الرئيسية / منشورات / جرائد / حذف الفلسفة ! مفارقات الهندسة البيداغوجية في مسالك الباكالوريا المهنية

حذف الفلسفة ! مفارقات الهندسة البيداغوجية في مسالك الباكالوريا المهنية

هشام بن عمار مفتش تربوي لمادة الفلسفة

في سياق الضجة التي أثارها موضوع التخلي عن مادة الفلسفة تدريسا وامتحانا في مسالك الباكالوريا المهنية؛ وتفاعلا مع البيان الذي أصدرته الجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة والحملة التي قادها ثلة من الغيورات و الغيورين على الفكر الفلسفي التنويري في مواقع التوصل الاجتماعي والصحف المكتوبة والإلكترونية؛ جاء رد الوزارة المعنية على شكل بلاغ صحفي، تنفي فيه من جهة استبدال مادة الفلسفة بمادة التربية الإسلامية في الامتحان الوطني الموحد، وتعترف من جهة ثانية بحذف مادة الفلسفة من السنة الأولى والثانية بكالوريا في مسالك الباكالوريا المهنية وحصر دراستها في مستوى الجذوع المشتركة بناء على الهندسة البيداغوجية المعتمدة.

لن نخوض في الخلفيات والأبعاد الأيديولوجية والسياسية لاتخاذ هذا القرار، وسنوجه نقدنا للهندسة البيداغوجية المعتمدة بناء على الوثائق المرجعية الموجهة لتدريس مادة الفلسفة بالثانوي التأهيلي.

يقوم منهاج مادة الفلسفة في الثانوي التأهيلي طبقا لما جاءت به وثيقة التوجيهات التربوية الصادرة في نونبر 2007 على جملة من المبادئ والمرتكزات تتناقض جملة وتفصيلا مع القرار المتخذ في شأن حصر تدريس الفلسفة في الجذوع المشتركة في مسالك البكالوريا المهنية. ولعل أهم مرتكز يناقضه هذا القرار هو ” وحدة البرامج وتماسكها” في منهاج المادة. والمقصود بهذا المرتكز أن البرامج المعتمدة في المستويات الثلاث الجذوع، والسنة الأولى والسنة الثانية باكالوريا هي عبارة عن وحدة متكاملة لا يمكن الفصل فيما بينها. فبرنامج الجذع المشترك بمفرده لا يمكنه أن يحقق الغايات من تدريس المادة إذا لم يتم ربطه ببرنامج السنوات الموالية؛ وهو ما يرتبط بمبدأ أساسي يقوم عليه المنهاج وهو مبدأ التدرج.

يقضي هذا المبدأ بأن المنهاج الجديد لمادة الفلسفة جاء ليناسب المستويات العمرية والعقلية والسيكولوجية للتلاميذ في المستويات الثلاث من التعليم الثانوي التأهيلي؛ فبرنامج الجذوع المشتركة يقوم على ” قاعدة التعرف حيث يكون اللقاء الأولي تهييئا للتلميذ(ة) لتقبل خطاب العقل والمساءلة ووضع هذا الخطاب في سياقه المعرفي والإنساني والتاريخي         (مجزوءة الفلسفة)، كما أنه من ناحية ثانية يمثل مدخلا لممارسة أولية لتفكير فلسفي منظم يستند على الثقافة الفلسفية ويسعى إلى الإبداع والاستقلال (مجزوءة الطبيعة والثقافة). وهكذا ينتقل التلميذ(ة) في مساره خلال مختلف مستويات السلك الثانوي التأهيلي من التعرف والاستئناس إلى التمرين الأولي (السنة الأولى بكالوريا) وصولا إلى ممارسة خطوات التفكير الفلسفي الأساسية من أشكلة ومفهمة ومحاجة في السنة الثانية بكالوريا.”(التوجيهات التربوية لمادة الفلسفة 2007 ص 20).

إن حصر تدريس مادة الفلسفة في الجذوع المشتركة في المسالك المهنية يوقف التلميذ(ة) عند مرحلة الاستئناس والتعرف دون أن يتمكن من بلوغ الكفايات المستهدفة بمختلف أنواعها. إذ كيف يمكن مثلا تحقيق الكفاية الاستراتيجية وهي كفاية قيمية تستهدف التشبع بالقيم التي يتأسس عليها التفكير الفلسفي (الاستقلال في اتخاذ المواقف، تحمل المسؤولية، التفتح على الغير واحترامه…) من خلال الاكتفاء بمرحلة التعرف والاستئناس؛ وكيف يمكن تحقيق الكفاية الثقافية وهي كفاية معرفية تروم امتلاك رصيد معرفي وثقافة فلسفية متنوعة تتسم بالمصداقية والصلاحية والقابلية لتوسيع أفق الفكر والبحث عن المعرفة إذا تم الاقتصار على تدريس المادة في الجذوع المشتركة.

علاوة على ذلك وحسب اطلاعنا على أهم التجارب الدولية في تدريس مادة الفلسفة في المرحلة الثانوية، لن تجد نموذجا واحدا يقتصر فيه تدريس الفلسفة في المستوى الأدنى دون المستويات الأخرى التي تليه. لهذا نعتبر أن حصر تدريس الفلسفة في مستوى الجذوع المشتركة هو بمثابة إلغاء لها بشكل كلي، لأنه إفراغ للمادة من أثرها القيمي والثقافي والمنهجي.

إلى حدود الآن لا نملك المعطيات الكافية حول حيثيات وأبعاد اتخاذ هذا القرار؛ لكن المؤكد هو أن الهندسة البيداغوجية المعتمدة غير منسجمة ومتناقضة، وهو ما يفيد أن مسألة إرساء المسالك المهنية في الباكالوريا جاء بشكل مرتبك دون التفكير بعمق في أسسه العلمية والبيداغوجية. هل الاحتفاظ بمادة التربية الإسلامية في مختلف المستويات وإدراجها ضمن الامتحانات الإشهادية للباكالوريا المهنية في مقابل إلغاء مادة الفلسفة هو اختيار مفكر فيه بشكل عميق؟

ألا تدرك الجهات المعنية أن مختلف الدراسات التي شملت سوسيولوجيا الفئات المستقطبة من طرف التيارات الدينية المتطرفة، تفيد أن الفئات التي يسهل استقطابها هي ذات التكوين التقني والمهني؟ هل نحن أمام بداية تحول في علاقة الدولة بالفلسفة خصوصا مع تنامي الثقافة الاحتجاجية وتزايد الطلب على العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية لدى الشباب المغربي؟

 

هشام بن عمار مفتش تربوي لمادة الفلسفة

شاهد أيضاً

ايف شارل زاركا: التسامح كفضيلة صعبة

كوة: رشيد العلوي على عكس فولتير وليسينج اللذان مدحا التسامح، فإن الفيلسوف التونسي الأصل ايف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *