الرئيسية / منتخبات / ترجمة / أدورنو وهيدغر: نحو تجاوز الأنطولوجيا الفينومنولوجية ؟ 

أدورنو وهيدغر: نحو تجاوز الأنطولوجيا الفينومنولوجية ؟ 

بقلم/ الأستاذ الدكتور كمال بومنير

لا شك أنّ الانتقادات الذي وجهها ثيودور أدورنو Theodor Adorno، أحد أبرز ممثلي الجيل الأول لمدرسة فرانكفورت، إلى الفيلسوف الألماني الكبير مارتن هيدغر Martin Heidegger تعد في نظر العديد من المتخصصين في الحقل الفلسفي الغربي المعاصر من أعمق الانتقادات وأكثرها راديكالية التي وُجهت لهذا الفيلسوف من طرف ممثل بارز لتقليد فلسفي ينتمي إلى الفضاء الفكري الهيغيلي-الماركسي الذي تنتسب إليه النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت. وقد تركزت هذه الانتقادات على وجه التحديد حول قراءة هيدغر لكتاب إيمانويل كانط “نقد العقل الخالص”، ولمفهوم “الكينونة” الذي شكّل ،بطبيعة الحال، المحور الأساسي للأنطولوجيا الفينومنولوجية لهيدغر .ضمن هذا السياق يعتقد أدورنو أنّ قراءة هيدغر لنص “نقد العقل الخالص” كان غرضها الأساسي تقديم الفلسفة الكانطية كفلسفة أنطولوجية وهذا قصد إفراغها من مضامينها النقدية التي شكلت محور اهتمام كانط و مثّلت -بطبيعة الحال-المقصد الأساسي والمركزي للمشروع الفلسفي الكانطي برمته، وفي هذه الحالة سنرتد –بحسب أدورنو- إلى مرحلة ما قبل نقدية. والحقُ أنّ أدورنو كان قد أشار إلى أنّ هيدغر في كتابه “كانط ومشكلة الميتافيزيقا” ،ولكي يستخلص من قراءة النص الكانطي اللحظة المضادة للنزعة الذاتية و”المتعالية” قد أضفى عليها طابعا أنطولوجيا” . وقد سبق لهيدغر أن عبّر عن هذه الفكرة في دراسته لكانط بقوله ” إنّ الغرض من هذا الكتاب هو تفسير نقد العقل الخالص لكانط بكيفية يتم فيها توضيح أنّ “مشكلة الميتافيزيقا” هي مشكلة متعقلة بالأنطولوجيا الأساسية” ويمكن القول تبعا لذلك أنّ هيدغر قد جانب الصواب –حسب أدورنو- في هذه القراءة لأنّه اعتقد بإمكانية مماثلة اهتمام كانط الحقيقي للموضوع ﺑ “أنطولوجيا خفية” غير حاضرة في الفلسفة النقدية الكانطية، أو بعبارة أخرى: إنّ التأويل الأنطولوجي لكانط من قبل هيدغر لا “يتعارض فقط مع النقد الكانطي للأنطولوجيا العقلانية، بل مع سيرورة نقد العقل نفسه؛ لأنه –وبحسب كانط-تحدّد الموضوعية –المتعلقة بالمعرفة ومجموع كل ما تمت معرفته- بالطابع الذاتي، أي بالذات المتعالية التي لم يكف كانط عن تأكيدها. ولاشك أنّ هذا الأخير قد أكد تقبّل وجود الشيء في ذاته خلف ثنائية الذات والموضوع، غير أنه ترك هذا الوجود غير محدّد قصدا، بحيث يتعذر على أي تأويل فك رموز أنطولوجيا ما . من المؤكد، ورغم وجود فروق أساسية بينهما، فإننا نجد تقاربا شديدا بين أدورنو وإرنست كاسيرر في ما يخص هذا النقد الموجه لهيدغر؛ لقد أعاب كاسيرر، وأحد الممثلين الكبار الكانطية الجديدة المنتسبة إلى مدرسة ماربورغ Ecole de Marbourg ،على هيدغر تأويله الأنطولوجي لنظرية المعرفة الكانطية وهو السبب الكامن وراء وقوع فلسفة هيدغر في منزلق فلسفي أدى إلى حصول تأويل غير موفق للفلسفة الكانطية. ويبدو أنّ أدورنو-من خلال هذا النقد- قد انقاد في نفس الاتجاه الذي رسمه كاسيرر عام 1929، وأنه كان متأثرا – بشكل غير مباشر على الأقل- بالكانطية الجديدة لمدرسة ماربورغ . ولئن كان نقده لهيدغر يتبع نفس مسار النقد الأساسي الذي وجهه كاسيرر، فقد كان متميزا عنه وعن المدرسة الفلسفية التي كان ينتمي إليها بسبب انتمائها إلى التقليد الفلسفي المثالي، بخلاف التوجه المادي (الماركسي الجديد) لأدورنو الرافض لغياب الطابع العيني للأنطولوجيا الهيدغيرية. إضافة إلى ذلك أكد أدورنو بأنّ الأنطولوجيا الهيدغرية بإعلائها من مكانة الكينونة وأوّليتها واعتبارها التصور “الأكثر كلية” ، على حساب الذات التي تم زحزحتها عن أساسها الأنطولوجي وتفكيك مقامها، وهذا عبر التبشير بنهايتها، بحيث ستشكل الكينونة – ضمن المنظور الهيدغري- المتعالي المطلق ” فالكينونة من حيث التعريف لا تُستنبط من التصورات العليا ولا تُستعرض من جهة التصورات الدنيا. ولكن هل ينتج عن ذلك أنّ “الكينونة” لم يعد بإمكانها أن تثير أي إشكال؟ قطعا لا؛ إنما لا يمكن أن ينتج إلا هذا: أنّ “الكينونة” ليست من الكائن في شيء[..] إنّ “الكينونة هي التصوّر المفهوم-بنفسه. فإنّ في كل معرفة وتلفظ، في كل سلوك إزاء الكائن، في كل سلوك –إزاء–ذات- أنفسنا إنما يتم استعمال الكينونة ” . ومن هذا المنطلق يرى أدورنو أنّ ” ما عملت على زحزحته الأنطولوجيا الهيدغيرية–بالفعل-هو الشعور بتمركز الإنسان حول نفسه. لقد تملكت الذات على نحو ما، التأمل الذاتي الفلسفي، النقد القديم جدا للتمركز حول الأرض” . إنّ تعلق هيدغر الراسخ بالكينونة قد تحوّل في آخر المطاف إلى نظرية تقر بالانتماء إلى الكينونة مما أدى –حسب أدورنو- إلى وقوعه في نزعة متشبثة بالقديم ومنتصرة له، وهذا ما جعله يستبعد ” المسألة لنقدية باعتبارها مرحلة قبل أنطولوجية .
لقد أدرك أدورنو أن فهم واستخلاص الأصول والأسس النظرية لفكر الكينونة عند هيدغر يقتضي استحضار وفحص فينومنولوجيا هوسرل التي ظل هيدغر يفكر في فضائها، حتى وإن تحوّل إلى البحث في أفق الكينونة بغرض إضفاء الطابع الأنطولوجي على الفينومنولوجيا، وهذا قصد تقويض منطلقات هذا الفكر وتجاوزه. ضمن هذا السياق يشير أدورنو إلى أنّ الخطاب الفلسفي الهيدغري قد استند فيما يخص فكرة الكينونة إلى الحدس الماهوي الذي يعتبر عند إدموند هوسرل Edmond Husserl أساس إدراك الماهيات الكامنة في الوعي قصد تحويل الفينومنولوجيا إلى علم صارم وكلي. ولم يكن من قبيل المصادفة أن فضّل هيدغر من جميع أعمال هوسرل المبحث المنطقي السادس الذي طوّر فيه هوسرل مفهوم ” الحدس المقولي” ، فمن خلال مثل هذا الحدس يمكن أن تنفتح الكينونة وتنكشف. وهكذا، فإنّ الانتقال من الفينومنولوجيا الهوسرلية إلى الأنطولوجيا الفينومنولوجية لهيدغر قد ارتبطت بتضمن هذه الأخيرة لمفهوم الحدس الذي استقاه –كما أشرنا إلى ذلك- من هوسرل. ولكن وفي الوقت نفسه، انتهج هيدغر طريقه الخاص والمتميز في الكينونة والزمان حينما انتقل بالفينومنولوجيا إلى مجال البحث الأنطولوجي، لكنه في هذا المرحلة تخلى عن اللحظة العقلية في فكر هوسرل. ويعيب أدورنو على هيدغر أيضا نزعته الموضوعانية الأنطولوجية Objectivisme ontologique التي لم تكن سوى نتيجة لقلب لمفهوم الذاتية . هذا، وقد انتقد أدورنو فكرة الكينونة التي أصبحت فيه هذه الأخيرة المفهوم المركزي في تأسيس أنطولوجيا وجودانية Ontologie Existentiale . وفقا لهذا المنظور،ابتعد الخطاب الفلسفي لهيدغر عن الطابع العيني أو الملموس، وعن تناقضات الواقع الاجتماعي وبقي مجردا بسبب ” فحينما يتم تحقيق هذه الأنطولوجيا إلى حدها الأقصى، لا تعود الفلسفة في حاجة إلى الاهتمام بالجانب الاجتماعي والتاريخي لحياة الفرد ” . والواقع أنّ أدورنو يدين في هذا النقد إلى صديقه الفيلسوف الألماني غونتر أندرس Günther Anders. يرى هذا الأخير أنّ الأنطولوجيا الهيدغيرية قد غيّبت الجانب العيني أو الملموس عن التحليل المتعلق بالكينونة والكائن ضمن سياق الانفتاح على التأويل، وهذا قصد مجاوزة الميتافيزيقا، في كتابه العمدة الكينونة والزمان، وهذا ما يفسر لنا عجز هذه الأنطولوجيا عن القيام بتحليل العلاقات المادية وعزوفها عن الاهتمام بالحياة الواقعية والفعلية ضمن السياقات التاريخية للمجتمع الصناعي المعاصر، واكتفائها بالقراءة المجردة واللاتاريخية للواقع الإنساني، من خلال إعطاء الأولوية الأنطولوجية للكينونة . لقد أغفل هيدغر مكانة وأهمية الذات الإنسانية داخل سيرورة الحياة الاجتماعية ولم يكترث بكيفية التحرّر من الوضع القائم. وهكذا، بقي هيدغر سجين رؤية تقليدية لا تنصت إلى نداء المعاصرة ومتجاهلة لاغتراب وتشيؤ الوعي في المجتمع الرأسمالي القائم على تقسيم العمل الإنساني . وبناء على هذا يرى أدورنو في الجدل السلبي أنّ الفلسفة لا ينبغي أن تعيش في عالمها الخاص، الذي انقطعت روابطه بعالم الإنسان، بل إنها ترتبط بممارسة الإنسان العملية وبالوجود العيني الذي لا يُفهم بمعزل عن اللحظة التاريخية التي يتحقّق فيها وعن المجتمع الذي يحدّد قدرات الإنسان وإمكاناته. وهذا لا يعني أن تقتصر الفلسفة على ما هو عيني ومباشر، أو تلتزم بعالم الواقع على ما هو عليه. إنها على عكس ذلك تستخلص من الواقع ما هو ممكن فيه، وبذلك يمكن القول إنها فلسفة تعترف بالواقع من ناحية وترفضه من ناحية أخرى، ولابد أن تتسم كل فلسفة نقدية بقدر من عنصر “السلب”. غير أنّ أدورنو يذهب أبعد من ذلك، حيث يرى أنّ النقد الأساسي للأنطولوجيا الفينومنولوجية لهيدغر يجب أن يتوجه إلى جوهر أو قلب هذه الأنطولوجيا أي إلى نظرية الاختلاف الأنطولوجي La différence ontologique. لهذا السبب كان من المفيد التذكير بتسويغ هيدغر نفسه في كتابه “الكينونة والزمان”، وبالتحديد إلى الفقرة 2 المتعلقة ﺑ “البنية الصورية للسؤال عن الكينونة”ّ، حيث طرح أربعة أسئلة أساسية وقد صاغها كالتالي: “من أيّ كائن ينبغي لاستفتاح الكينونة أن يأخذ منطلقه ؟ هل المنطلق هو أيّ كان، أم إنّ لكائن معيّن أوليّة ما في بلورة مسألة الكينونة ؟ أيّ منها هو هذا الكائن النموذجي وبأي معنى له أوّليّة ؟ . في إجابته على هذه الأسئلة، بيّن هيدغر أنّ طرح سؤال الكينونة يقتضي التطرق إلى الكائن بوصفه الخيط الهادي إلى استعادة معنى الكينونة، إذ لا نستطيع فهم معناها دون فهم الكائن. لذلك منح هيدغر مكانة متميزة للكائن وخصه بأولوية أنطولوجية وجّه الأنطولوجيا الأساسية نحو الكائن قصد تبيان اختلافه الأنطولوجي عبر تحليل بنيته ضمن خصوصيته، باعتباره الإمكانية الأنطولوجية الوحيدة لإدراك الكينونة. والدازين هو الكائن الذي تنطوي كينونته على مساءلة الكينونة. ضمن هذا السياق يقول هيدغر: “تعني بلورة مسألة الكينونة بذلك: أن نجعل كائنا ما –هو السائل- شفافا في كينونته. وإن طرح هذا السؤال، من جهة ما هو ضرب كينونة خاص بكائن ما، إنما هو ذاته متعيّن في ماهيته بما هو مسؤول عنه ضمنه- بالكينونة. هذا الكائن، الذي هو نحن أنفسنا في كل مرة والذي يملك من بين ما يملك إمكانية كينونة التّسآل، نحن نصطلح عليه بلفظة دازاين (Dasein) .وإنّ طرح السؤال الصريح والشفّاف عن معنى الكينونة يتطلب تفسيرا مناسبا عن كائن ما (الدازاين) بالنظر إلى كينونته .وبهذا فإنّ الدازاين (الوجود هنا) هو في الوقت نفسه الكائن. ومن هنا يعتقد أدورنو أنّ هذا مجرد تحصيل حاصل، أدى إلى الوقوع في معضلة عويصة وطريق مسدود وقعت فيها الأنطولوجيا الهيدغيرية بحيث انتفى الاختلاف الأنطولوجي بين الكينونة والكائن. وقد عبّر أدورنو عن هذا بقوله: ” إنّ خطاب هيدغر حول الاختلاف الأنطولوجي يختزل في تحصيل حاصل، بحيث تتبيّن لنا الكينونة من حيث مغايرتها للكائن لأنها كينونة. إذذاك يصبح الكائن واقعا أنطولوجيا، ولكنه مجرد لفظة زائفة وراكدة، إذ لا وجود لكينونة بدون كائن أو بتعبير هيدغر نفسه أيضا لا يمكن أن يوجد كائن بدون كينونة . هذا، وعلى الرغم من أن هيدغر قد أظهر في الكينونة والزمان توجهه لاستكشاف حقيقة الكينونة عبر العودة إلى الأشياء ذاتها وتوجيه اهتمامه إلى الكائن هنا أي الدازاين، ومن نمط المعالجة الذي تستوجبه ” الأمور نفسها”. فكلما كان مفهوم الخط الأساسي الذي من شأن علم ما، وكلما كان أكر أصليّة في التجذر ضمن المناظرة مع الأشياء ذاتها . غير أنّ محاولة هيدغر لم تتحرّر من الطابع التجريدي والميتافيزيقي رغمادعائه مقاربة هذا الكائن بصورة عينية. لذلك تعد هذه المقاربة –بحسب أدورنو- مقاربة “عينية'” زائفة، والتي لا يختلف كثيرا عن المقاربات الفلسفية السابقة التي انتقدها هيدغر نفسه. لذلك يعيب أدورنو على هيدغر عدم إدراكه لطبيعة التجربة المعاشة، ومرد ذلك بطبيعة الحال إلى هيمنة الطابع أو التحليل الأنطولوجي، وبخاصة أنّ فيلسوف الغابة السوداء قد أضفى هذا الطابع الأنطولوجي Ontologisation على التجربة المعاشة عبر التحليلية الأنطولوجية للدازاين من أجل تأويل معنى الكينونة بعامة. ولكن هذه التحليلية أدت في نهاية الأمر إلى تجميد جملة التمظهرات الخاصة للكائن في “وجودانيات” Existentiaux، في البنيات التي لا تحتفظ بالمفهوم العام المتصلبة أو المتحجرة والمفصولة تماما عن التجربة الإنسانية المعاشة . وإذا كان أدورنو يعترض على رؤية هيدغر فيما يخص إضفاء الطابع الأنطولوجي على التجربة المعاشة لأنّ هذا الأخير ربط الأنطولوجيا بالفينومنولوجيا، حيث راهن في الكينونة والزمان على إمكانية تأسيس أنطولوجيا فينومنولوجية. والحقيقة أنّ هيدغر في تصوّره إمكانية استخلاص “الوجودانيات” باعتبارها شروط إمكانية الدازاين نفسه، بقي سجين التصوّر المتعالي للذاتية. ولذلك كان لزاما عليه البقاء ضمن رؤية تجريدية “خفية”، وفي الوقت نفسه، في النزعة الصورية التي ميزت المدرسة الفينومنولوجية. وهذا ما أوضحه النقد النظري فيما يخص الأنطولوجيا الوجودانية . وعلى الرغم من هذه الرؤية الأنطولوجية التي قدمها هيدغر فإننا نلاحظ –كما يقول أدورنو- أنّ فيلسوف الغابة السوداء لا ينفك يبيّن أنّ المشروع الأنطولوجي الفينومنولوجية في الكينونة والزمان يمكن أن يتجه وجهة تأويلية قصد فهم الكينونة والكشف عن معناها وكنهها. يقول هيدغر ضمن هذا السياق: ” إنّ الفلسفة هي أنطولوجيا فينومنولوجية كلية، تنبع هرمينوطقا الدّازين Herméneutique du Dasein التي من حيث هي تحليلية الوجود، قد عيّنت الخيط الهادي لكل تسأل فلسفي، من أين ينبجس وإلى أين يرتد” . ولكن وفي الوقت نفسه، فإنّ الأولوية التي أعطاها هيدغر للكينونة “المختفية” للدازاين تبعدنا أكثر عن التجربة العينية وذلك لأنه حتى وإن حاول التنصل من الطابع المجرد للفينومنولوجيا الهوسرلية، فإنّ محاولته باءت في آخر المطاف بالفشل لأنّ العودة إلى الأشياء نفسها أي إلى موجودات كما تظهر أو تتبدى لنا قد تم استبدالها بالعودة إلى الكينونة، وهو المفهوم الأكثر تجريدا كما يرى أدورنو. وبناء على ذلك، يتم الانتقال من الكائن (أي ما يظهر) إلى الكينونة (ما لا يظهر) . ومن ثم تتحول الأنطولوجيا التأويلية إلى علم كلي مجرد. ضمن هذا السياق يبيّن أدورنو كيف أنّ “المقتضيات الأنطولوجية لا ترضي إلا المقولات، وأمام السيادة التي عملت الفينومنولوجيا لانتزاعها من الفكر: الذاتية الخالصة والزمنية الخالصة أيضا. ومن مفهوم الكينونة الملقى بها (المقذوف) التي وضعت كشرط أخير لكينونة الإنسان، أصبحت الحياة وأنها عمياء وغير ذات معنى إلا ما تعلق بفلسفة الحياة [..]. وفي هذا المضمار، يمكن أن نفهم محدودية المقولات الوجودانية لهيدغر، الكينونة الملقى بها، القلق والموت التي لا يمكن أن تستبعد إمكانية اكتمال الكائن الحي ومفهوم الحياة الخالص التي يجلب إليه المشروع الأنطولوجي لهيدغر. وهكذا، يبدأ السقوط النهائي للفلسفة الفينومنولوجية. وللمرة الثانية، تجد الفلسفة نفسها عاجزة أمام مسألة الكينونة. ولم تتمكن من وصف الكينونة بالقدر الكافي من حيث هي مستقلة وأساسية قد عرفت الفلسفة كيف تعرضه سابقا”.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش:
1- من أهم الدراسات الفلسفية المقارنة بين مارتن هيدغر وثيودور أدورنو كتاب هرمان مورشن بعنوان أدورنو وهيدغر.دراسة في رفض التواصل، وقد صدر بشتوتغرت في عام 1981، حيث أثبت فيه أنه على الرغم من وجود فروق جوهرية بين هيدغر وأدورنو، فإنه يمكن أن نجد جوامع مشتركة في العديد من القضايا والمسائل الفلسفية (مسألة التقنية، نقد الفكر الوضعي، نقد الميتافزيقا، الخ) بل أكد مورشن أيضا ما يسميه بحضور الفكر الهيدغيري في المتن الفلسفي لأدورنو بصورة مباشرة أو غير مباشرة ، أو لحظة هيدغيرية في فكر أدورنو الشاب عبر ثلاثة نصوص أساسية لأدورنو وهي: كيركيغارد، بناء الجمالية الصادر عام 1933، راهنية الفلسفة الصادر عام 1931، وفكرة التاريخ-الطبيعة وهي محاضرة ألقاها أدورنو في 15 جويلية 1932 بمجامعة فرانكفورت.لقد حاول أدورنو في هذه المحاضرة إعادة صياغة “التوجه الأنطولوجي”الذي قدمه هيدغر لفلسفة التاريخ في الكينونة والزمان، وهذا من خلال محاولة تقريبه للتاريخ “العيني” بالاستناد إلى أعمال كل من غيورغ لوكاش وفلتر بنيامين. وهذا ما دفع هرمان مورشن إلى القول بوجود ” تقارب” في رؤى هيدغر وأدورنو. غير أن “التقارب” لم يدم وقتا طويلا، إذ سرعان ما أعلن أدورنو في كتابته اللاحقة “عداءه” لفلسفة هيدغر. لقد صرّح أدورنو في 1 أكتوبر من عام 1965 في رسالة وجهها إلى صديق مارتن هيدغر مورشن أنه ” بعد خمس سنوات من الآن سأحطم هيدغر” In fünf Jahren habe ich den Heidegger kleingemacht وحتى فلتر بنيامين الذي جمعته علاقة صداقة مع ثيودور أدورنو أعلن بدوره عام 1930 في رسالة وجهها إلى صديقه غرشوم شوليم Gershom Scholem أنه سيكتب كتابا ” سيحطم فيه هيدغر” den Heidegger zurstrümmern

للتعمق انظر:
Hermann Mörchen, Adorno und Heidegger. Unterschung einer philosophischen Kommunikationsverweigerung, Klet-Cotta, Stuttgart, 1981.
يمكن الرجوع أيضا إلى كتاب بوراهيما وطارة بعنوان:

. Bourahima Ouattara, Adorno et Heidegger : Une controverse philosophique. Paris, L’Harmattan, 1999
انظر أيضا:
Theodor Adorno, Métaphysique. Concept et problèmes .Traduit de l’allemand par Christoph David, Paris , Payot, 2007.

2- تجدر الإشارة إلى أنّ قراءة هيدغر ﻠ نقد العقل الخالص قد أثارت جدالا حادا بين المتخصصين في فلسفة كانط، حيث ذهب البعض منهم إلى الإشادة بعمق هذه القراءة وأصالتها وذلك لقدرتها على حل بعض الصعوبات العالقة بها. في حين يرى باحثون آخرون أنّ قراءة أو تأويل هيدغر مضللة ولا تنسجم مع النصوص الكانطية بل ومتناقضة معها أحيانا. ومن ذلك الانتقادات التي وجهها الفيلسوف الكانطي-الجديد إرنست كاسيرر في ندوة دافوس Davos عام 1929. لمزيد من التفصيل فيما يخص الخلاف الفلسفي بين هيدغر وكاسيرر انظر:

Ernest Cassirer –Martin Heidegger, Débat sur le Kantisme et la philosophie (Davos, 1929) Traduit par P.Aubenque ,J.M. Quillet, P.Fataud , Paris, Beauchesne, 1972.

3- Theodor Adorno, Dialectique négative, Traduit par G. Coffin, J. Masson, O. Masson, A. Renault, D. Trousson, Paris, Petite Bibliothèque Payot, 2003, p 85.

4- Martin Heidegger, Kant et le problème de la métaphysique. Traduit de l’allemand par Alphonse de Walhens et Walter Biemel, Gallimard, 2005, p 57.

5-Arno Münster, Adorno, une introduction. Paris, éditions Hermann, 2008, p 167.

6-Theodor Adorno, Dialectique négative, p 86.

7- ولد إرنست كاسيرر سنة 1874 في مدينة بريسلو، وتوفي سنة 1945 في مدينة نيويورك الأمريكية. يُعد أحد أقطاب الكانطية الجديدة Le néo-kantisme ، في فرعها المتمثل في مدرسة ماربورغ Ecole de Marbourg ، التي اهتمت بالمباحث الابيستمولوجية العلمية و خاصة بالرياضيات و الفيزياء، وقد ضمت أيضا هرمن كوهين و باول ناتورب. وفي سنة 1906 عُيّن كاسيرر أستاذا في جامعة برلين، ثم أستاذ بكرسي في جامعة هامبورغ. وبعد وصول النازية إلى الحكم عام 1933 هاجر إلى السويد وصار أستاذا في جامعتها من 1935 إلى 1941، ثم غادرها متجها إلى الولايات المتحدة الأمريكية ليصيرا أستاذا في جامعة يالBale . من أهم مؤلفاته: ” فلسفة الأشكال الرمزية” 1923، ” فلسفة الأنوار 1932، ” مقالة في الإنسان ” 1945، ” أسطورة الدولة ” 1947.

8- Arno Münster, Adorno, une introduction, p 168.

9- مارتن هيدغر، الكينونة والزمان، ترجمة وتقديم فتحي المسكيني، بيروت، دار الكتاب الجديد المتحدة، 2012،
ص 50.
10- مارتن هيدغر، الكينونة والزمان، ص 52.

11- Theodor Adorno, Dialectique négative, p 87.
12- Ibid., p90.

13- هانز جورج غادامير، طرق هيدغر، ترجمة حسن ناظم وعلي حاكم صالح. بيروت، دار الكتاب الجديد المتحدة، 2007، ص 246.
14- Arno Münster, Adorno, une introduction, p 171.

15- Theodor Adorno, Jargon de l’authenticité. De l’idéologie allemande. Traduit de l’allemand par Eliane Escoubas, Paris, Petite Bibliothèque Payot, p 151.

16-غونتر أندرس (1902-1992) فيلسوف ألماني معاصر. كان على علاقة بمعهد الدراسات الاجتماعية بفرانكفورت وصديقا لأدورنو وماركوز وبنيامين. تحصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة عام 1924 بإشراف إدموند هوسرل . التقى بمارتن هيدغر، حيث ربطته به علاقة صداقة. ومع وصول النازية إلى الحكم هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث ظل يواصل كتاباته الفلسفية التي تمحورت حول نقد الحداثة التقنية وفضح توظيفها غير الإنساني في العالم المعاصر. من أهم أعماله: إلغاء الإنسان ج1 عام 1956، أما ج2 فقد ظهر عام 1980. هيروشيما في كل مكان عام 1959. نحن أبناء أيشمان عام 1988. التهديد النووي عام 1992.
17-Günther Anders, Sur la pseudo- concrétude de la philosophie de Heidegger,Traduit par Luc Mercier, Paris, Sens et Tonka, 2003, p 39.
18-Arno Münster, Adorno, une introduction, p 174.
19-رمضان بسطاويسي محمد، علم الجمال لدى مدرسة فرانكفورت. أدورنو نموذجا، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، 1998، ص81.
20- مارتن هيدغر، الكينونة والزمان، ص56.
21-علينا أن نلاحظ إصرار هيدغر على تحاشي مصطلح ” إنسان” حتى لا يترك من معنى ” الكائن” الذي ينبغي استجوابه حول معنى ” الكينونة” سوى أن ” يكون على نحو ما ” ، أنّ له ” طريقة ما في الكينونة “. ولذلك فمصطلح ” دازاين” هنا ليس له أيّ ” مضمون” أو ” تعيّن” أنثروبولوجي، بل هو إشارة ” صورية” إلى بنية كينونة محض. ورغم أنّ الدازاين هو ” السائل” عنى معنى الكينونة، فهو أيضا في الوقت نفسه ” المستجوب” في هذا السؤال عن معنى الكينونة (المترجم).
22-مارتن هيدغر، الكينونة والزمان، ص57.
23-Theodor Adorno, Dialectique négative, p 97.

24-مارتن هيدغر، الكينونة والزمان، ص86.

25-Martin Arriola, « L’enracinement de la philosophie dans le concret, le fil conducteur du Polemos Adorno- Heidegger » Revue Ithaque, nº 1, Année 2007, p 114.

26- Theodor Adorno, Jargon de l’authenticité. De l’idéologie allemande, p 124.
27-ارتن هيدغر، الكينونة والزمان، ص104.
28-Martin Arriola, « L’enracinement de la philosophie dans le concret, le fil conducteur du Polemos Adorno- Heidegger » p 116.

من أرشيف البروفسور كمال بومنير:

حوار مع الدكتور كمال بومنير

الدكتور كمال بومنير يعد البروفيسور كمال بومنير أحد الأقلام الفلسفية الجادة في العالم العربي، يساهم في إغناء الدرس الفلسفي تأليفا وترجمة. بدأ مشواره الدراسي على يد الأستاذ لخضر بوناب بثانوية ابن رشد حيث قرأ لكارل ماركس وجان بول سارتر وغاستون باشلار وهنري برغسون… والتحق بجامعة الجزائر ودرس الاستطيقيا والفلسفة الألمانية …

أكمل القراءة »

“الموسيقى ﻛ “رؤية للعالم ”  تأليف: غيورغ لوكاتش 

ترجمة وتقديم: أ.د/ كمال بومنير غيورغ لوكاتش György Lukács فيلسوف مجري معاصر (1885-1971). يُعّد أحد أقطاب الفكر الماركسي في القرن العشرين. تأثر بكانط وبهيغل وماركس وفيبر ودلتاي، وهذا ما يظهر في واحد من أهم أعماله الفلسفية “التاريخ والوعي الطبقي” عام 1923، الذي عالج فيه موضوع التشيؤLa réification . بدأ يلمع …

أكمل القراءة »

“الاعتراف وإعادة التوزيع الاقتصادي” تأليف: نانسي فرازر

ترجمة وتقديم: أ/ د كمال بومنير نانسي فرازر Nancy Fraser فيلسوفة أمريكية معاصرة (ولدت عام 1947) بمدينة بالتيمور Baltimore. تعتبر من أهم ممثلي النظرية النقدية في الولايات المتحدة الأمريكية. تأثرت أثناء مسارها الفكري والسياسي بالعديد من الفلاسفة (ثيودور أدورنو، ميشيل فوكو، يورغن هابرماس، ريتشارد رورتي على وجه الخصوص). انصب اهتمامها …

أكمل القراءة »

“حول جمال اللوحة الفنية” تأليف: أندي وارول

ترجمة وتقديم: أ. د/ كمال بومنير وُلد الرسّام التشكيلي الأمريكي أندي وارول Andy Warhol في مدينة بيتسبورغ Pittsburg بالولايات المتحدة الأمريكية في عام 1931. درس في معهد كارنجي للتكنولوجيا وتخرّج منه سنة 1949، ثم استقر في مدينة نيويورك واشتغل كرسّام في ميدان الاشهار. بدأ وارول رسم لوحاته الأولى بأسلوب تعبيري. …

أكمل القراءة »

الفضاء العمومي المعارض اليوم (الجزء الثاني) تأليف: أوسكار نيغت 

ترجمة وتقديم: أ.د/ كمال بومنير اعتقد أننا اليوم أمام نوعين من الفضاء العمومي؛ هناك أولا وقبل كل شيء ما يظهر عبر الفضاء العمومي البرجوازي Öffentlichkeit Bürgerliche ضمن علاقته بأشكال الصراعات المباشرة ضد الأزمة الاجتماعية البنيوية السائدة في زمن الرأسمالية. فمن المعلوم أنّ الفضاء العمومي “الرسمي” يعيد بشكل واسع لغة ورمزية …

أكمل القراءة »

“التقنية ومسار الحضارة الإنسانية” تأليف: هربرت ماركوز

ترجمة وتقديم: أ.د/ كمال بومنير هربرت ماركوز Herbert Marcuse فيلسوف ألماني معاصر (1898-1979). تأثر بهيغل وماركس وشيلر وهيدغر وفرويد. انظم عام 1934 إلى معهد الدراسات الاجتماعية بفرانكفورت إلى جانب ماكس هوركهايمر وثيودور أدورنو، وأسهم في تعميق النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت من خلال مقالاته وبحوثه. ثم هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية …

أكمل القراءة »

الدين والفضاء العمومي تأليف: يورغن هابرماس 

ترجمة: أ. د/ كمال بومنير إنّ الاعتراف بالحرية الدينية وحرية المعتقد كحقوق أساسية هي بمثابة إجابة سياسية مناسبة فيما يخص مواجهة تحديات التعددية الدينية. وهكذا، وعلى مستوى التفاعلات الاجتماعية بين المواطنين، يمكننا تفادي العديد من النزاعات المحتملة، ولكن هذا لا يمنع من استمرارها على المستوى المعرفي بين غير المؤمنين والمؤمنين …

أكمل القراءة »

نحو فضاء عمومي معارض – الجزء 1 / تأليف: أوسكار نيغت 

ترجمة وتقديم: أ.د/ كمال بومنير أوسكار نيغت Oskar Negt فيلسوف ألماني معاصر (وُلد عام 1934) يعد أحد ممثلي النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت ضمن الجناح الفكري (النابع –بطبيعة الحال- من داخل النظرية النقدية) الذي أصبح يسمى اليوم ﺑ “التيار الساخن” Le courant chaud وهو تيار يضم أيضا بعض الفلاسفة الفرانكفورتيين (ألكسندر …

أكمل القراءة »

حول مفهوم المعقولية الاستطيقية  تأليف: راينر روشليتز

ترجمة وتقديم: أ.د/ كمال بومنير راينر روشليتز Rainer Rochlitz فيلسوف ومترجم فرنسي من أصل ألماني ولد في مدينة هانوفر عام 1946 وتوفي في باريس في عام 2002. درس الفلسفة وتاريخ الفن، وتخصص في الجماليات وفلسفة الفن. ساهم روشليتز من خلال ترجماته وأعماله في نشر العديد من الأعمال الفلسفية الألمانية المعاصرة، …

أكمل القراءة »

“حول مفهوم النقد الاستطيقي في الرومانسية” تأليف: فلتر بنيامين

ترجمة وتقديم: أ.د/ كمال بومنير ولد الفيلسوف والناقد الأدبي والفني الألماني فلتر بنيامين Walter Benjamin سنة 1892. درس الفلسفة في جامعات فريبورغ وميونخ وبرلين، وتحصل سنة 1919 على شهادة الدكتوراه في الفلسفة، وكانت رسالته بعنوان “أصول تراجيديا الباروك الألماني”، حيث ارتكز اهتمامه في مجال الفن والأدب، وفي الدراما الألمانية في …

أكمل القراءة »

شاهد أيضاً

“الفن والأشكال الرمزية” تأليف: إرنست كاسيرر

ترجمة وتقديم: أ.د/ كمال بومنير وُلد إرنست كاسيرر Ernest Cassirer سنة 1874 في مدينة بريسلو، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *