الرئيسية / تربية و تعليم / ديداكتيك الفلسفة / قراءة سوسيوتاريخية في  مسارات الدرس الفلسفي بالمغرب

قراءة سوسيوتاريخية في  مسارات الدرس الفلسفي بالمغرب

محمد المخلوفي

مقدمة:

يراهن على الفلسفة في كثير من المجتمعات، القيام بأدوار طلائعية في الترقي الوجودي للإنسان، ما دامت أنها – في احد أبعادها-  تفكير يمارسه الإنسان على الإنسان، ولعل هذا ما كان يعنيه “كانط” حينما قال ” سؤال ما الإنسان هو السؤال الجوهري الذي تدور حوله كل الفلسفة”. وفقا لهذا المنظور تحوز الفلسفة قيمة مثلى في حياة الأفراد والجماعات، لكونها تؤدي مهام جليللة ،لا يمكن لأي نمط أخر من التفكير القيام بها، تتجلى في نشر وإشاعة القيم الإنسانية الكونية، التي تنفلت من كل الهويات الضيقة، التي تستمد شرعيتها في كل التفسيرات الماضوية الرجعية، و عليه فإن قياس مدى ترقي مجتمع معين يكون مشروطا بمدى شيوع فعل التفلسف فيه.[1]

لقد تطورت الفلسفة عبر الزمان، وراكمت عبر مسيرتها معارف متعددة، وتبنت إشكالات جديدة، وطرحت أسئلة عديدة، منها ما يرتبط بالوجود، ومنها ما يتعلق بالمعرفة، وأسس بنائها، ومنها ما يهم الأكسيولوجيا،  والميتودولوجيا… هو ذا تراكم يمنح لها بعد شموليا إلى حد ما، تنمو بحرارة السؤال، ورعونة الاستفهام، وقلق الدهشة… وإذا كانت للفلسفة كل هذه الفضائل، فلا مراء أنه سيكون تدريسها وفهم منطق اشتغالها، غاية كل المجتمعات التي تطمح لغدا أفضل.

الفلسفة بما هي نمط من التفكير الخاص، المرغوب فيه في كل الأزمنة التي يوجد فيها الإنسان الذي يعي قدرها وحقيقتها، ترتقي إلى مصاف الطلبات الاجتماعية الضرورية للوجود الثقافي للإنسان. ولكن من المعلوم أن هاته الفلسفة لم تجد تربتها الخصبة لتترعرع في كل حضارات وشعوب الأرض، الشيء الذي يجعل النظرة إليها تبقى متفاوته من مجتمع إلى آخر؛ فإذا كانت ممارستها في فرنسا قد أتت لتوحيد الوعي الجمعي الفرنسي وتفعيل ما هدفت إليه الثورة الفرنسية لخلق مدرسة عمومية ،فإنه في المقابل من ذلك نجد أن ولادتها بالمجتمع المغربي قد وسم بالإقصاء والتهميش نتيجة سيطرة دعاوي وتفسيرات لاهوتية أرتودوكسية جامدة رافضة للتغيير، تتباين عموما سياقات النشأة والمأسسة وتبقى خاضعة لشروط ثقافية معينة.

إن الناظر للتطورات والتحولات المجتمعية يبين أن الفلسفة قطعت أشواطا متعددة إلى أن تصلنا اليوم بنسخة توافق الباحثون على تسميتها بالفلسفة المعاصرة ، ويرجع إيلاء الاهتمام بتدريس هذه المادة لكونها أداة لصقل الفكر ونداء للانتباه كما حدثنا مارتن هايدغر ولهذا السبب أولت العديد من المجتمعات أهمية كبرى لها، ولاشك أن المجتمع المغربي لم يكن بمنأى عن هذه المجتمعات فهو الآخر أدرج  هذه الأخيرة في برامجه التعليمية كما خصص جملة من التدابير التي توصي بأهميتها نظرا لدورها الريادي في تكوين الأجيال وتحرير عقولهم وتعليمهم ملكة النقد  وهو ما شدد عليه الكتاب الوزاري “التوجيهات التربوية والبرامج الخاصة لتدريس مادة الفلسفة ” الصادر سنة 2007  الذي يطلعنا في إحدى مبادئه إلى أن “تعليم الفلسفة في السلك التأهيلي من التعليم الثانوي التأهيلي  يعمل على تنمية الوعي النقدي والتفكير الحر والمستقل ،وعلى التحرر من مختلف أشكال الفكر السلبي (الدوغمائية ،التبعية الفكرية التلقي السلبي للمعارف والآراء والمعلومات ،السلوك الآلي اللاواعي ،العنف”[2]

تهدف هذه الورقة المتواضعة رصد الخلفية السوسيوتاريخية التي ظهرت فيها المادة  بالمنظومة التربوية بالمغرب، وكذا المراحل والتطورات التي مر منها الدرس الفلسفي، بمنظار  ديناكروني منذ فترة الاستعمار إلى ما بعد الاستقلال ، كما تروم أيضا إلى الوقف عند أهم المستجدات التي عرفها منهاج الفلسفة.

اتسم التعليم في فترة الحماية بالطبقة، حيت نجد أكثر من تعليم؛ تعليم خاص بفئة الفلاحين وأخر خاص بالعمال، وتعليم للأعيان، “لم تكن مادة الفلسفة تدرس إلا للفرنسيين المقيمين بالمغرب ومعهم أبناء الأعيان المتواطئين مع سلطات الحماية وبعض المغاربة المتفوقين”.[3] وبالتالي فإن تدريس الفلسفة في هذا السياق كان تدريسا محدودا ونخبويا غير معمم ،وفي حقيقة الأمر أن هذه الخطوة التي أقدمت عليها السلطات الفرنسية لا تعبر إلا عن توجسها إزاء الدرس الفلسفي وما يعلمه من تفكير ثوري سيهدد وجودها في المغرب ، لأن “الفلسفة مطالبة بوصفها فكرا نقديا بإثارة النقاش حول قضايا الحق والحقيقة والمواطنة والمؤسسات والمعتقدات… “[4] وقد دامت  هذه المحطة التاريخية الاستعمارية إلى غاية الستينيات من القرن الماضي، لقد تم تدريس الفلسفة في هذا السياق باللغة الفرنسية، كما أن الكتب المدرسية كانت مستوحاة من الكلاسيكيات الفرنسية التي تستلهم في توجهها العام إلى مقرر فيكتور كوزان والأساتذة المؤطرين للمادة أغلبهم فرنسيين إلى حدود 1965 .

بعد مقاومة مسلحة جسورة، وتظافر جهود الحركة الوطنية وتنظيمها، تمكن المغرب من حصوله على الاستقلال سنة 1956، رفعت النخب السياسية لتلك الفترة شعارات الإصلاح التربوي المتمثلة في المبادئ الأربعة ( التوحيد، المغربة ، التعريب، التعميم)، وهو الأمر الذي لم يسلم منه الدرس الفلسفي بعد الاستقلال، وبالضبط في بداية السبعينيات، الذي تم فيه تعريب الفلسفة بشكل نهائي، ومغربة أساتذتها، اعتماد أول مقرر دراسي في الفلسفة مع بداية الموسم الدراسي  1971-1972 للأستاذ محمد عابد الجابري وجماعته ، لقد اهتم هذا المقرر بايلاءه اهتماما بالبعد الاجتماعي والتاريخي والايديولوجي للمذاهب الفلسفية ومعارفها مركزا على العلاقة الجدلية بين الفكر والواقع كإشكال محوري انتظم المقرر بأكمله.

أفرزت السياسات الاجتماعية التي قام بها المغرب خلال هذه الفترة على صعيد قطاع التعليم تحرير  الدرس الفلسفي من قبضة المستعمر كما تمت الإشارة إلى ذلك سلفا ، من الملاحظ أن هاجس ورهان الوطنيين آنذاك الذين أسندت لهم مهمة إصلاح منظومة التربية والتكوين كان يسير في أفق بناء و ترسيخ نظام تربوي وأخلاقي  متجانس وموحد لا يعترف بالاختلاف الفكري، وقد تحقق  هذا الرهان من خلال  تعميم الدرس الفلسفي الذي بات حقا مشروعا للمتعلم المغربي بعدما أن كان في الفترة الكولونيالية حقا غير مشروع تحوزه فقط بعض الفئات ، لقد أفضى استقلال المغرب ورفعه للمبادئ الأربعة المعروفة تزايد الطلب على الدرس الفلسفي وهو ما أكدته الأرقام المتحصل عليها خلال هذه الفترة    “أصبحت شعبتي الفلسفة وعلم اجتماع وعلم النفس في كل من الرباط وفاس تستقبلان منذ نهاية السبعينيات سنويا ما يقر من ألفي طالب(1400  بالرباط و 600 بفاس)[5] ،تكشف هذه الأرقام بالملموس تزايد الاهتمام بالعلوم الإنسانية عموما وبالفلسفة بشكل خاص إلا أنها تبقى أرقاما وفقط لا يمكن الجزم من خلالها على تحسن تدريس مادة الفلسفة بالمغرب في فترة الاستقلال ،إن الباحث والباحثة في واقع الدرس الفلسفي خلال هذه المرحلة سيتبين له حجم الأزمات التي عاشتها المادة خصوصا في فترة السبعينيات  رغم  الشعارات المزعومة الأمر الذي يجعلنا وبحياذ كبير متحفظين بل وغير موافقين بالمرة على ما تؤكده هذه الإحصاءات ،لقد أبدت النخب السياسية في تلك الفترة تخوفها وتوجسها الكبير إزاء الفلسفة كفكر نقدي يعلم التساؤل في ما لا يقبل السؤال الأمر الذي أعاق  تطور الفلسفة ليدفع بها نحو المجهول وحال دون ترسيخها  في نظامنا التعليمي و ثقافتنا المغربية  ومن تمظهرات هذا الرفض الذي أبدته هذه النخب عموما هو النظر للمادة كشيء غريب دخيل على ثقافتنا ،الفلسفة بهذا التحديد من بقايا الاستعمار الفرنسي ولذا فلا حاجة للمغرب بها ، لقد بلغت ذروة هذا الرفض إلى حد إقحام المادة في الصراعات السياسية ليشن بذلك عليها حرب شرسة بدت ملامحها تظهر للعيان خلال السبعينيات من القرن الماضي ،خلال هذه الفترة بالضبط خصوصا”في موسم 1976-1977صارت الفلسفة قضية الدولة وقضية وزارة التربية الوطنية فهوجمت وتعرضت لأزمة كبيرة كادت تعصف بوجودها داخل المؤسسات التعليمية ،بعدما أصبح بعض المسؤولين الموجودين في اللجنة الوزارية المكلفة بالتأليف يطالبون بحذفها من التعليم رافعين شعار “فلسفتنا هي الاسلام ولا حاجة لنا بالفلسفة “[6].

إن التعبير عن هذا التوجس إزاء الفلسفة في مقابل الانتصار إلى الدين على اعتباره فلسفة البلد وجهته الدولة كثيرا بسياستها الرامية إلى تهميش وإقصاء الفلسفة بشكل خاص والعلوم الانسانية بشكل عام وذلك على اعتبار هذه العلوم “بمثابة علوم خطيرة ، وبالتالي تم إخضاعها للمراقبة “[7] ، لقد كانت الفلسفة واحدة من هذه العلوم الخطيرة وعلى هذا الأساس تمت محاصرتها إن لم نقل حذفها إلى جانب شعب أخرى كعلم النفس وعلم اجتماع الذي أغلق معهده وذلك سنة 1979،في مقابل ذلك كان اتجاه الدولة آنذاك يسير في أفق تثبيت وترسيخ الهوية الدينية وهو ما تأتى بخلق شعبة الدراسات الإسلامية “التي بدأ التسجيل بها منذ أكتوبر 1980،وبذلك ستدفع الدولة في اتجاه خلق صراع وهمي مزيف بين مناصري الفلسفة                 والمدافعين عنها ومن يرفضها ويطالب بالعمل بها بمبررات دينية إيديولوجية ثقافية ، أو لنقل الفلسفة والدين”[8].

يروم الشق الثاني من هذه الورقة الوقوف عند أهم المستجدات البيداغوجية والديداكتيكية التي مست منهاج مادة الفلسفة وذلك بتقديم قراءة في الكتاب الوزاري المشهور “التوجيهات التربوية والبرامج الخاصة بتدريس مادة الفلسفة “الصادر في نونبر 2007،من بين الدواعي التي دفعتنا لسبر أغوار هذا الكتاب واتخاذه دليلا منهجيا في التعاطي مع إشكالية المستجدات هو أنه يدخل في نظرنا المتواضع ضمن الاهتمامات والاختيارات الوطنية التي سهرت منظومة إصلاح التربية والتكوين إلى تحقيقها بغية تجديد مادة الفلسفة على مجموعة من الأصعدة بالإضافة إلى ذلك يعتبر هذا المنهاج مراجعة للمناهج السابقة وبالأخص منهاج 1996 ولهذا السبب حظي باهتمام كبير على اعتباره محاولة فعلية لتجديد المادة .

يعتبر  المنهاج الدراسي روح العملية التربوية وقلب المؤسسة التعليمية ومركز المادة الدراسية ولهذا فإن الرقي به لتحقيق تطلعات المتعلم مطلب تفرضه الضرورة ،وعلى هذا الأساس تم تجديد منهاج مادة الفلسفة توافقا مع الاختيارات الوطنية الداعية إلى اعتماد ما يسمى ب”المقاربة بالكفايات” لجعل المتعلم محور العملية التعلمية التعليمية ،لقد سعى المنهاج الجديد إلى إرساء هذه الدعائم للرفع من جودة الدرس الفلسفي من جهة ولتطبيق ما جاءت به المقاربة بالكفايات من جهة أخرى الرامية إلى النهوض بوضع المتعلم وهو ما أكد عليه منهاج المادة في حديثه عن الأسباب والدواعي لاختيار هذه المقاربة “لم يعد الأمر إذا يتعلق بتكوين تجزيئي الي تكراري للمتعلم(ة) وتحديد أهداف إجرائية لتعلمه نيابة عنه وخارجة عنه ،وإنما يتعلق بتحويل فعل التعلم إلى فعل مساعدة وتيسير لفعل التعلم الذي ينبغي أن يقوم به المتعلم بنفسه من خلال جهده الخاص وتعبئة طاقاته الذهنية والوجدانية الذاتية واستثماره للوسائل والموارد التي يجب أن توضع بين يديه”[9].

تكشف هذه المعطيات أهمية المتعلم ودوره الريادي في بناء الدرس الفلسفي ولا شك أن المستجدات التي أتى بها هذا المنهاج الجديد تصب بمجملها في خدمة هذا المعطى وهو ما نروم اقتراحه للقارئ  الكريم والقارئة الكريمة من خلال تقديم قراءة تركيبية في هذا المنهاج الذي بينت معاينتنا البصرية له وقراءتنا الفاحصة له كذلك أنه يتشكل من قسمين الأول نظري والثاني منهجي ،سنتوقف في البداية على تحليل المعطيات الواردة في الشق النظري الذي يتشكل من المبادئ أولا  والمرتكزات ثانيا،فيما يخص المبادئ نجد أن المنهاج الجديد للمادة قد سعى باذئ ذي بدء إلى تعليم المتعلم الفلسفة  وذلك بتمتيعه آليات النقد والتساؤل المستمر قصد خلق كائن مستقل وحر لا وصاية عليه على النحو الذي نادى به أب الفلسفة الحديثة روني ديكارت في تمجيده للآنا المفكرة *المستقلة عن الكنيسة ،بالإضافة إلى ذلك نجد مبدأ الشمولية وهنا نلمس ملامح التجديد بشكل واضح في منهاج المادة فبعدما كان المنهاج مسمى ب”الفلسفة والفكر الإسلامي”*إبان استقلال المغرب من عن المستعمر الأجنبي أضحى اليوم منهاج مادة الفلسفة في معناها الكوني قصد التخلص من الإثنيات التي من شأنها إعاقة “قانون العيش المشترك”الذي ناضلت الفلسفة من أجله ولا زالت تناضل إلى يومنا هذا ،الفلسفة بهذا التحديد فكر كوني غايتها خدمة الإنسان على اعتباره موضوع انشغالها كما أشرنا إلى ذلك في مقدمة هذاالمقال .

إلى جانب ما تقدم نجد أن المنهاج الجديد لمادة الفلسفة قد راعى المستوى الفكري والتعليمي للمتعلم المغربي وهو ما تحقق من خلال مبدأ التدرج الذي يعتبر هو الأخر مبدأ مركزيا من المبادئ التي بني عليها هذا المنهاج ،لقد صارت الفلسفة طبقا لمقتضيات هذا  المنهاج مادة تعلمية وتعليمية ملائمة لمستوى تلاميذ وتلميذات الثانوي الـتأهيلي بحيث وضعت في الجذوع المشتركة على قاعدة التعرف وذلك من خلال التعريف بالفلسفة والاستئناس بها عبر تناول جملة من القضايا لا يسع المجال للحديث عنها ،أما فيما يخص الأولى باكالوريا فقد تم الانتقال بالمادة إلى مستوى التمرس وذلك من خلال اقتراح على المتعلم (ة) قضايا واشكالات جديدة تلاؤم مستواه التعليمي ،في حين ارتقى هذا المنهاج في السنة الثانية باكالوريا للوصول إلى التفكير المنظم المستقل أي أن طالب الحكمة هنا أصبحت له القدرة لممارسة فعل التفلسف بشكل تجريدي والقدرة أيضا على تحليل ومناقشة قضايا فكرية .

فيما يخص المرتكزات التي بني عليها هذا المنهاج نجد نظام المجزوءة وبرنامج مفاهيم وهما مرتكزين شأنهما خلق النسقية والانتظام في مقرر الفلسفة ،سأبدأ أولا بالحديث عن نظام المجزوءة التي تعتبر أحد الأوراش الكبرى التي عملت وزارة التربية الوطنية لإصلاح منظومة التربية والتكوين إلى تبنيها بحكم انسجامها مع مدخل المقاربة بالكفايات ،تتيج المجزوءة عموما مقاربة مفتوحة لفعل التعلم وتضفي عليه نوعا من المرونة والوضوح إلى جانب تبسط التعلمات وتنظيمها للأستاذ(ة) والمتعلم أيضا”تتيح المجزوءة للمدرس إمكانية إعادة ترتيب المفاهيم المندرجة ضمنها وإعادة تشكيل البنية المفاهيمية لمكونات المجزوءة ،تبعا للكفايات المبرمجة وتصوره لبناء أنشطة التعلم هذا فضلا عن أنها تتيح للمتعلمين إمكانية الربط بين المفاهيم بسهولة لحظة التقويم”[10].

تحوز المفاهيم أهمية كبر ى في الفلسفة وهذا ما دفع بجيل دولوز  إلى القول أن الفلسفة فن وخلق وإبداع للمفاهيم ،نفهم من هذا أن الفلسفة فكر مفهومي مهمتها صنع وابتكار المفاهيم ،ولهذا السب بالضبط حظيت المفاهيم بأهمية كبرى في منهاج المادة نظرا لارتباطها الوثيق بتاريخ الفكر الفلسفي ،إن الغاية من برمجة واعتماد المفاهيم يكمن في تنمية الوعي النقدي للمتعلم وذلك عبر تمكينه من فن صياغة السؤال باستمرار بلغة الوجودي كارل ياسبرز بدلا من البحث عن الجواب ،ولاشك أن تحقيق هدف من هذا النوع لن يتم إلا بالابتعاد عن النظرة السطحية التي تحصر المفاهيم في مجرد عناوين والنظر إليها بدلا من ذلك كمواضيع وقضايا للتفكير *

يراهن الشق الثاني من هذا المحور الوقوف دراسة وتحليلا للإطار المنهجي المشكل للتوجيهات التربوية ،وسنركز في تعاطيا لهذا المحور على إشكالية كبرى تحوز مقدرا وأهمية كبرى في الفلسفة ،يتعلق الأمر بالأدوات التي بموجبها تصير مهمة ممارسة فعل التفلسف أمرا ممكنا ،سنقوم بالتعريف بهذه الأدوات كما قدمتها التوجهات التربوية وسنبين أيضا المراحل الواجب اتباعها لاستعمال هذه الأدوات على نحو أفضل ،سنبدأ أولا بالحديث عن ما يسمى ب”البناء الاشكالي” وهنا نود أن نشير أن هذه الأداة التساؤلية في الدرس الفلسفي لا يمكن أن تبنى بشكل جيد إلا بالانفتاح على الواقع المعيشي للمتعلم ،نفهم من هضعياتذا أن الإشكال الفلسفي هو  بمثابة حصيلة للواقع وانعكاس له بشكل أو بآخر وهذا ما ورد في التوجيهات التربوية التي تقول في هذا الموضع “البناء الإشكالي يتم لمفاهيم المجزوءة وذلك انطلاقا من وضعيات مشكلة بمثابة انفتاج أولي على وضعيات حسية مرتبطة بمعيش التلميذ(ة)وبثقافته ويمكن التدرج في اختيار الوضعيات حسب تطور المعالجة الفلسفية ومراحل البناء المفاهيمي”[11]،أما فيما يخص المراحل لبناء هذه الأداة فمن الإلزام نهج خطوات توافق عليها المهتمون بديداكتيك المادة وعلى رأسهم “ميشال طوزي”الذي يقترح علينا اتباع الخطوات التالية “أشكل أن نجعل المعطى إشكاليا أي أن نقدم ما كان يعلن عنه في الحس المشترك على شكل أسئلة مما يعني توضيح المفاهيم التي تؤسس الرأي عبر ممارسة الفلسفة أي أن نشك في ما يقدم لنا على أنه إثبات نهائي وبل نشك أيضا في أحكامنا الخاصة ،ثم نمر ثانيا بتحيين المشكل أي أن نستخرج من هذا السؤال مشكلا ما من خلال أن نبحث خلف السؤال عن المشكل دون أن نتوقف عند حدود المعطى في السؤال مدعيين وضوحه وبداهته إذ يجب أن نميز السؤال عن المشكل ،وفي الأخير نقوم الصياغة الفلسفية أي إعادة صياغة المشكلة بمنطق ولغة فلسفيين يتضمنان حلولا مختلفة وكذلك مسارات التفكير في التدابير المناسبة له”[12]

إذا كانت الأشكلة لحظة أساسية للقيام بفعل التفلسف على نحو جيد من خلال طرح أسئلة تحمل في عمقها البنيوي شكل مفارقة ،فإن المفهمة  أيضا أداة تكتسي أهمية قصوى في الفكر الفلسفي على اعتبار الفلسفة كما وسبقت الإشارة إلى ذلك فكر مفهومي ،ونظرا لأهميتها القصوى داخل الدرس الفلسفي ارتأت الجهات الوصية المنوط بها إصلاح منظومة التربية والتكوين بلورتها في منهاج المادة ،يطلعنا منهاج المادة في هذا الباب أن المفهمة أوالبناء المفاهيمي يتم “لمكونات المجزوءة ،وذلك باعتماد آليات التحليل والمناقشة والتركيب ويمكن للبناء المفاهيمي أن ينطلق من أول مفهوم الذي هو عنوان المجزوءة كما يمكن أن ينطلق من أي مفهوم آخر من المفاهيم المدرجة ضمن وحداتها “[13] .يبدوا أن المفهمة مكون أساسي وأداة محورية لممارسة فعل التفلسف  لكن ممارستها على نحو صائب يتطلب التدرج ،نفهم من هذا أنه من الواجب اتباع خطوات ويمكن حصره هذه الخطوات في النقط التالية أولا يجب رصد التمثلات الثاوية وراء اللفظ أو المفهوم العام وإبراز ما يحمله من مفارقات ،ثانيا يجب تعريف المفاهيم عملا بقواميس عامة ومعاجم تقنية متخصصة ،ثالتا إقامة بنيات مفاهيمية بواسطة الربط والتركيب.

سنتوقف في نهاية هذا المحور على أداة أخرى تكتسي أهمية بالغة في الفلسفة ،ويتعلق الحال بالحجاج الفلسفي الذي يميز الفلسفة عن باقي التخصصات فالفلسفة عبر تاريخها الطويل نمط تفكير برهاني ينبني على الأدلة والحجج وهذا ما يمنحها قوة ومكانة كبرى على الرغم من الانتقادات التي توجه لها ،ولهذا السبب أولي اهتمام كبير بهذه الأداة داخل منهاج المادة الجديد لإكساب المتعلم القدرة على الدفاع عن مواقفه وآراءه وبالتالي عدم التسليم بأي قضية أو فكرة مالم يقبلها العقل ،الفلسفة بهذا التحديد تروم خلق ذوات مستقلة لا وصاية عليها لذلك أولي اهتمام كبير بهذه الأداة “يرتبط الحجاج بكل العمليات التي يوظفها خطاب ما لأجل التأثير على المتلقي وإقناعه وإثارة انتباهه ،وكسب مواقفه على الأطروحات والمواقف الذي يتضمنها ذلك الخطاب”[14] .يزيد  هذاالقول ويؤكد بالملموس مسعى الفلسفة عامة ومنهاج المادة حصرا الراميان إلى تعلم الإقناع والثأثير  وعليه عدم الخضوع لما هو جاهز ،بطبيعة الحال تحقيق هذا المقصد لحمل المتمدرس والمتمدرسة على تبنيه يتطلب تبسيط أي احترام أفق المتعلم والمتعلمة ،ولا شك أن الوعي بهذه الأمور قد تم الوقوف عليبره ،بحيث نجد منهاج المادة يقر في هذا الباب على أن القيام بالمحاجة ينبغي أن يتم عبر دفع المتعلم لاستدعاء ومقارنة الأطروحات الفلسفية التي تعتبر مرجعية ذات أهمية قصوى في الكتابة الفلسفية .

خاتمة:

إن الغاية من هذه الورقة المتواضعة التي أقدمنا على كتابتها هو الرغبة الملحة في تقريب القارئ والقارئة من تاريخ الدرس الفلسفي بالمغرب وذلك بتشجم البحث عن التاريخ اليائس الذي ولدت في كنفه مادة الفلسفة وكذا التطورات والتحولات التي عاشتها المادة في فترات متباينة من تاريخ المغرب المعاصر ،كما قمنا بمحاولة متواضعة في التعريف بإشكالية المستجدات التي همت المادة عبر تناول بعض القضايا الواردة في التوجيهات التربوية ،أعي جيدا أن البحث والتنقيب في موضوع هكذا أمر صعب نظرا لاستحالة الإلمام بالتاريخ الذي قطعته المادة والمسارات التي مرت منها وكذا صعوبة معرفة ما طال المادة من مستجدات ،كل ما في الأمر وما أود قوله هذه مجرد قراءة بسيطة بحاجة للكثير من البحث والتنقيب .

 

[1]  محمد سبيلا، عبد السلام بن عبد العالي، دفاتر فلسفية، نصوص مختارة، دار توبقال، الطبعة الثالثة، 2008.

-التوجيهات التربوية والبرامج الخاصة بتدريس مادة الفلسفة بسلك الثانوي التأهيلي،مديرية المناهج ص4[2]

[3]  ادريس الصنهاجي، ” تدريس الفلسفة… المسار والمعيقات”، الجريدة الالكترونية هيسبريس، الأحد 01 ماي 2016 .

https://www.hespress.com/writers/304432.html

[4]  عز الدين الخطابي، “رهانات تدريس الفلسفة بالثانوي ( التجربتان الفرنسية والمغربية نموذجا)”، مؤسسة مؤمنون بلا حدود، ص 9

-مرجع سبق ذكره [6]

-محمد مادوي السوسيولوجيا المغربية من الرفض إلى رد الاعتبار ،ترجمة ذ.رشيد بن بيه ص 193.[7]

-مقال سبق ذكره للأستاذ ادريس الصنهاجي.[8]

-التوجيهات التربوية والبرامج الخاصة بتدريس مادة الفلسفة بسلك الثانوي التأهيلي ،مديرية المناهج الرباط ص 10 .[9]

*مفهوم الآنا المفكرة يعود للفيلسوف العقلاني روني ديكارت وقد وظفه في كتاب “تأملات ميتافزيقية” ،وتوظيفنا له في هذا الموضع يتماشى مع فكرة الاستقلالية الذاتية التي يدعوا لها منهاج مادة الفلسفة لبناء شخصية المتعلم كذات حرة في قراراتها وأفعالها وهذا يتقاطع إلى حد بعيد مع رهان فلسفة  ديكارت العقلانية .

*وضع هذا المنهاج بعد استقلال المغرب مباشرة وقد ساهم الدكتور محمد عابد الجابري في صياغته .

-التوجيهات التربوية ص 6[10]

*للمزيد من التفصيل المرجوا الاطلاع على التوجيهات التربوية ص 5

-نفس المصدر ص 9[11]

-JC pettier professeur de philosophie docteur en science de l’education[12]

– نفس المصدر ص 9[13]

-نفس المصدر ص10[14]

شاهد أيضاً

المركزية المعكوسة أو احتقار الذات المبدعة

  عمر بن اعمارة   لا أدري إن كان وصف المريد هو الكلمة الأكثر ملاءمة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *