الرئيسية / منتخبات / عامة / تفكير في حركة 20 فبراير

تفكير في حركة 20 فبراير

 عبد الرحيم رجراحي

يُمَثِّلُ يوم 20 فبراير من سنة 2011 حدثا تاريخيا في المغرب، تَمَّ من خلاله التأسيس لحركة اجتماعية ذات مطالب سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية، وهو ما تشهد عليه الشعارات التي رفعت في المسيرات الاحتجاجية التي خرجت في مختلف ربوع المغرب، والتي ترتَّب عن قوة تنظيمها، وتنوع تياراتها، وتضحيات مناضليها، والتقنيات الحديثة التي اعتمدت في التعبئة إليها، وتحمس الشباب للانخراط فيها، فضلا عن سلميتها، على الرغم من القمع المباشر الذي طالها، والذي خلَّف جرحى وشهداء ومعتقلين سياسيين، ترتَّب عن كل ذلك تحقيق مكتسبات على الرغم من محدوديتها إلا أنها تظل في غاية الأهمية بالقياس إلى الاستبداد السياسي والفساد الاقتصادي اللذان لا زالا قائمين.

غير أن هذه النظرة التاريخية إلى حركة 20 فبراير التي تُحَدِّدُ هذه الحركة وفق الزمان والمكان على الرغم من أهميتها، إلا أنها تظل في الواقع تفكير ضد الحركة، وهي النظرة التي يتم تكريسها في النّدوات التي يتم تنظيمها من طرف أحزاب ونقابات وفاعلين داخل المجتمع، من أجل تخليد ذكرى حركة 20 فبراير؛ إذ بغض النظر عن حسن النوايا، فإنها تحكم على هذه الحركة بالجمود، من خلال الحديث عن بدايتها، والإغراق في استعراض ظروف نشأتها، واختلاف مكوناتها، بما يوحي أن هذا الاختلاف، وتلك الظروف، كانا من أسباب ضعفها وأفولها.

والواقع أن هذا النَّوع من النَّظَر لا يخلو من ميتافيزيقا، بل أبعد ما يكون عن التحليل المادي الجدلي الذي يدَّعيه بعض الفاعلين  من أجل فهم الواقع في أفْق تغييره؛ ذلك أنه نَظَرٌ يجعل لحركة 20 فبراير بداية ونهاية، بل يعتبر أن ظروف بداية الحركة هي التي حدَّدت مصيرها، وحفرت قبرها فيما بعد.

والحال أن الأمر يتعلق أساسا بِحَدَثِ حركة 20 فبراير؛ فهي، من جهة، حَدَثٌ، ليس لأنها تتحدد بمكان وزمان شأنها في ذلك شأن باقي حوادث الحياة وصروف الدهر، كَلاّ؛ وإنما لأنها تُمَثِّلُ مرحلة فاصلة وفارقة واسثنائية ومتميزة من تاريخ المغرب؛ حيث صرنا بموجبها نتحدث عما قبل حركة 20 فبراير وما بعدها؛ ثم لأنها، من جهة أخرى، تزامنت مع السيرورة الثورية في شمال أفريقيا والشرق الأوسط والتي كان من نتائجها إسقاط أنظمة سياسية استبدادية عمّرت عقودا من الزمن، ومحاولة بناء دول ديمقراطية على الرغم مما اعتور هذا البناء ولا يزال.

يتبين من ذلك أن حركة 20 فبراير ليست محدودة بزمان محدد أو جغرافيا معيَّنة، وإنما كانت بالفعل حركة، نظرا لكونها صدى للحَراك الاجتماعي لدول الجوار، فضلا عن الحَراك الذي  شهده المغرب من ذي قبل، وعلى سبيل الذكر الإضرابين العماليين لسنتي 1981 و1990، وانتفاضتي مارس  1965 ويناير 1984، بل إن الحَراك الاجتماعي الذي تلا حركة 20 فبراير هو استمرار لهذه الحركة، وعلى سبيل المثال حَراك الحسيمة وجرادة وزاكورة…إلخ، فضلا عن التنسيقيات الوطنية للأساتذة والأطباء والمعطلين…إلخ.

نستنتج مما تقدم أن النَّظَرَ إلى حركة 20 فبراير في ضوء الغليان الاجتماعي الرّاهن المتمثّل في الحملات المضادة للاستبداد السياسي، والاحتكار الاقتصادي، والقهر الاجتماعي، لَمِنْ شأنه أن يحرِّر هذه الحركة من كل نظرة اختزالية أو إديولوجية أو تاريخانية تجعل من حركة 20 فبراير في خَبَرِ كَانَ، بدل أن تفتح آفاقها المختلفة، وتفجِّر ممكناتها المضمرة، وتنقل شعاراتها المتمثلة في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية وإسقاط الفساد والاستبداد من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل، من أجل وطن يسع الجميع، ويتعايش فيه الناس باختلافاتهم وتعدد مشاربهم السياسية والدينية والثقافية، بعيدا عن كل نزعة شمولية تَدَّعِي الحقّ، وتنشد الزّعامة، وكأني بها تريد أن توقف مجرى التاريخ الذي لا يعيد نفسه.

من أرشيف عبد الرحيم رجراحي:

في الحاجة إلى سَلَامٍ دائم

عبد الرحيم رجراحي – باحث مغربي يعد كتاب مشروع السلام الدائم[1] امتدادا للمشروع النقدي لإيمانويل كانط، بعد أن ألف نقد العقل الخالص، ونقد العقل العملي، ونقد ملكة الحكم، وفيه ينتقد الحروب التي شهدها العالم، والتي ما فتئت أسبابها في تزايد، أمام الحظ على الخيانة، وانتهاك شروط السلام، والتجسس على الدول، …

أكمل القراءة »

الأخرويات الإسلامية من الدين إلى الأدب: قراءة في رواية الأربعينية لخوان غويتيصولو[1]

عبد الرحيم رجراحي يعد خوان غويتيصولو (1931…) أنموذجا للأدب الإسباني المعاصر، خاصة في جنس الرواية؛ ذلك أن دراسة أعماله الأدبية والنقدية تكشف للناظر عن فَرادة في الإبداع وجدة في النظر لا عهد بهما للأدب القديم والحديث على حد سواء؛ وهو أمر طبيعي إذا ما أخدنا في الاعتبار أن الرجل كان …

أكمل القراءة »

الفلسفة ونظرية الحجاج

عبد الرحيم رجراحي – المغرب سعى برلمان رفقة تيتيكان من خلال مؤلفهما المشترك في الخطابة الجديدة إلى تقديم طرح جديد بخصوص الحجاج؛ لذلك كان المقصد من مؤلفهما هو تحرير الحجاج من جهتين: الأولى، من شبهات الخطابة، وما تحيل عليه من مناورات ومغالطات وتبكيتات؛ والثانية، من صرامة الجدل، وما يحيل عليه …

أكمل القراءة »

في مشروعية الدولة

عبد الرحيم رجراحي يعدُّ الإنسان كائنا مدنيا، من حيث أنه محكوم عليه أن يجتمع ببني جنسه وأن ينخرط في تدبير الشأن العام إن إيجابا أو سلبا، فاعلا أو منفعلا؛ ولما كان الأمر كذلك، فالإنسان في مسيس الحاجة لتنظيم سياسي يتولى  تدبير أموره وقضاء مصالحه وحل خلافاته. ولعل الدولة من التنظيمات …

أكمل القراءة »

شاهد أيضاً

 أركون تحت سهام حميش أو النقد كإلغاء للآخر

عمر بن اعمارة   “في الإسلام الثقافي” هو عنوان الكتاب الذي أصدره الكاتب المغربي الدكتور …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *