الرئيسية / تربية و تعليم / فلاسفة / العلامة جمال الدين العلوي أو الآفاق التي فتحتها الرشدية في تاريخ الفلسفة

العلامة جمال الدين العلوي أو الآفاق التي فتحتها الرشدية في تاريخ الفلسفة

محمد أبلاغ ـ أستاذ باحث كلية الآداب القنيطرة
أريد أن أقول في بداية هذه الشهادة، إنني اعتبر نفسي تلميذا صغيرا لهذا المعلم الكبير، ليس فقط من خلال تتلمذي عليه في شعبة الفلسفة بكلية الآداب والعلوم الانسانية ظهر المهراز فاس، ولكن لأنه كان فعلا فيلسوفا وحكيما. عرف ان الفلسفة ومنذ الدرس الذي علمنا إياه سقراط، لا يمكنها أن تعيش إلا إن كانت مقرونة بالفضيلة الخلقية، لأن بالفضيلة تكون محبة الحكمة ممكنة، وبها يمكن أن يتقدم الفكر وتنمو الفلسفة.
وسأكتفي هنا بالحديث عن الأسباب التي أدت بالأستاذين محمد المصباحي وجمال الدين العلوي إلى إنشاء مركز للدراسات الرشدية بفاس ومآله بعد وفاة جمال الدين العلوي وانتقال الأستاذ الكبير محمد المصباحي إلى كلية الآداب بالرباط. حيث يمكن القول بأن الفكرة نمت في ذهن جمال الدين العلوي في أواسط سبعينيات القرن العشرين بمناسبة سنوات التفرغ التي قضاها بباريس، والتي أتاحت له الوقوف عند الأعراف والتقاليد التي تحكم الدرس الفلسفي في جامعة “السربون”.
كانت مدينة الأنوار تعج آنذاك بكبار المفكرين والمؤرخين والفلاسفة، إلا أن الأستاذ جمال الدين لم يكن يهمه بالأساس التتلمذ هناك على شيخ الجماعة العلمية كونغيليم ولا الالتفات إلى الشغب الايديولوجي العميق لألتوسير، ولا الثورة التي احدثها ميشيل فوكو في مجال تاريخ الأفكار.
فبالرغم من اهمية ما قام به هؤلاء وغيرهم من الأعلام البارزين اعتبر بحسه الجامعي الرفيع وبحبه لوطنه وبرغبته الشديدة في تطوير الجامعة المغربية، أن الأساسي عند هؤلاء ليس ما جاؤوا به من افكار بل طريقة عملهم والآليات التي يشتغلون بها، والكيفية التي يؤرخون بها للفلسفة والعلم، وفهم انه وراء تلك الصروح النظرية القوية والمؤثرة في تاريخ الفكر الفرنسي هناك عمل أولي ضروري، لأنه هو الذي يعطي للفكر متانته وقوته وصلابته، وهو الانطلاق من العمل الفيلولوجي الرصين، والضبط التاريخي وقراءة النصوص، قبل بناء النظرية، أي أن البحث الفيلولوجي يجب أن يسبق البناء البنيوي، وأن هذا الأخير يأتي قبل التكوين والتفكيك.
لاحظ رحمه الله أن هذا ما ينقصنا، لأن النظر الفلسفي في المغرب آنذاك كان يطغى عليه أخطر انواع الضلال الذي سماء الضلال الايديولوجي الذي لا طائل من ورائه، ما دام لا ينفع في تكوين معرفة موضوعية بثراتنا الفكري لكي نضعه في منزلته الحقيقية من التاريخ.
عندما رجع الأستاذ الجليل إلى المغرب اختار أن يطبق هذه الرؤية الجديدة التي جاء بها في دراسة ابن رشد، وفسرها لنا ونحن طلبة بالقول: كيف يمكن أن نفهم فلسفة ابن رشد مثلا دون الاحاطة الشاملة بكل ما كتبه طيلة حياته الفكرية، وفق ترتيب كرونولوجي لمؤلفاته وبالتمييز بين أنماطها، فبناء النظرية لابد من أن يسبقه عمل فيلولوجي طويل النفس، ينتقل بالبحث من الفحص الفيلولوجي إلى النظر الفلسفي. وهذا العمل لا يتأتى إلا بالعمل الجماعي في إطار فرق للبحث قوية، حيث فطن إلى ضرورة وجود مركز للبحث يوحد عمل الباحثين في مجال الدراسات الرشدية، لكي نعرف أين وصلت الدراسات الرشدية على المستوى الدولي للانطلاق منها لتحقيق ما لم يتم انجازه بعد.
وبعد محاولات مضنية قام بها الأستاذان وانفتاح على الباحثين في هذا المجال على المستوى الدولي، تحقق حلم إنشاء مركز للدراسات الرشدية بفاس أواخر الثمانينات وبداية التسعينات وذلك بالتعاون بين الأستاذ جمال الدين العلوي والأستاذ محمد المصباحي المختص في فلسفة ابن رشد، وكان الغرض منه هو جعل ابن رشد مركزا لهذه الدراسات، مع السير في اتجاهين متعاكسين: الأول هو البحث في الأصول التي جعلت قيام فلسفة رشدية أمرا ممكنا، من خلال التعمق في دراسة الأصول التي اعتمد عليها في بناء فلسفته، والثاني هو النظر في الآفاق التي فتحتها الرشدية في تاريخ الفلسفة، من خلال الانفتاح على المدرستين الرشديتين في أوربا العصر المدرسي: المدرسة العبرية والمدرسة اللاتينية. وكان للمركز منذ انطلاقته الأولى إشعاع دولي كبير، خصوصا وأن جمال الدين العلوي ومحمد المصباحي مهدا لذلك بإنجاز عدد كبير من الدراسات والأبحاث وتحقيق للنصوص الرشدية: جاء كتاب المتن الرشدي الذي يطرح تصورا جديدا لقراءة فلسفة ابن رشد تتويجا له، إلى درجة أن هناك من الباحثين على المستوى الدولي من تنبأ بأن النهضة الفلسفية العربية الاسلامية الحديثة سيكون منطلقها المغرب، من خلال ما سيقدمه مركز الدراسات الرشدية من اعمال. إلا أن الواقع لا يرتفع، حيث كان المركز وكأنه حلم سرعان ما سنستفيق إثره على الحقيقة المرة، حقيقة التردي الفكري والثقافي الذي ما زلنا نتخبط فيه إلى اليوم، ذلك لأنه بمجرد وفاة جمال الدين العلوي لم يحترم المرحوم محمد ألوزاد الخط الفكري لمركز الدراسات الرشدية، وكما يقع بالنسبة لجميع المؤسسات في جميع المجالات في العالم الثالث، فإن المؤسسة هي التي يجب أن تخضع لرغبات الشخص لا العكس، فتصبح المؤسسة هي الشخص والشخص هو المؤسسة. وهكذا حول المرحوم محمد ألوزاد المركز من الاهتمام بابن رشد إلى الاهتمام بابن باجة، علما أن الاهتمام بابن رشد يتيح الانفتاح على ابن باجة لشمولية الفكر الرشدي، ولكونه محطة أساسية في تاريخ الفكر الفلسفي والعكس غير صحيح.
فمراكز البحث في تاريخ الفلسفة تركز على الأقطاب: مثل أفلاطون وأرسطو وأفلوطين وبروكلوس وابن سينا وابن رشد وكانط، لأن هؤلاء هم المفاتيح الأساسية لفهم الآخرين السابقين منهم أو اللاحقين عليهم.
وبعد وفاة محمد ألوزاد انتقل المركز إلى الاهتمام بعلم الكلام، وكأني بابن رشد وجمال الدين العلوي يرقبان الآن ما وقع بحسرة وألم شديدين، حيث ثم اعتبار ابن رشد متكلما رغم أنفه، مع انه ما جاء إلا لتأكيد استنفاد علم الكلام لمهمته من الناحية النظرية وهو ما أكده خلفه ابن البناء المراكشي بفتوى فقهية، وأكد عليه ابن خلدون بعدهما من الناحية التاريخية. فانتهى مركز الدراسات الرشدية وانتهى بذلك حلم علم عظيم من أعلام المغرب الحديث.
وبذلك يحلو لي أن أردد في حق المرحوم جمال الدين العلوي ما قاله سهل ابن مالك في قصيدة وهو يرثي ابن رشد : ولم أدري ما أشقى الثلاثة بعده/ ابناؤه أم دهره أم صديقه/ ومن شاهد الأحوال بعد مماته/ تيقن أن الموت نحن نذوقه.
وتيقنت أنا بعد هذه السنوات العشرين التي تلت وفاة جمال الدين العلوي، ان الفرق بين التقدم والتخلف هو عبارة عن خيط رفيع جدا، مثل الصراط المستقيم لا يبصر ولكنه موجود قوي ومتين.
أفتقدك كثيرا أستاذي الجليل في هذه المرحلة العصيبة التي تجتازها الفلسفة والثقافة بشكل عام الآن في المغرب الحبيب. والحمد لله واهب العقل حمدا كثيرا بلا نهاية والشكر بلا غاية.
جريدة الأخبار العدد 456 الخميس 8 ماي 2014

شاهد أيضاً

جاك دريدا: سؤال الجامعة ومستقبل الإنسانيات الجديدة

العلوي رشيد لا أتـوخى من هذا المقال الدفاع عن وجود جامعة تخص الفيلسوف الجزائري – …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *