الرئيسية / منتخبات / عامة / أحمدُ الله كبغل مؤمن

أحمدُ الله كبغل مؤمن

عبد الجليل ولد حموية

أستيقظ قبلي، أتحداني وأتحدى مدينة لا تستيقظ، هنا تنتهي الأحلام، هنا ينبثق من بين النفايات كل يوم مناضل (خبزي)، لا شيء يتغير، فقط لون الفرسين وسط المدينة يبهت كل يوم، والتجاعيد تنمو في وجه أمي، وتلك الساعة تذكر الحالمة ألا عريس خلف الباب بل جحيم كامل الأركان، لو بعث جدي بغليونه التقليدي (السبسي) لوجد المدينة كما تركها. أرش وجهي بصقيع الواقع، أدخن الهواء الدافئ -مضطرا- بثنائي أوكسيد الكربون، أتقيأ أحلام الليل، أعب كوابيس النهار، التف في ثوب يشبه الكفن مجازا، أحشر أفكاري الشاذة داخل قبعة شاحبة، وأضع قدمي في حذاء يأخذني حيث لا أريد.

قبل الانغماس بقليل في الروتين اليومي، أدقق النظر في المرآة للمرة الأخيرة لعل نرسيس يشحذ، والأنا تنتفخ لأشاهدني بطلا فوق الجميع. لا جديد في هذا الوجه، الكآبة تنمو وتزدهر كأنني انعكاس واقعي ل«جان فالجان» أفلتَ من قبضة فيكتور هوغو. أغمض عيني وأفتحها، أكرر العملية، نفس الوجه، تمنيت لو لم أجدني، أو على الأقل تغيرت ولو قيد أنملة، تنتابني فكرة أخذ نفسي إلى منفى بعيد وتركها هناك يتيمة، وأعود إلى الحياة فارغا مني، متحررا من العدم -الأصل- الذي يفسد وجودي العابر، ربما أصبح مواطنا مثلكم.

أمزق شرنقتي لأخرج دودة بشعة إلى الواقع قبل الفراشة. أعيد تحميل برامج الواقع، التحيات المزيفة، أذكار فارغة، نفاق اجتماعي، والعديد من الأقنعة، تمثلاتي عن الآخر… وكل المصطلحات والمفاهيم اللازمة التي تجنبني النفي من المجتمع كنبي جديد.

خرجت من البيت مكرها، يحدوني أمل وحيد أن يكون الوجود صار لا وجدودا. الشمس في مكانها تصارع تهجم السماء لتعلن عن نفسها عارية من قيود المنظمات العالمية، المشاة يهرولون في كل اتجاه كلوحة دادائية، السيارات تطوي الزمن المتبقي فوق الأرض بِعوادمها. بالرغم من ذلك، يوم آخر تتأجل فيه أمنية الفناء، السبيل الوحيد كي أتخلص من هذا الشعور المميت بالرتابة الذي يلازمني. تصرخ عقارب الساعة في أذني، تيك تاك تيك تاك…، لعنة الوقت عليك. اسألني: كم مضى على وجودي هنا؟ لا أعرف بالضبط، لكنني على يقين أنني أمضيت ما يكفي من الوقت، وأنني أعزف على طريقة فوكوياما نهاية تاريخي. راقبت فراشة تحرك جناحيها، همست لآخري الشخصي، ستحرك إعصارا هناك، أو إحساسا هنا لو مرت بجانب شاعر أو حالم أو فضولي مثلي.

تتبعت أثر تلاميذ المدارس والأمهات، استرجعت ذكريات بعيدة، سقطت في رهاب الماضي، هربت من حلم اينشتاين (الرجوع إلى الماضي) بإلقاء التحية على وجوه لا تتغير بتغير المناخ، صاحب دكان فضولي يسجل حركة الحي: من استيقظ؟ لماذا استيقظ؟ إلى أين وجهته؟

يسألني كل يوم :

  • خير عبدو…؟

أجيبه:

  • خير…

جواب لا يسمن ولا يغني فضوله، يطوقني بعينيه إلى أن اختفي بين نساء تجمعن حول سيدة تبيع الحليب ومشتقاته. ألقي التحية عليها وأتجاهلهن كنبيٍ وسيم، تبتسم لي السيدة بحنان، يحييني حمارها برأسه كأنه يعرفني، تبا، لقد نسيت ان الحمير تحن بعضها. تلتفت بعض النسوة كأنهن سمعن بوق الفناء، أراقب تعاقب الحقب التاريخية في وجوههن، أتنفس بعمق وأمضي نحو المستقبل. يتراقص خيال بنت بائعة الحليب داخل رأسي الأشعث للحظات، تلك الشقية الجميلة،  القد الممشوق، الشفاه العسلية الرضاب، العيون البلورية، الخدود الدائمة التورد، وتلك النظرات الغنجية المسروقة كل صباح، يا ليتني غربت بعد الابتسامة المشرقة. أين توجد الشقية الآن؟

غالبا بين أحضان زوجها، بعد ليلة استنزفا فيها مخزون الحب، تخيلت المشهد، تملكني التقزز، فحاولت مغادرته بسرعة.

يخرجني صوت زميلي المتذمر من اللوحة الصباحية المتكررة:

  • تحرك، تأخرنا كثيرا.

يرفق جملته بهمهمات لا أخلاقية، يلتحق الزميل الآخر بالموكب، يتلقى نصيبه من الشتائم. تتحرك القافلة و الكلاب نائمة، ترمقها القافلة بعيون مغرورقة، تحسدها، تنبح القافلة، لكن الكلاب تغط في سبات عميق، نائمة على سنة كلب الكهف. صاحب الكهف بكلبه وشبانه-الشيوخ المجهول عددهم ينتظر المداخيل، لا يهمه العدد، كما تقول والدي «مكيحسب غير الحازق»، ولا الكلب النائم ولا القافلة المتوجهة إلى الفناء، ولا الإيمان الفارغ من الثراء المادي.

أتابع تذمر صديقي بعناية قبل أن أكفر نفسي:

– إننا في الجحيم، لماذا تعاقبنا السماء؟ لم يتعلم هؤلاء بعد كيفية عبور الطريق، مللتُ هذا العمل البئيس، يجب أن استبدل السيارة لقد كرهتها، طووووووووووط طووووووط هل أنت مريض، الله ينعل*****، لماذا تبتسم…، لن أصوم رمضان،  سأصوم ضدا في أولئك الذين ينعتونني بالكافر أبناء العاهرات، صديقتي تركتني أمس، الحقيقة أنني تركتها، سيور ت*** لاش كنعاود ليكم..تفووووووو

تزحف السيارة نحو الحتف غير آسفة. اليوم ارتكبت خطأ شنيعا، أحضرت نفسي معي إلى العمل، لابد أحافظ عليها مخفية بن ثنايا الأقنعة، لا أريد أن أصير موظفا، فكم يلزمني من لعك الوقت بالكتب كي أتجنب التنميط الوظيفي؟

ينطلق صوت لم أحدد مصدره يأمرني أن أحمد الله على كل حال، بالرغم من كل شيء، أنا  أتوفر على صحة جيدة كالبغل، رأي سديد، لكنني لم أسمع يوما بغلا يحمد الله؟ بالرغم من ذلك أريد أن أكون بغلا مؤمنا…

 

 

 

شاهد أيضاً

ايف شارل زاركا: التسامح كفضيلة صعبة

كوة: رشيد العلوي على عكس فولتير وليسينج اللذان مدحا التسامح، فإن الفيلسوف التونسي الأصل ايف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *