الرئيسية / منتخبات / ترجمة / هل يمكن أن تقوم المتعة الجمالية مقام حكم الذوق؟ تأليف: مارك جيمينيز

هل يمكن أن تقوم المتعة الجمالية مقام حكم الذوق؟ تأليف: مارك جيمينيز

ترجمة : أ.د/ كمال بومنير

لا شك أنّ تعريف كلٍ من المتعة واللذة الجماليين ودورهما ومكانتهما في التجربة الفنية أو الجمالية لمن المشكلات الأساسية المطروحة اليوم في الفكر الجمالي المعاصر. لقد قامت في القرن السابع عشر مواجهات حادة بين المعارضين والمدافعين عن العاطفة من عقلانيين وتجريبيين، وذهنيين وحسيين، فقد أعطى التيار الأول الأولوية للعقل وللحكم العقلي، في حين أن التيار الثاني كان يرى بأنه يجب إعطاء الأولوية للحساسية والحدس. لكن هل يصح القول بأن المتعة الجمالية ممتزجة دائما بالمتعة الحسية أم هي مجرد نمط من التلذذ الحسي ؟ وهل المتعة الجمالية مسألة شخصية وذاتية يصعب نقلها إلى الغير أم هي قابلة للتواصل ؟
إننا نعرف بالتأكيد جواب كانط عن ما يسميه ﺑ ” الشعور باللذة والألم” ،حيث ذهب في كتابه الموسوم ﺑ نقد ملكة الحكم إلى القول بأن المتعة الجمالية (Le plaisir esthétique) تلعب فعلا دورا أساسيا في حكم الذوق، غير أنه يمكن تمييز هذه المتعة عن المتعة الحسية، وعلى العكس من الممتع (L’agréable) الذي يدفع الذات إلى الرغبة فيما يمكن أن تحقق إشباعا ما، فإن المتعة الجمالية مستقلة عن كل مصلحة.وهذا يعني –بطبيعة الحال-أن الإشباع الذي يوفره الجميل غير مرتبط برغبة أو ميل الذات. حينئذ سيتميز حكم الذوق عن الأذواق الخاصة بكل فرد، بحيث يفترض إمكانية التوافق مع الغير، بحيث من شأنه أن يتعرف على صحة حكم الذوق؛ أو بعبارة أخرى نقول إنّ ما يسمى ذاتية حكم الذوق تشهد- وقد يبدو لنا ذلك ربما أنه ضرب من المفارقة- بإقرار مبدأي الكونية (L’universalite) والتواصلية (La communicabilité). وهكذا، فإن استبعاد الممتع وكل ميل حسي عن حكم الذوق يؤدي، بالتأكيد، إلى موقف صارم كثيرا ما اۥنتقد كانط على ذلك، وبخاصة فيما يتعلق بالفنون التشكيلية، حيث ركز اهتمامه على الرسم والشكل على حساب اللون. أما الموسيقى التي وضعها في الدرجة السفلى ضمن تراتبية الفنون الجميلة ، فقد اختزلت إلى مجرد أحاسيس سمعية مجردة من كل الصفات الانفعالية والعاطفية. ليس من شك أنّ مسألة المتعة الجمالية قد أثارت لدى كانط نفس التساؤلات الخاصة بالفعل الأخلاقي، وبمثل ما قد نتساءل عن إمكانية وجود فعل ممثل بصرامة للأمر القطعي، فإننا نتساءل أيضا عن إمكانية وجود حكم الذوق المتحرر من الانفعال والحساسية واللذة.
لقد كانت مسألة المتعة ومدى مشروعيتها في التجربة الجمالية من المسائل التي لقيت اهتماما لا يستهان به في الفكر الجمالي المعاصر، ففي مقابل إلغاء المعايير التطبيقية التي صعب تطبيقها على مختلف الأشكال المستحدثة واللامتوقعة للإبداع الفني الراهن، ونظرا لإمكانية ارتكاب أخطاء أثناء عمليتي التقييم والتقدير، ذهب بعض المفكرين والفلاسفة إلى القول بأنه من الممكن أن تكون المتعة نفسها معيارا للقيمة الفنية، وبهذه الكيفية يمكن أن نشهد نجاح العمل الفني. فالمتعة الفنية أو نقيضها- وهما نتيجة عمل فني أو تجربة الجمالية- يتضمنان، من دون شك، حكما قيميا قد يغلب عليه الطابع الايجابي أو السلبي. ووفق هذا المنظور، لم يعد الأمر متعلقا، كما هو عليه الحال عند كانط، بحكم الذوق القائم على فكرة الكونية ولكن على موقف ذاتي مرتبط بمزاج كل إنسان، وبالتالي فهو حكم نسبي يتعذر نقله إلى الغير. والحقُ أنّ الفكرة القائلة بأن “المتعة تعادل الحكم” قد تطرح مع ذلك بعض المشاكل لأنّ بعض الموضوعات الفنية التي كانت تثير الضجر واللامبالاة قلما اعتبرت أعمالا أو إبداعات فنية راقية، غير أن ذلك لم يتم بصورة منتظمة، وهذا بقدر ما نستطيع أن نقر إلى حد ما بأنّ لوحة فنية أو قطعة موسيقية ما قد تعرض للغير بعض الخصائص “الموضوعية” التي قد لا تؤثر فينا. وعلى كل حال، حتى وإن قبلنا الرأي القائل بأن المتعة تحدث عن طريق الرؤية أو السماع أو القراءة، فإن ذلك يعتبر ضمنيا اعترافا بيّنا. لكن هل يتعلق الأمر هنا بحكم مميز يمكننا من الاطلاع على قيمة أو نجاح الشيء ؟ بإمكاننا أن نشك في ذلك، وهذا لثلاثة أسباب ؛ أولا لا يمكن اختزال المتعة الجمالية إلى مجرد إشباع خاص بحواسنا، وحتى إذا أقررنا بذلك فهذا معناه أنه لا فرق بين المتعة الحسية والمتعة الجمالية، علما بأن المتعة الحسية قد يثيرها أي شيء كان، في حين أن المتعة الجمالية تتحدد، في واقع الأمر، بصورة خاصة ضمن علاقتها بالفن. ثانيا، إنّ المتعة – كما أوضح ذلك فرويدFreud – مفهوم معقد وتحمل معاني متعددة، بل وتتضمن الكثير من التناقضات، أضف إلى ذلك أنه يتعذر أن تكون المتعة حالة خالصة، فهي تتضمن – بصورة واعية تقريبا- جانبا متعلقا بنقيضها. وأخيرا، يمكننا القول بأنّ المتعة ليست خاصية قائمة في للموضوع نفسه وإنما هي تكتفي بعرض علاقة مؤقتة وعابرة أحيانا بين الذات والموضوع.
وهكذا يتبين لنا بأنه من الصعوبة ، في هذه الحالة، أن يتم استيعاب ذاتية ونسبية المتعة في حكم “موضوعي” الذي يصبو من دون جدوى إلى تقاسم التجربة الجمالية وإلى تواصلها. والحقُ أنّ رفض الادعاء وحصر هذه التجربة في حدود العلاقة الشخصية مع الموضوع هو مجرد انطواء على شيء مبتذل، بل وتأكيد أيضا عدم إمكانية إجراء نقاش بخصوص الأذواق والألوان. وهذا ما سيؤدي في آخر المطاف إلى تقهقر نحو مرحلة ما قبل كانطية من تاريخ الفكر الجمالي.

Marc Jimenez, L’esthétique contemporaine .Tendances et enjeux, Paris,Klincksieck,2004, pp 128-129.

شاهد أيضاً

  نظرة موجزة حول رائد المقالة الحديثة “ميشال دي مونتيني”

بقلم الباحث عبد الرحيم أمعضور  منذ ان بدأ الكتابة ، حاول مونتين أن ينخرط وبشكل صارم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *