الرئيسية / منتخبات / تغطية / مرايا الوطن ‏

مرايا الوطن ‏

فريد العليبي
فرحات حشاد في الدار البيضاء.‏
نشر في جريدة الانوار. التونسية

يوم 5 ديسمبر 1952 ‏ استشهد حشاد في رادس التونسية ، بعد ذلك بيومين غصت ‏شوارع الدار البيضاء المغربية بالمتظاهرين ، فتح المستعمرون الفرنسيون المجال ‏أمامهم حتى يبلغون وجهتهم ، وحال وصولهم أغلقوا الدروب واعتقلوا العشرات ، فقد ‏كانت مصيدة . وعندما ذاع الخبر بين الأجوار، وكانوا من المعدمين ساكني أحياء ‏الصفيج ، هبوا الى نجدتهم، فأغرقهم الجنود في بركة دم ، مستعملين المصفحات ‏المزودة بالرشاشات ، وخوفا من العقاب دفن الناس شهداءهم في البيوت ، وتقول الأرقام ‏ان المئات استشهدوا خلال ذلك اليوم ،الذي حملت فيه الدار البيضاء فرحات حشاد على ‏كتفها ،وضمته الى صدرها ، وسارت به في أزقتها .‏
يقول صديقي المغربي ” لحسن ” أنه كان يومها طفلا في الثامنة ، وقد شاهد المذبحة ‏ممتطيا عمود كهرباء ، كان الرصاص يحصد حياة المتظاهرين العزل، الذين وهبتهم ‏الدار البيضاء لتونس بسخاء ، وهي تئن تحت وطأة مصابها ، وكان يمكن أن يكون في ‏عدادهم لولا أن أخاه الذي يكبره بسنوات هب لنجدته وسحبه بسرعة من أعلى العمود ‏ليركض به بعيدا .‏
يسرد لحسن وقائع ذلك اليوم الحزين وتونس والمغرب ممتزجين في الذاكرة ، وعندما ‏استقبلني في بيته كان كأنما يستقبل من خلالي تونس بأكملها ، وبين حديث هنا وحديث ‏هناك كان طيف حشاد يرافقنا ، فقد ترسبت صورته عميقا في المخيلة .‏
وعندما استقبلته قبل عام في صفاقس كان أول رجائه وآخره أن خذنى الى قبر حشاد ‏،وفرح عندما قلت له أنت الآن في المدينة التى انطلق منها الى عالم الكفاح النقابي، ‏والولاية التي بها “العباسية ” مسقط رأسه، أصر على أخذ صورة تذكارية الى جانب تلك ‏اللوحة الضخمة التى تزين مقر الاتحاد العام الجهوي للشغل وبها رسم لحشاد برمزيته ‏المعهودة .‏
وعندما ودعته قبل أيام في الدار البيضاء قال الرجل بنبرة أبوية محملة بوصية : اعملوا ‏على تجسيد الحلم ، فالمغرب العربي يجب أن يولد ، ولا تتركوهم يهدمون الأوطان، في ‏اشارة الى الارهابيين الدينيين المتربصين بها .‏
لحشاد اليوم شارع باسمه في الدار البيضاء ،هو نفسه الذي احتشد فيه العمال المغاربة ‏بعد اغتياله وكان يسمى وقتها شارع لاسال ، كما له ذكرى يتم احياؤها كل عام ، وفضلا ‏عن ذلك له أسئلة يرددها طيفه ، وهى نفسها التى تتردد في تونس: من قاتلي ؟ وهل ‏حاسبتم فرنسا على ما اقترفت يداها ؟ تلك الأسئلة التي ذكرتني بمستعمر متعجرف ‏اسمه أنطوان ميليرو ، ظهر في شريط تلفزيوني قبل سنوات ، معترفا بمسؤوليته عن ‏قتل حشاد ،وقوله أنه لو أعاد التاريخ سيره لفعل الشئ نفسه دون أدنى ندم . قال يوما ‏سارتر محيلا الى ماركس “الشعور بالخجل خاصية إنسانية ” ولكن المستعمرين لا ‏يعرفون اليه سبيلا .‏
فرحات حشاد في المغرب واقعة تاريخية، وهو أيضا حكاية ، قد يرويها يوما شريط ‏سينما أو شعر أو رواية

شاهد أيضاً

ذكرى كارل ماركس في حضن الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية

ملخص ندوة “اليوم العالمي للفلسفة والذكرى المئويّة الثانية لميلاد كارل ماركس” نظّم أوّل الأمس السبت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *