جديد
الرئيسية / منشورات / مجلات / أصول النظام الرأسمالي بين ماكس فيبر وكارل ماركس

أصول النظام الرأسمالي بين ماكس فيبر وكارل ماركس

بقلم ˸ المحفوظ السملالي

تعد مِؤلفات السوسيولوجي الألماني “ماكس فيبر” ودراساته من أعمق التحاليل والأبحاث التي تناولت رصد التحولات الجذرية الكبرى التي اتسم بها المجتمع الأوربي الحديث ’ حيث أبان هذا الرجل عن اقتدار وكفاءة في فهم الدلالات العميقة وأبعاد القفزة النوعية التي أنجزها المجتمع الأوربي ’ بالانتقال من النمط الإقطاعي إلى النمط الرأسمالي ’ كنظام اقتصادي ميز أوربا في القرن السادس عشر.

إن ما يميز الرؤية السوسيولوجية الفيبرية عن غيرها من الرؤى السوسيولوجية الأخرى ’ هو انتباهها إلى قيمة المكون الديني ودوره في عمليتي التغيير والتحول’لقد صوب ماكس فيبر نقدا منهجيا عنيفا للتصور الماركسي على نحو ضدي ’محاولا تقويض أسسه وجوهره ’ للأن التصور الماركسي للدين وغيره من المكونات الثقافية يصنف عادة ضمن البنى الفوقية (عالم الأفكار) والبنية التحتية تباعا للتحليل الماركسي هي التي تحدد البنية الفوقية وليس العكس.

في حين نجد فيبر يعتبر أن الدين وباقي المكونات الثقافية الأخرى  لا تعد بناءا مشروطا بالبنية الاقتصادية فقط بل محدد لها ’ ولهذا فقد ظل ماكس فيبر حاضرا في النقاشات السوسيولوجية الحامية مطلع القرن العشرين ’ حيث الهيمنة  للأطروحة الماركسية على المناخ الثقافي فارضة نفسها كمنظور منهجي مفسر لصيرورة الانتقال من الإقطاع إلى  الرأسمال وفق قانون جدلي مادي يركز على تقسيم البنى الاجتماعية إلى بنى فوقية ( الدين الفن الثقافة الأفكار…) ’ بنى تحتية ( الاقتصاد’ وسائل الإنتاج’ المواد الأولية…) ’ جاعلا من هذه الأخيرة المحدد الحتمي له.

لكن ماكس فيبر سيقدم تفسيرا مغايرا للتصور المادي الماركسي ’ حيث يفسر الانتقال من الإقطاع إلى الرأسمال تفسيرا عقديا ودينيا .

لقد طرح “ماكس فيبر” سؤالا في غاية الدقة ’ أراد له أن يكون سؤالا مركزيا يجيب عنه في كتابه الهام ” الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية ” ’ بل نجد لهذا التساؤل امتداد يكاد يكون في جميع دراسات فيبر الأخرى ’ وقد صاغ هذا التساؤل ألاستشكالي على النحو التالي˸

إلى أي حد يمكن للتصورات الدينية أن تؤثر عن العالم والوجود في السلوك الاقتصادي لكافة المجتمعات ؟

فنجده ينتهي إلى مجموعة من الخلاصات استجمعتاها في النقاط التالية˸

كون أن الرأسمالية في صورتها الحديثة تمثل في حقيقة الأمر ظاهرة فريدة , جاءت نتيجة المجتمع الأوربي البروتستانتي الكالفيني الموسوم بمجموعة من الشروط دون غيره من المجتمعات , فقد تميزت أوربا البروتستانتية حسب فيبر بمجموعة من الخصائص ˸

كون إن النمط الرأسمالي الحديث مبني على التنظيم والترشيد العقلانيين ’ التي تتم إدارتهما وفقا لمبادئ علمية لا تخلو من الدقة ’ كما أنها تحتاج إلى الكفاءة والمردودية في العمل والحماس إلى مراكمة الثروة ’ كما أن الرأسمالية كنظام تتطلب وجود أفراد يتميزون بخصائص سيكولوجية وظروف اجتماعية معينة ’ فالتنظيم الرأسمالي لايمكن أن يتحقق في في مجتمع يتسم أفراده بالكسل والتقاعس والعشوائية.

فهذه الخصائص حسب فيبر نجدها مجتمعة في جماعة من الأفراد يجمعهم الإيمان بالبروتستانتية كمعتقد يدعو إلى الجد والكد والاجتهاد والعمل المتواصل والزهد في الحياة ’ وما ينتج عن ذلك أوتوماتيكيا من مراكمة للثروة .

يقول “ريمون آرون ” في كتابه ” مراحل الفكر السوسيولوجي ” إن ماكس فيبر في دراسته لدور الأخلاق البروتستانتية وتأثيرها على بزوغ النظام الرأسمالي كان يريد أن يؤكد قضيتين هما˸

1ـ  أن سلوك الأفراد في مختلف المجتمعات يتم فهم تصورهم للعالم والوجود ’ وتعتبر المعتقدات الدينية وتفسيراتها إحدى هذه التصورات للعالم والتي تؤثر بشكل مباشر في سلوك الأفراد والجماعات بما في ذلك السلوك الاقتصادي.

2ـ  كون أن التصورات الدينية هي بالفعل إحدى محددات السلوك الاقتصادي ومن تم فهي تعد من أسباب تغير هذا السلوك.

من الملاحظ أن فيبر من خلال أبحاثه لم يهتم بالجوانب المختلفة للدين بوصفه ظاهرة اجتماعية ’ بل اكتفى بدراسة الأخلاقيات الاقتصادية له ’ فنجده يقتصر على ما يؤكد عليه المعتقد الديني وما يشكله من تأثير مباشر على السلوك الفردي و الجماعي الذي له وقع مباشر على الفعل الاقتصادي.

نخلص في النهاية إلى أن سوسيولوجية ماكس فيبر تجد قوتها النظرية في البعد العقدي الديني  على غرار التفسيرات الميكانيكية المادية للماركسية المؤطرة بقوانين دياليكتيكية حتمية  ونظرتها السببية للوجود والكون والاقتصاد وقوانينه.

إن التصور الفيبري هو في الحقيقة هو بمثابة قلب تام للأطروحة الماركسية وتصورها المنهجي ’ إلا أننا نسجل أن ماكس فيبر لم يسقط في القول بحتمية العلاقة بين الدين والنظام المجتمعي ’ بل يرى أن العلاقة بينهما هي علاقة انسجام وتناغم لا علاقة سببية حتمية.إن ماكس فيبر حينما بحث عن الوعي والروح الرأسماليين وعن سبب اختصاصه بالدول الأوربية ’ وجده ثاويا في النزعة البروتستانتية الكالفينية تحديدا’ التي كان لها الدور الحاسم في تحفيز الإنسان وحثه على العمل ’ والجعل منه أمرا واجبا ’ بل طقسا تعبديا مقدسا يتقرب به الفرد من الله ’ إلى درجة أنها اشترطت الفوز بالآخرة بالنجاح الاقتصادي في الدنيا.

هذا المرجع التصوري الكالفيني حسب فيبر شكل الدعامة النظرية لتشكيل وتطور الوعي الرأسمالي وانطلاقه الفعلي في القرن السادس عشر.

 

 

 

شاهد أيضاً

ماهي قيمة القراءة؟ عند الفيلسوف اوليفيي روبول Oliver Reboul

ترجمة المهدي تجديد – المغرب للتطرق لهذه القيمة قرر أوليفيي روبول الانطلاق من التدبر في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *