الرئيسية / فكر وفلسفة / دراسات وأبحاث / اللغة كصورة للعالم: أسئلة النص والكتابة “مقاربة دياليكتيكية”.

اللغة كصورة للعالم: أسئلة النص والكتابة “مقاربة دياليكتيكية”.

 تفكيكية دريدا: الحنين إلى الكتابة.

  • بقلم: شنوف نصر الدين ( الجزائر) و رشا مكي ( مصر ).

 

موريس بلانشو:  ” الكتابة هي الاستسلام لافتنان غياب الزمان”.

موريس بلانشو: ” إن أكثر ما يهدد القراءة هو واقع القارئ    وشخصيته. هو تجنبه التواضع وعناده على البقاء كما هو أمام ما يقرأ. على أن يكون إنسانا عارفاً “.

 

لقد مثلت اللغة الصورة الأساسية للمشهد العام للفلسفة المعاصرة، حتى ساد الاعتقاد بأن الفلسفة المعاصرة هي في حقيقتها بحث في اللغة وفي إشكالياتها المنهجية والتقنية وأبعادها الثقافية والاجتماعية، وما طبيعة المناهج الفلسفية الراهنية على غرار التأويلية والتفكيكية وحتى الفينومينولوجيا والبنيوية في زوايا معينة إلا دليل على أن اللغة هي المدار الرئيسي للدرس الفلسفي المعاصر، وهذا ما انبثق عنه الاهتمام بمقولات النص والكتابة والقراءة كأحد أشكال الوعي بضرورة التفلسف في اللغة وباللغة.

يتمفصل الكلام عن كل إثارة فلسفية لموضوعات الكتابة/النص/القراءة. بحيث أخذ الحديث في هذه المقولات في الفلسفة المعاصرة أشكالاً وتلوينات عديدة، بين المقاربة التفكيكية التي تعيد الاعتبار للكتابة على مركزية الصوت والظاهرة بوصفها تأصيلاً للاختلاف كـ ” براكسيس”، وما بين التمثلات التأويلية للنص، بوصفه مسرح المعركة “معركة القراءة والمعنى “، من التصور الهرمينوطيقي/ الايبيستيمولوجي إلى التصور الهرمينوطيقي/الأنطولوجي. والذي يعتبر هايدغر أبرز ممثليه. أو كيف تحولت اللغة من موضوعة هاوية في الفلسفة إلى براديغم مخصوص للفلسفة المعاصرة؟. وكيف تزايدت حدة الإشكاليات اللغوية في تعالقها: كتابة/نص/قراءة. إلى حد أن أضحت بمثابة مقولة أنطوـأنطولوجية. أو بالمجمل مقولة قارية مع المنعطف اللغوي.

إن النص الديريدي من حيث هو هيكل مجزأ، بدون امتداد، ولا مركز، جاء ليزحزح كل لوغوس قديم في كل اتجاه، جاء ليحارب تواطؤ النزعة العقلانية ومركزية الصوت والذكورية القضيبية بوصفها أبوية مستفحلة تحتفي دوماً بصوت الله/الأب. في حين تقف الكتابة على الهامش كشكل تمزيقي لحضور الصوت بوصفه حضور ميتافيزيقي. يتحول ديريدا من الاعتكاف للمركز إلى استحضار الهامش المنسى. الذي هو الكتابة. من خلال استنجاده بجهاز مفاهيمي أساسه مفهوم “الأثر” كما أخذه من ليفيناس، ومفهوم “التناص” كما نجده في كتابات جوليا كريستيفا، مع حضور الابداعية الديريدية في تغيير وجهة المفهوم بادخاله عليه تعديلات مهمة وغاية في العمق. وهذا المد الديريدي القائم على زحزحة المركز/الصوت، ورد الاعتبار للهامش/الكتابة، نجد له سنداً قوياً في كتابات آرطو. حتى وإن كان ديريدا قد تحفظ بخصوص فلسفة آرطو بوصفها حلم همه التوصل إلى امتلاء حضور لن يقدم أي خارج على مباشريته. كون أن ميتافيزيقا آرطو. في لحظاتها الأكثر نقدية، تحقق الميتافيزيقا الغربية [1].

لقد ظلت الكتابة على طوال تاريخية الفكر الفلسفي الغربي محتقرة مبتذلة، من آفلاطون إلى روسو ومن دي سوسير إلى ليفي شتراوس، فإذا كان الكتاب في التمثل الآفلاطوني عبارة عن معرفة جامدة ميتة لا تتناسب مع الديالكتيك الحي المحرك/المنتج للمعرفة، فإن روسو على غرار دي سوسير قد اعتبر الكتابة على أنها حجاب على رؤية الإنسان للعالم. إنها حسب سوسير ليست لباساً حقيقياً. بل هي لباس تنكري. أو في أحسن الحالات هي ضرب من الشطط والخداع على ما يذهب ليفي شتراوس: إن الكتابة الفلسفية بالنسبة لآفلاطون، روسو، ودوسوسير قد تمت مماثلتها دوماً بشرٍ ما آتٍ من الخارج، قد يهدد الكلام الحي، الجوانية، الحضور أمام الذات. [2] من هنا الدعوة إلى خلخلة وتفكيك نظام الميتافيزيقا. أو ضرب التصدع الموجود فيه أنفاً. لأن الميتافيزيقا على مر تاريخها كانت دوماً محظوظة باستقرار تصدعها. ونكتفي بالاشارة بأن ديريدا لم يقلب القيم بعبارة نيتشه بأن أحل المركز محل الهامش والهامش محل المركز. بل إنه كان منتبها للنقد الهايديغيري لمسألة قلب القيم النيتشوية عندما أكد على أن استبدال وضعيات القيم لا يعني الخروج عنها. إن قلب القيم يبقى دوماً داخل تلك القيم ورهن لها. وهذا الاختلاف الذي يحاول ديريدا التأسيس له يبتعد كل البعد عن الاختلاف الأونطولوجي الذي رسخه هايدغر بعد نسيان طويل، إن الاختلاف بالصيغة الديريدية يظل قائما داخل الكتابة، في العلاقات المختلفة بين النصوص، بما هو أفق جديد للممارسة النقدية داخل النصانية، ضد الهوية والتطابق من أجل اختراق التخوم بتعبير باطاي/بلانشو.

إن التركيز على اللغة في الحقبة المعاصرة من تاريخ الفلسفة جاء نتيجة التحول من المستوى الشعبوي في تمثل اللغة بوصفها أداة للتواصل. إلى مستوى المفهمة الفلسفية. أين تصبح اللغة تشكيل لصورة العالم. إنها طاقة فعالة من حيث تملكها ناصية الخلق بوصفها أحد صيغ الوعي. الارتقاء بالعالم إلى عتبة الوعي. أو تمثل اللغة كوجود ­ في ­ الوعي. وهذا التصور الفلسفي للغة باعتبارها صورة العالم نجد له تأصيل في فلسفة هومبولدت اللغوية وتلميذه “شتاينتهال” على وجه الخصوص. والذي حول اللغة إلى رؤية إلى العالم. وأداة إنشاء هذه الرؤية في نفس الوقت[3]. وبالرغم من هذا، فإننا نجد مفكر قدير كـ “جان بوفري” يتحفظ على التمثل الهومبولدتي للغة. إذ يقول: إن اللغة ليست منظومة من الدلائل والعلامات، إنها علاقة بالعالم. ليس من خلال توسط عالم لساني بيننا وبين الأشياء كما يريد هومبولدت. بل من خلال انفتاح العالم ذاته”[4].

إن جعل اللغة موضوع أساسي أو براديغم للفلسفة المعاصرة قد زاد من حدة الإشكاليات القديمة التي تخص النص والكتابة حول تراتبية: مؤلف/قارئ، أو فيما يخص العلاقة بين قصدية النص وقصدية القارئ وقصدية المؤلف. والذي ينجم عنها بلا شك ضبابية المعنى وتيه الفهم. والذي عبر عنها شلايرماخر في عبارته الشهيرة: “إن الإنسان يعيش أزمة سوء الفهم”[5].

  • النص وسؤال المعنى في التأويلية المعاصرة.

تعتبر ثنائية نص/قراءة إشكالية فلسفية بحق. إن أي قراءة للنص تتوخى قصدياً القبض على المعنى، لكن مع الهرمينوطيقا المعاصرة، فإن النص لا يقدم معنى واحداً أحادياً أو من زاوية أخرى. يمكن لنا القول مع فاليري بأنه لا يوجد معنى حقيقي للنص. إن إثارة مسألة قراءة النص تجبرنا على تناول قضية موضوعية القراءة. إلى أي حد نكون موضوعيين في قراءتنا لنص ما؟. أو ما الحاجة إلى الاحتفاء بالتأويلية الهرمسية القائمة على مبدأ اللاتناهي في وقتنا الراهن؟. وأي دعامة منطقية تتأسس عليها قواعد القراءة كالتي يحتفي بها جوفري هارتمان؟.

إن النص بوصفه جهاز يراد منه إنتاج قارئ نموذجي بلغة إيكو، يبقى دوماً بمثابة مسرح للتأويل/ للإنتاج وتوليد المعنى، فالتعددية في التعبير تنبثق عن التأويل، والهرمينوطيقا تمنح الحياة لمجموعة من المعاني[6]، لأن أي تحديد لمضمون الخطاب يشكل موقفاً تأويلياً[7]. ولعلى هذا التعالق بين الخطاب والنص/الكتابة ومقاربتها بسوء الفهم هو ما كان محور النقاش في كتاب ريكور حول الخطاب وفائض المعنى. إن نظرية الخطاب لابد لها لاجتناب سوء الفهم من مراعاة دقيقة وصارمة لفعل الكتابة، إن النص المكتوب هو شكل من أشكال الخطاب، أو هو خطاب خاضع لنسبته لآخر، إذن فستكون شروط إمكان الخطاب هي نفسها شروط إمكان النص. [8] وعموماً. يذهب ديريدا إلى أن الحديث عن قواعد للتأويل يتقاطع بشكل مباشر مع أدوات النقد التقليدي. بما هو نقد ضد الانحراف بما أن وظيفته اقتصرت على الوقاية ولم تشكل انفتاحاً على قراءة جديدة. [9]

إن النص حسب تودوروف هو بمثابة نزهة يقوم فيها المؤلف بوضع الكلمات ليأتي القراء بالمعنى، إن قولاً كهذا على بساطته يدعونا مرة أخرى لإثارة مسألة الفصل بين مبدأي تأويل النص واستعماله. وهي ذاتها المسألة التي خلفت جدلاً واسعاً بين إيكو وروتي، فإذا كان الأول قد فرق بصرامة بين تأويل النص كعملية علمية في القراءة وما بين استعماله كسقوط في النزعة الذاتوية، فإن روتي واهتداءاً بتقليده الفلسفي الرامي إلى أن الشيئ الوحيد الذي يمكننا أن نفعله هو أن نستعمل ذلك الشيئ. يرى بأنه ليس علينا البحث عن كيفية اشتغال النصوص. بل علينا استعمالها فقط. وبالمجمل: إن القارئ الحقيقي في التمثل التأويلي هو ذلك الذي يفهم بأن سر النص يكمن في عدمه.[10]

يشكل النص عتامة من الرمزية، والرمز هنا كلام الكائن بعبارة هايدغر، ولكن حسب ريكور، يجب على الهرمينوطيقا أن تفهم اللغة من الزاوية الرمزية، إن النص عندما يقدم نفسه في شاكلته الرمزية، فإنه ليختبر مدى صبرنا الهرمينوطيقي، لأنه ثمة تعالق شديد بين الرمزية والهرمينوطيقا على حد التصور الريكوري، أي بين التأويلية ومسألة الحقيقة التي تتجلى دوماً في الرمزية، ليصبح التأويل هنا بمثابة رهان قائم، المعنى لا يفصح عن نفسه، المعنى دوماً نحصل عليه في شكل من التردد والخوف، إنه يختفي ويختبئ وراء الجمل والكلمات. في الفراغ. في البياض. خلف الرموز. إنها مجاوزة للمقاربة الفينومينولوجية التي تفهم الرمز بواسطة الرمز. حينما تستبدل الرمز بالرمز في إطار كلية متجانسة. وتَمَسُكٌ بالمقاربة الهرمينوطيقية للرمز. القائمة على مبدأ تفكيك الرمز. تصبح الرمزية هنا وكأنها فريسة تعسى الهرمينوطيقا إلى القضاء عليها. بل إن ما يحاول ريكور بلوغه هو المرحلة الفلسفية في تعقل الرمز. أي الفكر انطلاقا من الرمز[11] .

  • هيرمينوطيقا هايدغر: أو التأسيس الأنطولوجي للغة.

من هنا يمكن القول بأن كل قراءة هي بمثابة مغامرة إستكشافية للبحث عن المعنى الملتئم. أو أنها ببساطة صراع مع ظاهر النص. هذا بالرغم من أن الهرمينوطيقا الهايدغيرية تتأسس على فرضية أن ما يظل خفياً لا يمثل حدود الفكر أو اخفائه، بل هو الميدان الخصب الذي يزهر فوقه الفكر وينمو[12]. محتفياً هايدغر هنا خطى هيراقليطس الذي كان يقول: ” إن ما يميز الظهور هو اللااختفاء “. فالوجود يكتم حقيقته ولا يبوح بها، وهذا الكتمان هو الكيفية الأولى لانفتاحه. [13] إن هايدغر على غرار فيجينشتاين قد سخر كل من الأنطولوجيا والهرمينوطيقا إلى تحقيق ما يسمى اليوم بالمنعطف اللغوي، يؤكد هابرماس على أن ما سيسمى لاحقاً بالمنعرج اللغوي قد تم فعلاً في نفس الكرة في صيغة هيرمينوطيقية/تحليلية، إلا أن فتحي المسكيني يذهب إلى أن طرافة هايدغر تكمن أساساً في كونه الفيلسوف الوحيد الذي تحولت على يده الفينومينولوجيا إلى هيرمينوطيقا، باعتبار الهرمينوطيقا هنا كصيغة قارية من براديغم اللغة[14]. ليتحول معنى الفهم عند هايدغر من ملكة بعامة، إلى نمط أساسي لوجود الإنسان. وهذا ما سيستغله غادمير في تكملة مشروعه المتعلق بكونية الهرمينوطيقا. إن التحول الذي ابتدأه هايدغر هو إزاحته لمقولة الفهم صوب الأنطولوجيا، الفهم من حيث هو مفهوم وجودي. أو الدعوة إلى أخذ الفهم من الجذر. اهتداءً بتلك القاعدة القارة في فلسفته: ” أن يوجد الإنسان معناه أن يفهم … آلا إن الوجود فهم والفهم وجود “[15]، الفهم كإبانة واكتشاف واشتراع للكائن والكينونة.

وبالرجوع لمسألة مركزية اللغة في الفلسفة المعاصرة. فإنه أمكننا القول بأن مع هايدغر. ارتقت اللغة إلى مكانة الوجود. اللغة وجود ولا وجود إلا في حضرت اللغة، اللغة ليست في المقام الأول وسيلة للتواصل. وإنما هي أساساً ما يضمن إمكان الوجود في وسط انفتاح الموجود. إن كل ما هو كائن لا يمكن أن يكون إلا في معبد اللغة. إن اللغة هي بيت الوجود الذي سيسكنه الإنسان، وفيه يتخذ كل شيئ مكانه. أو بعبارة هايدغيرية خالصة: اللغة تقول الوجود. [16]

الوجود مكابدة، لكن باللغة وفي اللغة، يقول بيرو: إن تجربة الفكر هي تجربة الكلام، والكلام هو الوجود والوجود هو الكلام، ومعبد الوجود هو معبد الكلام. ثم إن الإنسان يوجد في العالم مثلما يوجد في الكلام[17]. بذلك ينتقل هايدغر من قول اللغة/ وجود، إلى البحث في أصل اللغة/ وجود، من خلال ماهية اللغة/ الوجود، إنها مجاوزة للنظرة المألوفة للغة بوصفها أداة. تلك النظرة التي رسختها الميتافيزيقا الكلاسيكية، إن هايدغر في بحثه عن البنية الأكثر أصالة في اللغة/ الوجود، قد دعا إلى تحرير القول من كل قواعده المزعومة، بوصفه تجربة على الطريق. على طريق الوجود. إن الكلام أو القول هو الأساس الأونطولوجي للغة كما أنه أساس المعقولية[18]. أو بعبارة ميرلوبونتي: إن الكلام يتضمن فكراً …إن الفكر الذي يعيش لذاته، بدون كلام، لا يعيش حتى لذاته”[19].

  • موريس بلانشو من أسئلة الكتابة إلى شبقية الأسلوب.

بلانشو منظر أدبي ومبدع روائي يقف على أرض الفلسفة، فيلسوف الرغبة والموت وملهم كتاب القرن الواحد والعشرين، رغم أن شعريته تُظهر سردية مثيرة للاهتمام بشكل قوي. إلا أنه حضوره الفلسفي كان دوما مهيبا ومتفردا خصوصا في الزاوية الأسلوبية. منذ نصوصه الأولى لم يتوقّف بلانشو عن الاندفاع الخلاق صوب توتّرات والتواءات الفضاء السّردي، وكان من منظِّري الفكر الأدبي الباحث عن الـمتغير وغير الـمؤكَّد والصعب داخل الواقع الثقافي والاجتماعي وصهره في الـمجتمعات النصية أدبًا ونقدًا. وهذا النوع الجديد من الكتابة جعل له أتباعًا يحذون حذوه مثل جورج باتاي أو جاك دريدا من خلال تخريب وتفكيك الثنائيات الـميتافيزيقية الثابتة التي تحتكم إليها الـمؤسّسات والتّمثلات العقلية والاجتماعية (عقل. جنون. جسد. روح. طبيعة. ثقافة ذكر. أنثى.) التي تعمل على صوغ الأدب في أحلام شـمولية أو تـخييلات تسطّر لنفسها خطًّا أحاديًّا متّزنًا غير قابل للرفض. [20]

في بحث جديد من ذلك النوع القليل من الأبحاث الذي يسجل فيه المستقبل الأدب يشير بلانشو إلى لحظة رولان بارت حينما ميز تمييزًا صارخاً بين اللغة والأسلوب والكتابة. اللغة هي حالة الكلام العام كما هو في متناول كل مناً جميعاً، في زمن ما وحس انتمائنا لمكان ما في العالم. يتشارك فيها الكُتاب وغير الكُتاب، لتحملها بعسر أو لتقبلها باستمرار أو لرفضها عمدًا هذا لا يهم. اللغة موجودة وتشهد على وضعية تاريخية قذف بها فيها، تحيط بنا وتتجاوزنا، هي بالنسبة للجميع الحاضر المباشر، وإن كانت تاريخياً جد متقنة وبعيدة عن كل بداية. أما الأسلوب فقد يكون هو الجانب المظلم، إنه مقترن بأسرار الدم و الغرائز، العمق الشديد وكثافة الصورة، اللغة الوجدانية حيث تتكلم اختبارات أجسادنا ورغباتنا، وحيث لا صوت يعلو على صوت الرغبة والإيروسية، الأسلوب هنا بمثابة رعشة شبقية قبل الموت بلحظات،  الأسلوب هو زماننا السري المغلق عنا نحن أنفسنا.

يجسد بارت من منظور بلانشو في فصله المتعلق بالتأملات حول الرواية شكل من أشكال ” الزمن الماضي” Le passé simple، الذي هو غريب عن اللغة الشفوية للإعلان على أننا بصدد فن الحكاية. فهو يشير مسبقًا أن الكاتب قد قبل هذا الزمن المسترسل والمنطقي الذي هو السرد كمساحة ممدودة لممارسة فعل الصدفة، يفرض هذا طمأنينة قصة محصورة، القصة التي بما أنها لها بداية، فهي تتوجه حتمًا إلى غبطة النهاية وإن كانت هذه النهاية حزينة. [21]

 

  • موريس بلانشو: اغتراب الأدب اغتراب الكتابة:

يقول موريس بلانشو: يحدث أن نسمع البعض يطرح أسئلة غريبة مثل: ما هي الاتجاهات السائدة الآن في الأدب المعاصر؟ أو إلى أين يتجه الأدب؟. أجل. إن الأمر يتعلق فعلًا بأسئلة غريبة. لكن الأكثر غرابة منها هو وجود إجابة سهلة عليها: إن الأدب يتجه نحو ذاته. نحو كنهه الذي هو الاختفاء. [22]

كتب “بلانشو” في الفضاء الأدبي، الكتابة،  هي الاستسلام لافتتان غياب الزمان. إذا كان من جهة، أن المحكياتـ وخصوصاً في اللحظة المناسبة Au momentvoulu الرجل الأخير Le Dernier Homme والانتظار النسيان  L’Attentel’oubli قد عملت على تثوير إدراكنا للزمنية السردية وشككت في المبدأ ذاته لكل حدث، ومن جهة أخرى فإن الكتابة الشذرية تفكر، لكنها تعمل أيضا على عرض تجربة الزمان تلك مثل “غياب للزمن”. لا يقتصر “غياب الزمان” هذا على الكتابة الشذرية التخييلية وحدها، وبالفعل، فإن أعمال بلانشو Blanchot الشذرية تقودنا إلى التفكير في الزمان بطريقة مغايرة، وبالتالي، فإنها تبلبل علاقتنا بالعالم . [23]

لقد أصبح ذلك معروفًا والأمر يتعلق بمستقبل أصبح حاضرًا. في علم التقنية يمكننا أن نواصل كيل المدائح للكتاب ودفع مبالغ كبيرة مقابل أعمال الرسامين، يمكننا أن نكرم الكتب وأن نوسع رفوف المكتبات، يمكننا أن نسلط عليه الإكراهات، أن نقلص حجمه أو أن نتركه حرًا طليقًا. وهنا يصبح حظه الحسن هذا هو الشيء الأسوأ بالنسبة له، وحسب ما يظهر فالفن لا يساوي شيئًا إذا لم ينثل سلطة آمرة ناهية. والوظيفة الحرجة للفنان اليوم تترتب عما يلاحظه من اهتمام واحتفاء به في عالم يحس بلا جدوى وجوده فيه. [24]

  • كتابة الكارثة:

إنّ الحسّ الغريب بعوالم السرد ومواطن السواد، بالانفعال السلبي والتخريبي الذي تُمثِّله كتابة الكارثة كما يُسميها “موريس بلانشو”، تتأتّى باحتكاكه بنصوص سردية شاذَّة ومنحرفة عن المألوف الإبداعي، عندما يفاجئنا بقراءات عن عالم العذاب البارد والواقع الليلي لكافكا، عالم معتم يخلو من الطبيعي والمعنوي ليحتلّ اليأس والكرب جُلَّ الفضاء السردي في نصوصه، ومن هنا تشكَّلت بؤرة اهتمام “بلانشو” بموضوعية السرد لدى كافكا بالعودة إلى حميمية يومياته، لياليه القاتـمة التي لا تُسمع فيها إلا صرخات رجل مفقود. فعلى أيّ قارئ لهذا النمط من السرد أن يجنِّد قلبه وعقله داخل التواءات النص ويحترس من ألغامه، ويتأمَّل جماليات الثقوب التي تـملأ شبكاته، النص السردي حينها يتَّخذ صفة الانفجارية، فهو على أُهْبة الفيض ألـمًا وفرحًا في الآن معًا، « إنّ من أعياه الألم أحياه الألم » كما قال لاوتسي، الألم والقسوة بوصفهما نبعًا فوارًا للإبداع السردي ومصدر طاقة للاستثناء الأدبي. وكما قال بلانشو من حُقَّ له الكلام عن نصوص كافكا، عليه أن يسمع إلى كلامه الـملغز، ببساطته وتعقيداته. [26]

يقول “بلانشو”أن الكارثة: لا الفكر الذي جن، ولعله ليس الفكر بوصفه جنونه دائمًا. فيما تنتزع منا الكارثة هذا الملجأ الذي هو فكر الموت، وتصرفنا عن المذهل أو الفاجع، وتغنينا عن كل إرادة وعن كل حركة، لا تتيح لنا إضافة إلى ذلك أن نجازف بهذا السؤال: ماذا فعلت لكي تعرف الكارثة؟.

الكارثة بالنسبة لـ “بلانشو” أيضًا:” من جهة النسيان، النسيان الذي لا ذاكرة له، التراجع الساكن لما كان مرسومًا- وربما لما لا تعيه الذاكرة؛ التذكر بالنسيان، الخارج من جديد.

الكارثة عند بلانشو هي الاهتمام بما لا شأن له، سيادة العرضي، ويكمل بلانشو: نقرأ، نكتب، كما لو أننا نعيش تحت رقابة الكارثة: معرضين لسلبية خارج الشغف. وتمجيد النسيان؛ ليس أنت من سيتكلم. أترك للكارثة أن تتكلم فيك، ولو بالنسيان أو الصمت.

قد تصل كارثة الكتابة- كما يرى بلانشو- إلى حدرفض الكتابة أو الكتابة بالرفض، بحيث يكفي أن نطلب منه بضع كلمات لكي يعلن نوع من النفي، كما أننا نجبره على البقاء، على الرضى لكي يستمر في الموت( الكتابة غيابيا)، وقد تصيب الكارثة القارئ ويناله ما أسماه “غم القراءة” فيقول: هو أن كل نص، مهما يكن مهما، ممتعًا، مفيدًا (ويولد إضافة إلى ذلك الشعور بالوجود) إنما هو نص فارغ – لا يوجد عميقًا، فلابد من عبور هوة، وإذا لم نقفز فوقها، فإننا لانفهم. وبعنوان مثير “موريس بلانشو: فلسفة الكتابة وقلق اللانهائي” يرى الباحث الجزائري محمد بكاي أن السرد سواء كان قصة أو كلمة أو صورة يحمل معكوسه في داخله- لدى “بلانشو”- لتكتمل الصورة أو الرسم، تجاوز فريد من نوعه يجعل من السرد خيالًا جذابًا وخطابًا غير واقعي ومستحيل، ومن ثم سيحرمنا الخطاب السردي حسب تصوُّر بلانشو من النهاية الـمثالية من دون أن يحرمنا من الوهم. تشكيل فانتازي يهيمن عليه احتشاد الأضداد وتعايشها في اقتراب هارموني يـمثّل الفكرة الـمهمّة عند بلانشو حول الكتابة، وهي أن الـموت يسيطر علينا، لكنّ هيمنته تتأتّى من خلال استحالته، يرى بلانشو أنّ الكتابة حرفة مهولة، محفوفة بالألم، فهي تنتجه وتتعلّق بالـموت تعلُّقًا كبيرًا، الذي يتجلّى فيها بشكلٍ حادّ وطارئ، وهو ما دفع بلانشو للحديث عن فنّ للموت، حيث تتوقّف الحياة مع الـموت، ويُعَلَّق الحلم ليبزغ كلّ الألـم، ليكون في انتظارك.

  • خاتمة:

تتدحرج الكتابة إلى أقاصي المحن الوجودية بكشف التباسات الحياة وتقنّعات الموت الذي يُعَدّ ظلًّا للحياة في لوحة يكتمل فيها التمثل، يشبّه كينونتنا بوجود الليل والنهار وأنها تكمن فقط في ذلك الشفق الغامض، الوهمي والهارب بين ذكرى النهار وتوق الظلام، نهاية الشمس واقتراب الشمس من النهاية. اكتشاف متعة اللانهائي في حلقة حلزونية تستبعد فكرة التحديد أو النهاية، ومن ثم فالسارد يحلم دومًا بالحصول على موطئ قدم، شيء ثابت وأزليّ، تنتابه كلّ تلك الكرب عندما يعي سجنه في الحياة، بؤس الـمنفى في أسوأ معنى مـمكن له. هو ما يدعو السارد إلى ألَّا يتوقّف أبدًا في أن يكون هناك حيث لا يتحقّق وجوده في مكان محدَّد أو في أماكن أخرى، نوع من الطوباوية في سعيه إلى التهرب من منفى العيش وقلق الحياة، لذلك تستتبّ فكرة الـموت عند بلانشو لتكتمل الصورة الناقصة للوجود.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  • قائمة الإحالات:
  • 1- أنظر إلى: سارة كوفمان.روجي لابورت، مدخل إلى فلسفة جاك دريدا “تفكيك الميتافيزيقا واستحضار الأثر”، تر: إدريس كثير، عزالدين الخطابي، أفريقيا الشرق، 1991، ط2، ص46.
  • 2- أنظر إلى: سارة كوفمان.روجي لابورت، مدخل إلى فلسفة جاك دريدا “تفكيك الميتافيزيقا واستحضار الأثر”، المرجع نفسه، ص27.
  • 3- أنظر إلى: عز العرب لحكيم بناني، الظاهراتية وفلسفة اللغة ” تطور مباحث الدلالة في الفلسفة النمساوية”، أفريقيا الشرق، 2003، المغرب، ص174.
  • 4- أنظر إلى: محمد الشيكر: هايدغر وسؤال الحداثة، أفريقيا الشرق، 2006، المغرب، ذط، ص 95.
  • 5- أنظر إلى: نبيهة قارة، الفلسفة والتأويل، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، ط1، 1998، ص75.
  • 6- ج هيو سلقرمان، نصيات بين الهرمينوطيقا والتفكيكية، تر: حسن ناظم وعلي حاكم صالح، المركز الثقافي العربي، المغرب لبنان، ط1، 2002، ص206.
  • 7- أمبيرتو إيكو، التأويلية بين السيميائيات والتفكيكية، تر: سعيد بنكراد، المركز الثقافي العربي، المغرب لبنان، ط2، 2004، ص76.
  • ­8- بول ريكور، نظرية التأويل ” الخطاب وفائض المعنى “، تر: سعيد الغانمي، المركز الثقافي العربي، المغرب لبنان، ط2، 2006، ص54.

          9-  بول ريكور بيرتو إيكو، التأويلية بين السيميائيات والتفكيكية، المرجع نفسه، ص130.  

  • 10– المرجع نفسه، ص43.[1]
  • 11– بول ريكور، صراع التأويلات “دراسة هيرمينوطيقية “، تر: منذر عياشي، دار الكتاب الجديد المتحدة، ط1، 2005، ص351. ص352.
  • 12– أمبرتو إيكو، السيميائية وفلسفة اللغة، تر: أحمد الصمعي، المنظمة العربية للترجمة، بيروت لبنان، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1، 2005، ص355.ص356.
  • 13– أنظر إلى: عبد السلام بنعبد العالي، هايدغر ضد هيجل” التراث والاختلاف”، دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، ط2، 2006، ص43.
  • 14أنظر إلى: فتحي المسكيني، نقد العقل التأويلي” أو فلسفة الإله الأخير”، مركز الإنماء القومي، بيروت باريس، ط1، 2005، ص8 ص9.
  • 15– أنظر إلى: محمد الشيخ، نقد الحداثة في فكر هايدغر، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت لبنان، ط1، 2008، ص120.
  • 16– أنظر إلى: ابراهيم أحمد، إشكالية الوجود والتقنية عند مارتن هيدجر، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت لبنان، منشورات الاختلاف، الجزائر، ط1، 2006، ص87.
  • 17أنظر إلى: محمد الشيكر: هايدغر وسؤال الحداثة، مرجع سابق، ص95.
  • 18– أنظر إلى: صفاء عبد السلام جعفر، آنطولوجيا اللغة عند هايدغر” دراسة فلسفية في قصيدة الكلمة لجئورجه “، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، مصر،ط1، 2002، ص17.
  • 19– نقلاً عن: عبد الوهاب جعفر، الفلسفة واللغة، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، مصر، ط2، 2004، ص60.
  • 20– أنظر: محمد بكاي، موريس بلانشو “فلسفة الكتابة وقلق اللانهائي”، مجلة الفيصل، مايو 2018، (http://www.alfaisalmag.com/?p=9885)، تم الدخول بتاريخ 03/07/2018.
  • 21– أنظر، موريس بلانشو، أسئلة الكتابة، ترجمة نعيمة بنعبد العالي وعبد السلام بنعبد العالي، دار تويقال للنشر، ط1، 2004
  • 22– أنظر، اختفاء الأدب، موريس بلانشو، ترجمة: رشيد مرون، مجلة نوافذ، ع 22 ، ديسمبر 2002
  • 23– أنظر، موريس بلانشو والكتابة الشذرية، “زمن غياب الزمان”، الحسن علاج، الحوار المتمدن، ع 5376، ديسمبر 2016، (http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=541873) تم الدخول بتاريخ 3/7/2018
  • 24– أنظر، اختفاء الأدب، موريس بلانشو، ترجمة: رشيد مرون، مجلة نوافذ، ع 22 ، ديسمبر 2002
  • 25– أنظر: محمد بكاي، موريس بلانشو “فلسفة الكتابة وقلق اللانهائي”، مجلة الفيصل، مايو 2018، (http://www.alfaisalmag.com/?p=9885)، تم الدخول بتاريخ 03/70/2018.
  • 26– أنظر: محمد بكاي، موريس بلانشو ( فلسفة الكتابة وقلق اللانهائي)، مجلة الفيصل، مايو 2018، (http://www.alfaisalmag.com/?p=9885) تم الدخول بتاريخ 3/7/2018.

شاهد أيضاً

المُقدَّس والسياسة: عن أحداث 11 سبتمبر

سامي عبد العال  كلية الآداب / جامعة الزقازيق- مصر مع كل إشارة إلى الذكرى السنوية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *