الرئيسية / فكر وفلسفة / مساهمات / ” الخيال واللغة والتصوف “

” الخيال واللغة والتصوف “

علي محمد اليوسف

الوعي ذات ادراكية انفعالية ناقدة في فهم الواقع وتحليل ظواهره ومعطياته وعلاقة الانسان بالطبيعة كمعطى اولي متداخل بالوجود الانساني (الذكي )على الارض.

أن خاصية الانسان البدائية البدئية في صناعته التاريخ وسيرورة تقدمه الحضاري بدءا من عصر الصيد والالتقاط تم بالمفارقة عن حياة الحيوان بحيازة الانسان الذكاء وفي القدرة على اعمال العقل والتفكير. وهذه الخاصية الانسانية استثناءا من دون الكائنات الحية الاخرى , هي بدئية وازلية في وعي الانسان لوجوده ورغبته مجاوزة هذا الوجود دوما وباستمرار في توّسل العقل وتشغيل خاصّية الذكاء الى جانب الخيال الاستشرافي , في مراجعة مستمرة نقدية للوجود الانساني المتعالق مع الطبيعة , وهذا ما لا يتوفر عليه الحيوان الذي يفتقد خاصيتي الذكاء والخيال , ولا يدرك ويعي وجوده . وهذا الاختلاف والمفارقة بين حياة الانسان والحيوان مثّلت اكبر انعطافة انثروبولوجية في تاريخ صنع الانسان لوجوده الآدمي وبناء حضارته البدئية . وعن هذه الحقيقة يشير براتراند  رسل :  وجد الانسان ان ثلاثة اشجار مع ثلاثة اسود مع ثلاثة جبال توحدها خاصية واحدة لا يحتازوها , ويتمايز بها الانسان  عنهم وغيرهم  من الكائنات في امتلاكه خاصية العقل والذكاء .

الذكاء الانساني أدخله في مشّقات وصّعاب على امتداد العصور البشرية عندما وجد الانسان نفسه في صراع واحتدام مع الطبيعة بعلاقة رأسية متقاطعة معها دفاعا عن نفسه ونوعه من الانقراض , ومحاولته تسخير وتطويع معطيات الطبيعة وقوانينها العامة لصالحه ومقتضيات وجوده . بينما بقي الحيوان يجاري الطبيعة ويتكيّف معها غريزيا بعيدا عن التقاطع معها,والاحتدام بها, وعن ادراك وعي الوجود . في هذه المفارقة بقي الانسان في حالة تطور دائمية من مرحلة الى اخرى , وبقي الحيوان كائنا متكيّفا مهادنا للطبيعة في حلقة دائرية مفرغة من الحياة التطورية ( يعيش ليأكل ).

أن  تلازم الوعي النقدي والخيال المنتج عند الانسان في أدراك وجوده وأستشراف مستقبله الافضل يشبه الى حد بعيد تماما تلازم الروح والجسد في الكائن الحي , فاذا أعتبرنا الوعي هو عملية العناية بالجسد كوجود انساني فيزيائي نفسي متطور دائما في علاقاته المتعددة بالطبيعة والميتافيزيقيا والكوني , فان الخيال يصبح اهتمامه ومجال اشتغاله بجنبة الوجود الروحي وآفاقه عند الانسان وعلاقته بالمطلق وما وراء الطبيعة في التصورات الغيبية وتوظيف استشرافاته الروحية والمادية لخدمة حاجات الجسد والتوازن النفسي وفتح آفاق مستقبلية امام تقدمه باستمرار ,مكّملا – اي الخيال – وظيفة الوعي الادراكي العقلي في عنايته بالانسان كوجود مادي عياني ماثل متعين يمثل جزءا من الطبيعة منفصلا و متمايزا عنها . وجود تدركه الحواس ويسيطر عليه العقل تماما , يتجلى ذلك ان العقل ذو فاعلية نقدية لما تزّوده بها الحواس والوعي الادراكي في تحليل الوجود وحل مشكلاته وقضاياه .

الخيال المنتج السوي يلازم الوعي الادراكي ويتكامل ويتعاضد معه احيانا ويفترق عنه احيانا اخرى , باسلوب وطرائق مفارقة عديدة , فما يعجز الوعي تحقيقه يدركه الخيال بشكل يوتوبي تعويضي حلمي استشرافي, بما يحفز الادراك في تحقيق الاحلام الخيالية او جزءا منها على ارض الواقع .الخيال في كل الاحوال عند الانسان كخاصية يحتازها متفردا, هوأنه تفكير حلمي خيالي منتج , وطموح يسبق ويتجاوز عن عمد وقصد وغائية كل ما لا يستطيع الوعي تحقيقه والاضطلاع بانجازه, في استشراف الخيال حاجات يتمناها و عوالم مستجدة يسحبها باستمرار من سديم الاحلام والرؤى الى امكانية تحققها ماديا في واقع الانسان وصيرورة حياته كوجود ونوع . وفي تلازم وتداخل الوعي العقلي الناقد ,والخيال الحلمي المنتج يكون سعي الانسان بكليهما في أشباع حاجاته المادية وحاجاته الروحية ,وأحيانا حاجاته الابداعية والفنية بدءا من النقوش والرسومات الكهفية , وصولا الى ابداع الاداب والفنون الحديثة . لذا  يكون هذا التعالق المنتج بين الوعي والخيال يمثل خاصّية وجودية انسانية اكثر من ضرورية في فهم الوجود وسيرورته التاريخية وصنع حضارة الانسان على الارض.

الخيال الحلمي المنتج في كل العصور البشرية والازمنة يسبق الوعي الادراكي المحكوم بوصاية ورقابة العقل على الانسان كوجود وماهّية . لكنه اي  الخيال في عصور سحيقة لعب دورا (فوضويا ) في الفتح الاستشرافي المستقبلي في استقدامه واستحضاره واستحداثه ما ينقص الوجود الانساني من معطيات مادية وروحية تغني ذلك الوجود ,ليستحدث بعدها اخرى بديلا عنها متجاوزا لها على الدوام وهكذا. وكان سبب هذه الفوضوية التخييلية ان الانسان يجهل قوانين الطبيعة التي اكتشفها في مراحل متقدمة من عمر البشرية وكذلك انه لم يكن يعرف وسائل العلم في تحقيق رغائبه التخييلية. . ليأتي بعد ذلك دور الوعي العقلي النقدي الناظم والمنظم لمنظومة المعطيات الخيالية التي ابتدعها الخيال الجامح , في التهذيب والتشذيب وتحقيق الممكن منها وتخليصها من سديم الفوضى الطوباوية الخيالية غير المنضبطة عقلانيا. .

يمكننا تقسيم الخيال المرافق لوعي الوجود الانساني الادراكي وعقلانيته بثلاث انواع من الخيال مثّلت مراحل متدرجة ومتداخلة مع بعضها ايضا :

  • الخيال الاسطوري والخرافي الذي قدّم للمسار البشري المتصاعد خدمة جليلة عظيمة في انتاجه الخرافة والسحر والطوطم وطقوس الرقص الدينية , والاسطورة والميثالوجيا ,وفي مراحل لاحقة انتج لنا الاديان ما قبل السماوية , وانتج لنا ايضا الكهنة والعبيد .
  • في مرحلة لاحقة انبثقت من رحم الخيال الاسطوري وفي تداخل معه وتجاوز له ايضا , انتج لنا الخيال الانساني الآلهة والملاحم والاساطير , وفي تطور لاحق انتج لنا الاديان السماوية والايديولوجيات والابداع في الاداب والفنون والفلسفة والغناء والموسيقى والرقص والتاريخ والعلوم الانسانية . ونطلق على هذا النوع من الخيال المنتج( الخيال الابداعي).
  • بعد مرحلتي الخيال الاسطوري والخيال الابداعي ومن رحمهما أنبثق عندنا الخيال العلمي تجاوبا مع مقتضيات التطور المديني والتقدم الحضاري للانسان . الخيال العلمي وفي مراحل متقدمة أنتج لنا علوم الطب والفيزياء والفلك والكيمياء والتكنلوجيا المتطورة والفهم الوجودي المعاصر للحياة .

هذا المخيال العلمي المنتج وضع حاضر ومستقبل البشرية مرهونا في حّيز الاحتمالات التنفيذية المتحقق والمؤّجل منها في استمرار عمل المخيال المخصب المنتج في التنبؤ الاستشرافي لبعض ما يهم مستقبل الوجود الانساني الارضي وعلاقته بالطبيعة والكوني ومستجدات العلوم ومتطورات التكنلوجيا بصورة مطّردة متعالية في نشدان الافضل دائما مرحلة تليها اخرى .

من الملاحظ جيدا أن هذه الانواع من الخيالات المنتجة الانسانية المتداخلة رغم القطوعات التي تفصل بينها ك( بنيات / بنى ) متكونة من منظومات فكرية عديدة مستقلة أحداها عن الاخرى , بنفس وقت تداخلها مع بعضها على امتداد التحقيب الزمني لكل واحدة .فهي لا زالت مجتمعة تلعب دورا اساسيا في تفسير وفهم الوجود الانساني ماديا وروحيا , وفتح مجالات التنبؤ الاستشرافي المخصب والابداع المنتج بما يغني ثراء الوجود الانساني اسطوريا وابداعيا وعلميا .

مما مربنا نستنتج ان فهم الخيال المنتج غير التهويمي اللاشعوري – وسنأتي على تفصيل هذا لاحقا – انه دائم النظر الاستشرافي في سحب غير الممكن الوجود وغير المتحقق من ثنايا الغيب والمستقبل المجهول الى امكانية التوظيف والتحقق في الواقع المادي للانسان عندما يعجز الوعي والارادة تحقيق تلك المتطلبات . الخيال حركة دائبة في تحفيزأدراك الوجود على مجاوزة الواقع المادي المتعين . فما يتحقق في فترة زمنية تخبو صلاحيتها وجاذبيتها المبتكرة بمرور الوقت ,لتصبح حاجة استحداث أخرى أفضل منها بديلة عنها  , اكثرضرورة.

النقطة التي لا ارغب دون الاشارة لتوكيدها والتي سبق ان ذكرتها سريعا, أن الخيال الابداعي المنتج لعب في مراحل بدائية من عمر البشرية دورا على جانب كبير من الاهمية وان كنا نعامل هذه المراحل التي انتجت لنا الطقوس الدينية والميثالوجيا والسحر والشعوذة والخرافة والاساطير , وفي مرحلة لاحقة متقدمة انتجت لنا الاديان الوثنية , وفي مرحلة متقدمة جدا انتجت لنا منجزات الخيال العلمي والتطور التكنلوجي والعلوم في كافة المجالات , والفهم الكوني للوجود. تمت ويتم الان معاملتها على انها على أهميية بساطتها البادية عليها بمقاييس عصرنا , الا انها مثلت انجازا معجزا لذكاء الانسان وقدرته التخييلية على ابتكاره حاجات ورموز لغوية وغيرها هي اليوم موضع تثمين رائع في علوم الاناسة والفلسفة والتاريخ وغيرها.

ان هذه المعطيات التي ادرجناها في اهمية الخيال المنتج أصبح من المتاح امامنا اليوم تعويض ما لم يدركه الخيال في مراحل سحيقة ,متاحا امامنا في ما ينتجه لنا الخيال الابداعي من معارف وآداب وفلسفة وفنون ,وكذلك الخيال العلمي في تقدم الحياة الانسانية . كما ان عودة الفلسفة المعاصرة وحفريات المعرفة والاركيولوجيا ومدارس البنيوية والتفكيك الى مخلفّات الخيال الابداعي الاسطوري ودراسة تلك المراحل التاريخية القديمة اصبحت اليوم معتمدة في التنقيبات , في فتح آفاق معرفية وفلسفية وعلمية جديدة على جنبة كبيرة من الاهمية لم تكن علوم المعرفة على دراية بها سابقا.

الخيال واللغة : قبل دخول هذا الباب أود التنبيه الى مسألة معقّدة تهم مفهوم الخيال وعلاقته باللغة . فنحن نتوفر على اكثر من نوع من التعبير , وشكل ومحتوى يرتبط بشكل وآخر بالخيال الانساني :

  • عندنا اولا لغة التواصل الاجتماعي كلهجات وكلام تواصلي وتفاهم شفاهي , وكذلك لغة المخاطبة في الفصحى قراءة وكتابة في المتعارف عليه . وهنا تكون لغة الخيال اللغوي صادرة شعوريا عن وصاية ورقابة العقل على تنظيمها واعطاء تراتبية الشكل المنّظم للغة , وتماسك وتناغم المعنى المراد توصيله تجريديا.
  • لغة اللاشعورالابداعي التي تعتمد التداعيات الحلمية, كما في النتاجات الادبية والفنية أبرزها مدارس الفن التجريدي التشكيلي وفي الشعر ايضا كما في السريالية والدادائية والبرناسية والتكعيبية .
  • لغة اللاشعور المرتبط بتعاطي المخدرات في محاولة تخصيب  الخيال الابداعي لانتاج الفعاليات الادبية والفنية المستمدة من عوالم غير مسبوقة .
  • لغة اللاشعور المرتبط بهلاوس المرضى العصابيين والانفصاميين ومرضى التوّحد وهذاءات وغطرفة المجانين . وهنا تكون اللغة بمفهومها التواصلي, معطّلة التواصل مع الآخر , في غياب وتغييب التفكير الشعوري المتجانس عقليا في توجيه وتنظيم هذا النوع من التعبير اللغوي .
  • لغة الشعور في الوجدانات الصامتة المعّبر عنها بحركات الجسد في الرقص والغناء والبالية واليوغا, والديانة البوذية ,وطقوس العبادات الدينية الوثنية ومسرحيات الشخص الواحد الصامتة وبعض الالعاب الايحائية .
  • لغة اللاشعور عند الصوفية وسنأتي على تفصيلها لاحقا .

اذا جاز لنا اعتبار حركات الجسد في الرقص والغناء واليوغا,وفي الاديان الوثنية, لغة تواصل وجداني عاطفي مع الآخر في لغة صامتة لامنطوقة ولا مقروءة ولا مكتوبة ، فان عالم اللغات لوفيدج فتنجشتين  يعتبرهذا النوع من لغة الصمت المعبر عنها بمرموزات حركية صادرة عن الجسد ، تكون اقدر على التواصل , وما نعجز التعبير عنه بالكلمات يكون التعبير عنه بالصمت . وتعبيرات لغة الصمت المرتبطة بتشكيلات ايحائية او جمالية مصاحبة لفعالية الرقص او المسرح الانفرادي لشخص واحد او عدة اشخاص،ورقص البالية ، وحركات اليوغا ،وعن ارتباط اللغة بحياة الانسان وملازمة وجوده كأرث ملازم ومكمل له يرى فنتشجتين انه ( لامعنى لأي لفظة لغوية الا في مجرى الحياة .) ويتابع بأن كل ما يقال يجب ان يقال بوضوح والا علينا ان نلوذ(بالصمت كمستودع نودع فيه ما نجهله).

هنا علينا توضيح التباس متوقع ونحن نعرض(الصمت) لغة توصيل في الفعاليات الراقصة والمسرحية وفي بعض الاديان القديمة,أن لغة الصمت التي عناها عالم اللغات,هي في عجز اللغة (المنطوقة والمسموعة) ان تكون لغة افكار تعبيرية توصيلية,وهذا الصمت يختلف عن(توظيف) الصمت في ايصال الفعاليات الوجدانية العاطفية التي تكون فيها الحركات التمثيلية والاشارات الايحائية(لغة) معّبرة معّدة وموضوعة سلفا في اهمية وقدرة حركة الجسد توصيل الفهم والمعنى المطلوب في تعطيل لغة التخاطب التقليدية المسموعة (صوتيا).

الصمت هنا في لغة الجسد الايحائية والحركات لا يمثل عجز اللغة المعتادة عن التوصيل,بل تعطيل وظيفة اللغة من اجل بلوغ هدف التوصيل ايحائيا حركيا. ان الصمت في الفعاليات التمثيلية والمسرحية الصامتة, الذي يستبطن  عدم البوح بالمعنى , وتعطيل وظيفة اللغة سماعيا أنما يتم بأرادة مسبقة,وليس الصمت مكبوتا نتيجة عجز لغوي تعبيري قاصر عن بلوغ هدف التوصيل.كما هو الحال مع وظيفة اللغة الصوتية تقليديا.

اذن ما موقع الوعي والخيال من اللغة وكيف يتوسّلانها في الافصاح الوجداني والتعبير !؟

هذا يقودنا الى تفريق أن الوعي يتعامل بأكثر من لغة ، يتعامل بها الخيال فهو يتعامل مع اللغة ادراكيا في اعتبار اللغة الشفاهية هي مرموزات ايحائية وتجريدية تحقق التواصل البشري واجتماعيتهم المطلوبة في تمشية امورهم ومتطلبات حياتهم . ويدخل ضمن هذه اللغة الحوار الشفاهي واللهجات المحلية ولغة تواصل الابداع الادبي والثقافي والمعرفي والفلسفي ، وهذه اللغة التي يعّول عليها ادبيا وثقافيا واجتماعيا هي لغة منظمة ومتّسقة.

كذلك نجد لغة الادراك المعرفي العلمي في علوم الطب والرياضيات والفيزياء والكيمياء والهندسة والحاسوب ، هي مرموزات أشارية تتوسلها العلوم كمعادلات رياضية ذات خصوصية بنيوية مستقلة تماما . وهذا النوع  اللغوي من التعبير محكوم بوعي ادراكي عقلاني صارم لايقبل بغير الاستقلالية التامة وخضوع  اللغة لرقابة المنطق وصرامة الشعور بامتياز .

أجد من المفيد أن جيل ديلوز نقلا عن منصف الوهايبي صنّف الخطاب اللغوي الى ثلاثة انماط تعبيرية: الخطاب الفلسفي معقودا على التوّسل بالمفهوم, فيما الخطاب الفني معقود على التوّسل بالادراك,والخطاب الديني معقود على التوّسل بالانفعال والوجدان. وهذا الاخير يتداخل في تلقي الشعر وبعض الفنون القولية الاخرى.

الخيال ولغة التصوف:

أهم انواع التعبير اللغوي التي يمتزج فيها الادراك العقلي مع اللاشعور المتسامي نحو المثال والحلول في الذات الالهية ، هي لغة الخيال التصوفي ، فالمتصوف او العرفاني ينطلق بحسب رأيي من منطلق أن أردأ انواع العاطفة والوجدان ما تستطيع اللغة التعبير عنه واستيعابه..والعواطف والوجدانات العميقة الّثرّة المتسامية تعجز اللغة التعبير عنها.

من هذا المنطلق يعتبر تعطيل فاعلية اللغة التواصلية مع الآخر قاصرة تماما في حال مرور المتصوف بتجربة الكشف الاستبطاني وحالة  التسامي الذي يّشل الحواس والادراك الواعي للعقل ، اللغة التصوفية تأتي على شكل مرموزات وشطحات لغوية فكرية تخييلية منجذبة نحو التعالي على/ فوق الواقع الحسي والتعالي على العقل أيضا. لغة المتصوف غائبة تماما عن مجريات الحياة والمحيط والوجود الانساني الاجتماعي للآخر بجميع اشتمالاته المادية ، ما عدا الشحن الوجداني العاطفي اللاشعوري المرتبط بأمعان ورغبة التدرج في معارج الكشف نحو المثال المتسامي ونشدان الوصول الى مراتب متقدمة من الخالق والذات الالهية. لغة التصوّف ترتبط بحالة اللاشعور في تغييب الوعي والحس المادي ليلتقي بهذاءات المجانين الى حد ما مع فارق انه في بعض الحالات التصوفية كما هي عند ابن عربي والحلاج والنفري وابن الفارض وغيرهم، فهي تحمل مدلولات تواصلية فلسفية مع الآخر يتداخل الوعي الشعوري والادراكي بتسجيلها . في حين تكون مثل هذه الفعالية التواصلية بقدرات اللغة والتعبير معدومة تماما في هلوسة وهذيان المجنون ، وهذا ينطبق ايضا على الكثير من التجارب التصوفية غير الناضجة .

كلا التعبيرين اللغويين لغة التصوف وهذاءات المجانيين يتقاسمان صفة(لغة الخيال اللاشعوري غير المنتج ) في تغييب الوجود الواقعي العقلاني,وأعدام فرص التواصل بالآخر.

لغة التصوف تلغي الفاعالية الواقعية العقلانية في جانبين: تلغي فاعلية الوجدان المنتج – ماعدا استثناءات تجارب تصوفية ناضجة غير مبالغ بها ولا مفتعلة مجال اشتغالها التعبيري الشطحات التصوفية اللغوية على شكل ومضات حكمية واقوال ملغزّة وفي مجال قول الشعر الملغّز ايضا – وأعدام رقابة العقل على اللغة المنطوقة تصّوفيا,يتجلى ذلك في عدم قدرة المتصوف ضبط تداعيات اللغة التعبيرية المنطوقة عنده, بمنطق لغوي نسقي منظّم يستطيع التواصل مع الآخر بعيدا عن شطحات التفكير وتداعيات اللاشعور في توصيل التجربة الذاتية من خلال امكانية المتلقي فك مرموزات اللغة الاشارية , بما يخدم تجربة المتصوف والمتلقي معا.

الجانب الثاني من الألغاء في لغة المتصّوف يتمثل في تخريب الاخصاب التخييلي المنتج,في عجز التعبير التصوفي , وفي اللقاء مع هذاءات المجنون وفي عجزهما المشترك أن يكون تعبيرهما اللغوي لغة تواصل يعّتد الأخذ بها ,فقط باستثناءات تجارب تصوفية متقدمة يمكن ان يكون التواصل التصوفي مع المجتمع متحققا فيها اشرنا لها سابقا.

اذن ما الفرق بين غطرفة وهذاءات المجنون,وشطحات المتصوف اللغوية التعبيرية !؟

هذاءات المجنون وهلوسة الانفصامي المرضية تصدر عن غياب تام لتداعيات الشعور التخييلي الحلمي المنتج—  بخلاف ما نجده عند المبدع والفنان من تداعيات الشعور الخلاق – فهي عند المجنون تخيّلات لا شعورية مكبوتة تفصح عن نفسها ,في تعبيرات مشّفرة ناقصة المعنى المفهومي,سائبة غير منظمة ولا منضبطة سطحية وانفعالية بهستيرية,غبر مفهومة ولا متسّقة تعبيريا,طلاسم لغوية مغلقة على عوالم خيالية مرضية.

الخيال اللاشعوري عند المتصّوف يطرح لغة مفككة أيضا لا تعطي فهما ومعنى منظّما.ومن هنا تلتقي لغة المتصوف مع هلوسات المجنون ,ويفترقان كليهما عن لغة الخيال الابداعية المنتجة كما نجدها عند الفنان او الاديب الذي يعود الى الواقع من رحلة الخيال بحصيلة فكرية او فنية.

يقترب هيدجر في تناوله وظيفة اللغة في التجربة الصوفية ,انها لغة رمزية صعبة وعسيرة في التعبير عن تجاربهم ومعاناتهم التصوفية,اذ يعجز المتصوف نقل او تمييز الوجود,عن نسيان الوجود الحقيقي, اذ يقع المتصّوف في حالة من تغييب الوجود عقليا وحسيا ,و يعيش حالة من المثالية العرفانية في تجربته الذاتية الصرف.

كما يعيب براتراند رسل على المتصوفة عقم وعجز اللغة عندهم ,بانها عاجزة ان تقول شيئا يعتد ويؤخذ به.كما ان العلم من وجهة نظره أيضا يسخر من اللغة التصوفية سخرية لاذعة.

وفي المنحى ذاته يذهب جورج باتاي( ان التجربة الايروسية- الشبقية تتوازى مع التجربة الصوفية في كونهما فيضين لا تستوعبها اللغة).من هنا يمكنني التذكير بأهمية العبارة التي اورد تها سابقا حين أشرت ان المتصوف ينطلق من واقعة أن أردأ انواع العاطفة والوجدان هو ما تستطيع اللغة التعبير عنه واستيعابه.على أعتبار أن التجربة التصوفية هي غوص في مسالك الكشف الاستبطاني المتسامي المتعالي, التي تنعدم معها ان تكون اللغة ذات جدوى تواصلية مع الآخر.هنا بحسب هذا الفهم لانستغرب ربط جورج باتاي بين التجربة الصوفية والتجربة الجنسية والتقائمها في أن اللغة بكلتا التجربتين تتماهى في العجز واستعصائها  تحقيق التواصل بالآخر.

أما الشاعر المفكر ادونيس فيعتبر لغة التصوف(الاسلامي) هي لغة استكشاف معرفي في الدين والفلسفة والوجود.وأن السرياليين أخترعوا الكتابة الاوتوماتيكية— يقصد بذلك كتابة تداعيات اللاشعور— والغاء العقل واستخدموا لذلك المخدرات. ويضيف ان المتصوف الغى رقابة العقل بالسيطرة الذاتية على الجسد .وسميّ آنذاك الكتابة (الهيا سماويا) وهي ذاتها الكتابة التي نادى بها السورياليون.(اندريه بريتون في الشعر, وسلفادور دالي في الرسم والتشكيل,والى حد ما ادب اللامعقول عند صوموئيل بيكيت.).

هنا ادونيس استخدم عبارة الغاء العقل عوضا عن تغييب تداعيات اللاشعور الحلمي المنتج في كتابة الشعر وانتاجية الفنون التشكيلية كما في السريالية والتجريد الفني. وهذا الخيال الانتاجي الخصب عند الفنان او الاديب يختلف جذرياعن المخيال المعّطل غير المنتج عند المتصوف,الذي يتأرجح بين تغييب الرقابة العقلية والحسّية,وبين تداعيات اللاشعور عندما تكون اللغة أقرب الى الهلوسة والهذاءات عند المجنون. بأختلاف بسيط أن المتصوف يعي عجز اللغة عنده في تحقيق التواصل مع الآخر,وقدرته أحيانا على البوح بافصاح تعبيري لغوي يتجاوز هذاءات المجنون المغلقة.بينما هي غير ذلك عند المجنون في هذاءاته بلا معنىى ولا ترابط مفهوم.

اما المفكر محمد عابد الجابري يرى أن الحقيقة في التصوف الاسلامي هي عندهم ليست الحقيقة الدينية,ولا الحقيقة الفلسفية,ولا الحقيقة العلمية,بل الحقيقة عندهم هي الرؤية السحرية للعالم التي تكرسها الاسطورة.وأن العرفان(التصوف) يلغي العقل, ومن حق العقل الدفاع عن نفسه ليس بالطريقة السحرية بل بالتحليل العقلي.

اود توضيح نقطة مررنا بها سريعا, ما هو الفرق بين لغة الابداع الادبي – الفني ولغة التصوف!؟

أن فرويد تعامل مع الخيال بوصفه مصدر الألهام وخزّان الابداع,وكشف تأثير اللاشعور في السلوكيات المنحرفة والسّوية.

برأينا الفنان كالعصابي المريض او المنفصم الشخصية كلاهما ينسحبان من الواقع المحسوس والمدرك عقلانيا الى دنيا الخيال غير المحدود, بخلاف جوهري مهم جدا ان العصابي المريض لايستطيع العودة من رحلة الخيال الى واقع الحياة والمجتمع ثانية , وأن ما يبتدعه له الخيال من واقع وهمي يتصوره ويتعامل معه انه الواقع الحقيقي والحياة السوّية. في حين ان الفنان المبدع او الاديب صاحب الفعالية الابداعية يستطيع العودة ثانية من رحلة الخيال الى واقع الحياة, وبحصيلة ابداعية فنية مميزة على شكل انتاج ادبي او فني او غيرهما.

الهوامش:

(1)(لتفصيل اكثر ينظر كتابنا /فلسفة الاغتراب في طبعتيه الاولى عن دار الشؤؤن الثقافية بغداد 2011   , والثانية دار الموسوعات العربية بيروت 2013.الفصل الخامس: الاغتراب والصوفية./والفصل السادس:الاغتراب في الوجودية الحديثة).

 من أرشيف علي محمد اليوسف/الموصل:

التثاقف والعولمة و ما بعد الحداثة

علي محمد اليوسف بدءا نسوق شهادات فلسفية متنوعة على مسألة الميتايزيقيا او ما وراء الطبيعة وما تحمله من محمولات خلافية إشكالية في زوايا الرصد والمعاينة فهيجل يصفها: إن نحن أمعنا النظر في الميتافيزيقيا وجدناها شكلت جزءا من التاريخ الوجودي للإنسان . كما أعتبر كانط ان ما يدّعيه لا يبنتز من …

أكمل القراءة »

شذرات من الحياة والوجود

علي اليوسف /الموصل* ملاحظة: هذه الشذرات الفسفية والفكرية المنوّعة كتبتها على فترات متباعدة ومثلها العديد فقد مني وبعضها الآخر نشرته على حسابي فيسبوك بما يتعذّر عليّ استرجاعه, ربمّا كان هناك تناصّا في القليل جدا منها , لكن جلهّا ليست مقتبسة عن مصدر, ولا التمس من نشرها غير توثيقها كنوع من …

أكمل القراءة »

التوسير وكتاب رأس المال

علي محمد اليوسف/الموصل   بعدما جعلت الماركسية من الميراث المادي الهيجلي، فلسفة مثالية ابتذالية في تفسير المادة والتاريخ، وبعد ان اعتمدها ماركس بمنهج مادي جدلي مغاير محسّن، اطلق مقولته الشهيرة بانه – ماركس – اوقف التفسير المثالي الهيجلي للتاريخ على قدميه بعد ان كان اوقفه (هيجل) مقلوبا على راسه. مختتما …

أكمل القراءة »

قراءة في اصل الدين لفويرباخ

علي محمد اليوسف /الموصل عمد فويرباخ ان يجعل من الطبيعة منشأ الدين,وينصّب الانسان (الها) بها ومن خلالها وعليها,فهو جعل الانسان يقدّس ويؤله الطبيعة بتأملاته الخيالية والميتافيزيقية المحدودة عقليا,وأن يعتبر (الانسان ) دون وعي منه, الطبيعة بكل ماتمتلكه من هيئات وتنوعات جغرافية وبيئية وتضاريس وانهار وجبال وحيوانات ما هي الا (الاله) …

أكمل القراءة »

الانسان والتاريخ في الفلسفة البنيوية

علي محمد اليوسف/الموصل عديدة هي الانتقادات اللاذعة التي واجهتها تيّارات الفلسفة البنيوية,من فلاسفة ومدارس عديدة مناوئة لطروحاتها الفلسفية, كونها(البنيوية) أثارت اشكاليات في الفكر الفلسفي جديدة غير مسبوقة في تاريخ الفلسفة,استلزمتها واحتاجت معها الى نقودات متباينة معها او ضدها, جاءت في مقدمتها من مفكرين وفلاسفة ماركسيين وغير ماركسيين,تلاهم بالتزامن معهم فلاسفة …

أكمل القراءة »

الموت  في الدين والفلسفة الغربية

علي محمد اليوسف / الموصل – عراق  تعد مشكلة الخوف من الموت وطبيعته تقليدياً من  دائرة اختصاص الدين، والدين ينكر عادة الطابع المتناهي للموت، إذ يؤكد استمرارية الشخصية الانسانية سواء في شمولها النفسي – البدني او كنفس متحررة من البدن، مؤكدا على طابعها الممّيز المألوف. ومن ثم فأن الفلسفة لم …

أكمل القراءة »

العربي – المسلم / التديّن السياسي ومأزق العصر

علي محمد اليوسف / الموصل تقديم : ان منهجية الدراسات الاصلاحية المعرفية والفلسفية ,في نقد وتقويم الانحرافات الطارئة في الفكر الديني ,من وجهة نظر معاصرة حداثية , وحاجة الانسان للتديّن , مداميك واسس وضعت الظاهرة الدينية على محّك المراجعة النقدية المسؤولة , بعد ان اصبح خطر ايديولوجيا التديّن الاسلامي المتطرف …

أكمل القراءة »

انسنة الدين والمعطى الفطري للتديّن

علي محمد اليوسف/الموصل  المعطى الفطري للتديّن: اكون متعجّلا جدا,انه ليس هناك من حاجة لأنسنة الدين في حياتنا المعاصرة, فالدين مؤنسن بالفطرة الميلادية للانسان, الدين معطى ازلي ملازم الوجود الانساني,فطري ومكتسب معا, لو لم يجده الانسان في حياته على الأرض, لبدأ التفتيش عنه في مراحل عمرية متأخرة, وقام بأختراعه وممارسته, في …

أكمل القراءة »

هوسرل وعلاقة الذات بالموضوع

علي محمد اليوسف تاريخ 29/8/2017 , بعنوان: (الفلسفة الظاهراتية بين الفينومين والنومين) ادرج بضوء الدراسة الفلسفية للباحث د. جميل حمداوي المنشورة على موقع(المثقف)الغراء مناقشة هذه الجزئية , حول عبارة(كوجيتو) ديكارت ( انا افكر اذن انا موجود). ذكر الباحث انه كان الأجدر كي تكون العبارة اكثر مقبولية فلسفيا حسب احالة العبارة …

أكمل القراءة »

نحو ديمقراطية تجمع العلماني والديني

علي محمد اليوسف / الموصل العلمانية: العلمانية  وعلاقتها بالدين ,هو  في اختلاف تطبيق مايعنيه ويتضمنه مصطلح(العلمانية ) بالنسبة لدول اوربا والكنيسة الكاثوليكية تحديدا, المختلف عن فضاء تداوله بالنسبة لنا, في فهمنا انه يمثّل علاقة الدولة , او انظمة الحكم العربية الاسلامية بالحركات السياسية والاحزاب الدينية(الاسلامية).وليس في العلاقة مع الدين كما …

أكمل القراءة »

 

شاهد أيضاً

“الجميل وفكرة الحقيقة” تأليف: كارل فلهام سولغر 

ترجمة وتقديم: أ.د / كمال بومنير كارل فلهام سولغر Karl Wilhelm Solger فيلسوف ألماني ولد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *