الرئيسية / منتخبات / ترجمة / “الموسيقى ﻛ “رؤية للعالم ”  تأليف: غيورغ لوكاتش 

“الموسيقى ﻛ “رؤية للعالم ”  تأليف: غيورغ لوكاتش 

ترجمة وتقديم: أ.د/ كمال بومنير

غيورغ لوكاتش György Lukács فيلسوف مجري معاصر (1885-1971). يُعّد أحد أقطاب الفكر الماركسي في القرن العشرين. تأثر بكانط وبهيغل وماركس وفيبر ودلتاي، وهذا ما يظهر في واحد من أهم أعماله الفلسفية “التاريخ والوعي الطبقي” عام 1923، الذي عالج فيه موضوع التشيؤLa réification . بدأ يلمع في الحقل الجمالي أو الاستطيقي حين ظهر له مقال بعنوان “تطور الدراما الحديثة” عام 1908، ثم في كتابه الهام “نظرية الأدب” في 1916. كان يرى أنّ العمل الفني والجمالي هو الأداة التي يمكن أن يجد فيها الإنسان نفسه وقد تحرّر من مختلف مظاهر التشيؤ والاغتراب لأن جوهر العمل الفني يكمن في أنه ينقل الإنسان من واقعه اليومي المباشر إلى ما يسمى ﺑ “الكلية” Totalité ليرتفع إلى مصاف الإنسانية، أو لينتقل من وضع التشيؤ إلى الحرية الإنسانية . من أهم أعمال لوكاتش : “الروح والأشكال” عام 1911، “نظرية الرواية” 1916، “التاريخ والوعي الطبقي” 1923، “معنى الواقعية المعاصرة” 1957،”تحطيم العقل” 1954 “الرواية التاريخية”1956، “دراسات في الواقعية”1960، أما الأعمال التي تضمنت آراءه في مجال فن الموسيقى يمكن أن نذكر على وجه التحديد سلسلة المقالات التي ضمها كتابه الهام الموسوم ﺒ “نصوص” التي نُشرت عام 1985.
النص:
ليس من شك أنّ الموسيقى هي الفن الوحيد القادر على تحويل المواقف الذاتية إلى رؤية موضوعية للعالم Vision objective du monde، ولكن من دون إضعاف الجانب المثير لعواطف وذاتية الشاعر الغنائي المنغلق على ذاته. كما أنّ الموسيقى قادرة أيضا على حمل هذه المواقف الذاتية إلى مستوى أعلى، ومن ثمة التعبير عن احتجاجها عما يحدث في العالم بكامله. والحقُ أنّ مكانة الملحن الموسيقي المجري بيلا بارتوك Bela Bartók وأهميته المتميزة في الثقافة المجرية يرجعان من دون شك إلى كونه ملحنا موسيقيا. وحتى نستطيع إثبات مثل هذا الزعم على أسس موضوعية وعامة يمكنني أن أشير هنا إلى مقولة هامة استخدمتها كثيرا في أعمالي الجمالية والفنية وهي مقولة الموضوعية اللامحدّدة Objectivité indéterminée، وهي مقولة نابعة من ماهية الفن ذاته. والحقُ أنّه لا يمكن التعبير عن الموضوعية الواسعة والممتدة للواقع غير المتجانس من الناحية الفنية إلا من خلال إضفاء طابع متجانس Homogénéisation على الإنسان بل وانطلاقا منه أيضا. غير أنّ مثل هذا الإجراء سيحرم الفن حقا من الطابع الموضوعي المباشر لبعض العناصر الحاسمة للواقع. ضمن هذا السياق، بإمكاننا القول إنّ الأدب La littérature لا يمكنه تمثيل الوقائع والأشخاص بصورة مباشرة ومحسوسة؛ أما فن الرسم وفن النحت فهما عاجزان تماما عن التعبير عن واقع الحركة أو التعبير عن الفكر، في حين أنّ الموسيقى هي –بطبيعة الحال-بعيدة عن الجانب التصوري ولكن ومع ذلك، من الضروري أن ترتبط بالمشاعر الخالصة وبالتجارب الغريبة تماما عن التلفظ والبيان.
إنّ هذه التحديدات اللازمة قد تغني وتعمّق من دون شك إمكانيات التعبير الفني. والحقُ أنّ مثل هذه الوضعية قد تشكل في كثير من الأحيان القاعدة التي تتطور من خلالها الإبداعات الفنية الكبيرة بغية الوصول إلى مستوى التاريخ العالمي. وهكذا، فإنّ انحلال وتفكك ثقافة عصر النهضة الأوربية قد وجد عبر اللوحات الفنية للرسّام تينتوريتو Tintoret أو عبر موسيقى مونتفردي Monteverdi مضمونا عميقا ومتجانسا قد يصعب التعبير عنه حقا عبر وسائل فنية أخرى، ولا مثيل له في الأدب أو في الفلسفة الايطالية التي سادت في تلك الفترة. هذا، ومن المعلوم أنّ مقولة الموضوعية اللامحدّدة قد تنتج ربما نمطية ذات مستوى عالٍ، مع زوال أو محو هذا المحدّد الملموس والمحايثImmanent الذي بفضله يتم تحقيق تحولات في عصر من العصور وهذا حتى على مستوى الحياة اليومية. ولكن من الآن فصاعدا ستحل هذه الظواهر العينية Phénomènes concrets محل تلك الاضطرابات العميقة لمشاعر وأحاسيس الإنسان مما يجعل –والحقُ يقال- هذه التحولات التي يعرفها العصر بمثابة منعرجات أو منعطفات Tournantsجديرة بالذكر ومؤثرة فعلا على مستوى تطور النوع الإنساني برمته وللصيرورة التاريخية للإنسان أيضا.
إننا نرى حقا بأنّ هذا المستوى من الإبداع، الذي قد يبدو لنا للوهلة الأولى مرتبطا بالحدود الخاصة لمختلف الأجناس الفنية، هو في حقيقة الأمر مشكلة مرتبطة في الأساس بالمضمون Le contenu لأنّ زوال أو اختفاء أو إضعاف أشكال التغيير التاريخي لا يمكنها إلا الحط من مكانة الفن وابتذاله. هذا، وتجدر الإشارة إلى أنه كلما أهملت الموضوعية اللامحدّدة التجليات الشكلية المحايثة والعرضية، ليس لأسباب مرتبطة بهذا المضمون العميق ولكن لأسباب شكلية بحتة، فإننا سنشعر –من دون شك- بالضجر والملل وبعدم الاكتراث. ضمن هذا السياق يمكننا اعتبار الرسم الهولندي مثالا على ذلك لأنّ هذا الأخير ظهر نتيجة انتصارات الهولنديين في حروبهم التحررية ضد الملكية الإقطاعية والمطلقة للاحتلال الاسباني. لقد أرسى الرسّامون الهولنديون منذ فان غوين Van Goyen إلى فرميير Vermeer قواعد وأصول فن الرسم والتصوير الجديد الخاص بالعالم جديد، في حين أنّ الرسّام الكبير رامبرانت Rembrandt هو الوحيد الذي بقي بعيدا عما كان يحدث من تطور في هذا المجال. ولكن لماذا ؟ لأنه من خلال استعمال ودفع أغلب غزوات هذا التطور (وهي غزوات قد أدت في آخر المطاف إلى خلق وقائع مباشرة)، لقد مثّل عبر قاعدة الموضوعية اللامحدّدة أعمق إشكالية الإنسان الجديد ورؤيته الجديدة للعالم والتجليات الحيوية الأساسية والتراجيدية لهذا الإنسان. لقد شعر فنانون ومفكرون آخرون في الفترة نفسها أو بعدها بوجود إشكالية حقيقية فيما يخص الإنسان الجديد في عالم سائر نحو نظام رأسمالي. والحقُ أنه قد يتعذر علينا فهم ديدرو Diderot وروسو Rousseau ولا حتى غوته Goethe إن لم نحمل هذه الإشكالية على محمل الجد. ولكن ومع ذلك، وما عدا الجزء الأخير من “رحلات غوليفر” Les voyages de Gulliver (للكاتب الانجليزي الساخر جوناثان سويفت Jonathan Swift الذي قابل بين “الأحصنة الحكيمة” و”البشر المجانين” لا نلمس –بطبيعة الحال-أي صدى فلسفي أو فني بخصوص هذه الفترة التاريخية الانتقالية الكبيرة التي تم فيها التعبير بشكل سليم ودائم عن التناقض الداخلي والأساسي، الذي يصعب حقا تجاوزه، فيما يخص ما كان يعرفه الإنسان الجديد ماعدا الموضوعية اللامحدّدة للوحات رامبرانت. وإلى يومنا هذا، يسمح لنا تأمل هذه اللوحات بمعايشة هذه الإشكالية في شدتها وتوترها، وهذا سيقودنا إلى إيجاد حل لذلك التناقض الذي يعيشه البشر.
György Lukács, Textes, Introduction, choix et présentation des textes, chronologie et éléments de bibliographie de Claude Prévost. Paris, éditions sociales, 1985, pp 338-339.

شاهد أيضاً

تفريغ مكتبتي – فالتر بنيامين

تفريغ مكتبتي.. حديث عن اقتناء الكتب ترجمة أمير زكي  *** أنا أفرغ صناديق كتبي، نعم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *