الرئيسية / منتخبات / ترجمة / “الجميل وفكرة الحقيقة” تأليف: كارل فلهام سولغر 

“الجميل وفكرة الحقيقة” تأليف: كارل فلهام سولغر 

ترجمة وتقديم: أ.د / كمال بومنير

كارل فلهام سولغر Karl Wilhelm Solger فيلسوف ألماني ولد في مدينة شفيدت عام 1780، وتوفي في مدينة برلين عام 1819. تحصل على منصب لتدريس الفلسفة في جامعة برلين عام 1811، ثم تقلّد منصب مدير جامعتها بين 1814/1815. هذا، ويعد سولغر من بين الفلاسفة الذين أثروا في الرومانسية الألمانية الأولى التي اتخذت العديد من المواقف النقدية تجاه الفلسفة التنويرية، وخاصة في أعمال فريدريش شليغل، وقد أشاد به هذا الأخير في العديد من أعماله وأشار إلى دوره في بلورة العديد من الأفكار التي لعبت دورا كبيرا في نشأة الأنساق الفلسفية المثالية الألمانية. هذا، وقد انصبت اهتمامات سولغر على العديد من المجالات الفلسفية كالميتافيزيقا وفلسفة القانون والمنطق وفلسفة اللغة والجماليات. وتجدر الإشارة أنّ من بين إسهاماته في هذا الحقل المعرفي كان من دون شك متعلقا بما يسمى التهكم Ironie والرمزية Symbolisme، أو ما يسمى أيضا في جماليات فلهام سولغر ﺑ “التهكم الرومانسي” الذي أثر كثيرا في العديد من الرومانسيين الأوائل كما أشرنا إلى ذلك من قبل. من أهم أعمال سولغر يمكن أن نذكر :”حول تراجيديا سوفوكلوس”1808، “حول الجميل والفن” 1815، “نقاشات فلسفية “1817، “دروس في الإستطيقا” 1829، “الفن وتراجيديا الجميل” 1829.

النص:
عندما نقارن “الجميل” Le Beau- من حيث هو مظهر لتجلي الفكرة- مع فكرة الحق Le Vrai سيتبيّن لنا لا محالة أنّه من غير الممكن أن تتجلى فكرة الجميل مباشرة من خلال فكرة الحق مادام أنّه –وعبر هذه الفكرة- تبدأ المواد المتعارضة تنفصل عن بعضها البعض. لا يمكننا العثور على الحق إلا من خلال عملية خاصة لملكة التفكير التي يمكنها أن تصل إلى أبعد من المظهر الخالص. ولو كان لزاما علينا الاستعانة بالعقل لفّكِ وإلغاء ما يظهر لنا ونقله إلى الماهية سيزول حتما الانطباع برؤية الجمال. والحالُ أنّ الجميل يمثّل الفكرة من حيث هي حاضرة في المظهر، لا من هي متعلقة بالمحسوس ولكن بالأحرى بما هي متعلقة بالفكر أيضا –وبطبيعة الحال أقصد هنا الفكر العملي لا الفكر النظري- مثلما هو عليه حال فكرة الحق التي تسعى إلى إلغاء تناقضات الوجود. لذلك يجب أن يكون الجميل أيضا حقا، وهذا بالنظر إلى إمكانية رد مظهره إلى الفكرة رغم ما بينهما من اختلاف لأنّ هذا الرد يتم –والحقُ يقال- عبر المظهر نفسه من دون أن تكون التناقضات التي أشرنا إليها سابقا في حاجة إلى ردها بواسطة الفكر إلى وحدة ما. ضمن هذا السياق يمكننا القول بأنّ الوعي بالذات La conscience de soi ، بمعناه السامي، هو من دون شك المصدر الأصلي الذي ينبثق منه الواقع بجميع تناقضاته ومحدداته. لذلك لزم أن يتطابق أحدهما مع الآخر، أي الوعي بالذات والواقع. والحقُ أنّ وحدة الوعي بالذات ليست أمرا شكليا ولكنها شيء مستقل بذاته. وإذا كان من اللازم أن تكون هذه الوحدة متعلقة بوحدة الحقيقة مع ذاتها فإنه –وفي مثل هذه الحالة- من الضروري أن تكون كل محدّدات الوجود معروفة فيما يخص المتناقضات الخاصة بالكوني والخصوصي من حيث أنّ كليهما ينبثق من الوعي. وبهذا المعنى، يمكننا التعرّف على وحدة المعرفة من حيث هي وحدة مع ذاتها تتم من خلال “الوعي العملي” La conscience pratique. من المعلوم أنّ مصدر كل “فعل” مناسب للفكرة لا يكمن ببساطة في الكوني أو في وعينا وإنما في اللحظة التي لم ينفصل فيها الكوني عن الخصوصي. إننا نعتقد في العادة أنّ الأنا الموجود فينا بسيط وأنّ العالم الخارجي متنوع، وأنّ ما هو بسيط يتحدّد من خلال هذا التنوّع؛ والحقُ أنّ هذا هو بالذات أساس الفعل. إنّ ما هو بسيط فينا يصدر عنه فعل خيّر من وجهة نظر أخلاقية في حالة إذا لم يتحدّد إلا من ذاته، بحيث يستعمل الأشياء الخارجة عنه كوسائل من دون أن يتحدّد بها. وعلى هذا الأساس يمكننا القول بأنّ هذا التمثّل الذي استند إلى النسق الفلسفي الكانطي غير مؤسس بالكلية [..] يبدو لي أنّ فكرة الجمال ليست فكرة “عملية” خالصة؛ والحقُ أنّ ما هو جدير بالاهتمام هنا ليس الفعل الذي يضفي على الفكرة طابعا واقعيا بصورة متعاقبة، بل على العكس من ذلك، يجب النظر إلى الجميل كشيء مكتمل وتام. انطلاقا من هذا، يمكننا القول بأنّ الجميل يكتسي –من دون شك- طابعا “نظريا”. وهذا ما أكدته وجهة النظر “الدينية” أيضا. والحالُ أننا لا نستطيع أن نبرز انبثاق التجلي الإلهي في أنفسنا أو نحدثه وإنما بالأحرى نعيشه كتجربة من دون أن نكون قادرين على فعل شيء ما. وعندئذ، يتبيّن أنّ هذه التجربة التي يمكن أن نعيشها من حيث هي متعلقة بما هو نظري ليس إلا. وهذا ما يفسر لنا –بطبيعة الحال- لماذا كان للدين ذلك الجانب النظري المتميز والهام. إنّ مذهب الجمال يتضمن أيضا جانبا دوغماتيا، بحيث يمكن تعلّم القوانين التي تحكمه. ومع ذلك، لو كانت هذه “الأفكار” نظرية خالصة فإنها في هذه الحالة ستتوافق حتما مع “فكرة الحقيقة”. وفي حالة الحقيقة ستكون الوحدة التي تتوسط ذلك مجرد شيء مفترض، وهذا ما لا ينطبق على الجميل نفسه. وإذا كان الأمر كذلك لزم أن يتعلق الأمر هنا بمزج الجانب النظري بالجانب العملي، أو الفكر بالفعل، وهذا في اللحظة التي ينتقل فيها أحدهما إلى الآخر، ويتوقف كل واحد منهما على الآخر. والحقُ أنّ الوعي العملي وحده هو من سمح لنا بالوصول إلى هذه الأفكار. وبهذا، فإنّ الاقتناع الحقيقي في “الدين”، والإيمان الحقيقي أمر لا يمكن تحقيقه بصورة “عملية”. إنّ الحاجة العملية قد تسمح لنا القيام بتجربة ما هو في ذاته. والأمر كذلك فيما يتعلق بالجمال. هنا أيضا يكون المسلك “العملي” ضروريا ، غير أنّ هذا المسلك لا ينطلق- كما هو عليه الحال في المجال الديني- مما نصرف النظر عنه أو نتخلى عنه على مستوى وعينا الشخصي، بل على العكس من ذلك، ينطلق من ذلك المسلك الذي تتدفق فيه الفكرة في الواقع. وبهذه الكيفية تمر الفكرة عبر وعينا الشخصي وتذيبها في الوعي الكوني Conscience universelle، ومن ثمة تحوّل الواقع إلى شيء أساسي. والحالُ أنّ “ضرورة الفن” تكمن في هذا المسلك العملي ذاته. وفي هذه اللحظة بالذات نستطيع أن نعرف حقا كيف أنّ الفن يفلت من قدرة الفرد المتأمل لأنّ هذا الأخير ليس –بطبيعة الحال- سوى وعاء للفكرة.
Karl W. F. Solger, L’art et la tragédie du beau. Traduit par Anne Baillot, éditions Rue D’Ulm, Paris, 2004, pp 46- 53.

 

من أرشيف البروفسور كمال بومنير:

حوار مع الدكتور كمال بومنير

الدكتور كمال بومنير يعد البروفيسور كمال بومنير أحد الأقلام الفلسفية الجادة في العالم العربي، يساهم في إغناء الدرس الفلسفي تأليفا وترجمة. بدأ مشواره الدراسي على يد الأستاذ لخضر بوناب بثانوية ابن رشد حيث قرأ لكارل ماركس وجان بول سارتر وغاستون باشلار وهنري برغسون… والتحق بجامعة الجزائر ودرس الاستطيقيا والفلسفة الألمانية …

أكمل القراءة »

هل يمكن أن تقوم المتعة الجمالية مقام حكم الذوق؟ تأليف: مارك جيمينيز

ترجمة : أ.د/ كمال بومنير لا شك أنّ تعريف كلٍ من المتعة واللذة الجماليين ودورهما ومكانتهما في التجربة الفنية أو الجمالية لمن المشكلات الأساسية المطروحة اليوم في الفكر الجمالي المعاصر. لقد قامت في القرن السابع عشر مواجهات حادة بين المعارضين والمدافعين عن العاطفة من عقلانيين وتجريبيين، وذهنيين وحسيين، فقد أعطى …

أكمل القراءة »

“أزمة العلوم ومفارقات الحداثة بين الفلسفة الفينومينولوجية  والنظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت “

بقلم/ الأستاذ الدكتور كمال بومنير تروم هذه المقاربةُ الفلسفية الكشف عن القرابة الفكرية الموجودة بين مفهوم الأزمة La crise كما حلّلها مؤسس الفلسفة الفينومنولوجية إدموند هوسرل (Edmond Husserl) في كتابه الموسوم ﺑ “أزمة العلوم الأوروبية والفينومينولوجيا الترنسندنتالية”، ومفهوم الأزمة كما تصوّرها أبرز ممثلي الجيل الأول لمدرسة فرانكفورت النقدية ماكس هوركهايمر …

أكمل القراءة »

“الفن والأشكال الرمزية” تأليف: إرنست كاسيرر

ترجمة وتقديم: أ.د/ كمال بومنير وُلد إرنست كاسيرر Ernest Cassirer سنة 1874 في مدينة بريسلو، وتوفي سنة 1945 في مدينة نيويورك الأمريكية. هذا، ويُعد كاسيرر أحد أقطاب ما يُسمى ﯨ الكانطية الجديدة Le néo-kantisme ، في فرعها المتمثل في مدرسة ماربورغ Ecole de Marbourg ، التي اهتمت بالمباحث المعرفية والعلمية، …

أكمل القراءة »

أدورنو وهيدغر: نحو تجاوز الأنطولوجيا الفينومنولوجية ؟ 

بقلم/ الأستاذ الدكتور كمال بومنير لا شك أنّ الانتقادات الذي وجهها ثيودور أدورنو Theodor Adorno، أحد أبرز ممثلي الجيل الأول لمدرسة فرانكفورت، إلى الفيلسوف الألماني الكبير مارتن هيدغر Martin Heidegger تعد في نظر العديد من المتخصصين في الحقل الفلسفي الغربي المعاصر من أعمق الانتقادات وأكثرها راديكالية التي وُجهت لهذا الفيلسوف من …

أكمل القراءة »

“الموسيقى ﻛ “رؤية للعالم ”  تأليف: غيورغ لوكاتش 

ترجمة وتقديم: أ.د/ كمال بومنير غيورغ لوكاتش György Lukács فيلسوف مجري معاصر (1885-1971). يُعّد أحد أقطاب الفكر الماركسي في القرن العشرين. تأثر بكانط وبهيغل وماركس وفيبر ودلتاي، وهذا ما يظهر في واحد من أهم أعماله الفلسفية “التاريخ والوعي الطبقي” عام 1923، الذي عالج فيه موضوع التشيؤLa réification . بدأ يلمع …

أكمل القراءة »

“الاعتراف وإعادة التوزيع الاقتصادي” تأليف: نانسي فرازر

ترجمة وتقديم: أ/ د كمال بومنير نانسي فرازر Nancy Fraser فيلسوفة أمريكية معاصرة (ولدت عام 1947) بمدينة بالتيمور Baltimore. تعتبر من أهم ممثلي النظرية النقدية في الولايات المتحدة الأمريكية. تأثرت أثناء مسارها الفكري والسياسي بالعديد من الفلاسفة (ثيودور أدورنو، ميشيل فوكو، يورغن هابرماس، ريتشارد رورتي على وجه الخصوص). انصب اهتمامها …

أكمل القراءة »

“حول جمال اللوحة الفنية” تأليف: أندي وارول

ترجمة وتقديم: أ. د/ كمال بومنير وُلد الرسّام التشكيلي الأمريكي أندي وارول Andy Warhol في مدينة بيتسبورغ Pittsburg بالولايات المتحدة الأمريكية في عام 1931. درس في معهد كارنجي للتكنولوجيا وتخرّج منه سنة 1949، ثم استقر في مدينة نيويورك واشتغل كرسّام في ميدان الاشهار. بدأ وارول رسم لوحاته الأولى بأسلوب تعبيري. …

أكمل القراءة »

الفضاء العمومي المعارض اليوم (الجزء الثاني) تأليف: أوسكار نيغت 

ترجمة وتقديم: أ.د/ كمال بومنير اعتقد أننا اليوم أمام نوعين من الفضاء العمومي؛ هناك أولا وقبل كل شيء ما يظهر عبر الفضاء العمومي البرجوازي Öffentlichkeit Bürgerliche ضمن علاقته بأشكال الصراعات المباشرة ضد الأزمة الاجتماعية البنيوية السائدة في زمن الرأسمالية. فمن المعلوم أنّ الفضاء العمومي “الرسمي” يعيد بشكل واسع لغة ورمزية …

أكمل القراءة »

“التقنية ومسار الحضارة الإنسانية” تأليف: هربرت ماركوز

ترجمة وتقديم: أ.د/ كمال بومنير هربرت ماركوز Herbert Marcuse فيلسوف ألماني معاصر (1898-1979). تأثر بهيغل وماركس وشيلر وهيدغر وفرويد. انظم عام 1934 إلى معهد الدراسات الاجتماعية بفرانكفورت إلى جانب ماكس هوركهايمر وثيودور أدورنو، وأسهم في تعميق النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت من خلال مقالاته وبحوثه. ثم هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية …

أكمل القراءة »

شاهد أيضاً

الاغتراب  الثقافي والجنون الجزء 2

علي محمد اليوسف يرى الدكتور مراد وهبة ان لفظة عبقرية تعني التميّز بقوى عقلية خارقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *