الرئيسية / منتخبات / ترجمة / — سارتر “كان معلّمي” (1)

— سارتر “كان معلّمي” (1)

— جيل دولوز (1964)

— ترجمة: فتحي المسكيني

أيّ حزن على أجيال بلا “معلّمين”! فليس معلّمونا هم الأساتذة العموميون فحسب، على ما بنا من حاجة إلى أساتذة. إذ حين نبلغ سنّ الرجال، يكون معلّمونا أولئك الذين يفرضون علينا جدّة جذريّة، أولئك الذين يعرفون كيف يخترعون تقنية فنّية أو أدبيّة ويجدون طرق التفكير المناسبة لحداثتنا، نعني لصعوباتنا كما لحماساتنا الصاخبة. نحن نعلم أنّه ليس ثمّة سوى قيمة فنّية واحدة، بل حتى قيمة حقيقية واحدة: “اليد الأولى”، الجدّة الأصيلة لما نقول، “الموسيقى الصغيرة” التي بها نقول ذلك.
إنّ سارتر إنّما كان ذلك بالنسبة لنا (بالنسبة إلى جيل العشرين من العمر عند التحرير). من، عندئذ، عرف كيف يقول شيئا جديدا، إن لم يكن سارتر ؟ من علّمنا طرقا جديدة في التفكير ؟ ومهما كانت لامعة وعميقة، فإنّ أعمال ميرلوبنتي قد كانت تحمل صبغة الأستاذ وتابعة لأعمال سارتر من أوجهة عدة. (قد كان سارتر يشبّه كيان الإنسان عن طيب خاطر باللاّوجود الخاص بـ”ثقب” في العالم: بحيرات صغيرة من العدم، كما يقول. في حين أنّ ميرلوبنتي إنّما يأخذها على أنّها طيّات، طيّات بسيطة وثنايا. بذلك كانت تتمايز وجوديّة صلبة وثاقبة عن وجوديّة أكثر مرونة وأكثر تحفّظا.) أمّا كامو، يا للحسرة ! فكان تارة نزوعا متكبّرا إلى الفضيلة، وتارة عبثا من الدرجة الثانية: كان كامو ينتسب إلى المفكّرين الملعونين، لكنّ كلّ فلسفته إنّما كانت تعود بنا إلى لالاند ومايرسون، إلى مؤلّفين كانوا بعدُ معروفين جيّدا لدى حاملي الباكلوريا. في حين أنّ ما كان يأتي من سارتر إنّما هو الموضوعات الجديدة، وشيء من الأسلوب الجديد، وطريقة خصومية وشرسة جديدة في طرح المشاكل. ففي خضمّ فوضى التحرير وآماله، اكتشفنا وأعدنا اكتشاف كلّ شيء:كافكا، الرواية الأمريكية، هوسرل وهيدغر، توضيح المواقف الذي لا ينتهي مع الماركسية، الاندفاع نحو رواية جديدة… لكنّ كلّ شيء مرّ عبر سارتر، ليس فقط لأنّه كان يملك، بصفة الفيلسوف، عبقرية الكلّ الجامع (la totalisation)، بل لأنّه كان يعرف كيف يخترع الجديد. إنّ العروض الأولى لمسرحية الذباب، وظهور الوجود والعدم، ومحاضرة الوجودية مذهب إنساني، إنّما كانت أحداثا كبرى: كنّا نتعلّم من بعد ليالي طويلة كيف هو التماهي بين التفكير والحرية.

إنّ “المفكّرين الأحرار” (penseurs privés)، هم، بوجه ما، يعارضون “الأساتذة العموميين”. حتى السوربون تحتاج إلى سوربون مضادّة، وإنّ الطلبة لا يستمعون جيّدا إلى أساتذتهم إلاّ حين يكون لهم أيضا معلّمون آخرون. لقد كفّ نيتشه في وقته عن أن يكون أستاذا من أجل أن يصبح مفكّرا حرّا : ذلك ما كانه سارتر أيضا، في سياق آخر، ومخرج آخر. وإنّ للمفكّرين الأحرار خاصيتين: نوع من التوحّد الذي يلازمهم في كلّ حال؛ ولكن أيضا شيءٌ من الاضطراب، شيءٌ من فوضى العالم حيث ينبجسون والذي ضمنه هم يتكلّمون. ولذلك هم لا يتكلّمون إلاّ باسمهم الخاص، دون أن “يمثّلوا” شيئا؛ وهم يستحثّون داخل العالم أشكالا من الحضور الخام، وقوى عارية ليست هي بدورها “قابلة للتمثيل”. كان سارتر قد رسم بعدُ في ما هو الأدب ؟ المثال الأعلى للكاتب: ” إنّ الكاتب سوف يستعيد العالم كما هو، نيئا تماما، عرقان تماما، نتنا تماما، يوميّا تماما، من أجل أن يقدّمه إلى حرّيات على أساس من الحرّية… إنّه لا يكفي أن نمنح الكاتب حرّيةَ أن يقول كلّ شيء ! فهو ينبغي أن يكتب لجمهور يملك حرّيةَ تغيير كلّ شيء، وهو ما يعني، علاوة على إزالة الطبقات، القضاء على كلّ دكتاتورية، والتجديد المستمرّ للأطر، والقلب المتواصل للنظام، ما إن يميل إلى التحجّر. وبكلمة واحدة، إنّ الأدب هو ، في ماهيته، الذاتيّة التي من شأن مجتمع في ثورة دائمة.” إنّ سارتر، منذ البداية، إنّما تصوّر الكاتب في شكل إنسان مثل الآخرين، يتوجّه إلى الآخرين من وجهة نظر حرّيتهم فحسب. كانت كلّ فلسفته تنخرط في حركة تأمّلية لا تكفّ عن إنكار فكرة التمثيل، ونظام التمثيل نفسه: كانت الفلسفة تغيّر من موقعها، كانت تهجر دائرة الحكم (jugement)، من أجل أن تستقرّ في عالم أكثر ألوانا هو عالم “ما هو سابق على الحكم” و”ما هو سابق على التمثيل”. إنّ سارتر قد رفض مؤخّرا جائزة نوبل. وتلك مداومة عمليّة على نفس الموقف، فزعٌ من فكرة أن يمثّل بالفعل شيئا ما، حتى ولو كان قيما روحية، أو كما يقول، من أن يكون تابعا للمؤسسة.

يحتاج المفكّر الحرّ إلى عالم ينطوي على حدّ أدنى من الفوضى، حتى وإن كان أملا ثوريّا، بذرة من ثورة دائمة. ثمّة، لدى سارتر، شيء مثل تعلّق خاص بالتحرير، بالآمال الخائبة لهذه اللحظة. وكان لابدّ من حرب الجزائر من أجل أن يعثر على شيء ما من النضال السياسي أو الاضطراب المحرِّر، وعندئذ، في أوضاع معقّدة، وتعقّدُها في كوننا على وجه الدقة لم نعد المقموعين، بل أولئك الذين يجب عليهم أن يرتدّوا ضدّ أنفسهم. آه أيها الشباب. لم يبق غير كوبا ورجال المقاومة (les maquis) الفينزويليين !

بيد أنّه ثمّة ما هو أكبر من وحدة المفكّر الحرّ، إنّها وحدة أولئك الذين يبحثون عن معلّم، الذين كانوا يريدون معلّما، ولم يمكنهم الالتقاء به إلاّ في عالم مضطرب. إنّ النظام الأخلاقي، إنّ النظام “التمثيلي” قد انغلق علينا. حتى الخوف النووي قد بدا لنا في هيئة خوف بورجوازي. إنّه يحدث أن نقترح على الناشئة ، الآن،تيلهارد دي شاردان باعتباره معلّما للتفكير. لقد نلنا ما نستحق. بعد سارتر، ليس فقط سيمون فايل، بل سيمون فايل القرد. وليس ذلك، رغم كل شيء، لأنّه لا وجود لأشياء جديدة على نحو عميق في الأدب الحالي. لنذكر مع خلط الحابل بالنابل: الرواية الجديدة، كتب غومبروفيتش ، سرديات كلوسوفسكي، سوسيولوجيا ليفي-شتراوس، مسرح جينات ودي غاتي ، فلسفة “الجنون” التي يشتغل عليها فوكو… بيد أنّ ما ينقص اليوم، وهو ما كان سارتر قد عرف كيف يجمّعه ويجسّده للجيل السابق، إنّما هي شروط كلّ جامع (une totalisation): ذاك الذي تكون فيه السياسة والمخيال والجنس واللاّوعي والإرادة مجتمعة ضمن حقوق الكلّ الإنساني. نحن نقتات وجودنا اليوم، والأعضاء مشتّتة. كان سارتر يقول عن كافكا: إنّ أعماله هي “ردّة فعل حرّة وموحّدة على العالم اليهودي-المسيحي لأوروبا الوسطى؛ إنّ رواياته هي التجاوز التأليفي لوضعه كإنسان، ويهودي، وتشيكي، وخطيب ناشز، ومسلول، الخ”. بل سارتر نفسه: إنّ أعماله هي ردّة فعل على العالم البورجوازي كما وُضع موضع سؤال من قِبل الشيوعية. إنّها تعبّر عن التجاوز لوضعه الخاص كمثقّف بورجوازي، وتلميذ سابق لدار المعلمين، وخطيب حرّ (libre fiancé)، ورجل قبيح (بما أنّ سارتر غالبا ما قدّم نفسه على هذا النحو)…، الخ.. : كلّ الأشياء التي تنعكس وتتصادى في حركة كتبه.

نحن نتكلّم عن سارتر كما لو كان ينتمي إلى حقبة ولّت. يا للحسرة ! إنّما نحن على الأرجح الذين ولّينا في خضمّ النظام الأخلاقي والامتثالي الحالي. إنّ سارتر، على الأقلّ، إنّما يسمح لنا أن ننتظر، دون عنوان واضح، لحظات مستقبلية، واستئنافات حيث يعيد الفكر تكوين نفسه ويعيد صنع تشكيلاته الجامعة (totalités) ، بما هي قوة جماعية وخاصة (privée) معا. وإنّه لهذا السبب إنّما يظلّ سارتر معلّمنا. إنّ كتاب سارتر الأخير، نقد العقل الجدلي، هو أحد أجمل وأهمّ الكتب التي ظهرت في السنين الماضية. إنّه يعطي للـوجود والعدم تتمّته الضرورية، في معنى أنّ المطالب الجماعية إنّما تأتي لاستكمال ذاتيّة الشخص. وحين نفكّر في الوجود والعدم من جديد فذلك من أجل أن نستعيد الدهشة التي تولّدت لدينا أمام هذا التجديد الكبير للفلسفة. نحن نعلم اليوم أيضا بشكل أفضل أنّ علاقات سارتر مع هيدغر، وتبعيّته إزاء هيدغر إنّما كانت مشاكل واهية، قائمة على سوء فهم. فما كان يثيرنا في الوجود والعدم إنّما كان سارتريّا فحسب وكان يقيس لنا مقدار مساهمة سارتر: مثل نظرية سوء النيّة، حيث يقوم الوعي، داخل نفسه، بتصريف قوّته المضاعفة في ألاّ يكون ما هو وأن يكون ما ليس هو؛ ونظرية الغير، حيث أنّ نظرة الآخرين تكفي لأنْ تجعل العالم يهتزّ من تحتي وتجعله “يُسرَق” منّي؛ ونظرية الحرّية، حيث أنّ هذه تضع حدودها بنفسها بأن تشكّل نفسها بنفسها من خلال مواقفها؛ والتحليل النفسي الوجودي حيث نلتقي من جديد على الخيارات الأساسية لفرد ما ضمن حياته الملموسة. وفي كل مرة، كانت الماهية والمثل المضروب يدخلان في علاقات مركّبة كانت تهب للفلسفة أسلوبا جديدا. إنّ نادل المقهى، والفتاة العاشقة، والرجل القبيح، وبخاصة صديقي-بيار-الذي-لم-يكن-أبدا-هنا، إنّما كانت تكوّن روايات حقيقية في صلب العمل الفلسفي وتجعل وتيرة الماهيات على إيقاع الأمثلة الوجودية. وفي كلّ مكان كان يسطع تركيب نحوي عنيف، مصنوع من الكسور والتمطيط، يذكّرنا بالأمرين الأكثر استحواذا على سارتر: بحيرات اللاّوجود، ولُزوجة المادة.

إنّ رفض جائزة نوبل هو خبر سارّ. أخيرا هناك أحدٌ لا يحاول أن يفسّر أنّها لمفارقة لذيذة لكاتب ما، لمفكّر حرّ، أن يقبل التشريفات والتمثيلات العمومية. لقد أخذ بعدُ كثير من الماكرين يحاولون حمل سارتر على التناقض: فالناس ينسبون إليه مشاعر الغيظ، فالجائزة جاءت متأخّرة؛ و يعترضون بأنّها، على كلّ حال، تمثّل شيئا لا يُستهان به؛ وهم يذكّرونه بأنّ نجاحه، على كلّ حال، إنّما كان وسيبقى بورجوازيّا؛ ويشيرون إلى أنّ رفضه ليس أمرا عاقلا ولا راشدا؛ وهم يقترحون عليه أن يتّبع مثل الذين يقبلون-وهم-يرفضون، ولو كلّف ذلك وضع المال في أعمال خيرية. ليس من المستحسن الاحتكاك به أكثر من اللازم، إنّ سارتر مجادل مخيف… ليس ثمّة عبقريّة من دون محاكاة ساخرة لنفسها. ولكن أيّة محاكاة ساخرة هي الفضلى ؟ أن يصبح عجوزا متكيّفا مع الأوضاع، مرجعية روحية أنيقة ؟ أم أن يريد من نفسه أن يظلّ مخبول التحرير ؟ أن يرى نفسه أكاديميا أم أن يحلم بأنّه رجل مقاومة فينزويلي ؟ من لا يرى الفرق في الكيف، الفرق في العبقريّة، الفرق الحيويّ بين هذين الخياريْن أو هذين النوعين من المحاكاة الساخرة ؟ لأيّ شيء كان سارتر وفيّا ؟ دائما للصديق بيار-الذي-لا-يكون-هنا-أبدا. إنّه قدر هذا المؤلّف أن يجعل الهواء النقيّ يمرّ حين يتكلّم، حتى ولو كان هذا الهواء النقيّ، هواء الغيابات، صعب التنفّس.

— نُشر هذا المقال لأوّل مرة في مجلّة :
Arts, 28 novembre 1964, p. 8-9.

— وقد كتبه دولوز بعد مضيّ شهر من رفض سارتر جائزة نوبل.

— وهو منشور الآن في:

Gilles Deleuze, L’île déserte et autres textes. Textes et entretiens 1953-1974 (Paris : Les ditions de Minuit, 2002) pp. 109-113.

شاهد أيضاً

في مدح التحوّل “الإنساني”: إدغار موران

حتى نتجنّب تفكّك “نظام الأرض”، يجب علينا بكلّ إلحاح تغيير أنماط تفكيرنا وحياتنا. فكلّ شيء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *