الرئيسية / منتخبات / ترجمة / حول مفهوم المعقولية الاستطيقية  تأليف: راينر روشليتز

حول مفهوم المعقولية الاستطيقية  تأليف: راينر روشليتز

ترجمة وتقديم: أ.د/ كمال بومنير

راينر روشليتز Rainer Rochlitz فيلسوف ومترجم فرنسي من أصل ألماني ولد في مدينة هانوفر عام 1946 وتوفي في باريس في عام 2002. درس الفلسفة وتاريخ الفن، وتخصص في الجماليات وفلسفة الفن. ساهم روشليتز من خلال ترجماته وأعماله في نشر العديد من الأعمال الفلسفية الألمانية المعاصرة، منها على وجه الخصوص أعمال يورغن هابرماس وكارل أوتو آبل. كما أنّ له العديد من الأعمال الفلسفية المتخصصة في فلتر بنيامين وغيورغ لوكاتش. من أهم مؤلفات راينر روشليتز: “لوكاتش الشاب (1911-1916)، نظرية الشكل وفلسفة التاريخ”، نشر عام 1983، “نزع الطابع السحري عن الفن.فلسفة فلتر بنيامين”، نشر عام 1992. “الجماليات والنقد”، نشر عام 1998، “هابرماس: الاستعمال العمومي للعقل”، نشر في 2002، “شغف النقد: محاولات في الفن والأدب”، نشر في 2002.

النص:
ليس ثمة شك أنّ الحديث عن معقولية استطيقية Rationalité esthétique ليس مجرد نفي للتقليد الفلسفي النيتشوي الذي حاول تأسيس الفن على ما يخالف الثقافة السقراطية. والحقُ أنّ هذا التقليد لم يفقد تماما مشروعيته فيما يخص الانتشار غير المتميز لما يسمى بالمعقولية العلمية والأخلاقية على حساب المجال الاستطيقي. ومع ذلك، يمكننا القول إنّ غرض المعقولية الاستطيقية يتمثل في تحديد خاصية الأعمال الفنية فيما تتطلبه من اعتراف الغير، وفيما يخص مطمحها في تحقيق نوع من النجاح، بحيث تكون قابلة للنقد والتسويغ القائم على عرض الحجج. أما في حالة ما إذا أخذ مفهوم المعقولية الاستطيقية طابع المحاجة، فإنه سيكون في هذه الحالة موجها –بطبيعة الحال- ضد ذلك التصوّر الذي يدعي إمكانية الكشف عن خصوصية الفن ضمن علاقة تعويضية – سواء أكانت متعة خالصة أو تأمل مباشر لمعنى فوق عقلي- خالية تماما من المحاجة. ومن جهة أخرى، يحاول هذا المفهوم تحديد شكل من المعقولية لا يمكن تطبيقها إلا على الصلاحية الاستطيقية La validité esthétique ، بالصورة التي تكون فيها مطابقة لما هو صادق أو لما هو كاذب ضمن المجال المعرفي والصحة المعيارية La justesse normative الخاصة بالحقل الأخلاقي. والحقُ أنه يتعذر اختزال هذا المفهوم في هذه الأنماط من الصلاحية؛ ولعل ما تجدر الإشارة إليه في هذا المقام أنّ مفهوم المعقولية لا تحيلنا إلى أي طابع منطقي ولا إلى أي انتظام عقلي مستقل عن إدراكاتنا المعرفية أو إلى تأويل ما، وإنما تحيلنا بالأحرى إلى سياق من الاعتراف والتواصل. وحتى تتضح هذه الفكرة أكثر نقول إنّ ما يكتسي طابعا عقليا هنا هو من دون شك ما يمكن أن يدعي الاعتراف أو ما يتعلق بنوع من التقدير القابل للتسويغ. وليس “عقليا” بهذا المعنى، تلك الضرورةُ السببيةُ القائمة على اعتبار حدوث ظواهر ما ضمن شروط معطاة. وليس بخافٍ أنّ هذه الضرورة لا تدعي أي شيء. وفي هذا المضمار يمكننا القول إنّ فرضية علمية ما أو فعلا ما يمكنهما –بطبيعة الحال-الارتكاز على مثل هذه الضرورة قصد إثبات وجود شيء ما. وبالمقابل، إذا اعتبرنا نظاما اجتماعيا ما مشروعا، أو نحوا لغويا متماسكا، فإنه يمكننا، في هذه الحالة، اعتبارهما عقليين من حيث هما كذلك، مثلما يمكن أن تكون تلك الأفعال التي تستند إلى مبادئ وقواعد معترف بها ضمن هذا الإطار. وذلك لأنّه، وبخلاف الضرورات الموجودة في الطبيعة، تدعي هذا الأفعال الاعتراف المعياري. وهذا ما ينطبق أيضا على الأعمال الفنية نفسها. والحالُ أنّ كل الأعمال الفنية هي ثمرة عمليات التفكير للأقل اكتمالا أو عندما يكون الأمر متعلقا بالكتابة الآلية المنتقاة والمعروضة وفق تفكير ما. بيد أنّ هذه العملية، التي قد تكون في أغلب الأحيان فاشلة، قد تسعى لتحقيق الاعتراف بحسب نجاحها. والملاحظ أنّ العمل الفني لا يتم تقديمه للجمهور إلا في حالة ما إذا رأى منتجه (أو منتجوه) إمكانية مواجهته النقّاد، أو ما يمكن أن يثير اهتمامهم. وعندئذ، يتبيّن أنّ هذا التذاوت Intersubjectivité الخاص بالاعتراف المبحوث عنه، هو المقصود فعلا ﺑ “المعقولية الاستطيقية “. ومع ذلك، ومهما كانت درجة الكونية التي يمكن أن يبلغها هذا الاعتراف، فإنه من بيّن أنّ الارتياح الخاص الذي يمكن أن يحققه شخص ما، سواء تعلق الأمر هنا بالمبدع أو الجمهور (المتلقي للعمل الفني) ، لا يكفي –والحقُ يقال- لتأسيس علاقة استطيقية بالنظر إلى خصوصية “الفن”. أما فيما يتعلق بالطبيعة، سيكون فيها الأثر الجمالي عرضيا وغير إرادي، لأنّه حتى وإن قدمت الأسباب التي جعلتني معجبا ومبهورا من الناحية الاستطيقية بهذا المنظر الطبيعي أو ذاك، فإنه لا يتضمن أي تذاوت يخص الاعتراف، وبالتالي لا يتضمن أي “معقولية استطيقية ” بالمعنى الذي أشرنا إليه سابقا. بهذا الصدد، يجدر بنا أن نشير هنا إلى أنّه لا يكفي، ليحقق عملٌ فنيٌ ما مطلب الاعتراف، أن يقول شخصٌ ما :” هذا العمل الفني يعجبني”، لأنه في هذه الحالة نحن أمام حكم متعلق بالمتعة لا بحكم ” استطيقي “.

Rainer Rochlitz, « Dans le flou artistique. Eléments d’une théorie de la « rationalité esthétique » in Christian Bouchindhomme et R. Rochlitz, éd : L’Art sans compas. Redéfinitions de l’esthétique. Paris, les éditions du cerf, 1992, pp 203-204.

شاهد أيضاً

“حول جمال اللوحة الفنية” تأليف: أندي وارول

ترجمة وتقديم: أ. د/ كمال بومنير وُلد الرسّام التشكيلي الأمريكي أندي وارول Andy Warhol في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *