الرئيسية / تربية و تعليم / فلاسفة / كانط وملك ألمانيا فريدريك غيوم الثاني

كانط وملك ألمانيا فريدريك غيوم الثاني

كوة

لكتاب “الدين في حدود مجرد العقل” قصة منع طويلة جرت أطوارها بين كانط وفريديريك غيوم الثاني من جهة؛ وبين كانط والمؤسسة الجامعية من جهة أخرى. فوزير الملك طالب كانط بتبرير ما جاء في كتابه.

وهو ما نقرأه في تصدير نزاع الكليات (1798) الذي أورد فيه كانط حكايته مع الرقابة. حيث نقرأ نصّ رسالة تأنيب بعث بها وزير الملك فريديريك الثاني (woellner) مطالباً كانط بتبرير ما ألحقه كتابه “الدين في حدود مجرّد العقل” من تشويه واحتقار لثوابت الدين المسيحي قائلا: “لقد لاحظ سموّنا منذ زمن بمرارة وضجر الطريقة التي وفقها أسرفتم في فلسفتكم في تشويه واحتقار الثوابت الأساسية والرسمية للكتب المقدسة وللمسيحية، وذلك بخاصة في كتابكم “الدين في حدود مجرّد العقل”(…) فإننا نلزمكم ضرورة بتبرير فعلكم ذاك، وإن لم تفعلوا فينبغي أن تنتظروا منا ما لا يعجبكم”[1]. وثانيا “بانتظار ما لا يعجبكم منا” (أي من الملك بنفسه). وهذا دليل على ضجر السلطة السياسية (هرم السلطة) من عمل كانط، فما الذي يثير في هذه المقالة ضجر سلطة الدين وسلطة الملك في الآن نفسه؟ هل ثمة من مبرر للهجوم على كانط؟

كان رد كانط على رسالة الملك لبقا حيث يقول: “إنني بوصفي مربياً للشباب أي ضمن دروس الأكاديمية لم أتعرض قط بأي نقد للكتب المقدسة ولا للمسيحية، وإنني لم أشكك أبداً في الدين الرسمي للدولة .. وإن كتابي “الدين في حدود مجرد العقل” هو بالنسبة للعموم كتاب منغلق وغير مفهوم… وإنما هو مجرد نقاش بين علماء الكلية لا تعيره العامة أي اهتمام”[2]. ويسرد كانط في رسالته مجموع المبررات التي ساقها للتدليل على رأيه، والتي يمكن إجمالها في:

  • كتاب موجه إلى الخاصة وليس إلى العامة.
  • كتاب منغلق وغير مفهوم.
  • لا يسيء للدين الرسمي للدولة.
  • كتاب ليس نقدي أي يمكن فصله عن الثلاثية النقدية.

هل ثمة في هذا الجواب ما يقنع الملك؟ من المعروف لدى مختلف شرّاح كانط، أن هذا الأخير تحايل على الملك من جهة كما تحايل على الأكاديميين من جهة أخرى، فجوابه عن رسالة القصر كما رأينا يعتبره كتاباً موجهاً للخاصة وليس للعموم، وفي التصدير الثاني للكتاب يرد على أساتذة الجامعة ويقول: “يكفي من أجل فهم هذا الكتاب في مضمونه الأساسي، أن يكون للمرء مجرد الأخلاق المشتركة من دون أن يضطر إلى العودة إلى نقد العقل العملي، وأقل من ذلك أيضا نقد العقل النظري، إنه كتاب يمكن أن يدرك كله حتى للأطفال أنفسهم”. وقد رأى الكانطيون في هذا تناقضاً كبيراً، إلا أن بوشر يذهب عكس ذلك ولا يجد في خذا القول أي تناقضٍ، لأن كانط برسالته تلك يدافع عن كون هذا الكتاب جزء من فلسفته النقدية ويستدل بوشر برسالة وجهها كانط إلى ستودلين Stâudlin في 4 ماي 1973 يصرح فيها أن عمله هذا يشكل امتداداً لمنظومته الفلسفية حيث يعالج فيه السؤال الثالث: ما الذي أستطيع أن آمله؟[3].

يتميز هذا الكتاب عن المقالة بكونه يحاول أن يضع أسساً جديدة لفلسفة الدين الكانطية، بحيث يبدأ أولاً بوضع مجموعة من التحديدات الأولية التي يحاول من خلالها رصد ووضع أسس الحداثة الدينية؛ وهو الأمر الذي ينكره بعض الكانطيين؛ لأنه جعل الدين والعقل في تعارض تام، فالدين والعقل هما بمثابة دائرتان تشتركان في مركز واحد، حيث الدائرة الواسعة هي دائرة العقيدة القائمة على الوحي وديانات القصص (دين العبادة)، في حين أن الدائرة الصغيرة هي بمثابة  النواة العقلية المحضة للدين (دين العقل= الفلسفة).

وتعني عبارة “الدين في حدود مجرد العقل”، أن العقل يجرد الدين من كل مضمون تاريخي، ويجعل منه ديناً بلا وحي ولا طقوس، دين “جملة من واجبات الإنسان من جهة ما هي أوامر إلهية”، وهو الأمر الذي حاول من خلاله كانط إعادة التأكيد على التعارض القائم بين النزعة العقلية، التي تتمركز حول العقل والنقد والحرية في مقابل النزعة اللاهوتية، التي تتغذى على الحماسة والخرافة والخوارق، لأن المؤسسات الدينية تثقل كاهل الدين بالتفسيرات التاريخية التي تتعارض مع منطق العقل، ويذهب كانط أبعد من ذلك حيث يرى أن الطقوس الدينية هي مجرد طقوس عمياء لا طائل من ورائها، وأن اختزال الكنيسة في التعبُّدات، حوَّل الوسيلة الى غاية، ناهيك عن أن القصص في الكتب المقدسة هي مجرد مجازات يمكن أن توظف لضمان مجتمع مؤسس على دين عقلي.

ويعالج الكتاب أربعة قضايا أساسية وهي على التوالي عناوين الأقسام الأربعة للكتاب:

1 – الشرّ الجذري في الطبيعة الإنسانية.

2 – صراع مبدأ الخير ضدّ مبدأ الشر من أجل السيطرة على الإنسان.

3 – إمكانية انتصار مبدأ الخير على مبدأ الشر، والأمل في أن يؤدّي إلى إقامة مملكة الرب على الأرض.

4 – التمييز في خدمة الله بين عبادة صحيحة وعبادة باطلة، أي بين الدّين والكهنوت.

(وللإشارة فإن الجزء الأول من الكتاب هو موضوع المقالة الأولى حول الشر الجذري في الطبيعة البشرية).

توحي هذه القضايا العامة إلى:

أن الشر متجذر في الطبيعة البشرية، وهو ميل طبيعي غير بيولوجي وليس وراثيا، وأن الانسان هو من يتحمل مسؤولية أفعاله وتوجيه إرادته نحو الأفعال السيئة، بما هي أفعال متعارضة مع القانون الأخلاقي. ويقترح كانط مخرجين لحالة الشر المتأصلة في الطبع البشري (وليس في ماهيته، لأن جوهر الماهية هو الخير أو ما يسميه الاستعداد العقلي الخيِّر):

  • يتمثل الأول في الفرد بذاته، لأن سلوكه العقلي ينبغي أن يتوافق مع إرادته الخيِّرة دون أن يحد من حريته؛
  • ويتمثل الثاني في سير التاريخ نحو التقدم في سبيل حالة مدنية اثيقية خالصة ينسجم فيها الفرد مع تشريعاته الأخلاقية القانونية، حيث السيادة لدستور مدني عادل.

ويعمل كانط في الكتاب على التأسيس لدين عقلي قِوامه الإيمان العقلي البعيد عن سلطة اللاهوت التي حوّلت جوهر الدين إلى تعبدات وطقوس بالية وغير مجدية بل ومتعارضة مع حرية الفرد، في سبيل عبادة عقلية صريحة وصحيحة من وجهة نظر الحالة المدنية الإثيقية التي تكون فيها مملكة الرب ممثلة في الكنيسة (التي يتأسس إيمانها على إيمان تاريخي لأنه لا يوجد إلا دين صحيح واحد مع طرق اعتقادات متعددة) التي تحدد علاقتها مع الدولة بشكل واضح وصريح في أنه :

أ – لا يحق للدولة أن تنحاز إلى صف دين أو مذهب ديني وأن تنصره على دين أو مذهب ديني آخر.

ب – المؤسسة الدينية حرة في أمورها الداخلية أما في شؤونها الخارجية فهي خاضعة للدولة، وللدولة حق مراقبتها وتفتيشها.

ج – لا يحق للمؤسسة الدينية أن تسيء استعمال الحرية المكفولة لها من الدولة، بأن تبث رجالها بين الشعب لتوجيهه توجيهاً خاصاً في الأمور غير الدينية المحض.

د – يمكن للدولة أن تستعين بالدين ورجاله ليحققوا بالباطن والضمير ما لا تستطيع القوة الخارجية القاهرة للدولة تحقيقه، لكن بشرط أن تكون الأولوية للأخلاق على الدين، وإلا نجمت عن ذلك شرور كبيرة، ولتحكم الطغاة الدينيون في نفوس المواطنين.

ه – لا يحق للدولة أبداً أن تستعمل الدين لأغراض سياسية بأي حال من الأحوال، فهذا خداع وتضليل، وإن دعاه الساسة المستغلون للدين براعة سياسية.

 

[1]–  le conflit des facultés, J. gibelin, p 4, 5, vrin, paris, 1973.

[2] – Ibid. 1973.

[3] – Jean-louis bruch : la philosophie religieuse de kant, p 21 – 22, aubier, edition montaigne, 1968.

شاهد أيضاً

ﺍﻟﺘﺄﺛﻴﺮ ﺍﻟﻨﻴﺘﺸﻮﻱ ﻋﻠﻰ ﻣﺪﺭﺳﺔ ﻓﺮﺍﻧﻜﻔﻮﺭﺕ / ﺭﺅﻳﺔ ﻫﺎﺑﺮﻣﺎﺱ

ﺃﺷﺮﻑ ﺣﺴﻦ ﻣﻨﺼﻮﺭ ﻋﺮﻑ ﻋﻦ ﻓﻼﺳﻔﺔ ﻣﺪﺭﺳﺔ ﻓﺮﺍﻧﻜﻔﻮﺭﺕ ﺍﺗﺠﺎﻫﻬﻢ ﺍﻟﻤﺎﺭﻛﺴﻲ ﺍﻟﻮﺍﺿﺢ ، ﻭ ﺍﻟﺬﻱ ﺃﻋﻠﻦ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *