الرئيسية / منتخبات / عامة / الملَك الشيطان

الملَك الشيطان

الكاتب: عبد الجليل ولد حموية

كنت صغيرا، أو هكذا كانت تعتقد والدتي، بالرغم من أنني أعرف طريقة توالد النمل، وعدد شعيرات لحية الشيطان، لكنني كنت أبدو صغيرا، هكذا يقول الجميع، حتى طيابة الحمام تمنحني «laissez-passer» لاقتحام حمام النساء بسبب نحافة جسمي، قصر قامتي وملامحي الطفولية، وبما أن أغلبية نساء الحي تقبلنني في الفم كتعبير عن اعجابهن ببراءة وجهي الملائكي. عقدت العزم على كسب احترام العائلة والحي، قررت  اقتحام عالم الصيام قبل أقراني، بالرغم من أنه لم يحق علي بعد، متسلحا برشوة والدي ودعوات والدتي الثمينة، صمتُ أول يوم في حياتي، ويا ليتني لم أفعل.

مشهد مؤلم، مشاهدة اخوتي يفترسون الوجبات التي كنت أشاركهم إياها يوميا، البطاطس الباردة والمرق المعتق، يبدوان أشهى من المن والسلوى، الرغيف المطاطي يترك أثرا كشهاب يسبح في السماء. حاولتُ إخفاء اللعاب الذي ما فتئ ينفجر من فمي بسبب الجوع، والدمع يزاحم رموشي كلما نظرت إلى انعكاس صورتي في براد الشاي العذب. أمضيت اليوم أتنقل من سرير إلى سرير، من ركن إلى ركن، كأنني مهندس ديكور يريد اعادة بناء المنزل، أراقب الساعة الحائطية كما يراقب الموت حياة آفلة، الوقت يمضي بطيئا كأنه يعاكسني، الساعة العتيقة كساعة السجن، العقرب الصغير يمشي مثل سلحفاة متورمة، والطويل يتحرك كرافعة بناء صدئة، يتكالبان لتعذيبي. أعيد ترتيب كل ذكرياتي، أعد أزرار القميص الرث، أداعبني فأتذكر الإمساك عن شهوة الفرج فاكف، أرتل ما حفظته من آيات قرآنية في المسيد عند سي «العرج»، وأنشد في نفسي كي لا تسمعني أمي أغني (لأنه حرام) ما علق بأذني الصغيرة من طرب مذياع جدتي، والوقت هو هو، كأن الدقائق ملت من التعاقب، والساعات اعتزلت طي الزمن والتهام الحاضر، تشابكت خيوط كبة دماغي الصغير، ما العمل ؟

تطردني الكوابيس من النوم بسرعة، بدأت أشاهد السراب في البيت، جسمي الصغير يحاول خلق عالم مواز حيث لا صوم، لا صلاة، ولا فرائض، عالم كافر أو عالم عادي جدا، كل شيء في البيت الصغير يبدو مثل ماء ينساب عذبا نحو فمي، كلما فكرت في الرجوع عن فكرة الصوم تخرج من الفراغ جملة تدعمني وتجعل مني بطلا. كنت محتجزا بين مقصلتين بلا جرم ارتكبته، أن أتخلص من الموت جوعا وعطشا أو أن أصبح بطلا.

آذان صلاة العصر، لازال الوقت مبكرا على الإفطار، المضمضة لم  تعد تؤتي أكلها، لابد من حل وسطي يجنبني جحيم الجوع  والعطش وأضمن به عباءة البطل. أمي تبدو لي كجرة ماء تتحرك في البيت بخطوات متثاقلة، أسمع صوت الماء يتراقص في الكائنات، خطوط الحصير كجداول صغيرة تمشي نحو فمي بسرعة، قبل الارتواء يدمر الواقع الخيال كعادته ويشتد العطش أكثر فأكثر.

تسللت إلى المطبخ، تجرعت بعض الماء على عجل، وتناولت بعض بقايا غداء اخوتي، كنت محظوظا أن والدتي خارج المطبخ. لم يشاهدني أحد، أو ربما شاهدني وكان هو أيضا يختلس الفرصة ليلتهم ما تيسر. عدت مزهوا كأنني انتصرت على جيش، تمكنت من الأكل دون إفساد عباءة البطل.

أذن المؤذن لصلاة المغرب، وضعت ثمرة في فمي، رددت خلف والدي دعاء الصائم بدون أن أعي معناه أو الغاية من تكراره كل يوم، عوملت معاملة الأبطال، أخذني والدي إلى الفوتوغرافي لتأريخ اللحظة، لحظة دخول ابنه الاسلام بكل جوارحه، انتشر الخبر في الحي كنار على هشيم، حتى بنات الحي أعجبن بي، عبد الجليل الصغير تحول فجأة إلى رجل.

وفي نفسي ذرة كفر توحي أن خلف الوجه الملائكي شيطان نائم ينتظر التحرير، ليجبّ الإيمان…

الكاتب: عبد الجليل ولد حموية

من المغرب

صدر له رواية موسومة «صهيل جسد»، له عدة نصوص قصصية وشعرية منشورة الكترونيا وورقيا، ستصدر له مجموعة قصصية قريبا تحت عنوان «رهاب العودة»

 

شاهد أيضاً

  نظرة موجزة حول رائد المقالة الحديثة “ميشال دي مونتيني”

بقلم الباحث عبد الرحيم أمعضور  منذ ان بدأ الكتابة ، حاول مونتين أن ينخرط وبشكل صارم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *