الرئيسية / منتخبات / ترجمة / ما الجميل ؟ تأليف: جان بيير كروساز

ما الجميل ؟ تأليف: جان بيير كروساز

ترجمة وتقديم: البروفيسور كمال بومنير

جان بيير كروساز Jean-Pierre de Crousaz فيلسوف سويسري، ولد عام 1663 بمدينة لوزان وتوفي في عام 1750. تأثر كروساز بفلسفة ديكارت وبأعمال ليبنتزLeibniz ، وكان مطلعا أيضا على كتابات جون لوك John Locke . هذا، ويمكننا القول بأنّ مكانة كروساز في الحقل الفلسفي الجمالي كبيرة لأنه يمثل لحظة فلسفية أساسية بالنظر إلى الدور الذي لعبه فيما يخص الجدال الذي كان قائما في القرن الثامن عشر بين الاتجاه العقلاني والاتجاه التجريبي الحسي حول طبيعة الجميل. وقد عمل كروساز على التقريب بين هذين الاتجاهين من خلال الجمع بين الجانبين الذاتي والموضوعي فيما يخص معنى الجميل. من أهم أعمال كروساز: “دراسة في الجميل” 1715، “حول أهمية دراسة الرياضيات وطريقة دراستها” 1715، “المنطق أو نظام الأفكار التي يمكن أن تسهم في وضوح واتساع معارفنا” 1720، “دراسة في تربية الأطفال” 1722، “خمس خطب حول حقيقة الديانة المسيحية”1722، “دراسة في الحركة”1726، “دراسة في الجبر”1726 ، “النسق المنطقي المختصر” 1735.
النص:
عندما نتساءل عن معنى “الجميل” فإننا لا ندعي على الإطلاق أننا نتحدث عن شيء موجود خارج عنا، مثلما نتساءل –على سبيل المثال- عن معنى حصان أو شجرة؛ فالشجرة هي الشجرة، والحصان هو الحصان، من دون حاجة إلى مقارنتهما بالأشياء الأخرى الموجودة في الكون. ولكن الأمر ليس كذلك حينما يتعلق الأمر بالجمال لأنّ هذا اللفظ ليس مطلقا ولكنه يعبّر عن تلك العلاقة الموجودة بين الأشياء التي نسميها “جميلة” بحسب أفكارنا أو أحاسيسنا، وبحسب عقولنا وقلوبنا، أو ربما بالنظر إلى أشياء أخرى، بحيث، ولتعيين فكرة الجمال، يجب علينا –أولا وقبل كل شيء-تحديد وتصفّح العلاقات التي ترتبط بهذا اللفظ على نحو مفصل [..].
إنّ أولئك الذين يتباهون بالامتناع عن الحديث بدون تبصّر منهم يودون حقا الغوص في أنفسهم وما يحسوّن وبالكيفية التي يفكرون بها حينما يقولون: “هذا الشيء جميل”، حينئذ سيدرك هؤلاء أنهم يعبّرون من خلال هذا اللفظ (أي الجمال) عن نوع من العلاقة الموجودة بين شيء ما وأحاسيس ممتعة حقا أو بأفكار مستحسنة، بحيث يتفقون –بطبيعة الحال- على القول بأنّ “هذا الشيء جميل” بالصورة التي يستحسنون فيها هذا الشيء أو يعتبرونه مصدر متعة وتلذذ. والحقُ أنّ الفكرة المرتبطة بالجميل مزدوجة ويكتنفها الكثير من الغموض، وهذا ما يجعلنا نرتبك خوفا من الخلط بين المفهومين اللذين أشرنا إليهما سابقا. والحالُ أنّ هذا هو السبب الرئيسي الذي أدى إلى حدوث جدل بين المفكرين فيما يخص مفهوم الجمال. غنيٌ عن البيان أنني أميّز هنا بين نوعين من الادراكات؛ النوع الأول يسمى “الأفكار” والنوع الثاني “الأحاسيس”؛ فعندما يكون الأمر متعلقا بأشكال هندسية كالدائرة والمثلث أو بطائر أو منزل، فإنني في هذه الحالة أكوّن أفكارا، ولكن عندما آكل شيئا أو أجلس أمام مدفئة أو أشم وردة فإنّ الادراكات الخاصة بالذوق والحرارة والرائحة تكون في هذه الحالة متعلقة ﺑ “الأحاسيس” لا بالأفكار. أما إذا كانت هذه الأخيرة مرتبطة بالفكر فإنّ الأحاسيس تكون مرتبطة من دون شك بالقلب. [..].
عندما يكون الإنسانُ منشغلا من الناحية الفكرية بشيء ما بغيةَ معرفته فمن الممكن أن لا يتلقى من ذلك أي انطباع يهزه ويثيره لأنه لن يكتشف –بطبيعة الحال- شيئا ما قد يثير اهتمامه ويخرجه من سكونه وهدوئه. حينئذ سيقول: إنّ هذا الشيء لم يؤثر فيّ ولم يمتعني على الرغم أنه يعترف حقا بأنه جميل. من هنا قد يستنتج البعض أنه لا يصح النظر إلى الجميل بما “يحققه من متعة”. ولكن، حتى وإنّ كانت فكرة هذا الشيء غير مرتبطة حتما بإحساس ممتع فمن الممكن أن نجد شيئا مستحسنا وينال إعجابنا. ومن ثمة يمكننا القول بأنّ هذا الشيء قد يعجبنا ولا يعجبنا؛ إنه يعجب الفكرة ولا يعجب الإحساس. ولكن، وعلى العكس من ذلك، يمكن أن نجد بعض الأشياء التي تعجبنا حقا من دون أن تكون جميلة. لذلك كان بإمكاننا القول بأنه من الممكن في هذه الحالة أنّ نميّز بين نوعين من الجمال، وأنّ نميّز أيضا بين نوعين من المتعة. والحقُ أنه لا يصح الخلط بينهما تجنبا للوقوع في أي ارتباك أو حيرة. لذلك حريٌّ بنا أن نميز هنا بين ما ينال إعجاب العقل وما ينال إعجاب القلب، ما يستحسن باعتباره فكرة، وما يستحسن باعتباره إحساسا. من المعلوم أنّ الأفكار والأحاسيس يتفقان في بعض الأحيان، ومن ثمة يمكن أن نعتبر شيئا ما جميلا بمعنى مزدوج. وعلى العكس من ذلك، قد تتناقض في بعض الأحيان الأفكارُ والأحاسيسُ، بحيث أنّ شيئا ما قد يعجبنا ولا يعجبنا لأنه قد يبدو لنا تارة جميلا وتارة أخرى لا يبدو لنا كذلك. من المعلوم أنّ بعض المتأملين الذين تعوّدوا على الحكم على الأشياء من خلال الأفكار فقط وبتوّدة وعلى مهل لا يعيرون للأحاسيس أهمية تذكر، بل ويعتقدون أنّ كل ما يبنى عليها وكل ما قد ينتج عنها مجرد تيه وظلال أو هوى عابر. ولكن، وعلى العكس من هؤلاء نجد البعض الآخر (وهؤلاء يشكلون من دون شك الأغلبية الساحقة ) لا يفكرون بتاتا ويخضعون لعواطفهم وأحاسيسهم، بحيث أنهم يعجزون عن اكتشاف أسباب اختلافهم ويظنون أنها مجرد صدفة، ومن ثمة لا يميزون تمام التمييز بين الذوق والنزوة. ولكن ومع ذلك، لا يصح الخلط بينهما، لذلك وجب تجاوز الحد والوقوع في الإفراط. وإذا كان الأمر كذلك، يجب علينا في هذه الحالة البحث عن المبادئ التي نعتمدها في استحساننا الأشياء في الوقت الذي نكتفي فيه عادة بالحكم عليها بحسب أفكارنا حينما تنال إعجابنا ، بحيث نعتبرها جميلة بصورة مستقلة عن أحاسيسنا. وليس ثمة شك أنّ هذا ما يحدث لإنسان لديه بعض المعارف عن فن الرسم أو الرياضيات حينما يلقي نظرة على لوحات فنية رائعة أو أشكال هندسية، كالدوائر والمثلثات والمضلعات أو أشكال أخرى يصعب وصفها.
Jean-Pierre de Crousaz, Traité du beau, Paris, éditions Fayard, 1985, pp 22-24.

شاهد أيضاً

الفضاء العمومي المعارض اليوم (الجزء الثاني) تأليف: أوسكار نيغت 

ترجمة وتقديم: أ.د/ كمال بومنير اعتقد أننا اليوم أمام نوعين من الفضاء العمومي؛ هناك أولا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *