الرئيسية / تربية و تعليم / فلاسفة /  الامارات المدنية عند ماكيافلي

 الامارات المدنية عند ماكيافلي

عبد الرحيم أمعضور  – باحث، المغرب

                                                          

ان الحديث عن نيكولا ماكيافلي وكتابه الامير غالبا ما يدخل ضمن خانة الفلسفة السياسية ، ولاشك ان الفلسفة السياسية ليست وليدة المرحلة التي عاش فيها الرجل بل هي وليدة فترة زمنية ضاربة بجذورها في التاريخ ، وتحديدا المرحلة اليونانية وما تلى محاكمة سقراط بحيث اخذ الفلاسفة اليونان على عاتقهم وضع البذور الاولى لهذه الفلسفة ، التي نمت وتطورت عبر التاريخ وفرضت على دارسيها ضرورة  العودة الى مصادرها الكبرى من أجل فهمها والظفر ببعض النظريات التي طبعت الفكر السياسي خصوصا والفكر الفلسفي عموما.

يعتبر نيكولا ماكيافلي واحدا من الفلاسفة الذين نحتوا أسماءهم ضمن مجال الفلسفة السياسية اذ حاول في كتابه “الامير” المنشور سنة 1532 والذي أهداه الى “لورنزو الجديد” أحد افراد “ال مديتشي” ان يتناول بعض القضايا السياسية في محاولة منه لجمع شتات ايطاليا الممزقة بفعل الحروب الدينية الى عدة دويلات و امارات ، ويعتبر مفهوم الامارة من المفاهيم الحاضرة بقوة في كتابات هذا الفيلسوف ليحيل الى تجمعات بشرية داخل رقعة جغرافية محددة وقد سميت هكذا نسبة لمن يتولى تدبير شؤونها وهو الامير وفي الغالب يكون نظام الحكم بها وراثيا وقد حاول ماكيافلي أن يتطرق الى هذا الامر وأمور أخرى في كتابه هذا – الأمير – باعتماده على منهج دقيق رغم ما لاقاه هذا الكتاب من سوء فهم ، ومن نقد لاذع بعيد نشره بسنوات . قبل ان يتم انصافه و اعادة الاعتبار له من طرف فلاسفة الانوار ليصبح فيما بعد من المرجعيات النظرية الكبرى في الفكر السياسي الحديث.

فكيف قارب ماكيافلي موضوع الامارات المدنية ؟

وما هي النقاط الاساسية التي شغلت بال الرجل؟

قبل ان نتحدث عن ” الامارات المدنية ”  ينبغي ان نشير الى ان هذا العنوان قد افرد له ماكيافلي فصلا من كتابه الامير كما ان موضوع الصفحات الاولى من الكتاب بما في ذلك هذا الفصل يدخل ضمن خانة ما عرف ابان القرون الوسطى بالأدب السلطانية ، على حد زعم العديد من الدارسين والمهتمين ، هذا وقد أخذ ماكيافلي على عاتقه تقديم مجموعة من النصائح للأمير قبل ان ينتقل في الفصول الموالية للخوض في امور وقضايا مختلفة توزعت بين الاخلاق والقانون …الخ

يستهل ماكيافلي هذا الفصل من الكتاب (حول الامارات المدنية) بتحديده لمعنى الامارة المدنية والتي اعتبرها نمط من الحكم لا يصل له الفرد بالقوة والقسوة او بحسن الحظ ، بل برغبة باقي المواطنين في ذلك مع قليل من المكر كما اشار ايضا الى ان الصراع بين فئات المجتمع –الارسقراطية وعامة الشعب- سيفضي بالضرورة الى ثلاثة اساليب من الحكم فإما حكم مطلق ، وإما حكم حر ،وإما فوضى وحرب ، لكن تظل الطبقة الارستقراطية هي صاحبة المكر لأنها كلما استشعرت الخطر الى ولجأت الى اختيار فرد من افرادها ليتولى الحكم لكن هذا الفرد بعد ان يتولى تدبير شؤونهم كأمير فانه سيجد امامه العديد من التناقضات فيحتار بين الدفاع عن مصالح شعبه وبين الحفاظ على سلطانه لكن هذا الخيار الاخير سيجعله غير قادر على القيادة وادا اراد هذا الامير حسب ماكيافلي ان يتبين كيف هي علاقته بالرعية عليه ان يلجأ الى الطبقة الارستقراطية لانهم قلة ، اما عامة الشعب فعددهم سيزداد مع توالي السنين وفي هذا مصلحة الامير لانهم سيرضون بالحكم في حين ان الاقلية وهم طبقة النبلاء فانهم سيسعون للتمرد والبطش. وقد كتب في هذا الصدد يقول:”اضافة الى ماسبق فان الامير لن يستطيع ان يتأكد من ان شعبه يكرهه لكثرة العدد لكنه من الممكن ان يعرف ذلك من طبقة النبلاء لأنهم قلة” (ص57)

انتقل بعد ذلك ماكيافلي للحديث عن بعض الاليات التي يمكن من خلالها قيادة النبلاء اد نجده يدعو الامير الى ان يحترس منهم وان يعاملهم بالمثل خصوصا الذين يبتعدون عن الأمير “فهم اعداء غير ظاهرين يمكنهم المساهمة في سقوطه وقت الشدة” (ص(58) فإذا كان الامير قد وصل الى الحكم دون احترام ارادة الشعب ، فعليه ان يتصالح معهم وان ينال رضاهم وهو امر سهل بدفاعه عنهم انداك سيميلون اليه ويكون قد وجد ملاذا يلجأ له وقت الشدة . وقد أعطى ماكيافلي مثالا بأمير اسبرطة عندما تعرض للحصار من طرف الرومان اذ قام بالدفاع عن شعبه فما كان هذا يكفيه لولا تعلق فئة معينة به ، وبالتالي سيظل هذا الحاكم  في امن وامان ولن يحيق الخطر بولايته الا اذا كان مغاليا في القوة والاستبداد .

يبدو وبناء على ما تطرقنا اليه ان ماكيافلي خلال هذا الفصل وفي فصول اخرى من الكتاب قد حاول التأكيد على مسألة اساسية ، وهي ان الامير ملزم بأن يكون حكيما في تعاطيه مع شعبه حتى يشعرهم انهم في حاجة اليه دوما ، والا سوف يتخلون عنه عند أول تجربة ثورية وبالتالي عليه ان يحتاط وان يتقمص ادوار كثيرة بما في ذلك دور الاسد والثعلب وان يتصف بمجموعة من الصفاة فحتى وان كان يفتقد لبعضها كالشهامة و الشدة والرحمة …الخ فعليه ان يتظاهر بها لأن في السياسة سيجد بين الناس من يستطيع ان ينخدغ بسهولة . كما ينبغي ان نشير في هذا الصدد الى ان فهم الفلسفة السياسية عند ماكيافلي رهينة بالعودة الى جل الكتابات التي أفرزها العقل الانساني خلال هذه الفترة التي عرفت أعاصير سياسية عاشها مفكرون كبار أمثال جان بودان في فرنسا وطوماس هوبس في انجلترا وماكيافلي في ايطاليا فقد تتابع هؤلاء على مدى قرنين من الزمن وقدموا اساسا صلبا نسج عليه الفكر السياسي الحديث .

شاهد أيضاً

مدرسة فرانكفورت، القسم السابع: ما الذي بقي؟ بيتر تومبسون

ترجمة هشام عمر النور هابرماس وهونث يمثلان معاً قطيعة مع مدرسة فرانكفورت واستمرارية لها حول …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *