الرئيسية / تربية و تعليم / فلاسفة / استئناف النَّظَر في الفلسفة الرُّشدية قراءة في كتاب رشيد العلوي[1]

استئناف النَّظَر في الفلسفة الرُّشدية قراءة في كتاب رشيد العلوي[1]

بقلم عبد الرحيم رجراحي

 

قد يتساءل سائل، ما الهدف من إنجاز قراءة في كتاب يبحث في مشكلة فلسفية؟ ويردف ثان، ما الحاجة للنظر في مشكلة فلسفية تعود لفلسفة العصور الوسطى ونحن أبناء القرن الواحد والعشرين؟ ويتعجب ثالث، هل لازال لابن رشد راهنيته وهو الذي قضى نحبه منذ قرون خلت؟! ويستدرك رابع، أولم تستنفذ الإشكالات الرشدية بحثا ودرسا وتقريبا وصارت في حكم تحصيل الحاصل؟

تطرح الأسئلة السالفة نفسها بإلحاح شديد على من يعقد العزم على النظر في مشكلة الجوهر، باعتبارها مشكلة فلسفية، ولاسيما أن الفلسفة بنت زمانها كما يؤكد على ذلك فريدريك هيجل؛ لذلك خليق بالمشتغل بإشكالات البحث الفلسفي أن يضع أسئلة الحاضر بالحسبان، وإلا كان نظره لا يعدو تأملات فارغة لا تقدم ولا تؤخر.

سنحاول، بناء على ما تقدم، أن نقوم بقراءة في المؤلف تبرز راهنية ابن رشد الفيلسوف، وجدة رشيد العلوي الباحث بالموازاة مع المشتغلين بالفلسفة الرشدية، ولا ندعي في قراءتنا هذه أننا سنوفي الرجلين حقهما على الإطلاق، بل حسبنا أن نشير إلى الضروري والمختصر، بما تتيحه إمكاناتنا كقارئ تعوزه كفاية الإحاطة الجامعة الشاملة المانعة، آملين أن تتدارك قراءات أخرى ما لا طاقة لنا به وما لم نستطع إليه سبيلا.

يستحسن، قبل أن ننهض لتحقيق الغرض من مقالنا، أن نقدم وصفا للكتاب، لكي نقربه من الأذهان. يمتد الكتاب قيد القراءة على 287 صفحة من القطع الكبيرة، ويتضمن ثلاثة أبواب: خص الباب الأول للنظر في العلاقة بين العلم الطبيعي وعلم ما بعد الطبيعة عند ابن رشد، ويمثل هذا الباب ضعفي البابين المتبقيين، وأفرد الباب الثاني للنظر أساسا في مشكلة الجوهر عند ابن رشد، فيما سلط في الباب الثالث الضوء على المشروع النقدي لابن رشد، وهي أبواب تستلزم بعضها بعضا، التزاما بالمنهج الذي سلكه الباحث في مقاربة الموضوع المدروس، وتوجت هذه الأبواب بفهرس يضم قائمة من مصادر ابن رشد سواء كانت مقالات أو تلاخيص أو جوامع أو شروحات[2]، التي لا غنى للباحث المتخصص عن العودة إليها، علاوة على قائمة من المراجع باللغة العربية والفرنسية التي اعتنت بالفلسفة الرشدية، وهو فهرس ينم عن جهد فكري يستحق التقدير، فضلا على استشعار المؤلف للمسؤولية المعرفية الملقاة على عاتقه، وهذه حسنة محمودة ما أحوجنا إليها.

ينظر المؤلف في مشكلة دقيقة من مشاكل الفلسفة الرشدية، وهي مشكلة الجوهر بين علم الطبيعة وعلم ما بعد الطبيعة؛ وقد حمله ذلك على تحري الدقة في مقاربة الموضوع وكذا استحضار الشواهد الفلسفية المناسبة؛ وهو الأمر الذي يتضح من خلال التبويب المحكم للكتاب.

يعتقد رشيد العلوي أن مشكلة الجوهر عند ابن رشد لم تحظى بالدراسة في الفكر العربي بما حظيت به في الفكر الغربي[3]؛ ذلك أن معظم الدراسات التي اعتنت بالفكر الرشدي انصرف اهتمامها للنظر في إشكالية علاقة الدين بالفلسفة، والنظر فيما بينهما من اتصال، وهي إشكالية كرستها الدراسات الاستشراقية على حد ما يزعم المؤلف[4]، في حين أن العلاقة بين العلم والفلسفة أو قل بين العلم الطبيعي وعلم ما بعد الطبيعة لا تقل أهمية عن دراسة العلاقة بين الفلسفة والدين، إن لم نقل إن العلاقة الأولى هي أس العلاقة الثانية[5].

سعى الباحث إذاً من خلال مؤلفه إلى تحرير الفكر الرشدي من اختزاله في إشكالية الدين والفلسفة أو العقل والنقل أو الحكمة والشريعة[6]، وإعادة النظر في النزعة التوفيقية بين طرفي هذه الإشكالية، وهي مهمة وما أدراك من مهمة! مستحضرا في ذلك النزعة البرهانية والعقلانية لابن رشد في تخليص فلسفة أرسطو من التأويلات التي حادت عن جادة الصواب، لأنها كانت تصدر عن أقيسة جدلية وسفسطائية تنأى عن النظر البرهاني الذي يستهدف بلوغ الحق[7].

حاول المؤلف من خلال الكتاب النظر في الإشكال الفلسفي الآتي: “هل علم ما بعد الطبيعة هو العلم الذي يستطيع أن يبرهن على الجوهر المفارق والملموس معا أم أن لكل جوهر علم خاص به”[8] أو بصيغة عكسية هل يملك علم الطبيعة كفاية النظر في مبادئه أم أنه لا محيد له في ذلك عن التوسل بعلم ما بعد الطبيعة؟

يهدف المؤلف من هذا الإشكال إلى لفت الأنظار إلى اعتراض ابن رشد على ما كان يدعيه ابن سينا ومن حَدَوْ حَدْوَهُ من كون العلم الطبيعي لا ينفصل عن العلم الإلهي، بدعوى أن المشتغل بالفلسفة الطبيعية ليس من اختصاصه وضع مبادئ العلم الطبيعي ولا البرهنة عليها على حد سواء[9]، وفي ذلك يقول ابن رشد في تفسير ما بعد الطبيعة: “إذا كانت حدود الأشياء الطبيعية لا تكون إلا مع العنصر والصورة، فبين أنه ينبغي لصاحب العلم الطبيعي أن يطلب عنصر الأشياء الطبيعية، وذلك بأن يعرف ما هو ويحده ويعرف ولِمَ هُوَ، أعني ما الشيء الذي من قبله وَجَدَ العنصر وهو الصورة”[10]، وما يتيح للعلم الطبيعي أحقية وضع مبادئه هو تأكيد ابن رشد على السببية الذاتية[11].

يتبين مما سبق أننا لسنا أمام علم واحد يَحُوزُ كفاية وضع مبادئه ومبادئ علم الطبيعة ويُحَرِّمُ على هذا أن ينهض بهذا الدَّوْرِ وهو علم ما بعد الطبيعة، بل إننا أمام علمين منفصلين وقائمي الذات لا فضل لأحدهما على الآخر.

غير أن دفاع ابن رشد على هذه الأطروحة لا يعني القول بفصل جذري بين العلمين، وفي ذلك يقول: “أما المادة الأولى فَيَنْظُرُ فيها صاحب العِلمين. أما صاحب العِلم الطبيعي، فينظر فيها من حيث هي مبدأ للتغير، وأما صاحب العِلم الإلهي فينظر فيها من حيث هي جوهر بالقوة”[12].

يتضح إذاً أن العِلم الطبيعي يشترك مع علم ما بعد الطبيعة على مستوى الموضوع؛ بحيث أن كل منهما ينظر إلى الجوهر. غير أن هذا الاشتراك لا ينفي التباين الحاصل بين العلمين؛ ذلك أنه إذا كان علم الطبيعة ينظر في الجوهر من حيث هو متحرك، فإن علم ما بعد الطبيعة ينظر إليه من حيث هو مبدأ مفارق أو ما يعبر عنه المؤلف باختلاف جهة النظر[13].

يُمَكِّنُنَا إذن بحق البحث في مشكلة الجوهر بين العلم الطبيعي وعلم ما بعد الطبيعة من إدراك طبيعة الاتصال والانفصال بين العلمين[14]. يستخلص  المؤلف، في هذا السياق، أن العلم الطبيعي يقدم سندا معرفيا لعلم ما بعد الطبيعة، في حين يقدم علم ما بعد الطبيعة سندا انطولوجيا لعلم الطبيعة[15].

يقدم رشيد العلوي تأويلين لتأكيد ابن رشد على أحقية العلم الطبيعي في وضع مبادئه والبرهنة عليها: يكمن التأويل الأول في سعي ابن رشد لـــ”قلب المعادلة التي رسمها العقل الكلامي للعلاقة بين العالم والله، لصالح علاقة جديدة يكون فيها العالم منطلقا نحو الجوهر المفارق”[16]؛ ويتجلى التأويل الثاني في محاولة ابن رشد “بناء نظرية متكاملة تعبر أيما تعبير عن رؤية للعالم كحاجة ماسة للوقوف أمام الرؤية الفقهية التي تنبذ كل اشتغال بالعلم لصالح عقل أصولي همه الأول والأخير جعل التأويل الثيولوجي سابق على التأويل الوجودي”[17].

يفهم مما تقدم أن ابن رشد كان يهدف من وراء مشروعه الفلسفي إلى التأسيس لمجتمع بديل، منزعه العقلانية وهدفه التنوير[18].

يندرج هذا المشروع الفلسفي لابن رشد ضمن استراتيجية نقدية فلسفية متكاملة، همت نقد المنطق كما يشهد على ذلك كتاب البرهان الذي انتقد فيه منطق محمد أبو نصر الفارابي، بالإضافة إلى نقد الطبيعيات كما يشهد على ذلك نقد طبيعيات ابن سينا في تفسير ما بعد الطبيعة، فضلا عن نقد الميتافيزيقا، كما يدل على ذلك نقد ابن رشد لميتافيزيقا أبي حامد الغزالي في مؤلف “تهافت التهافت”، دون أن يعني ذلك أن ابن رشد أفرد مؤلفا لنقد إسهامات كل رجل من رجالات عصره، بل إن الغاية من هذه الإشارة هو إبراز أن السجال الفلسفي لابن رشد كان متعدد المشارب ولم يكن وقْفاً على مجال معرفي بعينه[19].

تجدر الإشارة كذلك في هذا المقام أن استراتيجية النقد الرشدية لم تشمل فقط شُرَّاحَ أرسطو من الذين ينتمون إلى المجال التداولي العربي الإسلامي، بل شملت كذلك شُرَّاحَهُ من الغرب من قبيل تامسيطيوس والإسكندر الأفروديسي[20]. وقد أخص الباحث الباب الثالث من المؤلف للإشارة إلى نقد ابن رشد للإسكندر الأفروديسي الذي جرى مجرى ابن سينا في نظره إلى علاقة علم ما بعد الطبيعة بعلم الطبيعة، وإن كان الباحث نفسه يعترف بالنقص الذي يعتري جهده في هذا الباب، نظرا لكون نصوص الإسكندر الأفروديسي غير متوفرة، اللهم بعض الشذرات التي أوردها عبد الرحمن بدوي في مؤلفه أرسطو عند العرب، وقد اكتفى الباحث في ذلك بما أورده ابن رشد عن الأسكندر الأفروديسي[21].

غير أنه يُحْسَبُ للباحث بذل أقصى جهده في إبراز نقد ابن رشد لبعض المواضيع التي شملها بالنقد، من قبيل نقده لنظرية المثل، ويعتبر ابن رشد، هنا، أن الماهية لا تنفصل عن الوجود بخلاف الزَّعم الأفلاطوني الذي يدَّعي أن ماهية الموجودات تقع خارجة عنها ومتعالية عليها؛ يقدم ابن رشد على ذلك أربعة أدلة وهي كالآتي:

أولا، يترتب على فصل الماهية عن الشيء أنها تصير شيئا قائما بذاته، في حين أن الماهية لا تقوم لها قائمة بمعزل عن الشيء؛

ثانيا، يترتب عل مفارقة الماهية للأشياء استحالة معرفتها، لأن المعرفة تتحصل لزوما بفضل الماهية؛

ثالثا، يستحيل على المثل أن تغير مصير المادة، لأن هذه هي أصل التَّكَوُّنِ[22] أو ما يصطلح عليه بـــــ”نظرية التَّكَوُّنِ الذَّاتي”[23]؛

رابعا، تتأصل ماهية المحرك الذي لا يتحرك بدليل الحركة، حيث يترتب على ذلك أن الجواهر المفارقة تستلزم العودة إلى الجواهر المحسوسة، ذلك أن الحركة “لا توجد منفصلة عن الأجسام المحسوسة، بل هي جوهرها”[24].

نستخلص إذاً أن ابن رشد لم يكن مقلدا كما يتهمه زُمْرَةٌ من القوم الجاهلين به، ولا غَرْوَ أن يصدر منهم هذا الحكم، ذلك أن من يجهل شيئا يعاديه، بل تربع ابن رشد عرش الشُّراح الكبار للمعلم الأول، ليس فقط في المجال العربي الإسلامي، بل في أروبا المسيحية، حيث كان له فضل كبير كذلك في التعريف بالأرسطية أو ما يعرف بالرُّشدية اللاَّتينية، وليس هذا ضربا من ضروب المجاملة والإطراء، وإنما انتزع الرجل هذا اللقب عن جدارة واستحقاق، لأنه كان في شروحه فيلسوفا مبدعا، لم يكتف بالتعريف بإسهامات أرسطو في مختلف مباحث الفلسفة واقتفاء أثره قَدَماً بِقَدَمٍ أو التسليم بشروحات أغياره، بل تصرف فيلسوف قرطبة في المتن الأرسطي، زيادة ونقصانا، حسب ما تمليه ظروف عصره، وهذه لعمري مهمة لا ينهض بها إلا فيلسوف عظيم.

لم يُفَوِّت الباحث المناسبة، وعيا منه بهذه المنزلة العظيمة لابن رشد، من الدَّعوة لمَهمة حضارية تكمن في التنقيب على النصوص التراثية التي ضاعت، وهذه ليست دعوة سلفية أصولية، ذلك أن الباحث يضع بالحسبان حاجات الحاضر ورهانات المستقبل، وقد نبهنا، في هذا المقام، إلى شرح السماع الطبيعي المفقود باللغة العربية[25].

يتحصل مما سبق أن مؤلف رشيد العلوي يأتي في سياق دراسات المفكرين المغاربة الذين اشتغلوا بالفكر الرُّشدي، سواء من تَوَفَّتْهُم المَنِيَّة شأن جمال الدين العلوي ومحمد عابد الجابري أو من لازالوا أحياء يرزقون شأن محمد المصباحي، وقد استأنف الباحث النظر في مشكلة دقيقة من إشكالات الفلسفة الرشدية لم تحض بالاهتمام الذي تستحقه من طرف السابقين، مُقَلِّباً النظر فيها من وجوهها المختلفة، ومُبَيِّناً فَرَادَةَ ابن رشد في دراستها، فكان بذلك رشيد العلوي أحسن خلف لخير سلف.

[1]  العلوي رشيد، مشكلة الجوهر عند ابن رشد بين العلم الطبيعي وعلم ما بعد الطبيعة، مكتبة حسن العصرية، بيروت- لبنان، الطبعة الأولى، 2016.

[2]  المصدر نفسه، هامش الصفحة 11.

[3]  المصدر نفسه، الصفحة 6.

[4]  المصدر نفسه، الصفحة 35.

[5]  المصدر نفسه، الصفحة 270.

[6]  المصدر نفسه، الصفحة 7.

[7]  المصدر نفسه، الصفحة 250-253-255-256.

[8]  المصدر نفسه، هامش الصفحة 136.

[9]  يؤكد المؤلِّف في صفحات متعددة على أطروحة الكتاب، وهذه بعضها: 32-55- هامش 65 – 173-181-227-228-242-249.

[10]  المصدر نفسه، الصفحة 73-74.

[11]  المصدر نفسه، الصفحة 75.

[12]  المصدر نفسه والصفحة.

[13]  المصدر نفسه، الصفحة 75-146-223-224.

[14]  المصدر نفسه، الصفحة 13.

[15]  المصدر نفسه، الصفحة147.

[16]  المصدر نفسه، الصفحة 76-77.

[17]  المصدر نفسه، الصفحة 76.

[18]  المصدر نفسه، الصفحة 47.

[19]  المصدر نفسه، الصفحة 46.

[20]  المصدر نفسه، هامش 47.

[21]  المصدر نفسه، الصفحة 243-244.

[22]  المصدر نفسه، الصفحة 234.

[23]  المصدر نفسه، الصفحة 135.

[24]  المصدر نفسه، الصفحة 237.

 [25]  المصدر نفسه، الصفحة 19.

شاهد أيضاً

“فن الرسم بين فرانسيس بيكون وبول سيزان”، تأليف: جيل دولوز

ترجمة وتقديم: كمال بومنير جيل دولوز Gilles Deleuze فيلسوف وناقد أدبي فرنسي معاصر، وُلد بمدينة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *