الرئيسية / فكر وفلسفة / دراسات وأبحاث / عقلانية ابن رشد وعرفانية ابن عربي

عقلانية ابن رشد وعرفانية ابن عربي

بلال البازي*

 

  1. الدفاع عن مشروعية الفلسفة من خلال كتاب: فصل المقال في تقرير ما بين الشريعة والحكمة من اتصال:

لفيلسوفنا أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد (520هـ / 1126 م – 595هـ / 1198م) مؤلفات فلسفية وعلمية وضمت حوالي ثمانية وثلاثين مصنفاً، و أخرى في الطب بلغ عددها إلى خمسة عشر مصنفاً، ومصنفات فقهية بلغ عددها ثمانية مصنفات، و أخرى أدبية ولغوية وعددها اثنين.[1]  وقد خلف ابن رشد فلاسفة المشرق في عدة قضايا، فعلى سبيل المثال فهو لم يسعَ إلى التوفيق بين الحكيمين أفلاطون وأرسطو كما فعل الفارابي في كتابه ” الجمع بين رأي الحكمين”، بل عمل على نقد الأفلاطونية وتصفية الأرسطية مما علق بها من شوائب الأفلاطونية المحدثة وعلم الكلام، فقد تبنى نقد أرسطو لأفلاطون، وهذا الحاصل معه بخصوص كتاب الجمهورية، فابن رشد لم يطلع على كتاب السياسة لأرسطو لعدم توفره، بل اطلع على الجمهورية وعمل على قراءتها بعيون أرسطية. لكننا سنقتصر هنا على النظر إلى كتابين فقط، ألا وهما فصل المقال في تقرير ما بين الشريعة والحكمة من اتصال و كتاب السياسة ؛ أي سنتناول علاقة الدين بالفلسفة ووجوب النظر العقلي، و السياسة والأخلاق.

يجمع أغلب دارسي هذا المؤلف، على أن الهدف منه يتحدد أساسا في محاولة الدفاع عن مشروعية الفلسفة، وإعادة الاعتبار  لها، وبهذا المعنى فهو مؤلف يدخل في إطار ما يمكن تسميته بالمناظرة الفلسفية، حيث أن سياقه العام يأتي في إطار الرد على الفقهاء، خاصة أبي حامد الغزالي، الذي أصدر أحكاماّ جاهزة ومتعسفة فيما يخص فلسفة الفارابي وابن سينا والمتكلمين، وذلك بعد أن أحصى مجموعة من المسائل في كتابيه : مقاصد الفلاسفة، تهافت الفلاسفة، سبعة عشر من هذه المسائل اقضت منه القول بالبدع، وثلاثة اقتضت منه الحكم عليهم بالتكفير، مما يترتب عنه حسب الغزالي نزع الاعتراف بشرعية تلك المعارف الدخيلة على النظام المعرفي الأصيل، والمتمثل فيما يصنف بمجموع العلوم الشرعية، ولقد كان لهذه الأحكام المتسمة بطابع التشدد والمغالاة في حق ما يصنف بالبرهان أي مجموع العلوم العقلية خاصة الفلسفة والمنطق، صداها الواسع في روح الأمة – الضمير  أو الوعي العربي الإسلامي، امتد لفترة طويلة من الزمن، زمن الاستبداد المعرفي الموصوف بلحظة الانحطاط التي كرستها السلطة المعرفية الكهنوتية التي فرضت وصايتها على العقل، والتي أوقفت حدود المعرفة عند ظاهرة، ضمن هذا السياق كمناخ معرفي عام موسوم بالجمود والانغلاق، كان الاعتقاد السائد هو أن الفلسفة والمنطق لن يقوم لهما مقام بعد هذه الضربة الموجعة والقاضية عليهما. غير أنه، وفي زمن آخر من تاريخ الوعي العربي الإسلامي سوف تتغير شروط الواقع لتعمل من جديد على استنهاض مهام علوم العقل لتكون شبيهة بطائر الفنيق الذي ينهض من الرماد، وذلك من أجل رد الاعتبار لها وتأكيد مشروعيتها وإعادة بناء ذاتها وترتيب نظام علاقتها بالعلوم الشرعية وهذا ما أوكل به الفيلسوف المغربي ابن رشد، من خلال كتابه “فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال”، والذي يبدو من الناحية المنهجية أنه يتخذ مهمة الفصل الذي يمكن أن نقرأه قرائتين، الأولى هي تفصيل القول؛ أي التوسع في معالجة أمر ما، والثانية  هي إعادة بناء القول كخطاب يروم اعتماد رؤية منهجية في نظام المعارف وتحديد طبيعة العلاقات بينها، كما يمكن أن نرصد مهمة أخرى، وهي السعي وراء مراجعة الأحكام الفاسدة التي أصدرها الغزالي بخصوص الفلسفة .

انطلق ابن رشد في كتابه فصل المقال من مسألة رئيسة، هي التساؤل حول مشروعية الفلسفة ويقصد هنا الفلسفة الأرسطية، بصيغة أخرى التساؤل حول موقف الشرع من الفلسفة، وهو تساؤل صادر عن فقيه يمارس القضاء وصادر عن فيلسوف أوكلت له مهمة شرح مؤلفات أرسطو من طرف أعلى سلطة في الدولة الموحدية. ويمكن إجمال هذا التساؤل في ما موقف الدين من الفلسفة، أو بمعنى آخر هل أمر بالاشتغال بالفلسفة أم نهى عن ذلك ؟ فجواب ابن رشد على هذا التساؤل بناه على سؤالين جوهريين، أولهما يتساءل حول ما هية الفلسفة وكنهها، والثاني حول إمكانية وجود نص شرعي يوجب التفلسف أو يرفضه؟ إن ابن رشد استحضر التعريف الأرسطي للفلسفة بهذا الصدد فقال : ” إن كان فعل الفلسفة ليس شيئاً سوى النظر في الموجودات واعتبارها من جهة دلالتها على الصانع، أعني من جهة ما هي مصنوعات، فإن الموجودات إنما تدل على الصانع بمعرفة صنعتها، وأنه كلما كانت المعرفة بصنعتها أتم كانت المعرفة بالصانع أتم” [2] وإذا كانت الفلسفة هكذا أعلى الصناعات العقلية القائمة على النظر ونقصد هنا التأمل العقلي، والاعتبار أي استنباط المجهول من المعلوم ( أي النظر إلى الصنعة لمعرفة الصانع) وكان الشرع قد أوجب ذلك لمن هو أهل لذلك، ومفهوم الواجب عند ابن رشد  كما يرى محمد المصباحي يتداول بصيغتين:  صيغة واجب النظر في الموجودات، وصيغة واجب الانفتاح على الآخر أي الأخذ بمناهجه وعلومه،[3] ويستشهد ابن رشد على هذا من النص القرآني” أفلاينظرون في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء “[4] ” أفلاينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت” [5] فهذا كما يرى ابن رشد بالنسبة للنظر، أما بالنسبة للاعتبار فهو يستشهد بالآية 2 من سورة الحشر إذ يقول تعالى “فاعتبروا يا أولي الأبصار” وهذا يوضح ضرورة اللجوء إلى القياس العقلي و الشرعي، لأن أتم أنواع النظر، يتم بأتم أنواع القياس حيث يقول ابن رشد ” وإذا تقرر أن الشرع قد أوجب النظر بالعقل في الموجودات واعتبارها وكأن الاعتبار ليس شيئاَ أكثر من استنباط المجهول من المعلوم واستخراجه منه وهذا هو القياس […] فواجب أن نجعل نظرنا في الموجودات بالقياس العقلي “[6]

 

بعد هذا التأكيد على مشروعية الفلسفة، اتجه ابن رشد إلى التأكيد على مشروعية القياس من خلال بيان ضرورة معرفة أنواعه وشروط بنائه وما يميز  أحده عن الآخر،  إذ يقول ” وإذا كان الشرع قد حث على معرفة الله تعالى وسائر موجوداته بالبرهان وكان من الأفضل أو الأمر الضروري لمن أراد أن يعلم الله تبارك وتعالى وسائر موجوداته بالبرهان، أن يتقدم أولاً فيعلم أنواع البراهين وشروطها، ولماذا  يخالف القياس البرهاني القياس الجدلي والقياس الخطابي والقياس المغالطي” [7] وإذا كان بعض الفقهاء قد أكدواْ على أهمية استعمال القياس الفقهي دون أهمية استعمال القياس العقلي بدعوى أن الأول علم أصيل من جهة علاقته بالعلم الشرعي، وأن الثاني هو علم دخيل من جهة علاقته بالبرهان، وبالتالي أقروا الحكم بكونه بدعة وزندقة، فإن فيلسوفنا يؤكد عكس ذلك، فمن جهة أولى؛ على أن القياس العقلي البرهاني هو أتم أنواع النظر بحيث إن مقدماته ونتائجه يقينية، وأن القياس الفقهي  فهو ظني ومجرد رأي. و يقول ابن رشد ” وليس لقائل أن يقول إن هذا النوع من النظر في القياس العقلي بدعة، إذ لم يكن في الصدر الأول، فإن النظر أيضاً في القياس الفقهي وانواعه هو شيء استنبط بعد الصدر الأول وليس يُرى أنه بدعة . فكذلك يجب أن نعتقد في النظر في القياس العقلي “[8]. إذا تعارض النص مع العقل، وجب إخضاع النص وفقاً للعقل السليم، فلا يعقل أن يعطينا الله عقولاً  ويعطينا شرائع مخالفة لها، وبهذا يمكن القول إن ابن رشد انتصر للعقل على النص، وبهذا الانتصار للعقل يكون قد انتصر للفلسفة وأثبت مشروعيتها.
يعتبر ابن رشد معلمة بارزة في الفكر الفلسفي الإسلامي والغربي، ويرجع له الفضل في بناء الفكر الفلسفي، وذلك بشرحه لأرسطو، قس على ذلك ما قدمه من مساهمات فلسفية، على المستوى السياسي والديني، والفلسفة، إذ تجده قاضيا وفيلسوفا وحكيما.  وقد حاول تقديم رؤية جديدة تتسم بالعقل والمنطق، مازجاً بين الحكمة والشريعة، رابطا بذلك التفكير الفلسفي بالتفكير الديني، فإذا كان الدين حقاً، فالفلسفة تبحث عن تلك الحقيقة وتحاول توطيدها. ففعل الفلسفة ليس شيئا أكثر من النظر في الموجودات واعتبارها من جهة دلالتها على الصانع كما يقول ابن رشد، والمقصود بالنظر العقلي، والمعبر عنه أيضاً في اللغة العربية، وفي المصطلح القرآني بــ”الاعتبار”، وهو بلغة الفلاسفة استنباط المجهول من المعلوم. والمقصود الوصول إلى الصانع من خلال اعتبار المصنوعات والنظر فيها، والنظر العقلي المقصود به اعتماد المنطق البرهاني للوصول إلى اليقينيات. وبالتالي كان على كل من “أراد أن يعلم الله وسائر الموجودات بالبرهان أن يتقدم أولاً فيعلم أنواع البراهين وشروطها، وبماذا يخالف القياس البرهاني القياس الجدلي، والقياس الخطابي والقياس المغالطاتي[ …] ولا يمكن ذلك دون أن يتقدم فيعرف قبل ذلك أجزاء القياس التي منها تركب أعني المقدمات وأنواعها”[9] ، ويرى ابن رشد أن الشرع قد دأب على استعمال ملكة العقل والبرهان، وحث على ذلك، تارة باستعمال فعل “الأمر” كما في قوله تعالى {فاعتبروا يا أولي الأبصار}  الحشر 2
وتارة بصيغة تفيد الطلب كما في قوله سبحانه {ألم ينظروا في ملكوت السموات وما خلق الله من شيء  } {الأعراف}، {أفلا يعقلون}،  وهذه لنصوص هي نصوص تدعو على وجوب استعمال القياس العقلي والشرعي معاً. فالحكمة هي صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة لها كما قال ابن رشد. وقد دعا هذا الأخير إلى النظر في كتب الأقدمين وتمحيصها ومحاولة غربلتها من الشوائب اللا عقلية واللا منطقية. وهذا ما يعبر عنه بشكل صريح في كتابه فصل المقال مابين الشريعة والحكمة “يجب إذا أن نضرب بأيدينا في كتب الأقدمين فننظر فيما قالوه من ذلك فإن كان صوابا قبلناه وإن كان فيه ما ليس بصواب نبهنا عنه”[10]
فالمنطق بوصفه آلة، ليس غاية في ذاته، بل هو مجرد وسيلة منهجية لفحص الموجودات ودراستها، وإذن” وجب علينا أن ننظر فيما قالوه من ذلك وما أثبتوه في كتبهم .فما كان منها موافقا للحق قبلناه منهم وسررنا به وشكرناهم عليه، وما كان منها غير موافق للحق نبهنا عنه وحذرنا منه وعذرناهم “[11] ومما لا شك فيه أن الروح الأرسطية ظلت ملهمة لابن رشد، خاصة فيما يتعلق بالمنطق والحركة والعلة وفي تفسيره وشرحه لكتاب ” السياسىة” لأفلاطون، إن النظر في الموجودات وتمحيص المعارف، وما سبق من كتب القدماء، هي سمة لا يتصف بها إلا من جمع بين أمرين “أحدهما ذكاء الفطرة، والثاني العدالة الشرعية والفضيلة العلمية والخلقية “[12] تلك إذا هي فتوى ابن رشد [بشرعية الفلسفة] “هذه الشرعية ليست لمطلق الناس بل فقط لمن كان يحمل عقلاً رياضيا “[13] فبدون عقلية رياضية يصعب ويتعذر النظر الفلسفي في الطبيعيات وعلم الإلهيات…نفس الأمر الذي اتجه إليه أفلاطون وكتبه على باب أكاديميته “من لم يكن مهندساً فلا يدخلن علينا” ومن البديهي أن ابن رشد كان يرى في التفكير الفلسفي العقلي منهجاً كاملاً له أصوله وقواعده ومسائله تماما كالعلوم الأخرى الشرعية والرياضية “فينبغي أن يكون النظر في هذه العلوم على جهة ما ينظر في التعاليم”[14]

لقد شكل المنهج الذي اعتمده ابن رشد، ومحاولته في إعطاء نظرة جديدة تمزج بين النقل والعقل، جدلاً واسعاً لا زال صداه إلى حدود اليوم. ومن أبرز الفلاسفة الذين انتقدوا ابن رشد نجد الغزالي الذي يعد بمثابة “محكمة تفتيش ضد الفلسفة وعلومها”  خاصة في كتابه تهافت الفلاسفة و مقاصد الشريعة، وكان الرد من ابن رشد في كتابه تهافت التهافت.

  1. تجليات عقلانية ابن رشد:

إذا كنا قد عرضنا للقاء الفلسفة بالدين في المبحث الأول، فإننا في هذا المبحث نعتزم عرض لقاء الفلسفة بالتصوف في الغرب الإسلامي مع شيخ المتصوفة وفيلسوف قرطبة.  لقد وضعنا في هذا البحث بين خيارين أحلاهما مرّ ( علماً أننا غير مجبرين على الاختيار أو الانحياز)، و وقعنا بين مطرقة عرفانية ابن عربي وسندان عقلانية ابن رشد، فمن جهة فإن عقلانية ابن رشد تبدو شامخة مسيطرة تارة، ومن جهة أخرى صامدة في مواجهة مد عرفانية ابن عربي، التي تكشف عيوب وشوائب هذه العقلانية تارة أخرى، فالمعرفة العقلانية تختلف عن المعرفة الوجدانية شكلاً ومضموناً، فلكل منهما موضوعه و سبل بلوغ هذه المعرفة، و واهم من يختصر عقلانية ابن رشد في كتابه فصل المقال، ومتسرع من يجعل كل أهمية ابن عربي في كونه متصوفاً زاهداً معرضاً عن الدنيا، ونظراً لشاسعة الموضوع، فقد تقرر أن نركز في عرضنا لهذا الموضوع، على اللقاء الذي دار بين ابن رشد باعتباره ممثلاً للفلسفة و المعرفة البرهانية وبين محي الدين ابن عربي باعتباره شيخ المتصوفة وممثل المعرفة القلبية، الذوقية، والذي وثق له ابن عربي في كتابه “الفتوحات المكية”، وأن ننفتح من خلاله على نقد ابن عربي للعقلانية الرشدية. إن الوقوف أمام هذين العالمين يجعل من التساؤل أمراً مشروعاً في خضم هذا الموضوع، لذلك فقد كان لابد لنا من أن نتساءل حول راهنيتهما، ولمن الغلبة في عصرنا هذا ؟  وهل نقد العقل يعني التوجه نحو اللا عقلانية؟

المدرسة الفلسفية في المغرب والأندلس من بين أبرز المدارس الفلسفية الإسلامية على وجه الخصوص، والتي حاولت أن تقدم رؤية جديدة للفلسفة إذ اتخذت لنفسها شعار”ترك التقليد والعودة إلى الأصول “[15] ويعتبر ابن رشد(520-595) أبرز قادة الفكر الفلسفي في الأندلس، ويعد مشروعه الفلسفي القائم أساساً على الربط بين الحكمة والشريعة، مابين العقل والنقل، وإبراز المعرفة العقلية والبرهانية، وبعيداً عن المدرسة الرشدية، نجد معرفة أخرى. يتعلق الأمر بالمعرفة الصوفية، العرفانية، التي مثلها محي الدين ابن عربي (558-638). وهو من أهم المتصوفة الذين كان لهم الأثر البالغ في إبراز الفكر الصوفي والمعرفة العرفانية في العالم الإسلامي. يتعلق الأمر إذن بإشكاليتين مختلفتين في المنهج والرؤيا على الصعيدين الإيديولوجي والإبستمولوجي ومن هنا كانت القطيعة في الطريقة التي يقرأ بها هذا وذاك وهي “قطيعة لا تمس الفكر الفلسفي العقلي ولا الفكر الديني”[16] كل ماسبق ذكره يقودنا إلى إشكالات جوهرية، تنضاف إلى ما تساءلنا حوله سابقاً، عالجها المفكرون ولازالت تناقش لحدود الساعة. فماهي الروح التي انبنت عليها فلسفة ابن رشد ومعرفته العقلية؟ وماهي أوجه الاختلاف والتقاطع بينه وبين الفكر العرفاني الصوفي لابن عربي؟

لقد جعل ابن رشد العقل في أعلى المراتب، وخص صاحبه بالكمال والتمام، فعقلانيته يمكن القول إنها تنطلق من الإقرار بأن ما يمكن أن يعرفه العقل لا حد له ولا حصر، وهذا يستند إلى أن لكل شيء عللاً تسببت في حدوثه ووجوده…، وما يعرفه هذا العقل محدود بحدود الأسباب التي يكشفها مجال الطبيعة، وحدود المقاصد الإلهية التي يهتدي بها، وهي غير مغلقة إلى الأبد، بل قابلة للانفتاح.

يقول ابن رشد بوحدة العقل المادي، الشيء الذي يطرح إشكالات على المستوى الأنطولوجي والإنساني والميثافيزيقي والإبستمولوجي، ولم يكتفِ بإعلان وحدة العقل، بل حاول أن يبعده عن الإنسان ويفصله، لكنه لم يبعده بشكل حاسم وفاصل، ذلك أن العقل ليس كافياً ذاته بذاته، بل هو مجبر على التوجه نحو العالم، نحو الإنسان، وما يجبره ويدفعه إلى هذا التوجه هو هويته الميتافيزيقية، وإذا كان ابن رشد ” لم يستطع فصل العقل المادي عن الإنسان لأسباب أنطولوجية ومعرفية تتعلق بالإنسان، فإنه ينبغي عليه مع ذلك أن يحدد ما إذا كان هذا العقل هو الصورة الجوهرية للإنسان النوعي أم للإنسان الفردي. الخيار الأول سيفضي إلى إبعاد العقل عن الفرد مما سيصير معه هذا الأخير مجرد جسم، وهذا يعني أن تعريف الإنسان بأنه حيوان ناطق بات باطلاً؛ في حين سيجعل الإقرار بالخيار الثاني -وهو ربط العقل المادي بالفرد لا بالنوع- العقل فردياً ومن ثم مادياً، فينقطع العقل عن أن يكون عقلاً. وهكذا يضعنا هذا الإشكال أمام خيار صعب: فإما أن نضحي بالعقل في سبيل الإنسان أو نتخلى عن إنسانية الإنسان لصالح العقل”[17].

قسم ابن رشد النفس إلى ثلاث قوى وعمل على تبيان العلاقة بينها، وأعلن انتفاء وجود أي تغاير بين النفس والبدن، فهما شيء واحد، ونوع العلاقة التي تجمعهما هي علاقة الصورة بالمادة، إذ اعتبر البدن هو النفس بالقوة، ويقول في هذا إن النفس هي وجود الذي هو متنفس بالقوة متنفساً بالفعل، وفناء النفس حتمي بعد اندثار الجسد، وأن ” من يقول أن النفس استكمال البدن، وأن البدن لا يوجد غير متنفس، فليس عنده شيئان متغايران”[18] فهما عنده غير متغايران، غير  أن هذا الأمر يؤدي إلى بروز ” الإشكال العقلي: ذلك أن توطيد الوحدة بين النفس والبدن يفضي إلى جعل وضعية العقل بالقياس إلى النفس- باعتبارها كمالاً له- حرجة”[19]، وفي إطار تبيّن العلاقة القائمة بين قوى النفس، يرى أن العقل بالملكة يدرك العقل الفعّال العام، ويستحيل أن يدرك العقل العام العقل بالملكة، ذلك أن العقل العام لو أدرك العقل الأول أي بالملكة، لحدث له حادث وطرأ عليه طارئ، فالعقل الفعّال العام عند ابن رشد هو مادة أبدية ليست معرضة لظواهر وطوارئ تطرأ عليه. وبالتالي العقل الإنساني هو الذي يدرك العقل الفعّال، وبمعنى آخر فهو يرفع ذاته إلى العقل الفعّال ويتحد به، وقد يحدث هذا الاتصال بالعقل المستفاد، وإمكانية الاتصال بالعقل الفعّال تعتبر أعلى مستويات الكمال وأقصاها، والعقل عند ابن رشد يختلف من فرد لآخر، ويرجع الأمر في ذلك إلى ثلاث قوى: قوة العقل الهيولي وأساسها قوة الخيال، وكمال العقل بالملكة، وهذا يتطلب الجهد والتفكير والتأمل والممارسة، فهو لا يحصل لصاحبه إلاّ بالرياضة، ثم أخيراً الإلهام والذي يعتبره ابن رشد رباني المصدر، يصدر من الله.

إذن؛ بلوغ أعلى مستويات الكمال وأقصاها حسب ابن رشد، يتطلب رياضةً، وجهداً عظيماً، فلا يصل المرء إليه إلاّ بالدرس والتفكير والإعراض عن ملذات الجسد، وتقييد الشهوة، وهذا يأتي ضد ما قالت به المتصوفة، فالصوفي يرى بلوغ مرتبة الكمال يتم بالتأمل دون حاجة للدرس.

  1. النقد الأكبري للعقلانية الرشدية:

بناء على ما سبق يمكن أن نخلص إلى نتيجة مبكرة، وهي أن فلسفة ابن رشد كانت تقوم على ” إخضاع الوجود لمقتضيات العقل وتحويله إلى علم وقوة، الأمر الذي يقتضي تقسيم الوجود إلى مقولات ومبادئ وجواهر وأعراض، تمهيداً للسيطرة عليه وإخضاعه،  وهذا ما يفسر الإجابة المترددة لابن عربي بين نعم ولا على سؤال ابن رشد”[20] خلال اللقاء الذي دار بينهما، فابن رشد بسط سيطرة العقل وأطلق له العنان، وهذا لم يعجب الشيخ الأكبر، لذلك فقد كانت إجابته مترددة بين الشيء ونقيضه ” نعم و لا”، تعبيراً منه عن رفضه ادعاء العقل احتكار معرفة الوجود وأسراره، وليست انكاراً لدور العقل في بلوغ المعرفة، أو بخساً لحقه في ذلك.

إننا هنا نرصد التقابل بين ابن رشد الفيلسوف و ابن عربي المتصوف، مما يعني أننا إزاء نوعين مختلفين، متناقضين من المعرفة، معرفة عقلية ومعرفة ذوقية، فالمعرفة التي ينادي بها ابن عربي هي معرفة عرفانية، مصدرها التجربة الوجدانية عكس المعرفة العقلية، التي مصدرها الفعل العقلي، وهي عامة ومتاحة لكل من توافر فيه شرط البرهان. أما العرفانية، الذوقية، فهي ذاتية وفردية تعاش على وجوه مختلفة، ولبلوغها لابد من توفر قوة روحية عظيمة في المريد، فهي لا تحتاج لأي وساطة من قبيل الحواس أو المعارف القبلية، بل تتطلب من المريد خلوة يتخلص فيها من كل ما يملكه عن العالم من معارف وأفكار وأحكام؛ أي عليه أن يفكر في الله بالله بلغة المتصوفة، أن يفكر في الوجود بالوجود بلغة الفلاسفة.

إن العقل يدعي القدرة على الوصول إلى معرفة موضوعية بدعوته للانفصال والحياد، وهذه المعرفة فوق كل الصراعات العقدية التي قد تحصل، فهي ليست حبيسة الإحساسات والتشعبات المذهبية والظروف التاريخية، الشيء الذي يجعلها معرفة غير قابلة لأن تصير علماً، لأن لا علم إلاّ للكلي والضروري، لذلك فابن رشد لم يجعل العقل فردياً، كيلا تنزل معارفه إلى درجة الظن والنسبية والتعدد والجواز[21]، غير أن ابن عربي يقف ضد هذا الطرح ويرى عكسه تماماً، فالمعرفة حسبه مشروطة بحضور الذات، لا يمكن الحديث عن معرفة خارج مُدركها، وما يدل على تهافت المعرفة العقلية في نظر ابن عربي هو الاختلاف المستمر للعلماء فيما بينهم، عكس الذوقيين، ويذهب إلى القول بأنه لا يوجد أي مظهر من مظاهر الصراع بينهم، فكل واحد منهم يؤكد ويؤيد كلام الآخر.

في إطار الحديث عن إشكالية فصل الذات عن الموضوع في العلم العقلي، فإن الشيخ الأكبر يرى أن معرفة الذات عامل أساسي وجوهري لمعرفة الوجود، “فمعرفة الإنسان بنفسه مقدمته على معرفته بربه، فإن معرفته بربه نتيجة عن معرفته بنفسه”[22] فالمعرفة الصوفية إذن تتطلب أن يقر المريد بالجهل والعجز عن معرفة أي شيء كي يعرف، أو بلغة سقراط كل ما أعرفه هو أنني لا أعرف شيئاً، ومن يتسم بالحيرة فهو العارف الساعي لتحقيق الكمال العرفاني باعتباره علماً باطنياً لا ضابط له.

المعرفة العقلية من وجهة نظر صوفية، تقع ضحية عيوب كالوساطة و التقييد والحياد والموضوعية، ويقول ابن عربي في هذا ” إن العقل ما عنده شيء من حيث نفسه، ولأن الذي يكتسبه من معلوم إنما هو من كونه عنده صفة القبول”[23] فالعقل لا يصل إلى المعارف بذاته، بل لابد له من توفر شرط الوساطة، وهذه الوساطة هي الحواس، فالعقل بدونها أجوف وفارغ، وما يتلقاه إنما بكونه لديه قابلية القبول ” فإذا كان بهذه المثابة، فقبوله من ربه لما يخبر به عن نفسه تعالى أولى من قبوله من فكره، وقد عرف أن فكره مقلد لخياله، وأن خياله مقلد لحواسه، ومع تقليده فهو غير قوي على إمساك ما عنده  ما لم تساعده في ذلك القوة الحافظة والمدركة […] فتقليد الحق أولى”[24].

إذا فالعقل المنفعل يبدو أكثر قوة من العقل الفاعل حسب ابن عربي، فالأول يصل إلى معارفه بشكل مباشر، أما الثاني فتحصيله للمعارف رهين بالوساطة، حيث ” جعل الله العقل فقيراً إليها [ القوة البصرية] فيما توصله إليه من المبصرات فلا يعرف الخضرة ولا الصفرة ولا الزرقة ولا البياض ولا السواد ولا ما بينهما من الألوان ما لم ينعم البصر على العقل بها، وهكذا جميع القوى المعروفة بالحواس “[25]، فلولا العين لم يظهر للعقل دليل واضح عند اللبيب، وما يجعل العقل متصفاً بالخطأ أيضاً هو كونه مقلداً، فالخيال يقلد الحس، والفكر ينظر في الخيال فيجد الأمور مفردات، فيحاول أن ينشئ منها صوراً يحفظها العقل فينسب بعض المفردات إلى بعض، وهنا قد يخطئ العقل وقد يصيب، فما أفقر العقل ” حيث لا يفرق شيئاً مما ذكرناه إلاّ بوساطة هذه القوى، وفيها من العلل ما فيها”[26]. وعمق ابن عربي النقاش أكثر، عندما أدرج العلوم العقلية ضمن العلوم النقلية، معتبراً إياها علوما تستند إلى النقل بشكل أو بآخر، لذلك فهو يرى اللهم أن نتبع تقليد الخبر(العرفان علم خبري، خيالي)، خير من تقليد العقل. فالعيان يغني عن البرهان[27] إنه يدعو إلى معرفة تأويلية، لأن العرفان هو علم رؤيوي رمزي، وليس علماً نظرياً، فهو عكس العلوم العقلية، لا ينظر إلى حقيقة الأشياء ولا يهتم بها، بل يهتم برمزية الأشياء وما لها من حمولات ودلالات، إنها دعوة صريحة للإعراض عن العقل وادعاءاته وهذا واضح في قوله: ” فقلد ربك، إذ لا بد من التقليد، ولا تقلد عقلك في تأويله، واصرف علمه إلى قائله، ثم اعمل حتى تنزل في العلم كهو، فحينئذ تكون عارفاً، وتلك المعرفة المطلوبة والعلم الصحيح”[28] .

إن السؤال الذي طرحه فيلسوف قرطبة على الشيخ الأكبر، كان متمحوراً حول مدى مطابقة النظر مع الكشف، وقد أرخ له ابن عربي في كتابه ” الفتوحات” إذ كتب ” كيف وجدتم الأمر في الكشف والفيض الإلهي: هل هو ما أعطاه لنا النظر؟ فقلت: نعم ولا، وبين نعم ولا تطير الأرواح من موادها والأعناق من أجسادها “[29] إن جواب ابن عربي عن هذا السؤال بنعم ولا في الآن ذاته، يحيل على أنه لا ينكر طريق العقل والنظر، غير أنه يعارض الخلط بينهما، فليس النظر هو الكشف ولا الكشف هو النظر. إننا بصدد استراتيجيتين مختلفتين، حيث إن استراتيجية ابن رشد تقوم ” على تحويل العقل الهيولاني إلى عقل فعّال، وهذه هي لحظة الاتصال بالوجود، بينما تقوم استراتيجية ابن عربي على تحويل العقل الفعّال؛ أي الذي يقوم بفعل التفكير النظري، إلى عقل هيولاني قابل للمدد والهبة الإلهية”[30]، فانتقاد ابن عربي للعقل جاء كرد فعل عن تطاول هذا الأخير على الوجود الإلهي، كما أنه انتقاد لصورة العقل الفاعلة، أي نقد للعقل بمعناه الفكري، فهو يظل معرضاً لعيوب أربع (سبق ذكرها: الوساطة، عيب التقليد، التقييد، الحياد، الموضوعية) تشمل ثلاث مستويات، المستوى الاول يتعلق بسب توصل هذا العقل بمعارفه، والثاني متعلق بأسلوب استعماله لهذه المعارف، أما المستوى الثالث فهو متعلق بقيمة المعرفة التي يمكن للعقل أن يتوصل إليها ويدركها. ففي نظر ابن عربي العقل يظل قاصراً عن إدراك الحقائق الإلهية، ويقول في ذلك ” فمن طلب الله بعقله من طريق فكره ونظره فهو تائه، وإنما حسبه التهيؤ لقبول ما يهبه الله من ذلك”[31]. يمكن القول إذن بأن نقد ابن عربي لم يكون بغية تقيد العقل وإطلاق العنان للقلب، وتحرير الشهوات، بل إن هذا النقد تم بهدف تحويل الوجدان البشري نحو الأفق الأعلى، فهو  ينادي بتأويل القصص والإشارات الواردة في الكتب المقدسة، ضد التفكير النظري والمشاهدة، معتبراً القلب هو القوة التي وراء طور العقل، فلكل إنسان عقل ولكن ليس لكل إنسان قلب. فمن يعرف حقيقة الأشياء بالله لم ولن يدخل عليه في تلك المعرفة جهل أو شبهة أو شك أو ريب، فهي معرفة وجدانية خالصة، فنقد الشيخ الأكبر للعقل ليس نقداً من أجل النقد، بل هو نقد في أفق تقديم البديل، وهذا هو البديل الذي قدمه الشيخ الأكبر.

  1. المعرفة الكشفية ومبررات قصور العقلانية:

إن وصف ابن عربي للعقل بالقصور بناه على مجموعة من الأسباب، وأعطى في ذلك مبررات تبرر إطلاقه حكم الفشل على العقل في تحصيل المعارف اليقينية، فرصد ابن عربي عيب التقييد الذي سبق ذكره، وهو يعتبر أبرز مبررات قصور العقل، حيث يرى شيخ المتصوفة أن العقل عكس القلب، فالقلب لا محدودية لآفاقه، وأرجع محدودية العقل لارتباطه بعناصر أخرى –سبق ذكرها- مساعدة له من قبيل الفكر و المخيلة والحواس، فما العقل إلاّ جامع منسق لما يتلقاه من معارف عن طريق الوسائط السالفة الذكر، وهو ما يسميه الشيخ الأكبر صفة القبول، ذلك أن العقل يحل محل المتلقي الجامع، فالعقل مقلد للخيال والحواس، كما أنه عاجز عن إدراك أو حفظ كل ما يصله من معارف لولا مساعدة القوة الحافظة والذاكرة.

فالعقل فقير، عاجز عن اكتساب المعرفة في ظل غياب الحواس، فالحس الموصل يوصل للعقل ما انطبع به، ويقول ابن عربي في هذا ” إن الحس ما هو إلاّ حال بل هو شاهد وإنما العقل هو الحاكم”[32]، فإذا كان الحس شاهداً، والعقل حاكماً، فمن المخطئ إذاً؟ أهو الشاهد أم الحاكم ؟. إن الإجابة التي يقدمها ابن عربي عن هذا السؤال تبرز جلية في قوله ” وقد غلط في هذا جماعة من العقلاء ونسبوا الغلط للحس وليس كذلك وإنما الغلط للحاكم “[33]. يحتاج حاجة الشاهد للحاكم مثل ما يحتاج الحاكم الشاهد، فالعقل غير قادر على تخيل شيء غير الذي تقدمه له الحواس من جهة، ومن جهة أخرى نجد قوة ثانية وهي القوة الحافظة، ووظيفتها تخزين ما تقدمه الحواس للعقل، إلاّ ان قدرتها قد تكون قوياً أحياناً وهزيلة أحياناً أخرى، الشيء الذي يجعلها بحاجة إلى قوة المذكرة لتعاود استرجاع ما مرّ عليها دون التقاطه، وهناك القوة المصورة، ومن شانها إقامة علاقة وصل بين الخيال والقوة المفكرة، كما تقوم بجمع الإدراكات المتراكمة في الخيال وتركيبها حتى يتمكن الفكر من تصورها، ومن ثمة يلتقطها العقل ويقوم بمهمته في الحكم عليها.

ان تسلسل و ترابط هذه القوى بعضها ببعض إن دل على شيء فإنما يدل على افتقار العقل لإدراك المعارف بذاته و بطريقة مباشرة، فالعقل في حاجة الى كل قوة من تلك القوى لتشكيل معرفة متماسكة و بدونها لا يستطيع هذا الاخير التوصل الى اي حقيقة، وبذلك فانه يصح علينا القول بأن العقل مقيد، وصفة التقييد هذه هي ما يحمل عنه التفرد بمسؤولية ارتكاب الخطأ، فضعف العقل من ضعف قوى العقل و العكس غير صحيح، فالقوة الخيالية لا تملك إلاّ ما جاءها عن طريق الحس، والحس بدوره عاجز عن ادراك و معرفة الحق، وكذلك القوة المفكرة التي لا تفكر إلاّ فيما تملكه من معطيات حسية، أما العقل فما هو إلاّ عصارة ما تتشارك في تقديمه القوى الخمس له . وبذلك فان العلم الصحيح هو ليس ما يعطيه الفكر، وإنما هو ما يقذفه الله في قلب العالم، وهو نور إلهيي يختص به الله من يشاء من عباده، أما من لا كشف له فلا علم له في نظر ابن عربي.

ان افتقار كل قوة الى اخرى حسب ابن عربي يقود الى الغلط مثلما يقود استقلال القوى عن بعضها الى الصواب، الأمر الذي يقتضي من العالم العارف اعتزال كل القوى ليكوّن قوة ادراكية واحدة في ذاته[34] وهي ميزة اصحاب الرؤية و المشاهدة من من سلكوا طريق الكشف بدل طريق النظر.

في مقابل نقد ابن عربي للمعرفة العقلية و ما بها من علل و شوائب يقدم  نوعاً اخر من المعرفة في حلتها الصوفية الإشراقية أو الكشفية، والتي تتميز عن غيرها من المعارف بالمباشرة، فهيي عملية اخذ و عطاء مباشرين بين ذات الله و ذات المريد، و يقسم ابن عربي المعرفة الصوفية الى درجات تتباين قيمها بحسب سمو روح العارف و اجتهاده في بلوغ الحقيقة.  و تجدر الاشارة الى ان ابن عربي اخذ مراتب المعرفة عن كبار الصوفية في الإسلام، وهي ثلاث: المكاشفة و التجلي والمشاهدة[35]

أما المكاشفة فهي مرتبة يصل إليها العارف بعد المجاهدة،- والمجاهدة هي حمل النفس على المشاق البدنية ومخالفة الهوى[36]– المكابدة والرياضة، وهي الخروج عن طبع النفس وتهذيب الأخلاق النفسانية، التي تسمح بتلاشي الحجب المضلة التي تحول دون النفوذ إلى سر الحقائق الإلهية، وهي نفسها التي تشكل الهوة بين السرمدي المطلق وبين الموجود الغائي النسبي، وتمنه الوصول إلى ذات الحق والكشف عن أغوار عالم الخلود والبقاء. ويقسم ابن عربي في كتابه “تحفة السفرة” المكاشفة الى درجات، فالكشف إما عقلي وهو كشف نظري قلبي مثله مثل المشاهدة، والفرق بين المشاهدة والمكاشفة هو ان الأولى تكون حسية، بينما الثانية تتعلق بمواضيع إلهية غير قابلة للإدراك الموضوعي أو المادي، وبالتالي المكاشفة إدراك معنوي. أما المكاشفة السرية فتكون إلهامية، و مكاشفة روحية تتيح للعارف الإطلاع على المعارج و الجنان والعوالم اللا متناهية وخرق حجب الزمان و المكان .

أما الشكل الثاني من اشكال المعرفة الصوفية فهو التجلي، ويعرفه ابن عربي في الاصطلاحات بأنه ما ينكشف للقلوب من أنوار الغيوب[37]، وكما ان المكاشفة تستخدم رمز الحجب فإن التجلي يستخدم له رمز النور الذي يمثل تجلي الذات الإلهية على هيأة نور يظهر ثم يختفي.  الشكل الثالث فهو المشاهدة، وهي الرؤية المباشرة للحقائق المخفية وراء الحجب بعد اندثارها لترفع الستار عن الإلهي، وهي رؤية تتسم بالوضوح والتجريد عكس المكاشفة. فإذا كانت المكاشفة رؤية قلبية معنوية ترشف الإلهيي باستقلالها عن المادة، وكان التجلي ظهورا نورانياً لذات الحق  سبحانه، فإن المشاهدة ما هي إلاّ انعكاس لذلك النور بصورة ثابتة في مرآ ة القلب المصقولة بذكر الله، لتعكس أسرار الوجود.[38]

 

 

خاتمة:

إن الخلاصة التي يمكن استنتاجها من القراءة المنهجية التي اعتمدها ابن رشد في مقاربته المعرفية لطبيعة المعرفة بين الحكمة والشريعة، تتحدد في الأصول والمبادئ التي يمكن أن يؤسس عليها كل خطاب، فالخطاب الديني له مبادئه وأصوله، والخطاب الفلسفي له أيضاً مبادئه وأصوله، وإذا كانت أسس كل خطاب هكذا، فإنه لا يمكن من الناحية المنطقية العمل على دمج الخطابين بهدف تبرير وحدتهما وإزالة التناقض الذي يعتقد أنه حاصل بينهما؛ كما أنه بالتالي لا يجوز من الناحية المنطقية بناء أحكام بالتبديع أو التكفير –كما فعل الغزالي والأشاعرة- من خلال عملية إسقاط حمولة مركزية الذات على موضوعين أو بالأحرى صناعتين، صناعة الحكمة و صناعة الشريعة، مادامت كل صناعة تقوم على أصول ومبادئ لها خصوصيتها. ويعني هذا أنه إذا كان الخطاب الديني له بنيته الخاصة به، وكان الخطاب الفلسفي له بنيته الخاصة به، فإن الخطأ الذي يمكن أن نتصور وقوعه هنا في قراءة العلاقة الممكنة بين الخطابين هو السعي نحو دمج أجزاء خطاب في خطاب آخر، وهذا كما يقال هو بيت القصيد، أو جوهر الإشكال الذي اتجه المشروع الرشدي إلى تكريسه، باعتماده مقلاً منهجياً ورؤية أكسيومية؛ حيث سعى ابن رشد من خلال عملية الفصل بين الخطاب الفلسفي والخطاب الديني إلى الإلحاح على ضرورة اعتماد القراءة المزدوجة لبنية الخطابين، أي أنه من جهة ألح على ضرورة قراءة القضايا الدينية داخل الدين، ومن جهة ثانية ألح على ضرورة قراءة القضايا الفلسفية داخل الفلسفة.

يتضح بوجه عام أن كل مشروع فلسفي يؤسس أطروحته على رؤية منهجية معينة، وعلى مجموعة من المفاهيم المحددة، يصوغ من خلالها إشكالاته النظرية، وفي هذا السياق فإن المشروع الفلسفي الرشدي تبلور إشكاله من خلال عناصر ثلاثة هي؛ أولاً العنصر المتمثل في الثورة الثقافية التي اقترنت بمجيء الدولة الموحدية في شخص أحد مؤسسيها ومفكرها الإصلاحي المهدي بن تومرت، الذي ألح على ضرورة الاجتهاد في الرأي، ثانياً العنصر المرتبط بعملية تجديد الدعوة إلى إعمال النظر العقلي المجرد، والمتمثل في عودة الاشتغال بعلوم المنطق والفلسفة ضمن مشاريع ابن باجة وابن طفيل، وثالثاً العنصر الكامن ضمن الهجوم الشرس الذي قاده الفقهاء – على رأسهم الغزالي- ضد الفلسفة وعلوم المنطق، والذي أفضى كما هو معلوم إلى اتهامهما بالكفر والزندقة، والدعوة إلى نزع الشرعية عنهما. ضمن هذا المجال الإشكالي، يمكننا حصر المقاربة المعرفية التي قاربها ابن رشد كفقيه وعالم وفيلسوف، أولاً من أجل إعادة المشروعية للفلسفة وعلوم المنطق، وثانياً من أجل إعادة بناء وترتيب النظام العلائقي لمسألة التوفيق بين أصول ومبادئ القول الديني وأصول ومبادئ القول الفلسفي.

 

فقد كان إعلان ابن رشد عن وحدة العقل يهدف بالأساس إلى خلق مصالحة بين الإنسان ونفسه وبناء ثقة متينة، وفصل المعارف عن الاعتقادات والصراعات العقدية والطائفية، فهو يقصد جعل الإنسان أكثر قدرة على اكتشاف العالم، ذلك أن ابن رشد يعتبر تدخل أي أسلوب آخر غير النظر العقلي يؤدي إلى الاختلال وانتشار الضلال والشرور، أما من جهة ثانية فإن هذا الإقرار بوحدة العقل هو إقرار بوحدة الإنسان وقدرته، وانتمائه العقلي ووحدة الغاية التي يطمح لتحقيقها، وكما يقول المصباحي في هذا الصدد، إن الاعتراف بوحدة العقل معناه من جهة أخرى عدم اختلاف الناس في حقيقتهم الجوهرية، وقيمة انتمائهم إلى الجنس البشري*[39] وعدم تدخل ما ليس بشرياً في عملية المعرفة”[40] فابن رشد يرى أن حقيقة الإنسان تكمن في التفكير وقدرته على ذلك، وهو قوة خيالية جسمية، فالإنسان موجود بخياله وجسمه، لكنه متعقل باتصاله بعقل عام وواحد وهو العقل الفعّال.

إن فلسفة ابن رشد هي فلسفة لها راهنيتها، وهذه الراهنية تكمن في كونها فلسفة تمكنت من فتح الباب أمام رهان العقل، وما لها من قدرة كبيرة على التأسيس لجانب محايد في فكر الآخر، بعيداً عن التعصب، وكل الاختلافات  الدينية والعرقية…-كما سلف الذكر-،  وتسعى لتجاوز الصراعات الإثنية وكل ما من شأنه أن يفرق بين البشر، مركزة على وحدة الإنسانية، فهي أعلنت وحدة العقل و وحدة الإنسان، واستطاعت أن تضم بين دفتيها ما يمكن أن يوحد الإنسان. فراهنيتها إذا أمكن القول تكمن في ما أظهرته من قدرة كبيرة ومنقطعة النضير لدفع الإنسان نحو فهم ذاته وفهم الوجود من حوله.

أما فكر ابن عربي، فهو الآخر له راهنيته، ولربما نحن في زمن العودة إلى ابن عربي أو بمعنى آخر إلى الفكر الأكبري، الذي يضم بين سطوره أسمى عبارات التعايش بين البشر والتسامح، معلناً بذلك بزوغ فجر دين الحب أنى توجهت ركائبه. وإننا نجد ابن عربي حاضراً في الساحة الفكرية الأوربية بكثافة، خاصة في عصر ما بعد الحداثة، حيث تمت ترجمة أعماله إلى اللغة الإسبانية والفرنسية…، انه يحظى باهتمام كبير في أوربا والعالم العربي وتركيا، لعله يحمل الجواب في طياته، ربما يحمل البديل الشافي لأزمة ما بعد الحداثة وتجلياتها، من خلال نقده للعقل المحتكر لكل شيء.

حقاً إن هذين العالمين يستحقان الإحياء من جديد، عبر التمحيص والتدقيق والمراجعة، وإيقاظ تراثهم الفكري من سباته العميق، لا لكي نسكن بين ثنايا النصوص، ولكن لكي نمهد به لنهضة فكرية حقيقية في مجتمعاتنا التي باتت تفتقر للمفكرين بعد أن يرحل آخر ما تبقى لنا من جيل القدماء.

 

 

 

 

 

 

 

لائحة المصادر والمراجع:

  • ابن عربي الفتوحات المكية، تحقيق وتقديم عثمان يحي، الهيئة المصرية العامة للكتاب (1985)م.
  • ابن عربي، فصوص الحكم، والتعليقات عليه، أبو العلا عفيفي، دار الكتاب العربي، (بيروت).
  • محيي الدين ابن عربي : . اصطلاحات الصوفية، من رسائل محيي الدين ابن عربي، عالم الفكر.
  • ابن رشد فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من اتصال، تحقيق محمد عابد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية، (ط 1. 1997).
  • ابن رشد، فصل المقال، دراسة وتحقيق محمد عمارة، دار المعارف، (الطبعة 2،القاهرة).
  • مؤلفات ابن رشد، جوامع مؤلفات أرسطو، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت
  • ابن عربي، رسالة لا يعول عليه، ضمن رسائل ابن عربي
  • الصادق أحمد، إشكالية العقل والوجود في فكر ابن عربي، دار المدار الإسلامي،(الطبعة الأولى، 2010)
  • محمد عابد الجابري. نحن والتراث .قراءة معاصرة في تراثنا.مركز دراسات الوحدة العربية .( بيروت . لبنان)
  • المصباحي محمد، إشكالية العقل عند ابن رشد، المركز الثقافي العربي، (الطبعة الأولى 1988)
  • المصباحي محمد، نعم ولا؛ الفكر المنفتح عند ابن عربي، الدار العربية للعلوم ناشرون، منشورات الاختلاف، (الطبعة الأولى2012)
  •  محمد المصباحي، تحولات في تاريخ الوجود والعقل، بحوث في الفلسفة العربية الإسلامية، دار الغرب الإسلامي، (الطبعة الأولى1995)
  • ماجد فخري، ابن رشد فيلسوف قرطبة، منشورات دار الشرق ش م م ، (الطبعة الثانية)
  • محمد المصباحي، فلسفة ابن رشد، مركز دراسات الوحدة العربية، سلسلة أوراق عربية سير وأعلام، (الطبعة الأولى 2011)
  • محمد المصباحي، تحولات في تاريخ الوجود والعقل، بحوث في الفلسفة العربية الإسلامية، دار الغرب الإسلامي، (الطبعة الأولى 1995)

 

[1]  ماجد فخري، ابن رشد فيلسوف قرطبة، منشورات دار الشرق ش م م ، الطبعة الثانية، ص: 12-13-14.

[2]  ابن رشد، فصل المقال، دراسة وتحقيق محمد عمارة، دار المعارف، الطبعة 2،القاهرة، ص: 22.

[3]  محمد المصباحي، فلسفة ابن رشد، مركز دراسات الوحدة العربية، سلسلة أوراق عربية سير وأعلام، الطبعة الأولى 2011، ص: 25.

[4]  سورة الأعراف الآية 185.

[5]  سورة الغاشية الآيتين 17-18.

[6]  ابن رشد، فصل المقال، مصدر سابق، ص : 23.

[7]   فصل المقال ، ص : 23-24

[8]  فصل المقال، ص: 25.

[9]  ابن رشد، فصل المقال، ص: 6.

[10]  نفسه، ص:2.

[11]  نفسه، ص،ص: 12-15.

[12]  نفس المصدر السابق، ص: 19.

[13]  محمد عابد الجابري، سلسلة التراث الفلسفي العربي، ص:65

[14]  مؤلفات ابن رشد، جوامع مؤلفات أرسطو، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.

[15]  محمد عابد الجابري. نحن والتراث .قراءة معاصرة في تراثنا.مركز دراسات الوحدة العربية . بيروت . لبنان، ص: 211.

[16]  نفسه، ص: 213.

[17] المصباحي محمد، إشكالية العقل عند ابن رشد، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى 1988، ص،ص: 07-08.

[18]  ابن رشد، تفسير ما بعد الطبيعة، مقالة الحاء، ص: 1100.

[19]  المصباحي، إشكالية العقل عن ابن رشد، ص: 18.

[20]  المصباحي محمد، نعم ولا؛ الفكر المنفتح عند ابن عربي، الدار العربية للعلوم ناشرون، منشورات الاختلاف، الطبعة الأولى2012،ص: 29.

[21] أنظر: محمد المصباحي، تحولات في تاريخ الوجود والعقل، بحوث في الفلسفة العربية الإسلامية، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى 1995،ص:21.

[22]  محي الدين ابن عربي، فصوص الحكم، ص: 215.

[23]  ابن عربي، الفتوحات المكية، ج1، ص:289.

[24]  نفسه، ص:289.

[25]  ابن عربي، الفتوحات المكية،ج1، ص: 189.

[26] نفسه، ص:289.

[27]  ابن عربي، رسالة لا يعول عليه، ضمن رسائل ابن عربي، ص: 190.

[28]  ابن عربي، الفتوحات المكية، ج2، ص: 298.

[29]  ابن عربي، الفتوحات المكية،ج1، ص: 154.

[30]  المصباحي، نعم ولا: الفكر المنفتح عند ابن عربي، ص: 39.

[31] ابن عربي الفتوحات المكية،ج1،ص:95.

[32]  الفيومي محمد ابراهيبم، الشيخ الأكبر ابن عربي، ص: 46.

[33]  الصادق أحمد، إشكالية العقل والوجود في فكر ابن عربي، دار المدار الإسلامي، الطبعة الأولى، 2010، ص: 199.

[34]: . الصادق احمد، اشكالية العقل والوجود في فكر ابن عربي، ص 80

[35]  . بلاثيوس اسين، ابن عربي حياته و مذهبه، ص 818

[36]  محيي الدين ابن عربي : . اصطلاحات الصوفية، من رسائل محيي الدين ابن عربي، عالم الفكر، ص 15

[37]  نفسه، ص:17.

[38]  . بلاثيوس اسين، ابن عربي حياته و مذهبه،ص 819

[39]  نجد فكرة كهذه لدى يحي بن عدي في إطار حديثه عن محب الكمال، إذ يقول : …فإن الناس قبيلٌ واحد متناسبون، تجمعهم الإنسانية، وحلية القوة الإلهية التي هي في جميعهم وفي كل واحد منهم وهي النفس العاقلة.

[40]  محمد المصباحي، تحولات في تاريخ الوجود والعقل، ص22.

بلال البازي

مغربي الجنسية، من مواليد 10/01/1994، حاصل على شهادة البكالوريا سنة 2013، ثم على شهادة الدراسات الجامعية العامة تخصص الفلسفة موسم 2013/2015 جامعة عبد المالك السعدي – تطوان-، و شهادة الإجازة الأساسية من نفس الجامعة، ونفس التخصص سنة  2016 (بحث التخرج: مفهوما الدولة والحرية عند باروخ اسبينوزا)، وحاصل على شهادة الإجازة المهنية لتدريس الفلسفة من المدرسة العليا للأساتذة – فاس- سنة 2017.

شاهد أيضاً

سرود : مجلة جديدة في السرديات والنقد الأدبي

صدر العدد الأول من مجلة سرود ( ربيع2018) وهي  مجلة النقد الأدبي،نصف سنوية محكمة تصدر عن مختبر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *