الرئيسية / تربية و تعليم / الفلسفة في المغرب إلى أين؟ حوار رشيد العلوي مع جريدة الاتحاد الاشتراكي

الفلسفة في المغرب إلى أين؟ حوار رشيد العلوي مع جريدة الاتحاد الاشتراكي

 

حاوره حسن إغلان

 

1 – كيف ولجتم شعبة الفلسفة؟

جئت إلى الرباط من الهامش (الجنوب المغربي) لاستكمال دراستي الجامعيَّة في شعبة الفلسفة بكلية الآداب – جامعة محمد الخامس، وقد سنحت الظروف التي نشأت فيها في المرحلة الثانويَّة من اهتمامي بالفلسفة بفضل نشاطي الجمعوي المبكر وارتباطي باليسار.

 

2 – هل نستطيع الحديث عن فلسفة جديدة في المغرب بعد جيل الأساتذة؟

أعتقد أن هذا السؤال يرتبط أساساً بفهم حجم التغيُّرات الجارية في المغرب والتي، لا شك، ستمكِّنُنا من الحديث عن وجود اختلافات بين فلسفة، وكتابات، ومشاريع الأجيال التي تعاقبت على درس الفلسفة في المغرب. كما أنه يتضمن سلفاً إقراراً بوجود جيل جديد بعد جيل الأساتذة، وفي الحقيقة، يصعب الإقرار بوجود فلسفة جديدة كل الجدة بالنظر إلى الواقع المأزوم الذي يسم منظومتنا التعليمَّية والنَّكسة التي تعرفها ساحتنا الثقافيَّة لعدة عوامل يعرفها الجميع وصارت في حكم تحصيل حاصل.

اذا افترضنا أن هناك أجيالاً تعاقبت على الممارسة الفلسفيَّة وعلى درس الفلسفة في الجامعة وفي التعليم الثانوي فهذا لا يلغي إمكانيَّة وجود استمراريَّة – أو إن شئنا الدِّقة تراكماً – وبطبيعة الحال ستكون هناك اختلافات ملحوظة بين مختلف الأجيال على مستوى: الكتابة، والمشاريع الفكريَّة، وبنية التفكير أيضاً وأشكاله المختلفة، وما يحضرني الآن هو وجود اختلاف بين مشاريع كل الأساتذة: محمد عزيز الحبابي، عبد الله العروي، محمد عابد الجابري، طه عبد الرحمان، محمد سبيلا، موليم العروسي، عبد الكبير الخطيبي، فاطمة المرنيسي، عبد الله حمودي… بحيث يمكننا تلخيص أهم توجهات هذا الاختلاف في: التباين الأيديولوجي، والمنهجي، وطريقة الكتابة. وهي عموماً تصنف إما داخل التوجه الحداثي، أو التوجه المُحافظ، أو التوجه اللِّيبرالي. وهو نفسه الاختلاف الذي يحكم القرَّاء الذِّين ينتصرون لهذا التوجه أو ذاك، ورغم أنه لم يتبلور بعد في صيغة تقاطب إلا أنه يظل ملموساً على مستوى التعبيرات الشائعة لدى الجيل الجديد. أما الحديث عن فلسفة جديدة ومشاريع جديدة فأظن أنه سابق لأوانه بحيث يتعين علينا أولاً أن نحدد مقابلها الفلسفة القديمة أو المشاريع القديمة.

لقد انشغل جيل الأساتذة بمشكلات التراث والدين والحداثة والنهضة والعلاقة من الآخر / الغرب، والذكوريَّة، والعقلانيَّة… في حين أن الجيل الجديد بحكم توجهه “ما بعد الحداثي” اتجه نحو الاهتمام بالجماليات وعلم الاجتماع السيَّاسي ومختلف موضوعات الهامش: الجنس، الجسد، السِّجن، الجنون، الفن، الوشم، الحريم… دون أن يعني ذلك أن هناك قطيعة بين كلا الاهتمامين. وإذا كان من المفروض أن يحصل التراكم في تعاقب الأجيال فسيكون على مستويات ثلاثة:

مستوى الموضوعات: بحيث إن فلسفة لا تقرأ الواقع الذي أنتجها ومستجدات العصر وهموم الكون، فلا تصلح أن تسمى كذلك، لأن حجم صعوبات الحياة في العالم المعاصر تتفاقم في ظل تنامي وسيَّادة وتحكم النَّزعة التقنويَّة في تسيِّير وتدبير الشؤون العامة والخاصة للمواطنين، وكأنها قدر الإنسان المعاصر. ناهيك عن الاستسلام الكلي لسيطرة التكنولوجيا التي تحضر في كل شيء لما لها من انعكاسات سلبيَّة على تشييء العلاقات الاجتماعيَّة فيما أسماه أكسل هونيث ب: “مجتمع الاحتقار”، أو ما أسماه بيتر سلوتردايك ب: “ما بعد الإنسانيَّة”، حيث أفول النزعة الإنسانيَّة كما وضع أسسها فلاسفة كبار وبارزون وأحيتها بعدهم فلسفة الأنوار.

مجمل الأوضاع المعاصرة المحيطة بالوضع الإنساني تفرض الاتجاه نحو موضوعات معاصرة تفرض نفسها على التأمل الفلسفي دون أن يعني ذلك الانسلاخ عن إرث الفلسفة، فهو يحضر دوماً في الجامعات والمدارس، غير أن هذا الإرث من المفترض أن يدفع إلى تفلسف الأجيال الجديدة في وضعهم وواقعه.

مستوى المنهج: فإذا كانت الفلسفة قد فكرت طويلاً في المشكلات الإبستمولوجيَّة ومنها أزمة العلوم والمناهج بين الذاتيَّة والموضوعيَّة، فإن الفلاسفة يتميزون باتباعهم أو نحتهم لمنهج خاص ونقصد بالمنهج هنا الطريقة (منهج ديكارت العقلاني، التوليد السقراطي، تفكيكيَّة دريدا، ماديَّة ماركس، جدليَّة هيجل…): أي طريقة التفكير والتحليل والمساجلة. ولكي نبدع طريقة جديدة في التفكير ينبغي الإلمام بكيف فكر أساتذتنا في موضوعات الفلسفة؟ وكيف تفاعلوا مع قضايا مجتمعنا؟ وهل تمكنوا فعلاً من خلال انخراطهم والتزامهم الثقافي والسيَّاسي من قراءة الواقع وتغييره؟

مستوى الرهان: وأقصد، المأمول من الفلسفة: كيف نحيا بها ومن خلالها؟ هل ينفصل التفلسف عن فن العيش؟ أظن على الأقل أن هناك تبجيلاً مغالياً للعقل يخترق فلسفة الفلاسفة، مقابل تبخيس للجسد والانفعالات وقيمة الحياة عموماً، وهذا ما نجده حاضراً في دروس الفلسفة في التعليم الثانوي والجامعي المغربي معاً (مع بعض الاستثناءات). فلماذا لا يتيح هذا الدرس للمتعلمين إمكانيَّة مساءلة المعيش ونقد البداهات والتحرر من اليقينيَّات؟ لماذا تجد في صفوف مدرسي الفلسفة وطلابها مؤدلجين دوغمائيين ومنغلقين لا يمكن تصنيفهم إلا في خانة أعداء الفلسفة بتعبير دريدا، هل يشهد هذا على فشل درس الفلسفة، أم إن المجتمع أقوى من الجامعة وصارت تابعة له ومستسلمة لسلطته المُحافظة.

من خلال هذه المستويات وغيرها يمكن للجيل الجديد أن يبدع بشكل حر، من جهة، معالجة موضوعات الفلسفة بطريقة فلسفيَّة جديدة، لن يعثروا عليها في كتب الفلاسفة، بل عليهم أن يكتشفوها بأنفسهم عبر تجربتهم في التدريس والكتابة والسجال، وعلى نهج خاص في التفكير النقدي، وطريقة بعيدة عن الانغلاق المذهبي والنزعة المشائيَّة – المدرسيَّة السائدة حالياً والتي تطغى على درس الفلسفة وذلك لرسم رهانات جديدة للتفلسف تلتصق بفن العيش وتقدير قيمة الحياة والتفكير النقدي الحر. إنها رهانات المثقف والفيلسوف وكل من يشتغل بالتأمل والتخيل.

 

3 – هل مازالت للفلسفة جاذبيتها المروعة، أم أن نظام العولمة جرف كل شيء جميل ومقلق في الراهن الإعلامية؟ أو بمعنى آخر تم محو الأستاذ والفيلسوف والمثقف والخيال.. وعوضت بالخبير والتقني الجديد؟

من البديهي جداً أن يتحلى الفلاسفة بنزعة إنسانيّة كوسموبوليتيّة حيث ينشدون الحق والعدل، ويطمحون إلى تحقيق السِّلم الدائم بين الشعوب، ولا أجد أحداً منهم دافع عن الإرهاب وعن قتل الناس والفتك بهم. وفي المُقآبل بحث الفلاسفة عن مصوغات نظريَّة وعمليَّة للخروج من التيه الذي يعيشه العالم في عصر العبث والعدميَّة. ولقد فكر جاك دريدا J, Derrida ويورغن هابرماس J, Habermas معاً في أحداث 11 شتنبر 2001 وقدما مناظرة فلسفيّة في غاية الأهميّة. غير أن العديد من فلاسفة العصر قد اتخذوا الحذر كل الحذر من السقوط في لعبة التوازنات الدوليّة حيث موازين القوى غير متكافئة بين امبرياليَّات تحكم العالم بقبضة من حديد وتجعل ما عداها مجرد دول في خدمة سيَّادة الرأسمال العالمي، وبين شعوب لا قدرة لها على الخروج من تخلُّفِها بسبب ازدواجيّة التسلُّط: الامبريالي الخارجي والاستبداد الرجعي الداخلي. وسيراً على منوال التقليد النقدي نتساءل فيما يشبه خطاباً تحذيرياً: هل صحيح أن الارهاب معمّم؟ من يتحمل مسؤوليَّة تنامي الإرهاب؟ لا شك في أنكم جميعاً تُحسُّون وتدركون أن اختلالات العالم تعود إلى التحكم الكلياني للشركات المتعددة الجنسيات في 90 % من خيرات الكوكب الأزرق، وإلى قبول الساسة عالمياً هذا التحكم وتسويغه والدفاع عنه وكأن مصالحهم مشدودة إلى ضغط هذه الشركات كقدر لا محيد عنه.

تتزايد ويلات الحروب وتتسع أحزمة التفقير، ومعها يتزايد الفكر الأحادي الفتَّاك، ليس في هذه الرقعة المسماة عربيَّة إسلاميَّة لوحدها، بل في مجمل أحزمة التهميش والاقصاء عبر مختلف بقاع العالم. لقد تم تشجيع الجماعات المُتطرِّفة وتمويلها وحفزها لإعادة اقتسام ثروات العالم، وحالة سوريا اليوم فاقعة، وهذا ناتج عن مسلسل العولمة المُتوحشة والتي رسمت خطط استراتيجيَّة ما بعد الاستعمار، وصارت تتحكم في الخريطة الجيو-سيَّاسيَّة الجديدة.

لم تبتز الفلسفة يوماً أكثر مما ابتزت اليوم، بحيث أُوكِلت لها مهمة مواجهة التطرف لدعم الديمقراطيَّة: ولكن عن أية ديمقراطيَّة يتحدثون؟ عن ديموقراطيّة الأقلية ضد الأغلبيّة؟ عن ديمقراطيّة رأس المال ضد ملايّير المهمشين والمقصيِّين من دائرة الإنتاج؟ إن تعيين الفلسفة لمواجهة التطرف هو ابتزاز للفكر الحر والبحث الحر، هو دعوة للتنازل عن وظيفتها النقديّة وخندقتها في وظيفة سيَّاسيَّة، فهل يمكن للفلسفة أن تقوم مقام السيَّاسي والسيَّاسة والسيَّاسات؟

لا يُوجد أي تطابق كلي بين الفلسفة والسيَّاسة ولا أي انفصال بينهما، ففي الوقت الذي تتجه فيه السيَّاسة – بتعبير سلافوي جيجيك S, Zizik – نحو الاهتمام بقضايا الشأن العام، نحو إيجاد أجوبة عمليّة وملموسة لمشكلات البشر، تتجه الفلسفة نحو إثارة المشكلات التي تعترض البشر في وجوده الملموس. وبهذا المعنى لا يمكن للفلسفة أن تلعب أدواراً سيّاسيّة كتلك التي تلعبها الأحزاب والجماعات الضاغطة وتنظيمات المجتمع المدني، كما لا يمكن للسيَّاسة أن تقوم مقام الفلسفة.

صحيح أن الفلاسفة لعبوا أدواراً سيَّاسيَّة في الدفاع والتنظير والتشريع لأنماط سيَّاسيَّة معينة ضد أخرى، غير أنهم لم يفعلوا ذلك باسم الفلسفة بقدر ما فعلوا ذلك كمواطنين فاعلين في مجالهم وشأنهم العام.

كثيرة هي الخطابات التي روجها الفلاسفة حول إصلاح الفلسفة وحول مستقبل الفلسفة كما فعل لودفيغ فيورباخ L, Feuerbach، وحول نهاية الفلسفة وضرورة تحولها إلى حارس ايديولوجيا البروليتاريا كما فعل كارل ماركس K, Marx، أو مماهاتها مع النظام العقلي – الواقِعي لحال ألمانيا مع جوروج وليام فريديريك هيجل G, W, F, Hegel، وحول صياغتها للدّستور كما فعل أرسطو Aristote وإيمانويل كانط E , Kant وهابرماس. وفي المقآبل كثيرةٌ هي الخطابَات التي روَّجها الفلاسفة حول هدم القيَّم كما فعل فريديريك نيتشه F, Nietzsche، وحول نقد الدِّين ورفض رؤى للعالم بعينها، وحول حاجتها إلى الانخراط في عبثيَّة الوجود…

إن ازدواجيَّة الخِطاب الفلسفي وانتقاله من القضيّة إلى نقيضها لهي سمة طبعت تاريخاً مديداً، وجعلت من الفكر الفلسفي فكراً مشروطاً بعصره فكراً زمنياً ومكانياً وسيَّاقيّاً. هكذا نظرت حنة آرنت H, Arendt لمناهضة التوتاليتاريا وتصحر العالم وواجه لينين  F, Lénineالنزعة التجريبيّة، ووقف جيجيك ضد آلة الرأسماليّة الجهنميّة، وفضح ثيودور أدورنو T, Adorno وماكس هوركهايمر M, Horkheimer وهربرت ماركيوز M, Marcus نزعة الاستهلاك المتناميّة في المجتمعات الصناعيّة، ونظر فرانز فانون F, Fanon للمعدمِين، وأسَّس برتراند راسل P, Russel ومن معه لمحاكمة الصهيونية. لقد صرخ ماكس هوركهايمر يوماً: “في مملكة الشَّر التوتاليتاريّة، يدين الإنسان بقدرته على المحافظة ليس فقط على وجوده بل على هويته أيضا إلى الصُدفة وحدها… لذلك فإن كل فلسفة تفكر في إيجاد السِّلم في ذاته، في حقيقة ما، لا علاقة لها بالنظريّة النقديّة”.

أكيد أن للفلسفة جاذبتها المروعة كما قلتم، ورغم كل ما أدَّت إليه السّيطرة العولميَّة ستظل الفلسفة تُحافِظ على وهجها وبريقها وقيمتها بفضل تنامي حالة تيهٍ شبه مطلقة لدى السيَّاسي والحاكم ومدير شركة عابرة للأوطان، لأن ضرب قيمة الفكر عموماً وسعي ثقافة الصورة لمحو الثقافات الأصليَّة والأقليَّات الإثنيَّة وتسيِّيد النَّزعة التقنويَّة الجديدة وتعزيز دور الخبير مكانة المثقف والشاعر والفيلسوف من شأنه أن يزيد من بروز مقاومات جديدة غير متحكم فيها ويصعب التحكم فيها.

وقد سبق لحركة مناهضة العولمة أن تنبأت بهذا المصير الذي سيُواجِه القوى العولميَّة الشَّبحيَّة التي تعتقد أنها ستتحكم في الكوكب بفضل سُلطة المال واستخدام السيَّاسي، رغم أن خطاب تلك الحركة تم التبخيس منه والحد منه عبر حصره في مجال النُّخبة، كما أن ضرب قدرة المنظمات النقابيَّة والسيَّاسيَّة على تأطير المواطنين سيفتح الباب للحشود  – بتعبير غوستاف لوبون – للسُّخط العارم ولفوضى يصعب التحكم فيها، ولنا في بؤر التوتر في العديد من المناطق أمثلة على ذلك، ناهيك عن تنامي الإرهاب المميت والذي يحفر يوماً عن يوم مقابر جماعيَّة لجحيم أرضي ممتد.

 

4 –  تعلمنا النقد والسؤال من الدرس الفلسفي، أما زالت توهجهما حاضرا عند مدرسي الفلسفة اليوم؟

تعيش الجامعة المغربيَّة أزمة هويّة في مختلف الحقول المعرفيّة والعلميّة…  وترتبط هذه الأزمة بنيوياً بأزمة المجتمع ككل. وهي أزمة عامة تنعكس على درس الفلسفة. إلا أن تدريس الفلسفة على العموم في الجامعة لم يعد قادراً على أداءِ وظيفتِه النقديّة، كما لم يعد قادراً على تخطِّي مُعضِلاتِه نتيجة التّغيرات والتّحولات التي وقعت في المغرب. وقد صار هذا الدّرس مجرد رؤوس أقلام تُحفظ للامتحان، وليس محاضرات تساءل القيّم والثقافة والسُّلوكات والأحداث الرّاهنة التي تؤرق المجتمع.

لا نجد اليوم أي مُبرِّرٍ كي لا يهتم هذا الدّرس بسؤال الحداثة، ولكن ليس بمنظور إعادة قراءة كانط Kant أو هيجلHegel  أو نيتشه Nietzsche  أو فرويد Freud، ولا بتلقين دروس في التّحلِيل النّفسي أو في التعريف بالمشاريع النقديَّة الفلسفيَّة لأن ما يُميِّز مجتمع المعرفة اليوم هو وفرة المعلومة ويُسر الوصول إليها، إننا بحاجة إلى تعليم طرق الوصول إلى ما يفيد البحث، وإلزام الطالب بتقديم بحوثِه بشكل أصيل غير منقول، والدفاع عن الأطروحة التي توصل إليها أو تقديم خطة عمل لمّا سيواصل فيه البحث، ودفعه أيضاً إلى التساؤل حول مُمكِنات قيام الحداثة بالمجتمع المغربي، والبحث في الاشكالات التي تعترِض مجتمعنا نحو التّقدم والحريّة والتّحرر.

أما عن الدرس في الثانوي فإن ربط درس الفلسفة بالامتحان الوطني يمثل أحد العوائق التي تقف أمامه، حيث صار رهين وحبيس النّقطة، فلم تعُد الحاجة مرتبطة بتلقين قيّم معيّنة ولا بالتساؤل عن مشكلات معينة وإنما بالعمل من أجل الظفر برتبةٍ مشرِّفة. إلا أن هذا المشكل ليس وحده العائِق، فما الذي يمنع نجاح الدرس الفلسفي في السنة الأولى والثانيَّة من التعليم الثانوي التأهيلي؟ ما الذي يمنع من أن يقوم المُدرِّس بدوره كمربي على التفكير النّقدي، وكمتسائِل أول عن القيم السائدة؟ وما الذي يمنع مدرس الفلسفة من أن يكون الفاعِل الأول في الحياة المدرسيّة حيث التلاميذ بحاجة إلى تعلُّم أدوات التعبير عن الذات وعن الرأي، بحاجة إلى التساؤل عن هويته وادراكِها كما هي ليرفضها أو يقبلها؟ ما الذي يمنع هذا المدرس من أن يكون نموذجاً يقتدى به في حيّه ومجتمعِه الصغير؟

من البديهي جداً أن الترابُط بين المستوى الثانوي والجامعي قائم في علاقة جدليَّة لا ينكرها أحد. فأستاذ التعليم الجامعي يشتكي من ضعف مستوى الطلبة الذين يلتحقون بالجامعة، دون أن يسأل نفسه عن مصير أولئك الطلبة بعد أن يقضوا ثلاث سنوات أو خمس أو ثماني سنوات في الجامعة. كما يشتكي أساتذة الثانوي من ضعف مستوى الدّرس الفلسفي بالجامعة. أصبح التعليم في المغرب يعيش واقعاً محرجاً والكل يعرف عُمق الأزمة البنيويّة التي تطال البلد ككل وليس التعليم وحده. ولكن لا أحد يجرؤ على إعلان القطيعة الممكنة مع هذا الواقع.

ولهذا صار من اللاّزم إعادة النِقاش حول واقِع الفلسفة بالمغرب اليوم، والبحث بجديّة عن المخارِج الممكِنة للأزمة التي نتخبط فيها بحدة. كما صار من اللاَّزم إعادة التّأكيد على دور هذا الدّرس في الدفع بعجلة التقدم إلى الأمام. وهو ما ليس ممكنا إلا بإعادة النظر في الموضوعات المدرسة وفي الطرق التقليديَّة للتدريس، وفي الطابع التجاري (التسليع) الذي ينخُر جِسم الفلسفة. ولا سبيل غير الجُرأة والشجاعة في طرح موضوعات: الدعاية، الجسد، الموت، الدين، الفن، الاختلاف، التعدد والتنوع، الخاص والعام، التواصل، النوع، الحق، العدالة، الدولة، الديمقراطية، الحرية، السعادة، العنف، الاقصاء، الغيرية، الاستبداد بالرأي

رغم حث منهاج مادة الفلسفة على أن النصوص هي مجرد معينات للاستئناس والاستثمار في مقاربة الإشكالات الفلسفيَّة، إلا أن هناك توجه يُقدِّسُ النُّصوص، وصار معه الدرس الفلسفي درساً للنصوص، بحيث يتبع المدرس – فيما يشبه تقليداً سلفيّاً – النصوص الواردة في المقررات المدرسيَّة بحذافيرها دون أن يكلِّف نفسه عناء إعادة النظر فيها أو عناء اختيار نصوص أخرى بديلة، وقد يفسر هذا الأمر بعدة عوامل:

  • ضعف مردوديَّة المؤطرين التربويِّين الذين من المفروض فيهم أن يولوا العناية لمشكلات الدرس واقتراح معينات جديدة أو نصوص جديدة وترجمات في المستوى المطلوب
  • ضعف اهتمام ومردوديَّة المبرزين الذين يمكنهم أيضاً بحكم تكوينهم الأكاديمي والمهني المساهمة في الرقي بالدرس الفلسفي
  • التحولات التي وقعت في الجامعة المغربيَّة من حيث التكوين وانعكاسه سلباً على الخريجين الجدد، لأن ضعف التكوين الجامعي ينتج مدرسين غير أكفاء ولا يملكون المستوى النظري الذي يؤهلهم لممارسة عملية التدريس.
  • الاستهتار بقيمة التعلم بحيث يعتبر العديد من المدرسين أن التعلم عمليَّة روتينيَّة ومُملَّة وهو ما يحول دون الاجتهاد في طرق ووسائل التدريس
  • هناك عوامل أخرى موضوعيَّة مرتبطة بتحولات المدرسة والمجتمع عموماً: الاكتظاظ، الحط من مكانة المدرس في المنظومة الاجتماعية، سلسلة الاحتقارات التي يتعرضها رجال التعليم في الصحافة وما تكرسه من صورة سلبيَّة عند الرأي العام…

لا أعتقد شخصيّاً أن التدريس بالنصوص يُقيِّد الدرس الفلسفي أو يُقبره، لأنها وسيلة فعَّالة لاحتكاك المتعلم باللُّغة والأفكار والحجج ولفهم منطق التفكير الفلسفي، غير أن الطريقة المتبعة في ثانوياتنا لا تحفِّزُ على تعلم التفكير النقدي أو التساؤل النقدي لأن الاشتغال على الأطروحة والاشكال والحجج (والذي تحول إلى أساليب لغويَّة جافة) يتساوى فيه المتعلم والمدرس معاً، وأحياناً نجد متعلمين متقدمين على المدرسين في قراءتهم وفهمهم لبعض النُّصوص وهذا يُنذِر بوضع كارثي، لذا يتوجب في نظري مراجعة طرق الأداء التربوي في درس الفلسفة بعد تقييم حقيقي وجماعي تتدخل فيه مختلف الهيئات المعنيَّة ، وفي الآن ذاته، فإننا بحاجة إلى مناهضة “النزعة التقنويَّة” التي حولت الدرس الفلسفي إلى مجرد تقنيات يمكن لأي مدرس آخر أن يقوم بها.

ليست النزعة التقنوية – بالمعنى الذي أورده هنا – مقتصرة على الفلسفة لوحدها بل اجتاحت كل المواد وكل المستويات التعليميَّة بفضل تعميم بيداغوجيا الكفايات التي جنت على المحتوى النَّقدي لبرامج التعليم وعلى كفايات المتعلمين الحقيقيَّة. بل إنها تتعدى المدرسة إلى المجتمع، بحيث صار التقنوي نموذجاً ناجحاً في المجتمع ويقدَّم كفاعلٍ سيَّاسي واجتماعي واقتصادي ناجع.

ولهذا لا أعتقد أن درس الفلسفة وفق الوضع الراهن يسمح بإعمال العقل والتفكير والتساؤل النقديَّين. فالقليل من المدرسين من يفسح المجال للمتعلمين لتأمل المواقف الفلسفيَّة والاعتراض عليها ومقارعة الحُجة بالحجة، ويتم أحياناً التبخيس من قيمة المناقشة بين الأقران لأن المدرس يحتكر الكلام طوال الحصة وكأنه متعطش للكلام من أجل الكلام، كما يتم التبجح أحيانا أخرى بضيق الوقت بسبب عدد الحصص وبسبب طول المقرر، غير أنه في نظري يمكن إعادة النظر في طريقة تدريسنا والتخلي عن بعض العادات السلبيَّة في التدريس مع الاجتهاد قليلاً في اختيار النُّصوص الملائِمة والاستعانة بالأقوال الفلسفيَّة والأشرطة الفلسفيَّة أو الأفلام ذات البُعد الفلسفي، أي أن مطلب التنويع صار ملحاً أكثر لنجاعة التفكير الفلسفي ولحفز المتعلمين على تملك القدرات النقديَّة. لهذا تبقى وظيفة المُدرس في حدود عمليَّة إعادة الإنتاج على مستوى:

التكرار: من جهة أن الترداد المُمل للأطروحات الفلسفيّة ومناهج الفلاسفة ومذاهبهم ومدارسهم وسيرهم وأهم أعمالهم ومساهماتهم ومقولاتهم الأبرز، شرحاً وتحليلاً وتأويلاً في الدروس المدرسيّة والجامعيّة أو في الكتب والمقالات والندوات، لا يخدم إلا وظيفة واحدة هي الحفاظ على الإرث الفلسفي في عراقته وأصالته.

الأستاذيَّة: يتذكر كل واحد منَّا المرحلة الانتقاليَّة التي مرّ منها: من الجامعة أو البطالة أو التعليم الابتدائي، أو مهنة أخرى إلى الفصل مروراً بمركز التكوين. وهي مرحلة تستهدف بالأساس تشكل الوعي بمهمة ومهنة الأستاذيَّة: تتعلم كيف يمكنك أن تكون أستاذاً على مختلف المستويات: النفسيَّة والاجتماعيَّة والنِّظاميَّة. ففي مراكز التكوين تتم عملية تدجين واسعة لحصول الوعي بمرتبة الأستاذيَّة.

البحث الجامعي والحر: ونقصد الرسائل والأطروحات والبحوث الجامعيَّة، والانتاج الحر غير المقيَّد بالمؤسسة والذي لا صلة مباشرة له بمناهج التدريس.

الأنشطة الفلسفيَّة: أي مختلف الندوات والمحاضرات والأيام الدراسيَّة والمقاهي الفلسفيَّة والتكريمات والاحتفالات والتتويجات، ومعارض الكتب، وحفلات توقيع الكتب… أي مختلف الأنشطة مؤسساتيَّة كانت أو جمعويَّة.

هل يستطيع مدرسو الفلسفة بمختلف أنواعهم أن يشدُّوا عن هذه القاعدة أي إعادة الإنتاج نحو الإبداع والإنتاج الفلسفي غير النَّمطِي وغير المقيَّد بالشروط الأكاديميَّة؟ تلكم معضلة كبيرة لازمت تدريس الفلسفة في بلدنا منذ ما يزيد عن نصف قرن، والتفكير في أدوات هذا الإبداع وأشكاله والطرق إليه نادِرةٌ جداً، وهي مُعضلة لم تحظى بالعِناية الكافيَّة، ولهذا يشترط الإبداع الفلسفي وفق هذه المقاربة: الجدل، أي خوض الصراع الفكري حول المسائِل الأكثر حيويَّة والتي تهم الشأن العام، وهو مجال الفلسفة السيَّاسيَّة بامتياز، لذلك فإن فلسفةً لا تدخل مُعترك السيَّاسة ولا تُدلِي بدلوها في قضاياها الأكثر ملحاحيَّة، فهي بعيدة كل البعد عن صفة الإبداعيَّة، غير أن الأماكن الهادِئة التي تحدث عنها عبد الله العروي لم تعد كما كانت: صارت أماكن مدرسي الفلسفة اليوم أكثر صخباً، حيث يتواجدون أكثر في سوق السيارات والعقارات والمدارس الخصوصيَّة، والدروس اللَّيليَّة. والقليل منهم يلجأ إلى الأماكن الهادئة في سياق مغربي تاريخي خاص.

 

5 – تحملتم المسؤولة في التحضير للمؤتمر الاستثنائي للجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة بالمغرب، ماذا أضافت لكم هذه التجربة؟ وما الذي ترجون منها؟

صحيح، لقد كنت عضواً في اللجنة التحضيريَّة للمؤتمر الاستثنائي للجمعيَّة المغربيَّة لمدرسي الفلسفي الذي انعقد في الجديدة (7 و8 ماي 2016) وساهمت قدر المستطاع في إعادة احياء العديد من فروعها والمشاركة المكثفة في العديد من أنشطتها، إلا أنني انسحبت منها قبيل انعقاد المؤتمر لأسباب أحتفظ بها لنفسي. ويبدو لي أنها كانت تجربة غنيَّة من حيث أنها مكنتني من اللقاء بالعديد من المدرسين الذين لم تكن لي صلة بهم من قبل أو بأصدقائي القدامى ومن زيارة العديد من المدن، لأحاول رسم صورة عامة حول الاختلافات القائمة بين الأجيال من جهة وطبيعة اهتماماتِهم فأنت تعرف أن تجربة خريجي الفلسفة في الجامعات المغربيَّة تختلف بحسب اهتمامه: الفلسفة، علم النفس، علم الاجتماع، الانثربولوجيا، وبحسب الكليَّات والمدرسين في معظم الحالات.

بعد مؤتمرها الاستثنائي كثَّفت الجمعيَّة من حجم أنشطتها على مستوى مختلف الفروع وكانت لها الريَّادة في الدفاع عن الفلسفة في وجه المخططات التي حِيكت ضدها في السنوات الأخيرة من قبيل الهجوم الذي تعرضت له في مقررات التربيَّة الإسلاميَّة أو حذفها من المسالك المهنيَّة، كما كان لها الفضل في تجميع جسم هيئة تدريس الفلسفة وقد كان هذا الهدف هو الأساس فمغادرة العديد من الأجيال للفصول الدراسيَّة قد يكون له انعكاس على مواصلة تقاليد وأعراف الدرس الفلسفي. لهذا فهي بمثابة جسر تواصل وتلاقح بين الأجيال لأن حجم التوظيفات في صفوف المدرسين تضاعف مرات عدة منذ ما يقارب 15 سنة وكان لا بد من إيجاد صيغة لمواصلة التلاقح. كما أن العديد من المفتشين الذين لعبوا أدواراً هامة في الحفاظ على مكتسبات الدرس الفلسفي غادروا الوظيفة بسبب التقاعد أو المغادرة الطوعيَّة.

كان رهاني الأول هو العمل على تثمين هذا المولود الجديد لما له من أهمية قصوى في مواصلة الطريق نحو تجميع جسم هيئة تدريس الفلسفة رغم أن الجمعيَّة لم تستطع إلى اليوم أن تجد لها مكاناً في صفوف مدرسي الفلسفة المكونين بالمراكز الجهويَّة لمهن التربيَّة والتكوين أو المدارس العليا أو مختلف المؤسسات العليا الجامعيَّة وغير الجامعيَّة بمختلف أصنافهم (أساتذة التعليم الثانوي، دكاترة، مبرزون، أساتذة جامعيون)، وقد آن الأوان للعمل على ذلك بحيث إن الربط بين مختلف مدرسي الفلسفة في مختلف المراحل العمريَّة للمتعلم أو الطالب مهم للغاية لمد الجسور بين برامج التدريس.

في حقيقة الأمر يصعب الحكم على وضع تدريس الفلسفة بالمغرب بسبب غياب تشخيص دراسي مبني على معطيات دقيقة، ولكن على العموم وبحكم ارتباطي بالفصول الدراسيَّة كمؤطر تربوي وزياراتي المتكررة لمؤسسات من أقاليم مختلفة وتبادلي الحديث دوماً مع زملائي في جهات أخرى، أظن أن هناك خلل فيما يجري داخل الفصول: من جهة أن الدرس الفلسفي لم يعد درساً بالمعنى العميق للكلمة، بل صار مجموعة عمليات تقنية مغلفة بكلام حول الديداكتيك وبيداغوجيا الكفايات، ويمكن لأي مدرس أن يقوم بذلك وأقصد بالأساس الاشتغال على النص الفلسفي: إشكال، أطروحة، حجاج… كما تم تغييب السياق التاريخي ومجموع الشروط المحيطة بالنص وبصاحبه، إلى درجة أن هناك تكافؤ بين المدرسين والمتعلمين على مستوى المعلومة، بل نجد أحيانا متعلمين يتجاوزون المدرسين في المعلومة: فهل يمكن اختزال الدرس الفلسفي في المستوى المبتذل من التدريسية بالنصوص؟ وهل المطلوب هو تدريس النصوص بهذه الصيغة الفجة؟

هناك فعلا مشكلات معرفيَّة ومنهجيَّة مرتبطة بالتكوين وطبيعته الحالية، ومستوى الشهادات الجامعية من جهة، ومشكلات مرتبطة بالثقافة السائدة في المجتمع بحيث صارت النفعية الفجة وخدمة المصالح الشخصية والفردانية والسعي وراء الربح السريع متفشية في الأوساط المجتمعية بشكل مهول، وتتحمل السياسة الرسمية عموما قسطا من المسؤولية في تعزيز هذه الثقافة كما تتحمل المنظمات السياسية والنقابية قسطا من المسؤولية أيضا، لذا أقول: هل هناك من يؤمن اليوم داخل الجسم التعليمي بالواجب المهني بما هو واجب مهني؟ أكيد أن هناك نفر قليل من رجال التعليم الذين يقومون بواجبهم كما يلزم بل وأكثر من اللازم ولكن مع كامل الأسف هذا النوع يتجه نحو الانقراض والانمحاء، إلى درجة أنه صار نشازا داخل مؤسساتنا التعليمية، بفضل انتشار ثقافة “عدي وسلك” أو “ضرب الحديد ما حدو سخون”.

كل متتبع لما يجري في الساحة الثقافية المغربية سيلاحظ بدون شك رجوع الفلسفة إلى دورها الثقافي والفكري في العديد من المدن المغربية، بحيث تظافرت جهود الجمعيات والهيئات ومراكز البحث والمخابر والجامعات في تنظيم أيام دراسية وندوات وحلقات نقاش عدة طرحت قضايا هامة للغاية. غير أن هذه الدينامية تفرض علينا تأملها بعين النقد والفحص الدقيق لاستشراف آفاقها الواعدة، ولهذا سأصدر قريبا تقريرا بحثيا حول هذه الدينامية في جزأين أحصيت فيه عدد المبادرات والمساهمين فيها والمدن التي شهدتها والموضوعات التي عالجتها وحتى المشاركين فيها والجهة المنظمة للأنشطة لكي نكون أمام تقييم موضوعي أو على الأقل مبني على دراسة جدية، وسأرفقه بمجموعة مقترحات للنقاش.

أما عن العوامل فأكيد جداً أن وضعيَّة مجتمعنا اليوم وتغطرس “الجماعات الإسلامويَّة” دفع بالعديد من الفاعلين في حقل الفلسفة إلى إعلاء قيم التنوير والعقل والحداثة في سبيل مجتمع ديمقراطي حقيقي يتسع للجميع، أضف إلى ذلك أن صراع السلطات ومؤسساتها مع هذه الجماعات قد سمحت نسبيّاً بأنشطة متنوعة ساهمت في خلق ديناميَّة فلسفيَّة، ولكن هذا ليس كافياً لوحده كتفسير ممكن، لأن هناك تحولات عميقة في المجتمع المغربي تفرض نفسها للبحث عن الايديولوجيَّات والبدائل السيَّاسيَّة الممكنة لحصول التغيير الحقيقي الذي يتم إقباره دوماً باسم المحافظة والتقليدانيَّة، فمن البديهي أن ما يتم تحاشيه لعقود من الزمن سيفرض نفسه بشكل بطيء أو سريع.

 

6 – هزيمة العرب 67 وثورة الطلاب 68 أشعلت فتيل النقد والاحتجاج في العالم العربي واللذان ووجها بقمع وتنكيل مثلما أبانا على قدرة في طرح أسئلة حارقة حول الدين والتراث والسياسة… فما الذي قدمته لكم؟

كان لهزيمة 67 وثورة 68 في فرنسا كما هو حال مجموع ثورات التحرر في تلك الحقبة وقبلهما انتفاضة 23 مارس 1965 في المغرب وقع كبير في الأجيال التي عاصرتها، إن لم أقل إنها مرحلة فاصلة وفارقة في الوعي المتنامي لدى البرجوازيَّة الصغيرة آنذاك. فما وقع في فرنسا فجَّر نقاشاً حاداً حول الحرية الجنسيَّة، في حين عبرت ثورات التحرر الوطنيَّة عن موجة ما بعد الستالينيَّة وأفرزت يساراً ماركسيّاً لينينيّاً جديداً وتيارات ماركسيَّة – ثوريَّة: غيفاريَّة وماويَّة وتروتسكيَّة، بالموازاة مع مجهودات مدرسة فرانكفورت على مستوى التنظير الفلسفي والسوسيولوجي.

لقد كان للمثقف العضوي وللفيلسوف دور بارز في تلك الوقائع ونحن نتذكر سارتر وغرامشي وغيره من فلاسفة وقادة اليسار الجديد، وفي سياقنا المغربي فتحت تلك الموجة الباب أمام صعود اليسار الجديد الذي لعب أدواراً كبيرة في مرحلة السبعينيَّات. ناهيك عن تبني مفاهيم بنيويَّة وماركسيَّة في التحليل الذي دشنه العروي والجابري والخطيبي حول التراث والحداثة والدِّين وحول الانخراط في الصراع الاجتماعي رغم الاختلاف القائم بينهم على مستوى الموضوع والمنهج والرهان كما أشرنا سلفاً. إلا أنه وبعد كل هذه الفترة يمكن الوقوف بعناية لقراءة مرحلة تاريخيَّة بأكملها لاستجلاء أفق جديد لوضعنا وتقييم مسيرة التحرر والمعركة الديمقراطية التي لم تنتهي بعد.

 

7 – يجمع المشتغلون بالحداثة، من قبيل محمد نور الدين أفاية، أنها لم تكتمل وبالتالي وجب النقد والمراجعة المستمرين، وهي الطريقة التي حررت الغرب من أوهامه وقداسته، سؤال لماذا العرب يتحفظون على النقد والمراجعة؟

تناسل النقاش في العالم الغربي بعد أحداث 11 شتنبر 2001 حول ضرورة إعادة النظر في أسس الليبراليّة السيّاسيّة لإعادة تنظيم العلاقة بين الفعل الديني والفعل السياسي، ونتج عن ذلك إعادة التأكيد على حياديّة الدولة تجاه رؤى العالم، مع الإقرار بضرورة اقتحام الفاعل الديني للمجال السيّاسي العمومي بقواعد جديدة وصارمة اعتقاداً أنّ من شأن ذلك امتصاص حدة التّطرف وتنامي الخطاب الأصولي، غير أنّ هذه المراجعة لم تحظَى بالقبول الكافي في نظر بعض الفلاسفة المعاصرين، وعلى الأخص يورغن هابرماس (فيلسوف الاتحاد الأوروبي) الذي شدّد على ضرورة تجاوز المجتمع العلماني نحو مجتمع ما بعد علماني عنوانه العريض التسامح مقلوباً: تسامح العَلمانيّين مع المؤمنين والاعتراف بحقهم في التداول والمناقشة العموميّة شريطة تبادل حجج مقبولة وتستجيب لخطاب ما بعد الفكر الميتافيزيقي، أي ضرورة ترجمة الخطاب الدّيني إلى خطاب دنيوي واقعي يرقى إلى مستوى الحجّة المقبولة في التداول السيّاسي.

من المؤكد جداً أنّ سيرورة العلمنة الجارية في بعض التجارب الدوليّة اتخذت اتجاهات مختلفة، ولكنّها على العموم مشروطة بحداثة غير مشوّهة وبتحديث صارم لمختلف مجالات العيش المشترك. لأن الحداثة الغربية في نظر هابرماس مشروع لم يكتمل بعد. وإذا كانت العلمانية تعتبر أن الدين شأنٌ فرديٌّ مَحض، فذلك لِكون مجال الحريّة ليس واحداً ولا متماثلاً البتّة. فالحرية الجماعيّة في الفضاء العمومي شرطٌ من شروط العلاقات بين الأفراد في المجتمع كشأنٍ عام، في حين أن الحرية الفرديّة في المجال الخاص هي شرطٌ من شروط العلاقة بين الفرد ونفسه كشأنٍ خاص. وهذا التضارب المفترض بين المجال العام والمجال الخاص، هو أحد الأُسس التي تقُوم عليها العلمانية لضمان التعايش بين الأفراد المختلفين دينياً وعقدياُ واجتماعياُ، ولكنه في الآن ذاته أساسُ التوازن النفسي والوجداني للفرد الذي يُعتبر قِوام الديمقراطيّة وعماد المجتمع، يتم تمتيعه بالاستقلالية والحرية كأساسٍ من أُسُسِ العقل، لضمان استمراريّة الاجتماع البشري…

إذا كان هابرماس ينظر إلى الحداثة الغربية على أنها مشروع لم يكتمل بعد، فإن مشروع الحداثة كمشروع تحمله قوى سياسية ومجتمعية وتدافع عنه في مجتمعاتنا لم يولد بعد. ولكن رغم ذلك فهناك سيرورة تحديث سياسي واجتماعي – على حساب ملايين الجماهير – تقوده المؤسسات الدولية التي تطمح إلى اظهار الأنظمة السياسية في هذه المجتمعات بمظهر الأنظمة التي تزاوج بين الأصالة والمعاصرة، بين التقليد والتحديث، ولكن هل هي حقا قوى حداثية؟ مما لا شك فيه أن الارتكاز على الدين كقوة للحكم وكركيزة للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والسياسي، يمثل بحق العائق الأكبر أمام التحديث، والعائق الأكبر أمام الاندماج في المجتمع العالمي، ومسايرة التطور التاريخي للبشرية.

وفي نفس السياق يرى محمد نور الدين أفاية – باعتباره المشتغل الأول بفكر هابرماس والقضايا التي أثارها – أن ديموقراطيتنا منقوصة لن تكتمل إلا بمزيد من التمرن على السلوك المواطن بحيث لا تسير الفلسفة مع الديمقراطية دوماً في اتجاه واحد، لأن حضور الفلسفة في بلد ما من البلدان – كما يشدد على ذلك – لا يقترن بالضرورة بالديمقراطية بل يرتبط الأمر بالإرادة السياسية وبمرونة القرار السياسي، وأن التاريخ الثقافي والفكري لبلد ما قد لا يساير تاريخه السياسي فهناك: “بلدن ديمقراطية لا تعير الفلسفة أي اهتمام، ولا تدمجها في نظامها التربوي، أو تستدعيها في حياتها الثقافية، كما هو الشأن بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية”، وبهذه الإشارة فإن رهان مؤسسة اليونسكو أن تحقق الفلسفة وتعزز الديمقراطية في بلدان مستبدة أو أوثوقراطية هو رهان يقبل النقض، وعلى العكس من ذلك نجد الفلسفة حاضرة بقوة في بلدان غير ديمقراطية، مما يطرح السؤال حول أطروحة اليونسكو. يحدد أفاية التقاء الفلسفة والديمقراطية في أربعة مستويات:

1 – الشك: بحيث إن البحث عن الحق والمناقشة حول العدالة يتطلب: خلخلة اليقينيات، ومساءلة الثابت، والانتقال من الأجوبة إلى الأسئلة؛

2 – الكلام: أي ضرورة المناقشة والنقد ومواجهة حجج الآخرين سواء في مجال الفكر الفلسفي أو في معترك السيَّاسة؛

3 – المساواة: لأن المساهمة في الحوار والمناقشة لا يتطلب أي ترخيص أو أيَّة سلطة أو صفة، بل القدرة على الكلام والإقناع والحجاج؛

4 – التأسيس الذاتي: بحيث إن “الفلسفة والديمقراطية تستمدان قوتهما من ذاتيهما، ولا تخضعان لأية قوة عير منبعثة منهما”.

تمثل هذه المستويات بحق مجالات اشتغال الفلسفة السيَّاسيَّة والعلوم السيَّاسيَّة معاً، مع افتراض التمايز المُمكِن بين الخطاب الفلسفي وبين الخطاب السيَّاسي، ففي الوقت الذي يتجه هذا الأخير نحو غايات نفعيَّة ولحظيَّة تهدف إلى تدبير الشأن العام، فإن الخطاب الفلسفي يهدف إلى مساءلة الخطاب السيَّاسي برمته وإلى إثارة المشكلات لا كما يراها السيَّاسي ذو النَّظرة الضيِّقة – ولربما لأنها تتعارض ومصلحته الخاصة – وإنما كما يراه منطق العقل في تاريخيَّتِه وفي بعده الكوسموبوليتي. وبموجب هذا يقر أفاية “إن الفلسفة في الأول والأخير، اختيَّار فكري وتربوي وسيَّاسي، نجد من يعتبره وسيلة لتعزيز العمليَّة الديمقراطيَّة، وتحفيز التفكير الحر، ونلقى، في المقابل، من يرى أن هناك أولويَّات اقتصاديَّة واجتماعيَّة يتعين توفيرها، أولاً، قبل الانشغال بقضايا الفلسفة وبأمور تدريسها”، ورغم ذلك فالقرار السيَّاسي يستحضر البعد الديمقراطي للفلسفة لأن مهمة الفلسفة هي “تكوين المواطن، وتطوير حِسِّه التحليلي، وتقديره لتنوع الحجج واختلافها، ووعيه بنسبيَّة الأمور”، هكذا يشدِّدُ أن “المساهمة في تنميَّة القدرة على الحُكم تمثِّل معطى أساسيّاً في الحياة الديمقراطيَّة” وهي التنميَّة التي يمكن أن تقوم بها الفلسفة. ف “الحاجة إلى الفلسفة، هنا والآن، معناها الحاجة إلى التنوير، وإلى التحرر من عوامل التخلف، وإلى قول الحقيقة وعدم الخوف من الحرية. ومعناها كذلك التخلص من ميتافيزيقيَّة النص والانصات لتحولات الخطاب والواقع”. محمد نور الدين أفاية: في النقد الفلسفي المعاصر (ص 123).

وفي هذه الوظيفة التي يحدِّدها أفاية للفلسفة يمكن خلخلة البنية المُحافِظة للمجتمع الذكوري وثقافته السيَّاسيَّة المُتسلِّطة، ومنها سيتخذ النقد والمراجعة كقاعدة لكل مساءلة تاريخيَّة.

 

8 – ميز دولوز بين مدرس ومؤرخ الفلسفة والفيلسوف من خلال هذا التمييز هل يمكن الحديث عن الفيلسوف في راهننا العربي؟

يبدو أنه آن الآوان للتميِّيز بين الأستاذ العمومي والمفكر الحر كما سبق لجيل دولوز أن فعل في معرض مناقشته للفرق بين جون بول سارتر وموريس ميرلوبونتي بغرض حصول انتقال واعٍ من الدور الوظيفي إلى الدور الطبيعي. نعم أقول الدور الطبيعي لأن المنخرط في حركيَّة وديناميَّة الفكر الفلسفي تنتظره مهام جمَّة لدعم التفكير الحر وحفز النَّاس على التساؤل والنقد والهدم وبناء الخطاب الحجاجي.

يقوم الأستاذ العمومي بمهام وظيفيَّة منهكة لا تتجاوز سقف إعادة إنتاج المتداول في تاريخ الفلسفة كعمليَّة لا تكتمل أغلب الظن بل تشوبها اختلالات فظيعة، وتضمن له تلك الوظيفة أجرة (كجراية لا غير) لتجديد قوة عمله الذهني (في عصر بلترة العمل الذهني)، في حين يتجه المفكر الحر نحو الانفلات من تقلبات اليومي وانشغالات الوظيفي ليكتسح قارات حسَّاسة، مُنتقاة، من المعيش ومن معاناة البشر في عالم توتاليتاري مسكون بأصنام غير واعيَّة: الاستهلاك، الاستغلال، اللهو، الوهم، التسليع… لأن الاستكانة لأصنام العصر يوصد الأبواب أمام التفكير الحر، ويجعل الأستاذ العمومي في ترداد واجترار لعبارات وأقوال عادة ما تصطدم بآراء المتعلمين.

من الصعوبة – كما تعلم – نعت هذا المفكر أو غيره بفيلسوف، لكن وانسجاماً مع التحليل السَّابق أظن أن الخروج من الوضعيَّة الحالية ومن البحث بالصيغ الكلاسيكيَّة المسماة عنوة أكاديميَّة، ولأجل بحث مرتبط بالملموس والمعيش واليومي أرى أنه يمكن أعادة تعيِّين حدود جديدة للفلسفة:

  • ليست الفلسفة مجرد مفاهيم ولا مُجرد لغة تسبح في سماء المعقولات بل هي فكرٌ حي ينمو ويتطور بيننا، إنها إحساس وشعور ووجدان.
  • ليست الفلسفة مجرد ميدان معرفي وفكري قائم الذات له أهله، بل هي أيضاً توجد في الفنون والأدب والعلم ورؤى العالم وفي الدِّين، توجد بين الناس في يومهم المُقيت والمُثقل بفيض من التمردات والمقاومات الجيَّاشة…
  • ليست الفلسفة مجرد مهنة لتجديد قوة العمل الذهني، بل هي ممارسة يوميَّة تكرس النَّقد وتسعى إلى بناء نظام حجاجي عقلاني.
  • ليست الفلسفة مجرد تراث محفوظ في الكتب، بل هي أيضا تراث شفوي يدعم المكتوب والمتداول.
  • ليست الفلسفة رهينة الأقسام والمدرجات بل هي فكر تِرحالِي يجوب الشوارع والمقاهي والبلدات.

صفة الفيلسوف لا ينبغي أن تلتصق فقط بمن اشتغلوا بالفلسفة وإلا فقد الفلسفة معناها، فالتفلسف هو من صميم التجارب والانكسارات والمعاناة، كما أن التفرقة بين مختلف مجالات المعرفة الإنسانيَّة بالشكل الفج الذي قادت إليه النَّزعة التقنويَّة – التخصصيَّة أمرٌ مُضِر بالفلسفة ذاتها، فكيف يمكنك أن تدرس الفن ولا تفهم في الفن، أو قضايا ابستمولوجيَّة مجردة لا تتماشى مع بنيتنا وذهنيَّتنا غير العلميَّة. التفلسف ممارسة وتمرين وفعل جارٍ في الزمان والمكان.

 

9 – نحن اليوم في عالم متعدد الوسائط وعالم مهووس بالتدين والإرهاب والصورة وما إلى ذلك، هنا ضرورة الفلسفة لمقاومة ومواجهة هذا السيل الجارف من الضحالة والتنميط والتبسيط؟

أمام التعميم المطلق لثقافة الاستهلاك، وانسيّاق الإنسان المعاصر إلى الاستهلاك السلبي والمفرط دون تريث أو فحص أو حتى التساؤل عن الرسائل الخفيَّة الكامِنة وراء ما تُقدمه لنا الصناعات الثقافيَّة، صار البحث في فلسفة الصورة مطلباً مُلّحاً لامتلاك أدوات تفكيك ونقد خبايا الصورة. ورغم الفروق بين الصورة الفنيّة والصورة المعدَّة للتداول الإعلامي فإن مجال الصورة عموماً في عالم اليوم يتمتع باستقلاليّة نِسبيّة، له مناهجه الخاصة وأدوات اشتغاله.

تخاطِب الفلسفة العقل من خلال اللُّغة بينما تخاطب الصورة العقل من خلال العين، ممَّا يفيد أن لكل منهما وسيلتها الخاصة للتعبير عن الفكرة ولصوغ المفهوم. وقد كتب دولوز: “أن الفلسفة فن تشكيل وإبداع وصناعة المفاهيم”، ولذا نتساءل: أليست الصورة أيضاً فنّاً لإبداع المفهوم أو على الأقل تمثله، وسواء تعلق الأمر بالفن من رسم وسينما وتصوير، فإن محاكاة المفهوم هو السمة المميّزة لعمل الرَّسام والمصور ومخرج الأفلام.

وما يمكنُ إثباته – كما شدَّد على ذلك عبد العالي معزوز – هو أن الطفرة الرقميَّة خفَّضتْ من مقدار الرقابة الاجتماعيَّة وهوَّنتْ من رقابة الدولة ومن وطأة قنواتها الرسميَّة ورسائِلها الدِعائيَّة التي تمررها عبر محطاتها الإذاعيَّة و جرائِدها. إن البثّ المركزي صار جزءاً من الماضي وصار ربط الاتصال أكثر بالشبكات العنكبوتيَّة العالميَّة وبالأقمار الصناعيَّة. وأنت تجوبُ مواقع الشبكات الاجتماعيَّة لَسْتَ بحاجة إلى جواز سفر وإنما فقط إلى كلمة سرّ ولا يمكن نكران دورها المحور اليوم في المقاومة وفي اطاحة بأنظمة سيَّاسيَّة عمرت طويلاً، دون أن يعني ذلك أنها بالضرورة مقاومة إيجابيَّة فقد تكون عكسيَّة، لأنه بالقدر الذي يمكنها أن تلعب أدواراً تقدميَّة يمكنها أن تلعب في الآن ذاته أدواراً ارتكاسيَّة ورجعيَّة. فالتجيِّيش الالكتروني للكتائِب ولأطقم التطرف حاصل، واستغلال الشبكات الاجتماعيَّة لخدمة الأمميَّة الاخوانيَّة حاصل، كما أن الترويج لهذه الصورة أو تلك يمكن أن يحدث في أيَّة لحظة، وأبعد من ذلك يمكن استغلالها للترويج لحملة انتخابيَّة كما حصل مؤخرا في حملة ترامب.

لذا فإن التلقي السلبي للصورة وخاصة الصورة المُذاعة على أوسع نطاق والمتاحة بالمجان سيجعل المواطن عموماً أسير الخلفيَّات الأيديولوجيَّة لشركات الصورة، وأنت تعلم تأثير القنوات الدِّينيَّة على الناشِئة وخاصة تلك المُدعمة بأموال البترو-دولار والتي تنشر فكراً اقصائِيّاً وأحادياً يُشبه إلى حد بعيد أيديولوجيا الفاشيَّة في القرن الماضي.

من هنا تنبع من جديد الحاجة إلى الفلسفة لتفكيك البنيات المختلفة للصورة المروجة على نطاق واسع، فالتطرف تربيَّة وثقافة وايديولوجيا ينبت في كل تربة غير ديمقراطيَّة وتخشى منح الناس الحريَّة في التعبير والسلوك والاعتقاد والضمير والتعبد…

 

10 – يقدم لنا تاريخ الفلسفة مجموعة من التعاريف للفلسفة، أرسطو، ديكارت، هيجل، كونت، إلا أن الفلسفة اليوم أصبحت بلا موضوع حيث اتجه فلاسفة الاختلاف الى موضوعات هامشية مثل السجن، الجنون، الجنس، الجسد… كيف تنظرون إلى ذلك؟ وهل ما زالت للفلسفة جاذبية في زمن التحولات الكبرى في العالم؟ ثمة ترويج لفلسفة الشارع بعد 20 فبراير نظم الشباب حلقات في الفضاء العمومي لنقاش فلسفي حول موضوعات محددة كالحرية والدين، كيف تنظرون إلى هذا التحول؟

ستظل إشكاليَّة تعريف الفلسفة قائِمة، غير أن القول بأن الفلسفة لم يعُد لها موضوع يعتبر قولاً مُبالغاً فيه ويعود إلى نمط تفكير يربط الفلسفة بالنَّسق الفلسفي المُغلق، وبفهم معين لوظيفة الفلسفة وبطريقة مدرسيَّة مشائيَّة كلاسيكيَّة. وكما أشرت سلفاً فالفلسفة نابِعة من عمق الواقع المتحول ومن صلب كل اهتمامات النَّاس وما الموضوعات التي أشرت إليها إلا دليل على أقول. لقد سبق وأن كتبت عن الفيلسوفة الإيطاليَّة الشَّابة ميشيلا مارزانو والتي عالجت باستفاضة سؤال الجسد وركزت مؤخراً على الأجساد الحضريَّة تطويراً لما فكر فيه فوكو وغيره، بالقدر الذي حظيت به فلسفة فن العيش من عودة حقيقيَّة وفلسفة السَّعادة… وينطبق نفس الشيء على الفلسفة في الفضاء العام والتي شجعتها شخصيّاً وشاركت فيها وكتبت عنها وتكلمت عنها في أكثر من مناسبة، وفي هذا السيَّاق أستعد لاستقبال قافلة الفلسفة للأطفال القادمة من أوروبا والتي ستنظم ورشات للأطفال والآباء في الفضاءات العامة وفي المؤسسات ولما حتى داخل المنازل حسب الإمكانيَّات المتاحة، ولهذا لا ينبغي أن نتوجس من: المقهى الفلسفي والصالون الفلسفي وحلقة الفلسفة والفلسفة فالزنقة والفلسفة في المستشفى والفلسفة للأطفال والاستشارة الفلسفيّة والفلسفة في المقاولة… فلربما تكون مناسبة للتحولات الجاريَّة في عالم متغير بسرعة فائِقة، وعلى الفلسفة أن تواكبها.

كثيراً ما نادت هنة آرنت إلى تجديد الشّرط السيّاسي للإنسان الحدِيث أمام موجَة التصَّحُر التي عصفت بالمجتمعات الإنسانيّة في القرن العشرين، وإليها يعود الفضل في نحت مفهومين رئيسين: “الحياة النّشيطَة” كإجابة على “غياب التفكير” و”الحق في كافة الحقوق”، الذي استعارته جوديث بتلر لبناء أطروحتها حول “حقوق اللاَّجئِين” لتعزيز الحاجة إلى “كونيَّةٍ بديلة”.

يتعلق المفهوم الأول بضرورة إعادة الاعتبار للسيَّاسة، من منطلق أن الفلسفة كانت دوماً بصُحبةِ الفعل السيّاسي في ساحة الأغورا: فهل يمكن القول إن تشيّيد أفلاطون للأكاديميّة مَكَّن الطبقة السيَّاسيَّة التي أعدَمت سقراط من قبر الفلسفة في دهاليز المؤسسة التعليميَّة؟ ويتعلق المفهوم الثاني بكون تطور تدريس الفلسفة – أو ما يصطلح عليه بالفلسفة المدرسيَّة – قد خضع لاعتباراتٍ سيّاسيّة محضة بحيث لم تعد مادة لتنميّة القدرات النقديّة ومهارات التفكير والتّعبير الحُر، وإنما مادة كغيرها من المواد تؤدي وظيفتها الايديولوجيَّة والسيَّاسيَّة لضبط الناشِئة والتَّلاعب بطاقاتِها الابداعيَّة. إلا أن علاقة الفلسفة بالمؤسسة التعليميَّة لم تكن دوماً علاقة تطويع ومن الصعوبة القول إنها استطاعت أن تدمج الفلسفة في نسقِها النِّظامي العام: بحيث استطاعت طِوال تاريخ تدريسها أن تُنتج فلاسفة تحرَّروا من قِبضة المُؤسسة، فلاسفة كانت شِيمتهم الباديَّة: “الشَّغب”، فلاسفة رفضوا قوالِب المُؤسسة وإغراءاتِها، ومارسوا النَّقد اللاَّذِع في حق المؤسسة وخلخلوا بنيات التفكير العامِّي والعالِم معاً.

ليس غرضنا ها هنا بيان تاريخ غزو الفلسفة للمجالات الجديدة ولا الرهانات التي تفترضها الفلسفة في نشاطها الجديد، لأن ذلك يستدعي عملاً مُفرداً، وإنما غرضُنا هو محاولة التفكِير في هذه الاشكاليَّة التي فرضت نفسها علينا فرضاً. لذا أمكننا تفسير ولوج الفلسفة للمجالات الجديدة ب:

– تطور تعليم الفلسفة وتعميمه وإجباريته؛

– رهان بعض المؤسسات العالميّة المهتمة بالفكر على الوظيفة السيّاسيّة للفلسفة، أي دورها في الترويج للفكر اللِّيبرالي والديمقراطيَّة اللِّيبراليَّة والوقوف في وجه الأنظمة الشموليَّة والكِليانيَّة؛

– ظهور فلسفة ما بعد الحداثة ودورها في مجاوزة الميتافيزيقا وتفكيك الأنساق الفلسفيَّة الكبرى؛

– تراجع التعليم العتيق في مختلف بلدان العالم وتطور التعليم الحديث وما له من انعكاسات على التعليم الدِّيني الذي كان يلعب دور حارس المعبد الأول والأقدم؛

– ظهور نخب جديدة لا تجد نفسها في السَّاحة الرسميَّة ولم يتم ادماجها في أجهزة الدول، وبعبارة أخرى مقصيَّة عنوةً لما تشكِلُه من خطرٍ محذق على الغايات الكُبرى للفِعل السيَّاسي المؤسسي؛

– تعزيز الحقوق الكونيَّة وضمان حريّة التعبير في بعض الدول الديمقراطيَّة التي تؤمن بحاجتها إلى الفكر النقدي لضمان استمراريتها ودور ذلك النقد في تقويم اعوجاجاتِها؛

– دمج الفلسفة في مواد أخرى دون الاخلال بمهامها أو الخروج عن غاياتها (صيغة الامتدادات والمواد المتآخيّة).

لا يسعنا هنا الوقوف على مجمل العوامل التي ساهمت في تزايد الطلب على الفلسفة. لأن الأمر يستدعي تمعناً دقيقاً وقاعدة معطيات موضوعيّة. وتكفي هنا الإشارة الى أن المساهمات عديدة في هذا المجال ولكنها لا تستطيع أن تقدم تفسيرات فعليّة لولوج الفلسفة لهذه الفضاءات الجديدة، لأنها غارقة في تبرير الحضور لا غير.

يقبع وراء كل مبادرة فاعلون وجنود خفاء حريصون على الوفاء للفلسفة. فثمة منذ ما يقرب من ثلاثة عقود مبادرات عديدة أقحمت الفلسفة في فضاءات عموميّة وخاصة. وراكمت تجارب لا يستهان بها بدأت تتناسل في مختلف بقاع العالم. ولا يمكن تفسير ذلك إلا لكون الفلسفة بالتعبير الذي صار عاميّاً وأُفرِغ من محتواه ومضمونه: “الفلسفة أم العلوم”، تسعى وراء حشر نفسها في كل شيء، وهو دليل على أزمة الفلسفة أي طبيعة هويتها، فأمام التقدم الهائل والمروع للعلوم لا يسع الفلسفة إلا الدفاع عن هويتها والبحث عن موطئ قدم في مجالات جديدة.

سأكون مسروراً وممتناً لمن علّمني الفلسفة أن أرى سينمائيين وروائيين وأطباء ومحامون وفنانون ومهندسون يتقاسمون معنا نفس الحب: الحب الواحد الذي لا نظير له: حب الحكمة. حب الحكمة يبدو عويصاً إذا افترضنا أن الفلاسفة قد احتكروا هذا التعبير، فلنقل على الأقل حب الفلسفة الذي قد يؤدي إلى محبة الحكمة، وإن لم نستطع الى ذلك سبيلا فلنتحلى بحكمة الحب sophilo.

 

11 – هل الفضاء الذي خلقه الشباب يفيد قتل الأستاذ أو اقصاؤه؟

اذا كنا نقصد الأستاذ الموظف أي ذلك الذي يؤدي وظيفته داخل الفصل الدراسي وكفى، ولا علاقة له بالفضاء العام وبهموم الناس ومشاكلهم وبمعضلة الديمقراطية وتدريب الناس على المواطنة فإن الأمر جلي وواضح. أما الأستاذ العمومي الحر: الحاضر في معركة الديمقراطية وفي انشغالات الناس وفي تدبير الشؤون العامة والمهتجس بمستقبل الشعب فهو في صميم انشغالاته بل ويحضر في هذا الفضاء بما هو فضاء عام مفتوح للجميع. وعلى هذا الأساس تعلمنا من أساتذتنا الأحرار – الذين لا يكتفون بمهمة إعادة الإنتاج بل يفعلون في مجتمعهم في سبيل الحرية والتحرر – تعلمنا منهم الفعل المباشر والمبادرة الحرة والتفكير الحر، والأستاذ موليم العروسي  وجد تعبيراً مناسباً لفعله الفلسفي: “أنا حكواتي في الفلسفة، وفيلسوف في الشارع” فهل نستطيع أن نسيِّد فلسفة فعلٍ محايثة للممارسة الاجتماعيَّة وفي محك الصراع الاجتماعي؟ تلك هي مهمة الجيل الجديد.

 

12 – ما الذي يجعلنا ننعش التراجيديا حيث الحديث عن الهوية والتراث والأصالة؟ هل نحن مسكونون بها أم هذه الهوية هي التي تسكننا؟

ستظل الهوية مطروحة على محك البحث الفلسفي مادامت متغيرة تغير الحياة الإنسانية، فأنا لا أستكين لهوية جامدة تدعي أسبقية الماهية على الوجود، وإنما لهوية تصنع نفسها وترى في حياتها كل شيء وتعمل على صنع نفسها بنفسها، لا هوية قابعة في سماء المعقولات. حياتي أثمن شيء، أعيشها كما أتصورها لا كما يتصورها الآخرون أو كما ترسمها الكتب والوصفات الجاهزة ذات النفحة الميتافيزيقية.

 

13 – ناقشتم مؤخرا أطروحتكم حول الدين والديمقراطية في الفضاء العمومي، إلى ما توصلتم في مقاربة هذا الموضوع الشائك؟

فعلا تمكنت طوال ست سنوات ونصف من دراسة موضوع شائك ومتغير لا يمكن وضعه في قوالب بحث جاهزة أو إخضاعه لنمط تفكير كلاسيكي، لأن ما يهمني هو الالتصاق بالمعركة الديمقراطية في مختلف أبعادها لا لإيجاد صيغ أو حلول في كتب الغير، وإنما للتفكير في واقع متغير ومعقد، وأعتبر أن هذا مجرد تمرين أول مكنني من فهم قضايا جديدة واختبار قدراتي المتواضعة في تتبع عالم يعج بالتحولات. لهذا انطلقت فيه من التساؤلات التالية: كيف تبلور مفهوم الفضاء العمومي المغربي؟ هل ثمة حدٌ فاصِل بين مرحلة انغلاق هذا الفضاء وبين مرحلة انفتاحِه؟ ما دور الحركات الاجتماعيَّة والسيَّاسيَّة في «الفضاء العمومي المغربي»؟ أي دور للفضاء العمومي المغربي في تعزيز المُمارسة الدِيمقراطيَّة؟  ما دور الدِّين في الفضاء السيَّاسي العمومي المغربي؟ هل الدِّين حافز أم عائق أمام تحقيق الدِيمقراطيَّة؟

عبرت عن هذا الإشكال في تساؤلات عدة كتب حولها الكثير، غير أنني لم أتوقف عند مجموع الأطروحات التي قاربت هذا الإشكال من زوايا مختلفة، لأن سؤال العائِق يرتبط بالأساس بمجال العقل العملي: أي سؤال الأخلاق والسيَّاسة، بحيث إن تعثر الإصلاح الدستوري في المغرب حال دون الانتقال إلى دولة الحق والقانون حيث يصير القانون الدستوري نقطة اتصالٍ بين الأخلاق والسيَّاسة كما هو حال الدول الدِيمقراطيَّة في بعض التجارب الغربيَّة. واعتبرت أن سؤال الدِّين والدِيمقراطيَّة هو سؤال الحداثة بحيث يصعب تصور مجتمع حداثِي متنوِّر دون الوقوف على دور الدِّين في البناء الدِّيمقراطي: ما هو الدور المنوط بالدِّين في دولة ديمقراطيّة؟ وهل يمكن بناء ديمقراطيّة بمعزل عن الدِّين أو من خلال استبعاده من الحياة العامة ومن الفضاء العمومي؟

انطلقت من ثلاث فرضيات رئيسة: تخص الأولى علاقة الوضع الداخلي بالوضع الخارجي، والثانية تتعلق بفرضية نهوض وعي ديني غير مسبوق وعودة الدين إلى المجال العام، أما الثالثة فتروم بيان دور الدين في بناء الديمقراطية. هل يكفي القول بأن التميِّيز بين مرحلتين من مراحل تطور الفضاء العمومي المغربي (مرحلة الانغلاق ومرحلة الانفتاح) كافٍ لتفسير وفهم ما جرى وما يجري في الحياة السيَّاسيَّة المغربيَّة؟ لجأت إلى هذا التميِّيز كخطاطة منهجيَّة تنسجم وطبيعة ديناميَّة الحياة السيَّاسيَّة المغربيَّة منذ العقد السادس من القرن العشرين إلى اليوم، بحيث يمكن تفسير مجموع التحولات التي يشهدها الفضاء العمومي المغربي حالياً بالدور الذي لعبه خيار “الانفتاح السيَّاسي” منذ أواسط العقد التاسع من القرن الماضي من جهة، والضغوط التي تفرضها المعارضة السياسية لتلبية حاجات اجتماعية واقتصادية وثقافية متنامية في مغرب الألفية الثالثة والتي لا يمكن التغاضي عنها.

أعتبر أن الأطروحة – كما أشرت – مجرد بداية لتلمس عناصر أخرى ستمكنني من فهم عميق لما جرى وما يجري في فضاءنا السيَّاسي، غير أن التوكيد على التلازم شبه المطلق بين السياسي والديني في مجالنا العام يستوجب التدقيق، بحيث يمكن الاستناد على الشرعيَّة الديمقراطيَّة بدل الشرعيَّة الدينيَّة، وقد تكون الشرعيَّة الديمقراطيَّة في عالم يعج بالتناقضات والتحولات السريعة أساساً لمراجعة النَّسق السيَّاسي المغربي برمته. وقد تبين لي أن سؤال الدِّين والديمقراطيَّة كما تناقشه بعض الفعاليَّات السيَّاسيَّة والفاعلة في الفضاء العمومي والمؤثرة في صنع جزء هام من الرأي العام يتخذ طابعا إيديولوجيا وسياسيا دون أن يرتكز أو يسترشد بالمعطيَّات المعرفيَّة التي يطرحها اليوم سؤال عودة الدِّين إلى الفضاء العمومي والاهتمام المتزايد بالظاهرة الدينيَّة، لذا وأخذا بعين الاعتبار التحليل الذي قمت به في هذا العمل فإن الدِّين لا يمكن أن يشكل عائقاً أمام تطور ونمو الديمقراطيَّة إذا وجد طريقة سيَّاسيَّة لتدبير شؤونه.

وعلى العكس من ذلك سيكون الدِّين عائقاً أمام نمو ونشوء الديمقراطيَّة إذا تمتعت السلطة السيَّاسيَّة بتدبير الشأن الديني واستغلاله لإضفاء الشرعيَّة على وجودها المادي والروحي، أو إذا تمكنت تيَّارات الإسلام السيَّاسي من تدبير شؤون المجتمع والدولة معاً. وقد كان مرتكز هذا العمل نابعا من اهتمامي بالفلسفة السياسية المعاصرة من خلا أبرز وجوهها النقدية: هابرماس، أوسكار نيغت، سيلا بنحبيب، نانسي فرايزر، جوديث بتلر وآخرون…

 

14 – في كتابكم الأخير “جدل الدين والسياسة عند ابن رشد” ما هي النتائج التي استخلصتموها؟

صدر هذا العمل عن دار الروافد الثقافية ببيروت هذه السنة بعد كتاب الأول عن مشكلة الجوهر عند ابن رشد (عن دار حسن العصرية ببيروت سنة 2016)، وهما عملان يندرجان ضمن مواصلة جهود المدرسة الرشدية المغربية المعاصرة، أعزز بهما اهتمامي بالفلسفة المعاصرة من خلال مجموع الاصدرات السابقة واللاحقة في هذا الباب.

يتعلق الأمر في جدل الدين والسياسة عند ابن رشد بتفكيك جملة القضايا التي نظر فيها الفيلسوف ابن رشد بعين فاحِصة متسلحاً بمنهج برهاني دقيق ورؤية سيَّاسيَّة جليَّة، والتي لم تحظى بالعناية الكافيَّة عند بعض “الرشديِّين” من أنصار النزعة المدرسيَّة، بحيث لا نجد في كتب السِّيرة ولا في تراجم عصره وبعده كيف عالج قضايا عصره كمفكر ساجَل الخصوم والأعداء، وقاوم الرَّداءة والانحطاط الفكري والمعرفي، ونَظَّر لسيَّاسة واجتماع قرطبة ومراكش. هذا ناهيك عن الحاجة إلى تقويم ما تعرَّضت له آراءه الفكريَّة والمعرفيَّة والسيَّاسيَّة من تحوير وتشويه، للرَّد على دعاة التفكير الأصولي المتزمت الذي يُبخِس من قيمة الفكر الفلسفي العقلاني في مقابل الإعلاء من شأو البلاهة لتحقير العقول.

لا تزال المعارك التي خاضها ابن رشد في مجال الفكر والمعرفة راهنيَّة بكل ما في الكلمة من معنى بالنَّظر إلى درجة الانحطاط الفكري والثقافي الذي ساهمت فيه تيارات “ُتجار الدِّين” لتحقيق مصالح عينيَّة، وسنختار تحديداً موضوعات متصلة ب: الدِّين، الفلسفة، الحياة، الحب، السيَّاسة، المنطق، المرأة، الطب، التسلُّط، الفتنة، الجسد، المُلك، اللَّذة، الكذب، العنف، المساواة… علَّنا نرد بعض الدَّين لابن رشد الفيلسوف العقلاني الذي دشن معركة التنوير من الداخل ضد المتزمتين وأنصار الفكر الأصولي.

ليس غرضنا هنا إعادة كتابة ما تداوله الرُّشديون حول فلسفة وفكر ابن رشد، ولا إعادة التعريف بمتنه من شروحات وتلاخيص وتفاسير التي أنجزها حول فلسفة المعلم الأول أرسطو، وإنما مساءلة ما جاء به في قضايا راهنيَّة عاصرها وتحمل تبعات مواقِفه الجريئة.

لم أتتبع منهجاً أكاديميّاً معيناً في كتابي – كما فعلت سلفاً – ولم أتقيَّد بأي إشكالٍ فلسفي لأخوض فيه، وإنما حاولت، قدر الإمكان، تقريب آراء ابن رشد إلى عموم القراء من مشارب متنوعة لا تراعي بالضرورة الانتماء إلى مجال الفلسفة، وهكذا سيجد المهتم بقضايا السيَّاسة أو الثقافة أو الأدب أو التاريخ أو حتى ذوو المعارف العامة ما يبين قيمة تلك الآراء في قضايا عصره والتي تنِّم عن فهمٍ عميق لوضع مدينته، دون التغاضي عن معالِم “المأمول” من سيَّاسة المدينة، كيف، لا؟ وهو الذي قضَّ مضجعُه أوضاع المدينة، وأهوال الفِتنة التي كان ضحيتها وتحمل عِبء النَّكبة في سنٍّ متقدمة جداً من حياته، وفي النهاية نُقل جثمانه إلى الأندلس – كما يروى – بمعية ملخصاته وشروحه وتآلِيفه وكأنها تعبير عن رغبة التخلص منه والتبرؤ من أثره.

 

شاهد أيضاً

هابرماس: مفهوم جديد للسيادة يقوم على ديمقراطية عابرة للقوميات

أجري هذا الحوار مع هابرماس في فبراير الماضي آرمن فون بوقداندي مدير معهد بلانك للقانون …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *