جديد

العياء

إلى الكافرة مولا ابنت أبي.

يتملكني العياء دوماً، فمن فرط اشتغالي المستمر كل يوم ومواظبتي على كتابة شيء ما.

أظل مرهقاً، لكن العياء نفسه يملُّ من التوسل إليَّ فهو يشقى كي يقنعني بأن أنال قسطا من الراحة.

أتحايل على العياء كما يتحايل عليَّ. وبحكم أن اللَّياقة صاحبتي المفضلة فهو يتوسل إليها دوماً بألا تمنحني ما يكفي من الراحة.

يتوسل العياء أحياناً للراحة ويُلِّحُ عليها ألا تمنحني ما يكفي: إنها أعظم مؤامرة ما بعدها مؤامرة!

لا يعني العياء بالنسبة لي غير الجحيم: جحيم غير منتظر، فهو لا يكف عن ملاحقتي.

الجحيم يطالبني بالاستسلام له اعتقاداً منه أنه أقوى مني، لذلك سعيت إلى إقناعه أن يلطف من حرقة ناره وعذابه الأليم، فهو يشبه تمساحاً جائِعاً تطعمه من جوعك طمعاً في ألاَّ تكون آخر ضحاياه.

أشتكي دوماً من ندرة الأفكار التي لا تأتي إلا وأنا في زحمة من زحمات الحياة أو في المرحاض، وعادة ما أود مغادرة حفلٍ أو مناسبة عائليَّة أو سهر أصدقاء للاختلاء بالفكرة اللَّعينة التي راودتني وقتها: أرغب في المغادرة ولا أريد أن يُساء فهم غرضِي، وكانت التهمة الموجهة إليَّ دوماً: إنه غريب، يتصرف على نحو غير مفهوم. وان كان مفهوماً فلم يعد لي أي سر أخفيه عن الجميع والأكثر حميمية حصراً.

كيف أمكنني أن أخط بضع كلمات في القبو وأنا شارِدٌ في الشرفة: قدري أن أجمع بين الشرود والخط، فالشرود يمنحني التخطيط اللاَّزم وأكثر في حين يمنحني الخط تجسيد المخطط وإخراجه إلى حيِّزِ الوجود: لا تتردد، أعلن ميلاده يا هذا، فوجوده أهم من عدمه!

فكرت في أن أسمي شخصيتي الأولى: ابن أبي، لا لأنه أخي العزيز والغالي، وإنما لأنه أقرب إليَّ من اخوتي وأصدقائي وكل من له صلة بي.

ابن أبي نحيل مثلي، ذو عينان جاحظتان، ووجه باسم وملمسه رقيق، يرتدي لباساً متناسقاً من الأبيض والأسود والرمادي، ولما سألته عن سر الرَّمادي قال: الرمادي لون وسط بين الأبيض والأسود، وأقصى الحدَّين يعبِّر عن ثنائية الشر والخير، وبحكم أنني لا أستطيع أن أوفق بينهما إلا في اللون فإني أختار الوسط ممَّا بين الخير والشر: أليس خير الأمور أوسطها؟

ابن أبي ينظر بعين ثاقبة وقلبه مفتوح لكل مفاجأة آتية من المجهول، أو كما يقول في قرارة نفسه: إني فوضوي وأفضل العيش في الفوضى بدل النِّظام، ولكن لا صلة لي بالهيولى، فمن أين لي بها؟ يسير على هداه ووفق ما يشتهيه ويريده أو يرغب فيه.

يخشى التقرب من الحيوانات الأليفة وأقنعته بملامستها والنَّظر إليها جيِّداً نظرة حُبٍ قبل لمسه الحيوانات أنواع والأليفة أنانيَّة ترغب دوماً في أن تمنحها قدراً كبيراً من الشعور بالآمان، وأمانها يكمن في المأكل والمشرب والعناية المفرطة: الغسل، الترويض… هل تحب كل الحيوانات أن تكون أسيرة الانسان؟ بكل تأكيد ففي ذلك متعة لا تطاق بالنسبة لها. وحينما تنجح في جذبك إلى عالمها تصير أنت أسيراً لها.

يظل كلب الأطلس وفياً لصديقه أيما وفاء، فمشاعره رقيقة للغاية، كلب يهتم بشكل زائد بشعره ويظل طوال اليوم يبعد أسير مظهره: لا يهم ان كان الأطلسي كلباً ذكراً أو أنثى فالمشاعر عنده تتساوى على قدر تساوي كل السلاحف في حمل القوقعة.

أما الخيل فتختلف باختلاف المناطق، وألوانها جغرافيَّة بالدرجة الأولى وأرقاها تأقلما مع البشر تلك التي تحمل اللَّون الأسود.

تعرف الخيل أن ركوبها ليس سهلاً ولا صعباً: لن تحتاج أيُّها الفارس إلا لقليل دربة لركوبها، وإن لم تكن كذلك فابتعد عنها قدر الإمكان.

شخصيتي تعشق اللون الأبيض والأسود، وهي بذلك تعشقها الخيول البيضاء والسوداء معاً لأنها تحمل من كل واحدة قسطاً رفيعاً.

شاهد أيضاً

جدليات الأنا والآخر في الوعيِّ العربيِّ المُعاصر

محمد بدازي بينَ مأثورٍ شعريٍّ يقول إنَّهُ: بِضدّها تَتحددُ الأشياءُ، وبين مَوضوعةٍ هيجيليةٍ تُقرّرُ أن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *