الرئيسية / فكر وفلسفة / دراسات وأبحاث / الإيتيقا في الفلسفة المعاصرة: فوكو، دولوز، باديو، يوناس، جون راولز

الإيتيقا في الفلسفة المعاصرة: فوكو، دولوز، باديو، يوناس، جون راولز

من الأخلاق إلى الإيتيقاقراءة في المنعطف

نصر الدين شنوف – الجزائر

إن المتتبع لمسارات الدرس الفلسفي المعاصر لن يخفى عنه بلا شك ذلك الانعطاف الحاسم الذي سلكته الفلسفة المعاصرة ” المنهج والموضوع ” بمخصوصيتها وتفردها، فلم تعد الفلسفة مثلما كانت مع اليونان ذو طابع تجريدي صوراني، ولم تبقى حبيسة تلك الجدلية التي ارتسمت لحظة التفكير الوسطوي، في البحث عن علاقة وتفاضل العقل والنقل، الفلسفة والدين، ولم تعد الفلسفة ذو طابع علمي وضعاني منطقاني مثلما كانت في العصر الحديث، لقد اقتربت الفلسفة المعاصرة بجرأة من الواقع ومن الحياة التي يعيشها الإنسان المعاصر، بحيث أصبحت هذه الحياة هي موضوع الفلسفة الأول، لقد نزع الفيلسوف المعاصر عن نفسه قدسية الحياد، ونزل من برجه العاجي إلى أرض الحياة ليتأول أحداثها وينظر في حيثياتها، وأضحى مثله مثل كل إنسان يعيش الحدث من الداخل ومن العمق بما هو جزء من منظومة مجتمعه وواقعه بتعقيداته وتحولاته المختلفة.

لقد أضحى الخطاب الفلسفي وكأنه خطاب صحفي بامتلاكه الناصية الإعلامية والإشهارية والقدرة على التعليق المستمر على الأحداث والمستجدات، وشكلت موضوعة الأنا والآخر حجر الزاوية في الخطاب الفلسفي المعاصر، بالرغم من قدامة الطرح على الصعيد المفهومي، إن ما يعيشه العالم اليوم من خراب وحروب وقتال وعنف منظم، جعل الفلاسفة يطرحون قضية الأنا والآخر من منظور دياليكتيكي فلسفي كونها ضرورة أنطولوجية وحتمية أخلاقية للاستمرار. والحقيقة أن الفلسفة المعاصرة في جانب منها قد قامت لتجاوز هذا المستوى من الإنسياب خصوصاً على الصعيد الأخلاقي والفني والإيتيقي عموماً،

مثل الخطاب الإيتيقي البراديغم الرئيسي في الخطاب الفلسفي المعاصر كبديل لمجاوزة أزمة القيم المعاصرة. من إيتيقا المناقشة والحوار والتواصل “يورغن هابرماس−كارل أتو آبل”، إلى إيتيقا الجنس/الحياة عند فوكو/دولوز، وكذلك إيتيقا العدالة “جون راولز” ومحاولة تجاوز الإنحراف المؤسساتي وتفعيل الممارسة الديمقراطية الحقة، وصولاً لإيتيقا الاعتراف ” أكسيل هونيت” وقيم الحب والتضامن. إلى إيتيقا الحب “آلان باديو” وإيتيقا المسؤولية “هانس يوناس”. يطرح الخطاب الإتيقي نفسه اليوم كاستجابة لتداعيات اللحظة التاريخية القائمة وإفرازاتها الخطيرة على الصعيد الأنطولوجي والأنطو₋أنطولوجي على السواء.

إن الكلام على الإيتيقا في تاريخ الفلسفة يحيلنا إلى إعادة بعث الخطاب الأخلاقي مجدداً، على الرغم من ذلك الفصل الذي نقيمه بين الإيتيقا والأخلاق إجرائياً ومفهومياً. ونحن إذ نقدر ذلك إيبستيمولوجياً، فإننا نؤكد على الطابع الجدلي العلائقي بين الإيتيقا والأخلاق والذي نبقيه في مستوى الفصل الرفيع لا النهائي.

يتركز الهم الفلسفي المعاصر على إقامة إيتيقا جذرية كلانية قائمة على مفاهيم عالمية كمفاهيم المواطنة والفضاء العمومي والأنسنة والإختلاف…إلخ، وفلاسفة أمثال ماكس فيبر وليفيناس وريكور وتايلور هم فلاسفة الإيتيقا بامتياز. وهذه النظريات الإيتيقية على جديتها تبقى دوماً على تواصل مع التراث الفلسفي الأخلاقي وهي إن تتجاوزه فإنها تحتفي بمقولة التطبيق دون الوقوف على الطابع المتعالي الذي حكم التفلسف في الأخلاق قديماً.

إن الحديث عن الإيتيقا في تاريخ الفلسفة يجعلنا مضطرين منهجياً إلى استرجاع أسماء سقراط أفلاطون. أرسطو. سبينوزا. كانط. نيتشه. برغسون. وصولاً عند فيجنشتاين، لقد أنزل سقراط الفلسفة من السماء إلى الأرض بعبارة شيشرون، حتى يجعل من الموجود موضوع الفلسفة البديل بعد أن كانت الفلسفة بحث وتأمل في الوجود وأسراره، ولا مبالغة إذا ما وصفنا فلسفة سقراط في كليتها بأنها فلسفة أخلاقية. أما أفلاطون ومن خلال معايشته للظروف القاسية التي مر بها معلمه سقراط فإنه أرجع الأخلاق إلى عالم مفارق ومتعال هو عالم المثل والذي فيه تتحقق القيم الأخلاقية في أصالتها. في حين يمكن تلخيص كتاب أرسطو “الأخلاق النيقوماخوسية” في فكرة عريضة مفادها أن الإنسان أفقه الإنسان، أما سبينوزا. فإنه لوحده يمثل تياراً إيتيقياً، لقد جعل من لا نهائية الجوهر ووحدته الحكمة الأساسية في فهم هندسية الطبيعة، ومع كانط، يأخذ سؤال الأخلاق انعطافاً حاسماً للغاية، إنها بمثابة رؤية جديدة للعالم، بطرحه لعقل عملي قائم على مبدأ الفعالية الأخلاقية قبلياً في إستقلالية تامة عن العقل المجرد، أخلاق يحكمها الضمير الإنساني وقائمة على مبدأ الواجب كإمكان يوتوبي خالص، ومع نيتشه يثور الخطاب الأخلاقي، إنها فلسفة ثورية قائمة على نقد مفاهيم الضعف والإستسلام التي جاءت المسيحية لترسيخها باسم الإله، واستبدالها، أو بمفهوم نيتشوي دقيق، بقلبها إنصافاً للكرامة الإنسانية وتحقيقاً للعقلانية من خلال إعلائه من شأن الحياة والقوة التي هي من شأن الإنسان الأعلى. أما فيجنشتاين الذي سعى إلى إقامة علائقية فلسفية خالصة بين اللغة والإيتيقا من خلال تأكيده على الطابع العنيف الناجم عن عدم فهم اللغة. وتحميلها سبب معظم الحروب في العالم. فإنه مقابل ذلك. يقيم ربطاً حقيقياً بين الايتيقا والفن. أو إن الخطأ على مستوى الذوق يعادله الخطأ على مستوى الفكر.

يتواصل هذا الحضور للخطاب الأخلاقي في صبغته المعاصرة. كأخلاق تطبيقية خصوصاً بعد جهودات هايدغر في نقد التقنية وماركوز في نقد تطرفات الرأسمالية الصناعية، وليفيناس في نقد الأنطولوجيا الأساسية. وكل هذا النقد هو نقد إيتيقا بالأساس.

لقد اهتمت الفلسفة المعاصرة بالأخلاق التطبيقية بالأساس من خلال أعمال ماكس فيبر وليفيناس وهابرماس وتايلور وريكور، نتحدث هنا عن نظريات إيتيقية راهنية بامتياز، من إيتيقا التعقل والعقلانية في مقابل إيتيقا الماوراء/ الميتالوغوس. عند فيبر، إلا إيتيقا العدالة كتوجيه منهجي لليبيرالية المتطرفة عند جون راولز، ومن إيتيقا الرغبة لـ فوكو/باطاي، إلى إيتيقا العيش عند دولوز، وصولاً عند إيتيقا التواصل كتأسيس واقعي للتفاعل الحواري مع هابرماس والقائم على قيمة الإعتراف عند أكسيل هونيت، كتدشين فلسفي لمثاقية الإجتماع، إنتهاءاً بإيتيقا الحب مع آلان باديو، بوصفها عودة نحن الماضي. نحو الأصل. قبل المادية. أين توجد الصورة الخالصة للإنسانية. أو باعتبارها تعبير عن مشهد التلاقي الحتمي. وقبل هذا كله، يمكن لنا أن نتساءل مع فيلسوف قدير كـ ” كارل أتو آبلما معنى أن يكون الإنسان كائناً إيتيقياً؟.

إن الحديث عن هذه النظريات الإيتيقية مجتمعة، في تمفصلها الأولاني فلسفياً، يتخذ شرعيته من تعالق المدارس الفلسفية منهجياً، إن القصدية الفينومينولوجية الحاكمة بالتوجه المباشر نحو الأشياء والقائمة على مبدأ الإيبوخي/ تعليق الحكم، مكنت فلاسفة أمثال موريس ميرلوبونتي وليفيناس من تجذير الآخر بوصفه حدث إيتيقي، يتجلى في اللقاء. في مقابل ذلك. تذهب الهرمينوطيقا إلى إبراز الطابع السجالي بين الإيتيقا ومسألة الفهم بتركيزها على البعد الغوي/ تاريخي/ الإيستيطيقي. عبر المساءلة الرومانتيكية والكيناوية “الفوزيس” واللغوية/ السردية. إن واحد مثل هايدغر قد أكد في الأنطولوجيا الأساسية على البنية التخارجية للدازاين ضد التمثل الديكارتيالهيغيلي الذي حول الحضور إلى مثول أمام الذات، إن الإنفصال الحاد الذي أقامه ديكارت بين الطبيعة الروحية والجسدية لم يعد مناسباً على حد تعبير هايدغر، فالجسد ليس ملازماً أونطيكياً لكينونة الدازاين في العالم. وهنا فقط نستسيغ التحول الهيديغيري من ماهو الأبوفنطيقي إلى إرساء ضرب من هيرمينوطيقاالهو، وبصورة مختلفة. يستكمل غادامير المقاربة الإيتيقية لمسألة الفهم من خلال إعادته الإعتبار لقضايا الفن والتراث والتاريخ. ثم أليس الحوار الذي هو جوهر الهيرمينوطيقا اللغوية عند غادامير ذاته مقولة إيتيقية/ إيستيطيقية؟، إن شعار غادامير في هذا الصدد هو أن الآخر يمتلك جانب من الصواب. أما دريدا فإنه يؤكد أحقية الآخر بالحق على حساب الذات في استكماله زحزحة الذات عن مركز الحقيقة، ولعل هذه الخلخلة إنما هي في صميميتها إيتيقية.

لقد صرخ ماكس فيبر في وجه كل من الدين والأيديولوجيا بوصفهما عطالة الفكر، وجعل من العقلانية والتمدن وحدهما معياري الحداثة، وما أخلاق الإعتقاد إلا وهم واستمساك بالميثالية الماضوية، ولا أنسنة إلا في كنف العقلانية والمدينة، أما جون راولز، فإنه جعل من العدالة الفضيلة الأولى كالحقيقة بالنسبة لأنساق الفكر، إنها نظرية فلسفية للحقوق والواجبات ودعوة سسيو-قانونية للإقتصاد العالمي في المساهمة في بناء العالم، تتموضع إيتيقا العدالة هنا ضد النظرية النفعية التي أسسها بنتام والتي عمرت طويلاً في أفق الفكر الغربي. في حين يجعل هانس يوناس من المسؤولية عنواناً لكل إيتيقا مقبلة، ليس على شاكلة اليوتوبيا، بل باعتبارها ميثاق شرف بين الموجود والوجود، وما بين العالم والإنسان. إن يوناس “الفيلسوف الشؤوم” كما يلقب. وهذا المتشبع بالفكر الهايديغيري يجعل من المسؤولية وحدها الكفيلة بتخليص الإنسان المعاصر من إفرازات التطورات العلمية الوضعية. والتي باتت تشكل تهديداً حقيقياً لوضعية العالم اليوم. هنا أيضاً يشدد على ضرورة الحفاظ على البيئة والحيوان. لأن الإيكولوجيا حلقة مهمة جدا في تشكيل الأنطولوجيا العامة.

وفي فرنسا. تبرز أسماء أمثال فوكو/ دولوز/ باديو. كفلاسفة إيتيقيين بالدرجة الأولى، أو من إيتيقا الجنس/ الرغبة عند فوكو/ باطاي، إلى إيتيقا الحياة عند الفيلسوف الرحالة والصحراء، فيلسوف الوحدة والتكرار. إن إيتيقا الجنس/ الرغبة تجعل من الإنسان يتجدد باستمرار. ومن دون وعي. تجعله ينظر إلى العالم برؤية مختلفة وفي كل مرة.  إنها تنظيم وجودي للوجود، إن هذه الإيتيقا هي وحدها ما تجعل الإنسان يجدد علاقته بذاته وبالعالم بصورة دورية آلية. رغبة في إبداع الصدام. الصدام بعد النسيان، إن الذات تنسى بأنها موجودة مع الآخر في العالم، وحدها الرغبةفيالجنس هي ما يكشف عن الآخر. وجوده. ضرورته الأنطولوجية، إن وجود الآخر في حياة الأنا وجود جنسي بامتياز. وجود قائم على الرغبة في الحياة.

أما جيل دولوز فإنه يستتبع المناقشة الإيتيقية لمسألة الحياة، أو: لماذا هذا التشبث بالحياة ولماذا الخوف من الموت؟، إنها الرغبة المفطورة في ذاتوية الذات، الحياة هنا محايثة خالصة، بل هي محايثة المحايثة، إنها الإمكان كله، لكن: أليس هذا ضرب من ضروب الإرتكاسية؟، لماذا الرفض بالتسليم بشروط الحياة؟ ولماذا العداء مع الموت بوصفه العود الأبدي؟، إن هذا الإبداع الإيتيقي للعالم وجعله بمثابة المقام الرفيع للفلسفة. قد استمر مع مفكر قدير كـ “آلان باديو“، والذي أرجع كل من الجنس والرغبة والحياة إلى الحب، لا حياة ولا جنس في غياب الحب. الحب هو المنطلق والمآل، إنه بالرغم من أن حب حدث مفتعل وإنفعالي وقائم على إرادة المصادفة وفسيفساء من الأهواء غير المتوقعة، وبالرغم مما يحمله من مخاطرة، إلا أنه يبقى بمثابة إرادة المواصلة. إرادة العيش. العيش لأجل الآخر. من أجل إسعاده. إنه بناء للحرية. وبحث عميق للغير، وللآخر المختلف. ولذا فإنه يتأسس على المغايرة لا على المطابقة، فهو دوماً يقودنا إلى العيش من منظور آخر/ مختلف. إنه تدشين حقيقي لارتباكية الوفاق القائمة أساساً على قيمة الاعتراف. وما الاعتراف إلا إقرار بالآخر وبأحقيته بالمعرفة. فأن نعترف هو أن نعرف بأن الآخر يعرف مثلنا. وأنه يعرف بأننا نعرف مثله. وأننا نتبادل الإعتراف ضمن حالة إستثنائية تليق باستثنائية الفلسفة.

إن الوجود بمعزل عن الآخر وهم هيغيلي خالص. فليس الوعي بالذات هو في ذاته ولذاته كما يذهب ألكسندر كوجييف ـ تلميذ هيغل ـ وإنما الوعي بالذات هو وعي دائم بالآخر على ما يذهب ماكس شيلر، وليس الآخر عدو الأنا مثلما أكد باسكال. وإنما هو صورته بتعبير جوديث بتلر.

 

من أرشيف شنوف نصرالدين:

التراث والحداثة عند أدونيس: النص القرآني وجدل المعنى والكتابة

نقد العقل الإسلامي لمحمد أركون: أو نحو تأسيس براديغم إنسي

نقد العقل الإسلامي لمحمد أركون: أو نحو تأسيس براديغم إنسي

صورة الإنسان في الفلسفة الغربية المعاصرة: أو نحو تجاوز الإغتراب وأنسنة الإنسان

فسيفساء الخطاب الفلسفي المعاصر: أو في جدل الحداثة ومابعد الحداثة الفلسفة المعاصرة من المنزع النقدي إلى التأسيس الإيديولوجي

الإيتيقا في الفلسفة المعاصرة: فوكو، دولوز، باديو، يوناس، جون راولز – من الأخلاق إلى الإيتيقاقراءة في المنعطف

 

 

شاهد أيضاً

نحو فضاء عمومي معارض – الجزء 1 / تأليف: أوسكار نيغت 

ترجمة وتقديم: أ.د/ كمال بومنير أوسكار نيغت Oskar Negt فيلسوف ألماني معاصر (وُلد عام 1934) …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *