرضة لاجتهادات فردية تتعدد فيها المحاولات ولا تفي بالغرض في توحيد المصطلح كتابة ومعنى الشيء الذي يشتت القراء وفهمهم.

لحظة تكريم محمد جديدي بحضور الدكتورة وصال علوش عزدني من جامعة صفاقس بتونس.

جديدي رفقة أستاذنا الرشدي محمد المصباحي من المغرب.

كوّة ــ ما مستقبل الترجمة الفلسفية في المغارب؟ هل هناك تمايزات بين الترجمة المغاربية والمشرقية؟

م. ج. ــ قبل التطرق إلى مستقبل الترجمة الفلسفية مغاربيا أعتقد أنه لا بد من التعرف على حاضرها ورصد معالمها، نشاطاتها وتوجهاتها. هذا الحاضر مع ما فيه من إيجابيات كثيرة من تقديم نصوص فلسفية للقارئ العربي خاصة منها نصوص الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة بحيث يرتكز هذا النشاط بصفة كبيرة في تونس والمغرب وبدرجة أقل في الجزائر وبإمكانه أن ينمو ويزداد لو وجد الدعم المنشود لتفعيل حركة ترجمية سيكون لها دور كبير في تمتين أطر وقنوات التواصل بين البلدان المغاربية أي جنوب جنوب ضمن جهد إقليمي مشترك أو ضمن حوض المتوسط والعالم بشكل أوسع. لكن هذا يستوجب فعلا تأسيسيا وهيئات ومراكز توكل لها هذه المهمة حتى وإن كانت موجودة في تونس من خلال مركز الترجمة ولست أدري إن كان لها مثيل في المغرب أما في الجزائر نأمل أن يتم الالتفات إلى إقامة هيئة علمية وثقافية، تشرف وتثمن جهود المترجمين وتبعث مشاريع فكرية وثقافية سيكون لها بكل تأكيد أثر طيب ليس على الثقافة محليا وعربيا بل المستويين الاجتماعي والاقتصادي ذلك أن الترجمة كفعل إتيقي وبما فيه من تذاوت كفيل بالحث على قبول قيم الضيافة والتعايش والاختلاف والتسامح ومن ناحية الاقتصاد فإن العمل الترجمي بوصفه نشاطا محفزا على إنتاج الكتب والمجلات بما يدفع إلى وفرة نصوص يطلبها القارئ باحثا استاذا كان أو طالب، باحثا أو قارئ عادي الشيء الذي يدير حركية هذا النشاط الاقتصادي والتجاري نشاطا، إنتاجا وتوزيعا.

أما بشأن الترجمة مشرقا ومغربا فأكيد أنها متمايزة ماضيا وحاضرا، فإن كانت تاريخيا رائدة مشرقيا مع بيت الحكمة في بغداد وبعض حواضر الشام ومصر إلا أنها كانت حاضرة في بلاد المغرب والأندلس بحكم الجغرافيا وقرب الحواضر المشرقية أو المغربية من حدود وتخوم أمم أخرى أما اليوم فهي محكومة أكثر بالتاريخ فالترجمات المشرقية أميل إلى التعامل مع النصوص الإنغليزية باستثناء لبنان أما المغاربية فتنزع للنصوص الفرنسية مع انفتاح ضئيل على النص الإنغليزي والجرماني في تونس بالأخص وهذا راجع للعامل التاريخي والإستعماري منه شكل خاص (الاحتلال الإنغليزي للمشرق العربي  والفرنسي للمغرب العربي). وأعتقد أن للترجمات المشرقية مركز الصدارة إذ هي التي فتحت هذه الإمكانية في نقل النصوص الأدبية والفلسفية مع المحاولات اللبنانية والمصرية والعراقية حيث كان لها السبق في تقريب نصوص فلاسفة العصر الحديث والقرن العشرين مثل كانط وهيغل ونيتشه وفلاسفة القرن العشرين برغسون، راسل، ديوي وغيرهم أما التجارب المغاربية فقد تفوقت إلى حد ما في اهتمامها بنقل النصوص الفلسفية المعاصرة ابتداء من منتصف القرن العشرين، إذ يكفي أن نشير بهذا الصدد إلى ترجمة كتاب هيدغر الكينونة والزمان من طرف الدكتور فتحي المسكيني منذ سنوات قليلة فقط، كأول ترجمة لهذا النص الأساسي في الفلسفة المعاصرة ولم يعرف قبل هذا إلا ترجمة شذرات له.  امر آخر ربما وجب ان نشير إليه والتنويه به هو العمل الترجمي المؤسساتي في المشرق أكثر منه في المغرب ففي دول المشرق تقريبا توجد مراكز ومشاريع للترجمة في لبنان ومصر والإمارات وقطر بينما تكاد تغيب مثل هذه المشاريع في المغرب العربي عدا تونس التي بها المركز القومي للترجمة. أما عن مستوى الترجمة فمن المتعذر الحكم عليها لأمرين اثنين: أولا لأن الحركة الترجمية المشرقية أغلبها من الإنغليزية إلى العربية والعكس أما المغاربية فهي من الفرنسية إلى العربية أو من هذه الأخيرة إلى الفرنسية. ثانيا لأن الترجمة في حد ذاتها أي ترجمة نص ما هي دوما بحاجة لمراجعة مع مرور الوقت ولذا فالحديث عن مستويات الترجمة يجب أن يكون مع مقارنة الترجمة للنص الواحد وفي غياب هذا التعدد الترجمي يصعب الحديث عن مستوى الترجمة.

 

كوّة ــ اشتغلتم بالفلسفة المعاصرة، ما السر في ذلك؟

م. ج. ـــ صحيح انصب اهتمامي منذ بداية مشواري الأكاديمي على الفلسفة المعاصرة والأمريكية منها بشكل خاص وربما يعود ذلك إلى شعور أو إحساس ينتاب كل دارس للفلسفة أن الفلسفة المعاصرة بحكم المعايشة أن هذه الفلسفة حية وهي الأقرب إلى عقولنا ليس بحكم العامل الزمني ولكن أيضا بحكم اشتغالها على مواضيع أقرب إلى واقعنا المعيش. هذا الواقع اليومي جعلت منه فلسفة في وقت تنكرت له فلسفات سابقة وانطلقت من عوالم أخرى غير إنسانية وبعيدة عن مشكلات الإنسان المعاصر واهتماماته.

بدأت في الاعتناء بالتجربة الفلسفية الأمريكية لما رأيت أنها لم تنل حظها من الدرس والبحث في بيئتنا ولم أجد من درسوا البراغماتية إلا واحدا أو اثنين من أساتذة جزائريين سبقونا ومقارنة مع ما لقيته الفلسفتين الفرنسية والألمانية فهذا لا يكاد يذكر. لذا تابعت بحوثي بدءا من وليام جيمس ثم جون ديوي فـ ريتشارد رورتي، هذا الأخير بقيت اتواصل معه طيلة عشر سنوات وكانت لي مراسلات عديدة معه في بعضها كان يرسل لي بعضا من نصوصه وكتبه وكان آخر كتاب وصلني من زوجته بعد 2009 أي بعد وفاته وقد أوصاها أن ترسله إلي وهو عبارة عن حوارات أعدها وأشرف عليها إدواردو ماندييتا بعنوان اعتنوا بالحرية أما الحقيقة فستتكفل بنفسها.

اشتغالي بالفلسفة الأمريكية أثمر ثلاث نصوص منشورة الأول “فلسفة الخبرة عند جون ديوي” والثاني “الحداثة وما بعد لحداثة عند ريتشارد رورتي” والثالث “ما بعد الفلسفة: مطارحات رورتية.”

محمد جديدي في مناقشة احدى جلسات المؤتمر.

كوّة ــ باعتبارك قياديا في الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية كف تقيمون تجربتها؟ وما مدى مساهمتها في انتعاش الابداع الفلسفي بالجزائر والمغارب؟

م. ج. ــ لا اعتبر نفسي قياديا وإن كنت عضوا مؤسسا في الجمعية ونائبا للرئيس، إنما بحكم انخراطي في الجمعية منذ لحظة تأسيسها وربما كان العمل والنشاط بصورة نضالية قبل هذا ضمن اليوم الوطني للفلسفة الذي كان مبادرة طيبة من زملاء وأصدقاء ممتهني الفلسفة ومحبيها تم تقريبا الاحتفاء في سنة 2006 في نهاية شهر أفريل إلى أن تم تأسيس الجمعية الفلسفية سنة 2012 وقد احتوت هذا النشاط وأطرته وزادته زخما ودفعت به إلى الأمام. فتشكلت من خلالها تجربة فلسفية وثقافية جديدة في الجزائر قلّ نظيرها بين الجمعيات الجزائرية الثقافية الفاعلة وما تواجد الجمعية عبر فروعها ومكاتبها في أكثر من 30 ولاية عبر القطر الجزائري وتحريكها للمشهد الفكري والثقافي عموما بأنشطة مختلفة ومتنوعة من محاضرات وندوات وايام دراسية وبالاشتراك مع جامعات ومراكز ودور ثقافية وكذا عبر المنشورات (كتب، مطبوعات، المجلة…إلخ) والتواجد في المعرض الدولي للكتاب كل هذا دليل على المكانة المنتزعة للجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية.

من هنا فالجمعية تحاول الإسهام بقدر ما تتيحه لها مواردها وإن كانت محدودة وقدراتها في تفعيل الإبداع الفلسفي محليا وعربيا وقد نكتفي في هذا الصدد بذكر جانبين اثنين: الأول هو مؤتمرها السنوي ويحضره بالإضافة إلى الأساتذة الباحثين والطلبة الجزائريين بكثرة يحضره كذلك كل سنة اساتذة وباحثين عرب من المغرب وتونس ومصر والسودان ولبنان. الثاني أن مجلة الجمعية مفتوحة للمقالات والدراسات الفلسفية الجادة سواء للجزائريين والباحثين العرب. وعلى الرغم من هذه الجهود المكثفة لا يزال أمام الجمعية بذل المزيد من الجهد لأجل تطوير الدرس الفلسفي في الجزائر وإخراجه  من الركن الضيق الذي ألزمه به الفعل التربوي والأكاديمي إلى الفضاء الاجتماعي والإنساني الأرحب كي يساهم في تنوير الفرد والمجتمع ويحضر بكثافة داخل المشهد الثقافي.

 

كوّة ــ هل يمكنك أن تحدثنا عن تجربة مجلة الدراسات الفلسفية لا سيما وأنك حظيت في المؤتمر الأخير للجمعية بتكريم وحفاوة خاصة؟

م. ج. ــ بالفعل فقد دأبت الجمعية منذ سنوات عمرها الخمس على تكريم شخصيات من داخل الحقل الفلسفي وارتأت مشكورة أن تحتفي بشخصي هذه السنة وهي لفتة طيبة من لدن الجمعية رئيسها الدكتور عمر بوساحة وكذا أعضائها الذين كانوا وراء هذا التكريم وأنا شاكر لهم هذا الصنيع الجميل وربما كانت المجلة التي أرأس تحريرها هي من زكت هذا التكريم. مجلة دراسات فلسفية صارت بتجربة مواكبة لنشأة الجمعية وقد صدر منها إلى حد الآن عشر أعداد بمعدل عددين في السنة وهي مجلة فكرية محكمة ثلاثية اللسان. المجلة وإن كانت فلسفية التوجه المضمون والعنوان لكنها منفتحة على باقي اشكال التعبير الإنساني من آداب وعلوم وفنون، ومنفتحة على صنوف الفكر عربيا كان أو غربيا. لا تشتغل بطريقة الملفات ـ وربما تفكر في خوض التجربة مستقبلا ـ لكنها حتى اللحظة تعمل بطريقة متنوّعة يضم فيها كل عدد أربعة محاور اساسية هي المقالات والدراسات والحوارات والترجمات. لذا فالمجلة كتجربة فلسفية مهمة جدا للجمعية ولا يمكن تصورها من دونها علاوة على أنها حاليا المجلة الفلسفية الوحيدة المنتظمة في الجزائر منذ خمس سنوات ثم إن المشهد الثقافي يغدو منقوصا وفاقدا لقيمته من نشر فلسفي أبرزه وأجلاه المجلة.

 

كوّة ـــ يبدو أن هناك جيلا شابا جزائريا يساهم في دينامية الفلسفة حاليا ؟ هل يمكن الحديث عن قطيعة بين هذا الجيل والاجيال التي سبقته ؟

م. ج. ــ نعم من الوجيه الاعتراف بهذا الجيل الجديد الذي يبذل جهدا معتبرا في سبيل حضور فلسفي متميز في خارطة الثقافة الجزائرية في نهاية القرن العشرين وبداية الألفية الثالثة بأطروحات جديدة وتصورات مختلفة عما دأبت عليه أجيال سابقة ليس في النشر فقط ــ وإن بدا هذا بصورة أوضح اليوم مع النصوص المطبوعة لأقلام جزائرية سواء منها البحوث الأكاديمية أو الإبداعية ــ ولكن أيضا من خلال الحضور الإعلامي بمختلف وسائله وهو الأمر الذي لم يكن معروفا من قبل. هذا الحضور الماثل والمكثف  لجيل شاب طموح وجد الفرصة لعرض أفكاره ضمن ما أتاحته  بعض دور النشر الجزائرية ـ خاصة تلك التي خاضت تجربة النشر المشترك مع دور نشر مشرقية لبنانية بوجه خاص ـ والبروز بصورة مغايرة سواء من حيث الانشغال بموضوعات فكرية وتطبيقية عالمية كحقوق الإنسان والعدالة والبيئة والإتيقيات الجديدة والبيوإتيقا والديمقراطية وما بعد الكولونيالية أو من ناحية الاعتناء بمواضيع محلية وطنية مثل الهوية، اللغة، المدرسة والتربية والدين والمجتمع الجزائري الجديد. ولم يكن النشر المعلم الوحيد لهذا الجيل بل تعاطى مع الإعلام بشكل جلي ما دفع به إلى واجهة الحدث الثقافي بعد أن كان مغيبا في ظل إعلام أحادي وموجه ومع الانفتاح والتعدد الإعلامي منحت له فرصة البروز والتعبير بصوت مسموع عن هواجسه وتطلعاته، عن كتاباته ومشاريعه الشيء الذي جعله يجعله يعبر بجرأة وصراحة في مسائل كانت إلى سنوات سابقة بمثابة طابوهات سياسية أو دينية أو اجتماعية        ولا ينتهي هذا بنا إلى القول بقطيعة بين جيل حالي وآخر سابق له أو أجيال ــ حتى وإن أقر بها بالبعض وعدها حقيقة ــ إنما في اعتقادي هي من قبيل تطور في تناول القضايا الفلسفية ومعالجتها بما يتواءم مع المتغيرات الحاصلة في واقعنا المعاصر.

كوّة ما تقيمكم للوضع الثقافي الجزائري؟

م. ج. ــ بشكل عام يعرف الوضع الثقافي في الجزائر انتعاشا وتمايزا بعد خمول مسه فترة التسعينات ولكنه يستعيد شيئا من عافيته ونشاطه الطبيعي الذي كان عليه في مرحلة السبعينيات من القرن الماضي وهو وينمو بشكل متسارع ومتنوع في أساليبه وإشكالياته وأشكاله قد لا يكون مقنعا ومرضيا في بعض نواحيه ولكنه في مجمله مشبع بالتجديد والتحدي، إذ بدا متفاعلا مع نصوص فكرية وفلسفية في قراءة بعض الباحثين لأعمال مفكرين جزائريين من أمثال مالك بن نبي أو كريبع النبهاني أو عبد الرحمان شريط أو في كتابات أقلام جديدة كما بدت مع زميلات وزملاء محمد شوقي الزين، نورة بوحناش، فارح مسرحي، أحمد دلباني، خديجة زتيلي وأسماء أخرى. وكذلك مع روايات جزائرية سابقة وكذا مع نصوص أخرى غير جزائرية مثلما فعل كمال داود مع نص ألبير كامي والمحاولات التي أعقبت نصه وكذا مع أسماء روائية باتت حاضرة بقوة في المشهد الأدبي الجزائري ومنها: واسيني الأعرج، امين الزاوي، الحبيب السايح، بشير مفتي مايسة باي وغيرهم. ويعرف أيضا الوضع الثقافي الجزائري بروز وجوه جديدة ميزت سماء وفضاءات فنون السينما والمسرح والرسم والشعر والكتابة الإبداعية عموما، نالت بأعمالها ونصوصها عديدة الجوائز داخليا وخارجيا، وهو ما ينم عن انتعاش واعد في الحركة الثقافية الجزائرية بصورة عامة.

شاهد أيضاً

أكسل هونث في حوار جديد: في الصيرورة أشياءٌ

أجراها جنسن سوثر ترجمة: هشام عمر النور في الثالث من سبتمبر من عام 2013م في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *