الرئيسية / تربية و تعليم / فلاسفة / هايدغر وابن عربي: حكاية قرابة

هايدغر وابن عربي: حكاية قرابة

فريد الزاهي 1 يونيو 2018

أعترف بداية أني اطلعت مبكرا على كتابات هايدغر، وكان سبيلي إلى ذلك محاضرات أستاذنا حسن حنفي زمن دراستي للفلسفة في الجامعة، ثم وأنا أشتغل في بحث الإجازة عن عبد الكبير الخطيبي، أحد القراء القلائل لفلسفة هذا المفكر الغامض المحيّر. وأنا أتعمق في كتابات هذا الأخير، بدأت أميل إلى استكشاف الفكر الصوفي، بحيث أن أول ما أثار انتباهي حين شرعت في قراءة “فصوص الحكم والفتوحات المكية” لابن عربي هو اعتماد هذا الأخير، كما هايدغر، قرونا بعد ذلك، على المعنى الإيتيمولوجي للكلمات. وهو أمر يعني من الناحية الفكرية أن اللغة أصل الفكر. أصبح هذا الأمر هاجسا لدي، بحيث لم أعد أكتفي بالمعنى الشائع بل أبحث في ذاكرة اللغة عن المعاني الأصل لأنها تضيء للكتابة الفلسفية والتحليل الكثير من الغوامض التي يسهو عنها حاضر الاستعمال. فالمعنى الإيتيمولوجي يمنح الباحث والكاتب فرشات للمعنى تظل متحكمة في لاوعي اللغة وذاكرتها، وتفتح ممكنات جديدة للكتابة والتحليل.

من هايدغر إلى ابن عربي .

كيف يمكننا المقارنة بين فكرين من تقليدين دينيين وفكريين مختلفين، وفضلا عن ذلك تفصل بينهما قرون واهتمامات متباينة؟ ثم لماذا طرح هذا الموضوع اليوم؟

أحسست بهذه العلاقة بشكل أكثر وثوقا من خلال المفاهيم الأرسطية التي يستخدمها هذا وذاك، والتي تمنح طابعا فلسفيا لتآويل ابن عربي، فيما تستنبت كتابات الشباب لدى هايدغر في سيرورة التقليد الفلسفي. ومع أن هايدغر سينزاح تدريجيا عن استيحاءاته الأرسطية والأغسطينية والتوماوية (نسبة لسان أوغسطين ولسان توما الإكويني)، ليتفرغ لتقويض تاريخ الميتافيزيقا ومقولاتها الأساس، فإنه سيظل يسائل هذا التاريخ انطلاقا من مفاهيم الفلسفة نفسها، كالوجود والزمن. من ناحية أخرى فإن الكثير من النصوص الهايدغرية التي يسائل فيها ماهية الفكر سوف تنحو بشكل حثيث إلى بناء بُعْد (غير نسقي بالتأكيد لكنه واضح) صوفي يختزله أحيانا في القصيدة والشعر (لدى هولدرلين) وأحيانا أخرى بشكل ضمني في رهبة المعبد.

وتأكدت من هذه العلاقة مجدّدا وأنا أترجم للفيلسوف الفرنسي هنري كوربان كتابه الشهير (نصف قرن بعد صدوره باللغة الفرنسية): “الخيال الخلاق في تصوف ابن عربي”. فكوربان تلميذ لهايدغر، وأول مترجم له إلى اللغة الفرنسية في بداية الثلاثينيات، في وقت لم يكن فيه الفيلسوف الفرنسي معروفا بعد في الفضاء الفلسفي الفرنسي. ثم إن اهتمامه بالسهروردي وابن عربي (رغم اختلافهما التصوفي والفكري) تم بنفحة هايدغرية كبيرة تتبدى بالأساس في تعامله مع ابن عربي ومع تحليله للعديد من القضايا الوجودية والتصورية، كما في نظرته للعلاقة بين الوجود البشري والألوهة.

وبالرغم من أن كوربان انزاح كثيرا عن تكوينه الهايدغري، باعتناقه للإسلام الشيعي، إلا أن هذا الأمر لا ينقص البتة من انتمائه الفكري لفلسفة هايدغر، ذلك أن الفلسفة الهايدغرية كما سنرى ذلك ليست فلسفة ملحدة، والقراءة المتمحصة لكتابات هايدغر، تبين بالملموس أنه قد طرح قضايا إن لم تكن دينية محضة إلا أن لها علاقة وطيدة بمسألة الألوهة. من ناحية أخرى تذكرنا علاقة كوربان بالفيلسوف الألماني بعلاقة فيلسوف مجايل لهايدغر بهذا الأخير. فغوسطاف سييورث Gustave Siewerth هذا، ذو المنزع التوماوي، سعا إلى أن يسائل الميتافيزيقا لدى هايدغر ويربطها بفلسفة القديس توما الإكويني وبالشيخ إيكارت Maître Eckhart، المتصوف الريناني الذي عاش في القرن الموالي لابن عربي، والذي اتهمه البابا جان 22 بالهرطقة كما اتهم بها من قبله ابن عربي. وهايدغر نفسه في تحليله للمسير الصوفي لابن عربي يقيم تلك العلاقة بين الشيخ الأكبر وتصور إيكارت للوجود الإلهي. ثم إن المتصوفين عاشا الترحال كثيرا كما لو كان ذلك بحثا عن الحقيقة الوجودية للألوهة.

الوجود والزمن والمقدس،

بين هايدغر وابن عربي

يعرف الكل أن هايدغر تربى في عائلة مسيحية محافظة. وقد قاده فكره إلى الإحالة الدائمة للفكر المسيحي الذي يدخل في نظره في النظرة الأنطوثيولوجية التي يرغب في تجاوزها بمفهوم الدازاين (الوجود لذاته)، كما بمفهوم “الغائية الإنسانية”. كرس هايدغر العديد من الأبحاث للاهوت الكاثوليكي والبروتستانتي وللتصوف في بدايات حياته. فقد سعى إلى المواجهة بين الفينومينولوجيا والتصوف، وهي الدراسات التي قادته إلى صياغة مفهوم الدازاين. وبالرغم من أن هايدغر قد أعلن غير مرة أن الفلسفة لها قطيعة مع اللاهوت ومفهوم الألوهة، إلا أن حواره مع البروتستنتية يجعلنا ندرك أن الألوهة لدى هايدغر تتبدى في انكشافها في الحياة لا في انحجابها عنها.

ولعل البحث عن هذا الحس سيعثر عليه المرء في ذلك الطابع الصوفي الذي نحسه في قراءة هايدغر لهولدرلين، باعتبار أن الشعر يكون منتهى الفكر. الشعري هنا يغدو مسكنا للوجود وسعيا نحو هذا “الإله الآتي”، وهو أشبه بعالم الصور حيث يلتقي في خياله الخلاق البشري والألوهي، الوجود والزمن. كما أن هايدغر حين يتحدث عن الفن، يعتبر أن صرح المعبد هو المكان الروحي الذي يتجلى فيه المحسوس والروحاني، المقدس والحياتي. ألا يذكرنا هذا بقول ابن عربي في الجزء الثاني من الفتوحات:

الأذن عاشقة والعين عاشقة شتـــــــــان بين عشق العين والخبر

فالأذن تعشق ما وهمي يصوره والعين تعشق محسوسا من الصور…

ألا إن هي زينب قد استـوى فيه حظ السمع والبصر؟

يربط هايدغر المقدس والألوهي بحقيقة الوجود حين يقول: “لا ينصاع جوهر المقدس للتفكير إلا انطلاقا من حقيقة الوجود. ولا يمكن التفكير في جوهر الألوهة إلا انطلاقا من جوهر المقدس. وليس في غير نور جوهر الألوهة يمكن تفكير وقول ما يلزم أن يسمي، أي كلمة “الله”” (رسالة في الإنسية). يستحضر ابن عربي، من ناحيته، الألوهة ليقربها من الإنساني، ويسمو بهذا الأخير ليقترب في حقيقته من جوهر الألوهة. وهذا الجوهر يكمن في الانحجاب، غير أن الانكشاف هو ما يجعل الإنسان صورة للألوهي. وبهذا الصدد يستثمر ابن عربي الحديث القدسي القائل: “كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أُعرف، فخلقتُ الخلق لأعُرف”، ليجعل الحقيقة الألوهية تنكشف للصورة التي تمثلها في الحياة (الكائن الإنساني). هذه العملية الأنطولوجية هي التي تمكّن من جعل عالم الصور (أو البرزخ) عالم اللقاء الممكن بين الألوهي والإنساني. إنه الجسر الذي يستحضر الجوهر ليلاقيه بعرضه.

ثمة أمر أساس يلتقي فيه الرجلان، الأول من داخل الفلسفة وتاريخها، بهدف تفكيكي واضح (قبل أن يصير مفهوم التفكيك رائجا مع جاك درّيدا)، والثاني من داخل التصوف بهدف ليس بأقل تفكيكية. إنه نقد العقل والنظر العقلي وثنائياته الميتافيزيقية. فالعلاقة لدى ابن عربي بين التنزيه والتقييد واردة كثيرا لديه، وثنائية الذكورية والأنوثية يجاوزها بالكائن، والعلاقة بين الحقيقة والمجاز تغدو أكثر تراكبا وتعقدا، وثنائية الحق والخلق تنحل لصالح التواصل والوصال من خلال المرآة والخيال والصورة… وهو الأمر الذي نتلمسه لدى هايدغر بشكل أكثر وضوحا ولدى تلميذه جاك دريدا بشكل أوضح… وليس أدل على ذلك من سخرية ابن عربي من ابن رشد حين رأى الدابة وهي تحمل نعش الفيلسوف، من جانب وكتبه، من جانب آخر، بأن ثقل كتبه لا يساوي ثقل جثمانه.

تبيح لنا هذه الرحلة (الذاتية والفكرية)، السريعة والمقتضبة، السفر في فكريْن وتجربتين من زمنين وثقافتين مختلفتين. غير أن تبريرها “النظري” نجده لدى هايدغر نفسه. ألم يصرح هذا الأخير بأن الفلاسفة ما قبل السقراطيين (هيراقليطس وأنكسماندر وأنكسمانيس وغيرهم) أقرب إليه زمنا (وهو زمن تاريخي historial غير تعاقبي) من الفلاسفة المعاصرين له؟ فما الذي سيجعل ابن عربي إذن غريبا عنه وعن رؤيته، بالرغم من الاختلافات الكثيرة التي تطبعهما في التفكير وطريقة الكتابة والتأويل؟

شاهد أيضاً

حوار كوة مع المفكر التونسي فريد العليبي

خاص كوة 1 : من هو فريد العليبي وكيف اهتجس بالفلسفة؟ ـ ولدت في سفح …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *