جديد
الرئيسية / أدب وثقافة / نصوص / التحليل النفسي ابن الظلام .. من نُتف الفلسفة النفسانية

التحليل النفسي ابن الظلام .. من نُتف الفلسفة النفسانية

بقلم: يوسف عدنان *

جرت العادة أن يستقبح الإنسان الظلام ويفضّل النور بدله، مُعليا من قيمته ومرتاحا في ضيائه. ويعود هذا التفضيل اللامؤكد لعدة أسباب منها: وضوح حقل الرؤيا، الشعور بالطمأنينة بدل الخوف المرفق بالهواجس، إمكانية الفعل والحركة، تمييز الموضوعات عن بعضا البعض وما دون ذلك من المحاسن التي قد تمارس فعل التظليل على الوعي بقدر ما تُرشده إلى معرفة حقيقة الأشياء، واستبطان حقيقة الذات في ظلمتها وتخومها المقفلة.

لكن من قال بأن الظلمة لا تتيح لنا الإبصار. فالضوء الحقيقي هو الذي ينبعث من دواخلنا – أي من منحدرات النفس وطبقاتها السفليّة – فأن نشعر بضوء ما داخل الظلمة نفسها، تلك من سمات الكائن الذي وضع أوّل خُطوة في مسار التّعرف على نفسه ومُكاشفتها، أو بتعبير أدّق على حقيقته المحجوبة عنه والرافضة لأن تسلّم نفسها ببداهة. أن يعرف المرء كيف يُبطل كلّ الأضواء التي تشّع من أجل اكتشاف الظلام –أي ذلك النور على نحو معكوس -الذي يُنعش الغموض الساكن بداخله، كشيء يخصّه ولا يكفّ عن مسائلته، شيء ما أكثر من أي ضوء آخر يَهديه إلى طريق التعرف على جانبه الباطن. فإذا أرادت الذات أن تكتشف غموضها ومسرحها الداخلي -اللاشعوري-عليها أولا أن تتعلم كيف تصاحب ظلّها لا أن تشيّد جدارا سميكا أمامه، إسمنته الوعي وطينته الوهم”.

على هذا النحو يتحقّق السّكن الحقيقي للذات في ذاتها، من خلال قدرتها على الرؤية في العتمة وإيجاد الحلّ أو الطريق بدون الاتّكال على رحمة الأضواء التي يقتصر إشعاعها على الخارجاني وليس الجواني. فمن ينظر إلى الداخل يستفيق ومن يقتصر إبصاره إلى الخارج فهو لا يزال يعدّ من معشر النيام، مثل ذلك النوم {ناركي باللغة اليونانية} الذي كان يغفو في عيناي نارسيست. إذ تمت نوم ما في عيون كل هوية ليس أخطر عليها من أن ترى نفسها.

استنادا على هذا المعطى المُربك للتراتبيات المحصّنة من قبل اللوغوس، نستطيع القول التحليل النفسي يقترح علينا حجا في المنابع لكن مرورا بالأنفاق، أو كما تصرح المحللة النفسية فرنسواز دولتو التحليل النفسي يساعد الأشخاص على أن يصبحوا ما هم عليه. بمعنى آخر أن لا يخالفوا طبيعتهم التي شيّدها الظلام قبل يأثث أركانها النور. حيث تمّت غروب قبل كلّ شروق، تمّت إخفاق قبل كلّ نهوض، تمّت ألم قبل كلّ استمتاع، تمّت صمت قبل أيّ نطق، تمّت لا مفكر فيه قبل أيّ تفكير أو تمنطق، تمّت عدم قبل أيّ وجود، تمت لغز سابق عن أيّ مكتشف، تمت قاع قبل أي سطح، تمت سماء قبل أن تعمّرها زينة النجوم {…} الخ.

إن هذه الجدليات المُساقة على نحو مجازي تُسعف في إفهام الكائن ما يجتنبه ولا يرضى بهضمه واستساغته. يقول فريديريك نيتشه الذي يعُود له كلّ الفضل في وضع الحجر الأساس لمبحث التحليل النفسي من خلال تشريحه للمكبوت المسيحي خاصة والنفس البشرية عامة وهو المنعوت أيضا بعالم النفس إلى جانب الفيلسوف: “وراء أفكارك وشعورك يختفي سيد مجهول يريك السبيل، اسمه الهو وفي جسمك يسكن، بل هو جسمك، وصوابه أصوب من صواب حكمتك”. إذ ليس هناك شيء ما غريب دخل إليك، إنه جزء من حياتك النفسية الخاصة انفلت من معرفتك وسيطرة إرادتك.

التحليل النفسي هو ابن الظلام بكلّ ما تحمل العبارة من استعارة تسودها تفرعات مدرارة يصعب حصرها. فهو ذلك الجانب المحظور، المجهول، اللامفكر، التحتي، الظلي، الأعمى، الساكن، الغريب، العتوم {…} الخ. إذن، فكيف يستطيع الإنسان أن يرى النور داخل العتمة؟ وهل الضوء الحقيقي يتوارى خلف الظلام الموجود بدواخلنا؟ وما طبيعة الرباط القائم بين الظلام واللاوعي؟

قد لا يجوز الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها بالركون إلى النظريات التحليلية النفسية فقط مهما اشتدّ عودها، بقدر ما ينبغي علينا تشبيك خيوط هذه الأسئلة مع الفلسفة النفسانية التي تستحّث على عقلنة المُعقلن وإظهار الباطن والسرائر وذلك الخضم اللامعروف الهاجع في الإنسان ونفسه المكلومة وتحريره من استلاباته الجنسية والنزوية والعائلية والمجتمعية {…} الخ والعودة به ولو عبر مسارات ضيّقة إلى الصافي النقي، إلى الأصل، إلى الباطن، إلى الأغوار في الإنسان وفي كلامه، ونصّه، وأحلامه، وسلوكاته، وحاله ومقامه وعلائقه. كما هي لا تصبوا إلى أخذ مكانة الفلسفات العقلانية حيث تعطى الأهمية الأولى للفكر، للوعي، للأنا المفكر – الكوجيطي – المغرور بادعاءات مفادها أنه علاني ومتحرّر من السببية وأخلاقي وفوق كل جبرية وكل قصدانية غير واعية.

تحرّك ثنائية النور والظلام في الوعي دهشة لا ينقطع وريدها. لكن هذه الدهشة مسحوبة بحركة مزدوجة: فإما أن تأخذ سبيل الرغبة في المعرفة والتّحرر من الوهم، أو يتم استنفار – من قبل الذات – حالة من المقاومة والممانعة المحافظة على رصف المكبوت وتكديسه، دون طائلة أو جدوى ما دام الكبت فعل مكرور يحرس دائما على العودة وفق تقنّعات مواربة يؤلفها اللاشعور. فكون التحليل النفسي ابن الظلام – وحتى لا يفهم من عنوان المقال حشو أدبي ما – معناه أن اللاشعور ذو طبيعة مجهولة وظُلمية لم يكن مكتشفا منذ نشأة الكائن وإنما هو حصيلة الطفرة التي التي عرفها الإنسان الطبيعي إلى نقيضه الثقافي، أي ذلك الطور الذي عبّر عن نفسه كانقلاب على الطبيعة البشرية المجبولة بالدوافع الغريزية، مفتتحا معه سجل ميلاد ميكانزيم الكبت، طالما أنه من غير الممكن الحديث عن تحليل نفسي بدون مكبوت في صيغه: المحافظة والدينامية والمستعادة {أي عودة المكبوت}.

إذن فكيف وبأي حجة نرتضي الظلام حقيقة والنور وهم خدّاع، يتّضح زيفه ويخفُت بريقه بمجرد التّجلي والانكشاف؟ هذا السؤال بالضبط هو بؤرة التّوتر أو بالأحرى ذلك البرزخ الذي يقعُد فيه المعنى متصلّبا حتى يأتيه النداء، أي نداء الذات لنفسها لتهزّ الرّحال إلى عالمها السفلي وتغوص في قيعانه لترى ما لا ترى لا أن ترى ما ترى. ويضل المرمى من التوظيف الاستعاري للظلام هو الإحالة على اللاوعي، في مقابل النور الذي يدّل على الوعي، وهو ما ينطبق على باقي التقابلات السابق ذكرها. فالذات تحتاج النظر إلى الخلف أو الخافية كما يسميها المحلل النفسي كارل غوستاف يونغ، لكي تعرف كيف تتقدم إلى الأمام، مثل اندفاع السهم، فهو في حاجة إلى أن يرجع للوراء لكي ينطلق بقوة نحو الأمام أو الهدف. فتلك السرعة التي نُدرك بها أحيانا الحقائق أحيانا لا تدين بشيء ما للبداهة الديكارتية أو ملكة العقل المتيقظ، وإنما هي حصيلة حركة بطيئة مثل زحف الحلزون تعيش على إيقاع تأجيل المعنى حتى تتكاتف المدلولات لينقشع الدال معها. فالدال دائما ما يكون محجوب ومضمر وحامل لمعنى مُنتظر تشفيره. وكل ما يظهر على السطح هو سلسلة من المدلولات والمعلولات ليس إلا، بينما يحتفظ اللاشعور بالعلة لنفسه حتى يخلّص نظامه المُطلسم من أي فهم مسبق أو قبلي تصل إثره الذات وبدون أدنى جهد مبدول إلى فهم ما يحدث داخل الحياة النفسية اللاشعورية، أي بشكل فوري وحصري لا يمّر من مصفاة التفكيك والنفي من أجل الإثبات.

إن التحليل النفسي يبحث عن العلل أو الأصول التي تستقرّ تحت الفروع، تحت المنبث الذي يفرّخها أطوارا لتصل في سيرورة موصولة إلى منتهاها كثمار. فالإنسان يدرك أفعاله لكن يجهل أسبابها المحرّكة بدوافع مجهولة ومقبورة عن وعيه. لذلك ينبغي على التحليل النفسي ألا يفتقد تنبيهات إلاه الفلسفة اسبينوزا، الذي أبان منذ زمن مضى على تستّر مقدمات العلل ووهم المعرفة بالغايات من وراء الأفعال والسلوكات التي يقوم بها المرء، الشيء الذي يجعله يعيش في وهم الحرية. يقول باروخ اسبينوزا: إن التجربة تثبت أننا نندم على العديد من الأفعال التي تصدر عنا وأننا غالبا ما ندرك الأفضل ونتبع الأسوء. مفاد هذا القول أن المرء يجهل عن غير قصد تلك الأسباب التي تهزّه وتدفعه إلى فعل أشياء معينة. من ناحية أخرى يُعتبر اسبينوزا أول من سلط أضواء كاشفة على مسألة تواري العلل وبروز المعلولات فقط على سطح الوعي. وهو ما انتبه إليه المحلل النفسي جاك لاكان حيث حاول تحوير الفكرة باستبدال الألفاظ وأصبحت معه العلة هي الدال والمعلول هو المدلول، أي أن اللاوعي يُمسك بالدال ولا يرضى أن يتم انكشافه ببداهة، بل ويتلفه عبر سلسلة من المدلولات في عقد برومية تنتظر فعل التفكيك كما أشار إلى ذلك الفيلسوف جاك دريدا في معرض حديثه عن علم اللغة “grammatologie” وهو المولع بالمناسبة بفن التحليل النفسي والحريص على توظيفه في منجزاته المائزة.

يفضل الانسان في يعيش في الأوهام، لأنها تهوّن عليه ألم الحياة الواقعية. وحين يستطيع أن يرى تلك الأوهام المتبهرجة، كما هي عليه في الواقع {آنها يعدو اللاوعي وعيا} وحين يستطيع أن يصحو من حالة شبه حالمة، يستطيع في مثل هذه الحالة، أن يعي نفسه ويستشعر طاقته المعطلة، ويبدّل الواقع بحيث يستغني عن الأوهام. إن الوعي الزائف، يجود بمعاني كثيرة نقتصر على ايراد أهمها، وهي تلك الصورة المشوهة عن الواقع والمستلِبة لحقيقة الإنسان، أما الاحتكاك والاتصال بالواقع بغاية تكوين صورة صحيحة عنه، فيقويه {اريش فروم – ما وراء الأوهام}.

يمكن اعتبار أعماق النفس كذلك الكهف – ليس بالمعنى الأفلاطوني – الذي لا يظهر فيه شيء سوى الظلام، حيث المسألة تفهم بشكل مقلوب تماما، و من هذا المنطلق يمكن اعتبار الظلام هو النور نفسه، أي حين يغذو ذلك الظلام نورا بحدّ ذاته، ويصير بموجبه الظلام نورا والنور ظلاما، المسألة تتوقف على كيفيات الذات في النظر، هل بواسطة وعيها أو لا وعيها؟ فعندما تضيء الذات على نفسها بشكل داخلي يتحول الظلام إلى نور. وهكذا يصير اللاوعي وعيا والمجهول معلوما. وهو ما دعاه فرويد بعقلنة الموضوع، أي إخراجه من وهم المعرفة إلى معرفة الحقيقة ولو أن هذا مفهوم الحقيقة ثقيل على الأذن وعصي عن المواءمة مع الطبيعة البشرية أو إيجاد تعريف نهائي له. فالبحر على سبيل المثال لا يمكنك رؤية عمقه من خلال السطح، كذلك هو اللاوعي، عصيّ عن كلّ تعريف أو فهم عرضاني ليس بمقدوره الارتماء في قيعان الذات ومنحدراتها المجوفة. تُرى ما هي مهمة التحليل النفسي، هذا العلم أو حتى فن التأويل المزعج؟

يُعتبر الانسان نص غير شفاف، ولا هو خال من الغياهب والدهاليز السحيقة الأغوار، تتراوح حقيقته المنفلتة بين الظّلي والمستور، الرمزي والمخيول، التّداوليّات والدّلاليّات {…} الخ. ولهذا الغرض جاء التحليل النفسي أو شاءت الأقدار بأن تُظهر ظلمته نورها في سبيل اخراج عتمة ما إلى النور، في سبيل إعادة بناء ما تم هدمه أو تصويب ما سيء فهمه أو إحياء ما تم قتله – في الذوات طبعا -.إن نواة النظرية التحليلية النفسية بمختلف مؤسسيها ومجدديها ومطوريها هو مفهوم اللاوعي، الذي ربّما جرى الاختلاف حول تشكيلاته، لكن تّم الاتفاق على وجوده ونشاطه داخل أعماق النفس البشرية أي على صعيد الحياة النفسية اللاشعورية التي سبق ميلادها الحياة العقلية. فالوعي هو آخر جزء ينمو في الذات وينفصل عن اللأنا موطنه الأصلي. ومن المسميات التي أحيطت باللاوعي، نجد “المنطقة العمياء” أو القارة المجهولة “terra enconita”، أما هذه المجهولية فتتّخذ معنيين على الأقل. الأول ذاتي والثاني موضوعي. فالذات تجهل واقعها النفسي وتتنكر له بفعل المقاومة أو التسامي، أما بالنسبة للمعنى الثاني فهو قد يرتبط بالعقم العلمي من حيث انفلات هذا الجانب اللاشعوري من الخبرة العلمية حتى ظهور التحليل النفسي الذي حمل على عاتقه كشف المستور.

ففي النور {بالمعنى المجازي الحائل على الوعي} نهاية ووضوح للمسعى الذي ينتصب أمام الأعين، أما الظلام فهو مفتوح على اللانهائي، مادامت الإجابة المطلقة عن سؤال الذات تنتفي في المسعى المتاهي للعثور على الحقيقة، حقيقة الذات المحكوم عليها بالكبت وعدم البوح التام. كما أننا في غمرة النور نصل إلى الشيء المبحوث عنه بسرعة ونكتفي بالتعرف على قشرته السطحية، ولكن في وجود الظلام قد يطول زمن البحث والكشف والتنقيب والحفر في الأعماق حتى نصل إلى المعدن. ربما هي لعنة ما ألبست كلا منهما الحذاء الخطأ. وهكذا فالظلام يفضّل اللعب على الحبلين: إظهار الحقائق وإخفائها في نفس الوقت، يزاوج بين الحضور والغياب، بين الانكشاف والانحجاب.

نفهم مما سبق ذكره، أنّ موطن النور الخالص هو الظلام، أي جانبنا اللاوعي، ذلك المكان الذي يتّم فيه التفكير بدون معرفة على حدّ تعبير جاك لاكان. أما فن التحليل النفسي فهو يُراهن وبكل جرأة عزّ مثيلها على تكسير منطق التفاضل بين العتمة والنور، مُعطيا الأسبقية للطرف الأول دون الثاني. كما لو أن الأمر شبيه بأسبقية الصوت عن الصدى وارتداداته. إن التحليل النفسي – يُعلّمنا كيف نرى وسط الظلمة، يُعلّمنا كيف نسير في الطريق المجهول بهُدى البوصلة الداخلية التي تُحكرها رياح اللاشعور، يُدرّبنا أيضا على حُسن الإنصات إلى الصمت المتكلم قبل الكلام الصامت، ما دام الأول في يبقى في طيّ الكتمان وغير مصرّح به سوى في السريرة l’intériorité، والآخر منطوق ومُحتوى من قبل رقابة اللغة. وقد يطول الكلام ما دام هناك تحليل ينتهي وتحليل لا ينتهي بلغة فرويد، لكن نترك لفعل التأويل مجاله حتى ينتعش هو كذلك من آسرية الظلام {ظلام القول والمعنى}.

* أستاذ الفلسفة

متخصص في التحليل النفسي والفلسفة النفسانية

نشر المقال في موقع التحليل النفسي اليوم

شاهد أيضاً

اَلْصَّخْرَةُ المثيرة الملعونة

  بقلم: عمر بن أعمارة *هذا المقال كتب بمناسبة الاعتداءات المتكررة التي يتعرض لها تمثال …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *