الرئيسية / فكر وفلسفة / حوارات / حوار كوة مع المفكر الجزائري محمد شوقي الزين

حوار كوة مع المفكر الجزائري محمد شوقي الزين

 

حوارات كوة: 

دشن موقع كوة السنة المنصرمة سلسلة حوارات أسميناها الفلسفة بصيغة المؤنث، وكان طموح الموقع هو التعريف بالمهتمات بالدرس الفلسفي في سياقنا المغاربي والعربي، وفي الآن ذاته تشجع الفلسفة بصيغة المؤنث لتحتل مكانتها العادية في الساحة الفكرية، وقد كانت حوارات متميزة وبالغة الأثر في الساحة الفلسفية المغاربية والعربية، ولذلك ندشن هذه السنة سلسلة حوارات فلسفية مع نخبة من المتهتمين بالدرس الفلسفي وبالفكر والثقافة والترجمة عموما، وإذ نفتتحها بهذا الحوار بالنظر إلى مكانة فيلسوف جامعة تلمسان الدكتور محمد شوقي الزين، الذي عهدنا فيه الجدية في الكتابة والبحث، فمعظم أعماله المشهود لها في معركة التفلسف تستحق كل العناية والاهتمام والتعريف بها في صفوف الشباب الصاعد في الجزائر الشقيقة وفي العالم العربي ككل، فهو يطل من نافذة العالمية على مشكلاتنا الخصوصية ليمنح للهوية بعدها المركب دون الاستسلام للطروحات الشوفينية والدوغمائية السائدة لفترة طويلة.

جلست أول مرة مع الفيلسوف محمد شوقي الزين يوم الاثنين 23 أبريل 2018 في ضيافة الصديق صلاح الدين الأخضري وعمر بوساحة في الاذاعة الجزائرية الأولى وتبادلنا نقاشا غنيا حول العيش المشترك، وبعدها تناولنا العشاء في فندق روجينا، ووجدت فيه الإنسان الوهراني الصادق والهادئ هدوء الحكمة الفلسفية، يصغي جيدا لكل الأسئلة ويتكلم قليلا بفطنة ودون استعمال التنميق اللغوي، يعبر بصوت جهور على غيرته على الفلسفة، ويحث على مواصلة الطريق رغم كل الصعاب. الصديق محمد شوقي الزين يمتعك بروحه الصافية والأنيقة، ويفضل الدعابة للتعبير عن حجم مأساة فكرنا.

ينتمي فيلسوف جامعة تلمسان إلى الجيل الشاب الصاعد والذي يقدم الكثير للدرس الفلسفي، وينبش في التراث لييقدم قراءات تأويلية معاصرة تساير روح العصر، وتستشرف المستقبل، فهنيئا لنا بنشر حواره الخاص للموقع.

من هو محمد شوقي الزين وكيف ولجت عوالم الفلسفة؟

من مواليد مدينة وهران (سنة 1972)، درستُ بجامعتها إلى غاية 1994، حيث تحصلتُ على الليسانس في الفلسفة، ثم واصلتُ الدراسة بالجامعة الفرنسية (أكس-مرسيليا)، للحصول فيها على دكتورتين، الأولى في الدراسات العربية الإسلامية حول ابن عربي؛ والثانية في الفلسفة حول ميشال دو سارتو. جاء الاهتمام بالفلسفة منذ الثانوية، مع أنني كنتُ في قسم العلوم، ومتحصل على باكالوريا علوم، لكن النقاط في العلوم الدقيقة والتجريبية لم تسمح لي بالالتحاق بالفرع العلمي بالجامعة. بعد الباكالوريا، تهتُ بين دهاليز الطعون محاولاً أن أجد مكاناً لي في الجامعة، فانتقلتُ من التكنولوجيا حيث النقاط العلمية لم تسمح لي بالولوج فيها، إلى علم الزراعة حيث لم أجد اسمي في قائمة المقبولين، إلى غاية أن حطتُ الرّحال في الفلسفة، وآخر نقطة لقبول الالتحاق بالفلسفة هي ما تحصلتُ عليه في الباكالويا. دخلتُ إليها في اللحظة الأخيرة (in extremis)، أو هي (الفلسفة) التي نادتني إليها، بعد التيهان بين الفروع المعرفية الأخرى التي لم تستضفني. لم أندم على خياري لأنني تيقَّنتُ بعد ذلك بأن شيئاً من قبيل «الحظ أو القَدَر» بالمعنى الرواقي للكلمة، كان يستدرجني نحو الفلسفة ويقول لي: «هذا مسارك ومصيرك!». وكل يوم أزداد شغفاً بمهمَّتي الأكاديمية أستاذاً للفلسفة في الجامعة الجزائرية، وتعلُّقاً بالروح الفلسفية تأليفاً وترجمة. أصبحت الفلسفة ميلاً وقَدَراً (vocation) وليس مجرَّد مادَّة تعليمية أدرّس مضامينها؛ هي طبيعة ثانية أو سمت (habitus) بالمعنى السوسيولوجي لدى بيير بورديو.

من اهتماماتك الفلسفة الفرنسية على صعيد المعرفة والنقد، والفلسفة الألمانية على مستوى التأويل والتاريخ والفكر العربي الإسلامي في مستوياته الإنسانية والبلاغية: كيف ذلك؟

نعم، قمتُ بتنويع المرجعيات، غربية وعربية إسلامية، فرنسية وألمانية، قديمة ومعاصرة، لأن الفكر بطبعه رحَّال. الانغلاق الذُرّي في التخصُّص عبارة عن «سلطة» ويتوقف عن كونه «معرفة». الشيء الوحيد الذي يُكسّر هذه السلطة، هو مباشرة الرحلة الفكرية بأن نجوب أقاليم متعددة ومختلفة، ونستفيد من تجارب فكرية متنوّعة. هل في ذلك تشتُّت وتيه وضياع وعدم التحكُّم في المادة المعرفية؟ لا أعتقد. معظم المشتغلين في الفلسفة كانت لهم جولات وصولات وبنوا هياكلهم الفلسفية على أساس نظرية المعرفة، ثم نظرية الوجود، ثم نظرية القيم والأخلاق، وأخيراً نظرية السياسة. حتى المعاصرين الذين توقَّفوا عن كونهم موسوعيين ونسقيين، كان لهم المخطط نفسه في دراسة المعرفة والوجود ثم السياسة والأخلاق. نماذج هايدغر وهابرماس وريكور ودريدا مفيدة في هذا المجال. لا تبتكر الهوية الفكرية سوى بتفاعلها مع الغيرية، بأن تُغذّيها وتتغذَّى منها. لا يوجد شيء اسمه الانغلاق الفكري، مرآة عاكسة للانغلاق الحضاري والهويَّاتي. كل نزوع نحو الانغلاق في تخصُّصٍ ما، هو موت التخصُّص نفسه. الطبع البشري يهوى التنوُّع ويستطيب الألوان، يريد أن يرى تلوينات الفكر والمدنية والحضارة. لذا، نادراً ما يُقرأ للمتخصص الأكاديمي بالمعنى الصارم والمغلق للكلمة سوى بين الملقَّنين (les initiés) على شاكلة «الجماعة السريَّة» (société secrète)، والمتفنّن في السفر بين الأقاليم الفكرية هو أكثر فاعلية وإنتاجاً وفائدة.

كيف تفسر صحبتك لابن عربي وشوقك للقياه؟ هل تسبق هذه الصحبة على صحبة دريدا؟

أبدأ بقصة طريفة. سمعتُ ذات يوم بأن محمد أركون سيحلُّ ضيفاً محاضراً في ملتقى دولي بوهران حول ابن عربي؛ كان ذلك سنة 1992، وهو الجزء الثاني من ملتقى دولي حول ابن عربي أقيم بمرسية (إسبانيا)، مسقط رأسه. كنتُ أتابع أركون في حصص بثتها القناة الفرنسية الثانية، وكانت رغبتي أن أراه محاضراً أمامي وألتقي به. لكن، أخطأتُ في اليوم الذي حاضر فيه، وذهبتُ في اليوم الموالي. عندما وصلتُ إلى مكان الملتقى، قيل لي بأن أركون حاضر بالأمس وغادر البلد. فلم ألتقِ به ولم أتعرَّف عن قرب بابن عربي. بقي هذا النقص (هذه الرغبة إذن) متوهجاً في ذاتي، عساي أن أحقق أمنيتي ذات يوم. انزويتُ على ذاتي كالمحار في الصَدَفة. عندما باشرتُ دراستي بالجامعة الفرنسية، كان موضوع أطروحتي حول ابن عربي، شارك في مناقشة رسالتي ميشال شودكييفتش (Michel Chodkiewicz)، أكبر قارئ ومترجم وشارح لابن عربي في الغرب، والتقيتُ محمد أركون عدة مرات وكانت بيننا مراسلات. ما افتقدته في وهران وأنا طالب في جامعتها، حققته في فرنسا وأنا باحث شاب وشغوف. جاءت صحبة ابن عربي من اهتمامي المبكّر بالتصوُّف. وتيقَّنتُ بعدها أن التصوُّف الذي كنتُ أميل إليه هو التصوُّف الفلسفي. وجدتُ في كتابات ابن عربي ما يُغذّي طموحي في الاشتغال على التصوُّف الفلسفي، الذي قرأته بعيون مختلفة: تأويلية، فينومينولوجية، تفكيكية. جاك دريدا هو بشكل ما «صنو» ابن عربي، توأمه الفكري. تفطَّن أيان ألموند (Ian Almond) لهذه التوأمة، وأنجز عملاً طريفاً عنوانه: «التصوف والتفكيك: درس مقارن بين ابن عربي ودريدا» (ترجمة حسام نايل، 2011). حضرتُ لإحدى دروس دريدا في مدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية (باريس)، وخلال لقاءٍ جمعني به بعد الدرس، قلتُ له بأن ابن عربي لا يختلف في روح مذهبه عمَّا يشتغل عليه فلسفياً. قال لي: كيف؟ وحضَّرتُ له «الكيف» في 30 صفحة، أشرح فيها بتفصيل مذهب ابن عربي. أجابني في رسالة بأنه بالفعل يرى نفسه في نص ابن عربي، لكن فقط كشبح أو طيف، تماماً مثل الصورة المنعكسة في المرآة، وهي صورة متوهّمة وليست حقيقية. عرفتُ بأن دريدا كان يريد أن يقول تماماً مثل ابن عربي: «نعم ولا». نعم، يُشبهه في أمر، لكن لا يماثله في مقامات أخرى. جاءت صُحبة دريدا جسداً كثيفاً، بشخصه الماثل أمامي، صنو صُحبة ابن عربي جسداً لطيفاً، بشخصه المتمثَّل في ذاتي.

 هل تطمحون من وراء اشتغالكم على التأويل إعادة التفكير في التراث، كيف ذلك؟

الاشتغال على التأويل نصي وأنطولوجي في الوقت نفسه. فهو يكتسي قيمة المدوَّنة التراثية الواجب قراءتها لفهم من سبقونا، كيف يشبهوننا وفي الوقت نفسه نختلف عنهم بمعقولية أخرى وسياق تداولي مغاير؛ وأيضاً قيمة أنطولوجية في مساءلة الحاضر الذي ننتمي إليه: من «نحن»؟ ماذا نريد؟ هذه الأنطولوجيا في الحاضر أشار إليها ميشال فوكو بالقوَّة البلاغية والنقدية التي حملتها أدواته الحفرية، وهي أيضاً من نظام «نعم ولا»: نعم، الاشتغال على التأويل هو النظر في ماضي النصوص التي وصلتنا ونتداولها في الخبرة والمعيش؛ لا، لأن التأويل هو كذلك رؤية في موقع الأنا في العالم وموقفه من هذا العالم، انخراط الأنا في الحاضر، وكيف يبتكر صيغ وأساليب في إدارة هذا الحاضر. ينخرط كتابي «الصورة واللغز: التأويل الصوفي للقرآن عند محي الدين بن عربي» (مؤمنون بلا حدود، 2016) في مجال الاشتغال على المادَّة التراثية، ومشروع «نقد العقل الثقافي» هو أنطولوجيا الحاضر، أي تأويل الثقافة التي نحياها ونجوب بيئتها، ليس فقط تلك القادمة من غياهب الماضي وبطون القراطيس، وإنما أيضاً تلك التي نحيكها في الحاضر بالحكاية الذاتية والهوية السردية بمفهوم ريكور.

اشتغلتم على سؤال المثقف والثقافة والتثاقف. هل للأمر علاقة بسؤال الهوية والذات والآخر؟

لا ريب في ذلك. لأن مشروع «نقد العقل الثقافي» الذي من المفروض أن يشتمل على أربعة أجزاء (التكوين، والبنية، والصيغة، والتفاعل) يقول أربعة مصطلحات كبرى، البعض منها هي نتيجة نحت لغوي أو اشتغال على كلمة عريقة بنفض الغبار عنها: 1. هناك «الثقافة» التي تتلخَّص في البُعد التكويني بالمعنى الألماني لمفهوم «البيلدونغ» (Bildung) وهو البُعد الزمني الذي يقتضي النمو والنضج والقطاف (كينونة تنطبق على الحضارة أيضاً). 2. وهناك «الثقاف» الذي يتلخَّص في قالب أو أنموذج يُحرّك التصوُّرات والممارسات من وراء حجاب؛ فهو لوحة خلفية وخفيَّة تُدبّر الكينونة وتمنح للتصوُّر والسلوك قانونه الداخلي الذي يسير وفقه. 3. وهناك «الثقف» الذي يُختصر في نظرية الفعل والكيفية، الماهرة والماكرة، في التحايُل على المصادفات وثقف اللحظات السانحة، وينطبق على الثقف الزمن الكايري (kairos) بالمعنى اليوناني العريق في اللحظة المواتية التي ينبغي الظفر بها في حينها قبل فوات الأوان. معظم الشؤون البشرية والحياة اليومية عموماً هي ذات بنية «ثقفية». 4. وأخيراً هناك «المثاقفة أو التثاقف» على مستوى التواصل والتبادل، ويخصُّ التبادل المادي اقتصادياً والتبادل الرمزي حضارياً عبر مجموعة من القيم الممكن تثمينها مثل «العيش المشترك» و«التعارف».

لهذه المحطات الأربع علاقة بالمباحث الأخرى الواردة في سؤالكم، وهي الهوية والذات والآخر، بحكم أنني أحاول أن أقرأ هذه المفاهيم في ضوء المشروع ككل، ما يخصُّ «الثقافة والثقاف» من جهة وهو مجال الهوية، وما يدل على «الثقف والمثاقفة» من جهة أخرى وهو ميدان الغيرية أو جدل الذات والآخر. ما أكتبه «مركزياً» في المشروع، أعيد توزيعه «هامشياً» في المقالات والدراسات التي أدوّنها. لذا، من يقرأ المقالات التي أنشرها، سيرى بأنها تطبيق لمبادئ المشروع القائم على رباعية «الثقافة-الثقاف-الثقف-المثاقفة»، سواء تعلَّق الأمر بمقالات سياسية أو بدراسات منهجية خاصة بالتأويليات والتفكيكات وبإجراءات أخرى مرتبطة بها. الغائب الوحيد في هذه المعادلة هو «المثقف». لماذا؟ كنتُ قد نشرتُ كتاباً تحت عنوان: «إزاحات فكرية: مقاربات في الحداثة والمثقف» (منشورات الاختلاف والدار العربية للعلوم، 2008)، قدَّمتُ فيه تصوُّري حول المثقف. لكن اختفت صورة المثقف في الدراسات اللاحقة، ولم أعد أستدرجه في المباحث التي أشتغل عليها. هل لأنني أعتبر أن دوره قد انتهى، أو على الأقل انحسر عمومياً وانحصر في القراءة والنقد كما يذهب صاحب «أوهام النخبة» علي حرب؟

هذه الإمكانية واردة. لكن، إذا تحدثتُ بشكل تداولي، أقول بأنني أولي قيمة للفعل وليس للفاعل. لذا، أشتغل على فعل الثقافة وأناقش أدوات وأشكال الثقف والمثاقفة، لكن المثقف هو في نظري مجرَّد فاعلٍ إلى جانب فاعلين آخرين ينافسونه في المرتبة والريادة والأدوار مثل: الفنان، اللاعب الرياضي، البنكي أو رجل الأعمال. لم تعُد تهمُّني هذه الوجوه، بقدر ما أسعى لفهم الفعل النابع من اللحظة الثقافية. قد يُعترَض عليَّ بأن الفنان والرياضي ورجل الأعمال هم أيضاً «مثقفون» عندما ينخرطون في قضايا مجتمعاتهم بالكلمة أو الفكرة أو المال الموزَّع على الجمعيات الخيرية، إلخ. لكن يكمن الفارق في أن الفاعلين الموازيين للمثقف هم أكثر فاعليةً ونجاعةً بحكم الشعبية الكاسحة التي يتمتَّعون بها (فنَّان أو لاعب رياضي) وعلى أساس الدور المادي الذي يساهمون به في المشاريع التنموية. أما المثقف، فقد انحصرت صورته في شخصية الأديب والفيلسوف، أقل شهرةً وأقل انخراطاً في المشاريع التنموية المباشرة.

كيف ترون وضع الدرس الفلسفي في الجزائر وما مستقبله؟

بدأ الدرس الفلسفي في الجزائر يعرف انتعاشاً ونموًّا على مستوى الكتابات والملتقيات، مع الجيل الجديد الذي حوَّل الشعار السقراطي وكيَّفه مع راهنه: «أكتُبْ لأراك!». تفطَّن الجيل الجديد بأن الدرس الفلسفي ينتعش ويتنوَّع بالكتابة. لكن، لم يجد بعد التوازن الكفيل بالارتقاء إلى كتابة صارمة ودقيقة تقول فحوى ما يشتغل عليه. ليس الغرض أن نكتب في نوعٍ من الإسهال الحرفي، بأن نكتب لأجل الكتابة ولا نعرف ماذا نكتب ولماذا نكتب على وجه التحديد. لم تجد الكتابة بعد عيارها ونقطة تسديدها، لم تجد معيارها الداخلي في ضبط الموضوع وصياغة الأهداف. بعض الكتابات هي تأمُّلات أو خواطر، في الغالب ذات نبرة صحفية أو وعظية. لكن هناك كتابات جادَّة، رغم أنها قليلة، تأخذ بالموضوع من النَّاصية، تعرف كيف تسير وإلى أين تسير، تُحسن ضبط إشكاليتها وصوغ أسئلتها وتحديد أهدافها. لا ضير في ذلك، لأن الجيل الجديد هو جيل شاب يتعوَّد على الكتابة مثل الحدَّاد في صهر الحديد وقولبة الأشكال. لا نزال ربما في طور هذه القولبة التي تأتي فيها الأشكال غير منتظمة أو تفتقر إلى القوَّة والإيحاء والرونق. لكن، رويداً رويداً، يتَّجه الدرس الفلسفي في الجزائر نحو نموّه ليبتغي النضج والاكتمال.

بم تفسرون هذا الحراك الفلسفي في الجزائر وبروز نخبة شابة تعتبر أنت واحد من روادها؟ هل للأمر علاقة بأفول حركات الإسلام السياسي؟

أعتقد أن في الجيل الجديد الذي أنتمي إليه كذلك، هناك الحاجة إلى الكتابة. ربما هو إيحاء دريدي، الذي ترك فينا أثراً كبيراً بحكم المولد والنشأة بالجزائر، يقول بأن قَدَر الجزائر الفلسفية أن تكتب. وبالفعل بدأت الجزائر تكتب «فلسفياً» بالزخم المرجوّ، وإن كانت الجزائر لم تتوقَّف عن الكتابة «روائياً وشعرياً». جاءت كذلك الحاجة إلى الكتابة للتنفيس عن جرح سنوات الإرهاب، والبحث عن دليل للخروج من النفق المظلم لسنوات العنف والدم. ترعرع وعي متنامي لدى الجيل الجديد بأن التماس الحقيقة التي تُصنع في أنطولوجيا الراهن بأنثروبولوجيا ما هو كائن، يمرُّ عبر أثر ملموس وهو الكتابة. كانت الفلسفة متأخرة بالمقارنة مع الهاجس نفسه الذي تمظهر في الرواية والسوسيولوجيا. لدينا روائيين كبار وسوسيولوجيين حدسيين يعرفون كيف يثقفون اللحظة الجزائرية في فرادتها ويترجمون ذلك إلى فرضيات بحث وإلى كتابة عالمة، لكن كنا نفتقر إلى فلاسفة يؤدُّون أدواراً مماثلة. بدأوا في البروز والتقدُّم التدريجي في أرضية جديدة عليهم، بكل النقائص والثغرات التي تتميَّز بها كتاباتهم، لكن لهم الإرادة في الولوج عميقاً في الأدغال ومحاولة فهم الطابع المعقَّد والملتبس للحظة الجزائرية. صحيح أن معظم الكتابات هي حول الفلسفة الغربية، لكن هذا لا يمنع ذاك، وهناك واجب التعلُّم ممن هم أكثر منا خبرة ونباهة. لا أنخرط في النقاش العقيم والجاف حول «علوم الأنا» و«علوم الآخر».

ليس للفكر عرق أو جنسية تستأثر به أمَّة أو هوية. يمكن أن نتعلَّم من جميع الفلسفات ونترجمها إلى لغتنا الخاصة لتتأقلم مع سياق أنطولوجيا الحاضر التي نعمل على بلورتها. يقول البعض: لكن لماذا ترجمة الآخر وتكييفه مع الأنا؟ لماذا لا نستخلص قوانيننا الثقافية من خصوصية تواجدنا في العالم؟ أقول لهؤلاء: بادروا بذلك! منذ أكثر من مئة سنة، كان هاجس الإصلاح على لسان شكيب أرسلان: «لماذا تأخَّر المسلمون ولماذا تقدَّم غيرهم؟». إذا لم يستطع أهل الإصلاح الإجابة عن هذا السؤال خلال مئة سنة، فلا أعتقد أن رواد ديارنا يمكنهم الإجابة عنه. ثم بماذا؟ يفتقرون إلى الأدوات وإلى الإطار النظري. من أين يجلبون الإطار النظري؟ كيف يستخلصونه؟ أعتقد أنه ينبغي تغيير زاوية الرؤية تماماً لنقول بأن العجز عن تشكيل نظرية حول خصوصية الأنا الثقافية مردُّه مشكلة هذا الأنا ذاته الذي قيَّد نفسه بتسويغية (casuistique) الممنوعات والمحظورات والعقل الفقهي الضيّق بإفقار الخيال الخلاَّق واسترسال المخيال بالولوج في الدقائق المملَّة والتفاصيل اللانهائية. لم يعُد خيالاً مركَّبًا وقابلاً للخلق والتوليد، وإنما أضحى نوعاً من المخيال الذي يتوهَّم (نظرية المؤامرة) والذي يغوص في التحليلات المبعثرة واللانهائية، هي «رد فعل» (réaction) و«بلبلة» (agitation) أكثر منها «فعلاً» (action) فاتحاً، سائلاً، سؤولاً ومسؤولاً. عندما نكون في أفق الوعظ والدعوة وهاجس الهوية والخصوصية، لا يمكننا التنظير، لأننا نفتقر إلى الخيال الخلاَّق، إلى المفهوم المركَّب، إلى الهدوء والانتباه. فنحن في حميَّة الانتماء وهاجس التمركز حول الخصوصية.

باعتباركم واحدا من قيادي الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية، ما مدى مساهمتها في الحراك الثقافي الجزائري؟

منذ تأسيسها سنة 2012، ساهمت «الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية» بوسائل مادية وتربوية وفكرية في تنشيط وتفعيل الدرس الفلسفي، بفروعها الولائية أولاً، بالمجتمع المدني ثانياً، وبمراكز البحث ودور الثقافة والجامعة أخيراً. في بضع سنين، صنعت الجمعية لنفسها مقاماً معلوماً يدفع بالفلسفة في الجزائر نحو الوجهة المرجوَّة وهي تنمية الحسّ النقدي والاعتباري، وتثمين الكتابة العالمة، وتخصيص منصَّات للكلام الحيّ والتبادل الفكري في شكل ملتقيات ومؤتمرات. لم تبقَ الجمعية على صعيد الأستاذية والأكاديمية، وإنما انفتحت أيضاً على البيداغوجيا بتخصيص دورات تعليمية لطلبة الباكالوريا، بتهيئتهم عملياً ونفسياً على مواجهة الامتحان وتقديم دروس نظرية وتطبيقية في كيفية تحليل النص الفلسفي ومعالجة المقالة الفلسفية وتدريب التلاميذ على الأدوات المنهجية والمشاركة في الفضاء العمومي بالرأي والرأي المختلف؛ فهي تعلّمهم كيف يفكّرون بذواتهم، لحظة سقراطية يُعاد من خلالها إنجاب الأفكار من بواطنهم. لم يتوقَّف الأمر عند التلاميذ، بل راهنت الجمعية كذلك على تدريب الناشئة من الأطفال على التفلسف، بتنظيم أيام تربوية يُحسن فيها الطفل الإصغاء إلى السؤال الذي يطلقه بعفوية، بأن يجد له الركيزة والدعامة ويعي هذا السؤال. لا يراه يُحلّق في السماء كالفراش، بل يصطاده ويعيد بلورته ليرى بأن سؤاله هو كينونته بالذات يريد امتحانها على محك الواقع وما هو مشهود أمامه. ساهمت «الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية»، ولا تزال تساهم برئيسها الدكتور عمر بوساحة وبكل أعضائها وفريقها الجاد والمجتهد، في تفعيل المشهد الثقافي ومصاحبة العمل الفكري نحو نضجه ومَدَدِه بمِدَاد كُتَّابها وامتدادات هياكلها ونشاطاتها.

ما مستقبل التيار العقلاني والحداثي في الفلسفة العربية؟

مستقبل صعب، لكنه غير مستحيل. لأن بالموازاة مع هذا التيَّار، هناك قوَّة اللامعقول المستشري في الحياة الاجتماعية، والذي لم يستطع هذا التيَّار التخفيف من حدَّته أو التقليص من مجاله. زاد التديُّن والسرديات الميتافيزيقية من تعميق جذور اللامعقول، فاختفت من المدنية والفضاء العمومي الأساليب العقلانية في التداول الرمزي، أي الاستعمال السديد للغة والاستعمال الوجيه للعقل؛ كما اختفت مظاهر الحضارة لتعقبها أوجه التوحُّش السابق على الحضارة. لا أتحدَّث هنا عن «التحديث المادي» الذي تحقَّق في العديد من حواضرنا التي باتت تضاهي المدن الغربية من حيث وسائل النقل والعمارات الشاهقة والوسائل التكنولوجية والخدمات العمومية، بل أنعت «الحداثة الفكرية» التي هي ضئيلة بالمقارنة مع حجم الرهانات والمطالب الملحَّة. أشرتُ إلى التديُّن الكاسح والسطحي الذي هو عثرة أمام الحداثة الفكرية والأخلاقية. يمكن إضافة سوء فهم الروح العلمانية التي غالباً ما تُقترن بالتغريب والاستلاب، بل وبالإلحاد؛ مما يجعل استيعابها عسيراً، ما لم نُفسّر دورها الجوهري والأساس أمام تنامي الاعتداء على الحريات الفردية والجماعية، وفي ظل صعود النزعات الطائفية والمتطرّفة.

بحكم ممارستك للترجمة كيف تنظر الى حال الترجمة في المغارب؟

لا يمكن إنكار وجود حركة ترجمية متنامية في المغارب، قليلة بالمقارنة مع الترجمات العالمية، لكنها تتقدَّم بخطى ثابتة لتصير سياسة فكرية وتقاليد مؤسَّسية. هناك مبادرات فردية وهناك مشاريع ترعاها مؤسَّسات فكرية. ما يمكن التأكُّد منه هو أن مسار الترجمة يزداد كميَّا بالعدد المتنامي للأعمال المترجمة من اللغات العالمية (الفرنسية، الإسبانية، الإنجليزية، الألمانية، الإيطالية، إلخ)؛ أما النماء النوعي في ضبط المصطلح والتفكير في المفهوم، هذا لا يزال في صورة جنينية. لا يوجد معجم موحَّد للمصطلحات الفلسفية. لا أدري بالنسبة للمصطلحات العلمية أو الأدبية، لكن في المجال الفلسفي، هناك سديم من المصطلحات المختارة، وغالباً ما يعمد المترجم إلى النحت والابتكار بناءً على الاشتقاق في غياب الكلمة المكافئة. الترجمة بالتعريف هي أيضاً «نحت» بابتكار مصطلحات لا نجد لها مكافئاً بين اللغات. غير أن بغياب معجم موحَّد، فإن القارئ يضيع وسط اقتراحات عديدة من المصطلحات؛ فيكون للمصطلح الأجنبي الواحد عدَّة مفردات بالعربية. هذا ما يجعل الترجمة هشَّة البنيان وفقيرة الصورة المفهومية التي تريد إيصالها.

هناك عوائق أخرى تخص الإلمام الكافي باللغات العريقة (اليونانية واللاتينية) والحديثة، حيث لا يمكن أن نشتغل في الفلسفة ما لم تكن لنا معرفة (وإن لم تكن مفصَّلة ودقيقة) بلغة الفلسفة في موطن ميلادها، وهي اللغة اليونانية العريقة. لأن على أرضية هذه اللغة تشيَّد صرح الفلسفة ككل، وفقه المفهوم الفلسفي مرهون بمعرفة اللغة التي تجسَّد فيها في صدر وجودها. أضيف عائقاً آخر يخص الترجمة، وهو العائق المادي. العديد من الباحثين يُترجمون لأغراض مادية في الاسترزاق أو الظفر بالجوائز. لا مشكلة في ذلك، ما دامت صناعة الترجمة هي مؤسَّسة شاقَّة ومُجهدة وينتظر المترجم مكافأة على كفاءته. لكن ضعف المدخول في المغارب، يجعل العديد من الباحثين يترجمون، أحياناً بتسرُّع ونفاد صبر، فتأتي الترجمات هشَّة ومخلَّة بالمعنى. للحصول على ترجمات ذات جودة وكفاءة، أقترح أن تكون هنالك مؤسسات تُشرف على الأعمال الترجمية بوجود لجان تحكيم وأن تُكافئ المترجمين مادياً وتستوفي هذه المكافأة، وهذا يغنيهم عن الترجمة المتسرّعة لعدد كبير من المراجع المراد ترجمتها.

30 مايو 2018.

شاهد أيضاً

حوار مع الدكتور كمال بومنير

الدكتور كمال بومنير يعد البروفيسور كمال بومنير أحد الأقلام الفلسفية الجادة في العالم العربي، يساهم …

5 تعليقات

  1. المعانيد الشرقي

    تحية فكرية أستاذ رشيد على إشراكنا هذا الحوار المفيد مع مفكر و فيلسوف معاصر ينظر إلى إشكالات اليوم بنظرة مختلفة و يحلل قضايا الفكر الفلسفي بشكل رصين دون تنميق لغوي كما ذكرت … حين لقائك به في الجزائر.. مودتي و تفدري لكما و لكل عشاق و عاشقات الحكمة …

  2. محمد ايت غوت

    بحثك -اخي رشيد -في الفلسفة بالجزائر دليل على مدى الجهد الذي تبذله من اجل التعريف أولا بالتفكير الفلسفي بالجارة الجزائر، وثاني من اجل تقريب الرؤى حول قضايا فلسفية وعلمية بين المهتمين بالحقل الفلسفي في العالم العربي الإسلامي، وهذا يدل كذلك على أن ابن رشد لا زال حاضرا معنا في وقتنا الراهن من اجل تثبيت مبادىء العقلانية التي ما فتىء الآخرون يعملون على عرقلتها وطمسها في مجتمعنا ..فتحية خالصة لك ولاسرتك الغالية. .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *