الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / “الاعتراف وإعادة التوزيع الاقتصادي” تأليف: نانسي فرازر

“الاعتراف وإعادة التوزيع الاقتصادي” تأليف: نانسي فرازر

ترجمة وتقديم: أ/ د كمال بومنير

نانسي فرازر Nancy Fraser فيلسوفة أمريكية معاصرة (ولدت عام 1947) بمدينة بالتيمور Baltimore. تعتبر من أهم ممثلي النظرية النقدية في الولايات المتحدة الأمريكية. تأثرت أثناء مسارها الفكري والسياسي بالعديد من الفلاسفة (ثيودور أدورنو، ميشيل فوكو، يورغن هابرماس، ريتشارد رورتي على وجه الخصوص). انصب اهتمامها الفلسفي على القضايا السياسية والاجتماعية، وخاصة القضايا المتعلقة بالفضاء العمومي، العدالة الاجتماعية، الحركات النسوية، الحركات الاحتجاجية السياسية والثقافية وسياسات الهويات ضمن سياقات العولمة، الاعتراف، وغيرها من القضايا المطروحة في عالمنا المعاصر ،وهذا ما يظهر في أعمالها وكتاباتها المتنوعة. ويمكن أن نشير هنا إلى:أهمها على وجه الخصوص: “إعادة تقويم الحركة النسائية الفرنسية” (1992)، “الخيال الراديكالي: بين إعادة التوزيع والاعتراف” (2003)، “إعادة التوزيع والاعتراف: مناظرة فلسفية-سياسية” (2003)، “ما العدالة الاجتماعية: الاعتراف وإعادة التوزيع” (2005)، “السيطرة والتحرّر: نحو تجديد النقد الاجتماعي (2014).

النص:
إنّ معالجة مشكلة الاعتراف La reconnaissance من منظور العدالة قد تجنبنا- من دون شك- افتراض الحق في التقدير الاجتماعي الذي يتساوى فيه جميع الناس. غير أنني أدافع هنا عن حق الجميع في البحث عن تحقيق مطلب التقدير الاجتماعي L’estime sociale ضمن شروط عادلة فيما يخص تساوي الفرص بين الجميع. غير أنّ هذه الشروط -والحقُ يقال- قد يتعذر تحقيقها حينما تسقط النماذج المُمأسسة-على سبيل المثال- قيمة الأنوثة و”الملوّنين” والمثليين وما يرتبط بهؤلاء من الناحية الثقافية. وفي هذه الحالة، تواجه هذه المجموعات بعض العوائق -كما تواجهها مجموعات أخرى –بطبيعة الحال- فيما يخص البحث عن التقدير الاجتماعي. لذلك، من الأفضل معالجة موضوع الاعتراف من منظور العدالة الاجتماعية لا من جهة تحقيق الذات لأنّ نكران الاعتراف Le déni de reconnaissance هو ضرر أو أذى مرتبط بالوضع (الاجتماعي) أو المكانة التي يشغلها المرءُ على مستوى العلاقات الاجتماعية وليس على المستوى السيكولوجي فقط. والحقُ أنه حينما يتم نكران الاعتراف من هذه الناحية فإنّ هذا لا يعني أن يكون المرءُ ضحية للمواقف والمعتقدات الاحتقارية التي تنقص من قيمته أو مواقف الغير المعادية له فقط، وإنما –وبالإضافة إلى ذلك – أن يُحرم من المشاركة في الحياة الاجتماعية بالتساوي مع الآخرين وفقا للنماذج المُمأسسة للقيم الثقافية التي تعتبر بعض الناس غير جديرين بالاحترام أو التقدير. والحقُ أنه عندما يتم مأسسة Institutionnalisation هذه النماذج المرتبطة بالاحتقار الاجتماعي تصبح من دون شك عائقا يحول دون تساوي الناس في المشاركة. لذلك فإنّ مفهوم المناصفة التشاركية La parité de participation يعتبر في رأيي مرتكزا معياريا للإطار النظري لمفهوم العدالة الاجتماعية. ولتحقيق هذا الغرض من الضروري توفر شرطين أساسيين وهما: أولا، يجب توزيع الثروات المادية بكيفية تضمن للمشاركين الاستقلالية وإمكانية التعبير عن آرائهم. وهذا ما أسميه بالشرط “الموضوعي” الأولي لهذه المناصفة التشاركية، بحيث يتم القضاء على أشكال اللامساواة المادية والتبعية الاقتصادية التي تقف عائقا أمام تساوي الناس في هذ التشارك. وبهذه الكيفية يتم التخلص من التدابير الاجتماعية التي تعمل على مأسسة الفقر والاستغلال والتباينات الكبيرة في الثروة والدخل ووقت الفراغ. أما الشرط الثاني فإنني اعتبره شرطا “تذاوتيا” Intersubjectif ، فهو يفترض أنّ النماذج المُمأسسة للتأويل والتثمين تعبّر في حقيقة الأمر عن احترام متساوٍ لجميع المشاركين، وتضمن تكافؤ الفرص في البحث عن تحقيق التقدير الاجتماعي أيضا. والحقُ أنّ هذا الشرط يقضي من دون شك على النماذج الثقافية التي تحتقر بطريقة ممنهجة بعض الأشخاص وما يتمتعون به من صفات أو مميزات. وبهذه الكيفية يتم استبعاد النماذج المُمأسسة للقيم التي تنكر صفة أو وضع الشريك الكامل في عملية التفاعل الاجتماعي على بعض الأشخاص.
ليس من شك أنّ هذين الشرطين ضروريان لتحقيق مفهوم المناصفة التشاركية. ولا يمكن الاكتفاء بواحدة منهما؛ فالشرط الموضوعي يؤكد على الاهتمامات المرتبطة عموما بنظرية العدالة التوزيعية وعلى وجه الخصوص بالبنية الاقتصادية للمجتمع والفوارق الطبقية السائدة. أما الشرط التذاوتي فهو يؤكد –بطبيعة الحال- الاهتمامات الخاصة بمجال فلسفة الاعتراف وخاصة ما يتعلق بالمجتمع وبنظامه التراتبي المحدد على المستوى الثقافي.

Nancy Fraser. Qu’est-ce que la justice sociale ? Reconnaissance et redistribution .Traduit par Estelle Ferrarese, Paris, éditions la Découverte, 2005 pp 51- 52.

شاهد أيضاً

رواية “عَين خَفشة” والنّقلة النّوعيّة في إبداع رجاء بكرية: عن النّكبة وتداعياتها

  بقلم   د. نبيه القاسم ناقد وكاتب فلسطيني (1) “..وهكذا كانت الطيور في “عَين خفشة” الدّليل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *