الرئيسية / منتخبات / عامة / الفلسفة المدرسية في الوطن العربي ..

الفلسفة المدرسية في الوطن العربي ..

بين الوصاية العقائدية واغتراب المعنى وانتكاسة المؤسسة التعليمية

بقلم: يوسف عدنان *

 

“.. والحال أن العيش بدون تفلسف كالذي أغمض عيناه، ولم يحاول أن يفتحهما” رونيه ديكارت.

تقديم هامشي

لقد خصننا هذا المقال النقدي لغرض المساءلة والاجابة عن مجموعة من التأزمات والنقيضات والمتغيرات التي يشهدها الدرس الفلسفي في بلداننا الإسلامية العربية -خلال أزمنتنا المعاصرة-وتنحصر قضاياه المطروقة على وجه التخصيص في النقط أدناه:

  • قيمة الدرس الفلسفي المغيّبة وتأرجحه في مسار تاريخي مثقل بعلامات الانتماء العقائدي
  • غموض الدرس الفلسفي وانزلاق المعنى بدل تأصيله
  • مقاومة الفلسفة والتفلسف من الداخل والخارج
  • ايحاءات من أفواه فلاسفة عظام، من أجل التمسك بالفكر الفلسفي كقضية وجودية – إنسانية – حضارية
  • واقع مدرس الفلسفة المستبضع/المستهجن وغفلية المتعلم
  • خطر تدريس الفلسفة للأطفال وحضورها المحتشم في مرحلة الثانوي
  • انفتاحات لماحة

وحتى لا نطيل في التقديم، نقول في كلمة، إن جرح الدرس الفلسفي لم تهطل دمائه حتى اليوم، بل هو يئن منذ سنين في صمت، ويحمل معه إرهاصات من الوجع والألم والاقتطاع من أطرافه بوحشية حتى أصبح عبارة عن جسد “هيكل” متآكل آيل للسقوط في آية لحظة، لا يتصاعد فيه شهيق أنفاس ولا تسكنه أية روح؛ نقصد تلك الروح الفلسفية التي تبقي هذا النمط الفريد من التفكير بلا نعش أو تحنيط أو لعنة أو توجيه من العلم أو ما شابه ذلك، ليظل حيّا ومستمرا ومتجدد الصمغ تحت عروق التاريخ وفوق عروش السماء ومتدفق النبض داخل معترك اليومي.

تساؤلات

هل الفلسفة عقيدة؟ وهل بنبغي لها أن تؤمن بعقيدة ما دون غيرها؟ كيف يمكن أن يتخلّص أستاذ الفلسفة – في الوطن الإسلامي العربي-من عقيدته أثناء انجاز دروسه؟ ما محلّ التلميذ المُلحد أو الربوبي أو اللاديني أو العلماني أو المسلم أو القِبطي {…} الخ، من الاعراب في التفاعلات الصفية المدرسية؟ هل المدرسون متيقظون أم مُسرنمون؟ إلى أي حدّ يستطيع مدرس الفلسفة أن يتخلص من حِمل المنسوب العقائدي أثناء القيام بالدرس وفي لحظات تعاطيه مع الفكر الفلسفي استيضاحا وتفسيرا وتفهيما وتأويلا؟ ولماذا يعاني هذا الأخير من ازدواجية مرجعية تُشعره بعقدة الذنب لا بنشوة الانجاز، أي بين كونه منتمي إلى عقيدة ما أو العكس، ومخترق من ناحية أخرى بشرارة التفكير الفلسفي؟ وأخيرا هل الدرس الفلسفي مدفوع بإرادة المعرفة والاستكشاف كضمانة لاستمرارية الجرأة “paresia”، أم هو منحور بسيف التقشف فوق مقصلة المحافظة؟ ولماذا كل هذه الطمأنينة حيال منجزات الدرس الفلسفي في الوقت الذي نشهد فيه مضايقات ومآمرات على تسليعه وإقباره فاقت حدّ التريث والحكمة من لدن أحفاد سقراط؟

عرض

لعلّنا قد نسمع هنا هسيسا للأفوريم النيتشوي الذي يقول: “إن الفيلسوف هو مادة متفجرة مروعة غير مأمونة على الاطلاق”. وحتى نسحب هذا المنطوق على مسألة العقيدة، الفلسفة سواء في نُسختها المطلقة أو المدرسية لا تستوجب تأكيدا لدين ما، أو مناصرة عقيدة ما، أو الانفعال مع رصيد تاريخي إيمانوي ما لا يُشفي غليل العقل الاستفهامي التلاميذي، وإنما هي مطالبة بأن تكون مسرح تتجادل في رقعته جميع المسلكيات والتوجهات والمعتقدات، أن توفّر المساحة المرجوة لقبول الاختلاف واستيعابه ضمن الوحدة، هكذا يمكن أن يمرّر أستاذ الفلسفة رسالته الداعية الى تفتيق العقول وتفتّحها بدل ممارسة الوصاية عليها من باب كونه مُخترق بمرجعية معينة وملزوم بتمريها حشوا أو ايحاء إلى طلابه أو تلاميذه. فحتى يتخلّص هذا الأخير من قناعاته الشخصية ينبغي أن يتحرّك خطابه بدون بوصلة الأديان وأن يترجم ماهية التفكير الفلسفي العقلاني نفسه، لا أن يتم احتواءه إيديولوجيا في خانة المدرس الدوغمائي/الوثوقي المُختفي في ثوب الفلسفة، والمتسلح بكلّ ما من شأنه صدّ ومقاومة مفعول الفكر الفلسفي على العقل وذيوعه في كل أشكال الممارسة والفعل.

من المعلوم أن الفلسفة لم ولن تُؤمن يوما بالفكر الأحادي الإطلاقي، سواء وجد تعابيره في الدين أو الأيديولوجيا أو العلم إلى آخره. وهي لم تُؤمِّن ذات الحين مضاجع غورية تتعش في تخومها مرجعيات متصلّبة تحوي إمكانات العقل في بوتقة مُغلقة تكون دائمة هي المنطلق والنهاية لأي مسار دبّ فيه التفكير. إن المهتم بالفلسفة فكرا أو تعليما أو حتى ميولا ومطالعة عاشقة، يكاد يعادل انتماءه إلى هذا المجال النوعي، مصطلح “الاعتناق”، لكن بتفريغه من حمولته العقائدية ورميه بالمقابل في معترك التفكير العقلاني – النقدي، ومن هنا فقد أصبح لزاما علينا، نحن المشتغلين بالفلسفة (بوصفنا “رسل الإنسانية الناطقة) – على حد تعبير إدموند هوسرل-أن نعمل على استمرار «التقليد العقلاني «{1}، لا الإذعان إلى الخطابات الناسفة له مضمونا والمخاتلة له شكلا.

فباتخاذ الفلسفة لموقع الدعوة إلى “العودة إلى الذات وممارسة السؤال” تتحدّد هوية الفلسفة بالتعارض مع غيرها من الفعاليات الفكرية: فالعلم والسياسة والايديولوجيا وغيرها، تريد أن تضع معولها وتأخذ مستقرا داخل ما يسمى بدائرة الحقيقة والمعنى، في حين جسّد تاريخ الفلسفة رحلة دائمة ومستمرة في البحث عن المعنى، بل ومغامرة لا تستكين للطمأنينة السطحية التي تُفضي بها إلى مساكنة الثابت ونفي المتحول بل وهجره.

إن العودة إلى الذات هو أول وأساس الانخراط في الفلسفة، هو أول حرف ننطقه في مسار تعلم التفلسف، ذلك أن الفلسفة لا تطمح إلى أكثر من تعليمنا كيفية الاقتراب من ذواتنا، وكيفية الكلام والتفكير بمفردنا بدل تفويض أمر عقولنا لغيرنا. تريد الفلسفة، في المقام الأول، أن تعلمنا أخذ موقع خاص بين أشياء العالم تؤثثه إرادتنا في المسائلة والتفكير الحر {2}. فرغما من أن العقل الأول مشترك بين الجميع حسب تعبير “هيراقليطس” يعيش معظم الناس كما لو أن كل واحد منهم يمتلك حكمة خاصة به.

لقد كان العقل “ارسطو”* ، جدّ نبيه وعملي ذات الحين عندما ربط دوام الفلسفة بممارستها فعليا، ونستجدي من مقولته “فلنتفلسف لنثبت لزوم الفلسفة”، ما يؤشر على ذلك. كما أن من فطنة الفيلسوف “فريديريك هيغل” أنه ألزم فعل التفلسف بالحرية واعتبر أن أي شعب تغيب عنه الفلسفة تُفتقد بالمقابل فيه الحرية، بما هي شرط وجودي لا محيد عنه لنهوض الفكر الفلسفي فوق أرضية صلبة لا تقتلعها هكذا أهواء أو آراء أو قناعات موهومة وملطوخة بهوى الحس المشترك والسائد.

نستشف من هذا الحكم الوجودي الذي أضفاه هيجل على مقوله عربونا ساطعا على نَفَس فكرته ونفادها في الواقع، يتيح لنا الفهم السديد لدور الحرية في عالم الفلسفة -وهو موضوع أثير بالاهتمام-. ثم إن هذا التلازم القوي بين الفلسفة والحرية يشكل نطاق واسع للإنسان حتى يختبر ممكناته التي لا تنضب، ولا هي بسهلة الاستشهاد في مسرح البلادة والتذويت *، إذ لا شيء أكثر روعة ورعب من الإنسان نفسه “سوفوكل”. أما بالنسبة لطبيب العقل “ديكارت” فنجده يربط تواجد الفلسفة بتوفير منبث للحضارة والنّعم بجُودها وعطاءها، عندما ينشرح صدره قائلا: “إن قيمة حضارة أي أمة تقاس بقدرة الناس فيها على التفلسف أحسن”.

صراحة، عندما تنعدم حقوق الفلسفة، تجد نفسها ملزمة بالتزام الهامش وبالتالي يحكم عليها بالعزلة والانكماش الذاتي، وبذلك تتحولّ من قوة محرّكة للفكر ومحفزة على التجديد إلى رداء لمعانقة الرفض المطلق والجذري للحياة العامة، أي إلى عمل لا جدوى من وراءه. يقول الحكيم نيتشه في هذا الصدد: “كلما سعى فرد ما إلى الاكتفاء الذاتي كانت الفلسفة جاهزة دائما لمضاعفة عزلته ولتحطيمه – داخل هذه العزلة. إن الفلسفة لخطيرة حين لا تكون مالكة لجميع حقوقها {3}.

المستنتج انطلاقا من مطالعة عجولة لمحطات الفكر الفلسفي ودروبه، أنه في الوضعيات المجتمعية والتاريخية التي تقلصت فيها أو انعدمت حقوق الفلسفة وحقوق التفلسف تراجع مدى السؤال وتكلست الطاقة الثقافية، وكان الثمن النهائي هو الجمود والتخلف الحضاري وخلق أفراد هم أقرب إلى النسخ المتشابهة، وبالتالي بدا الفضاء العام مناسبا لفكر الارتداد ولنزعات الخرافة والتطرف. وأما الفلاسفة في مثل هذه الوضعيات المجتمعية المتسحّرة فقد تحولوا إلى أفراد منعزلين عن التداول العمومي وحيل بينهم وبين تصريف أفكارهم ونشرها على المدى الواسع، بل لقد تحولّوا إلى موضوع للسخرية والتعنيف والإقصاء {4}.

تساوقا مع ما تم ذكره، يرى هايدغر زمنا مضى، أن الفلسفة هي من بين الإمكانات القليلة، وأحيانا من بين الضرورات النادرة، في الوجود الإنساني، التي لها استقلالية وابداعية {5}. لكن هذه الضرورة الوجودية – أي الفلسفة-قد يتم الانتباه الى أهميتها، وبالتالي العمل على ترسيخها، وتسهيل تدريسها، وأحيانا تتم محاربتها – ربما لأنها تعبر عن مواطنة فيها نوع من المغالاة، وهي التهمة التي وجهها “أنيتوس” إلى سقراط – لكن كل مجتمع – كما يقول م. مايير-عندما يتحمس للتشهير بالفلسفة، فإنه يقوم بذلك في كل مرة، يكون فيها في حالة انحطاط {6}. وبالمقابل يشهد تاريخ الفلسفة عن وجود تلازم بين حركية المجتمع، في نزوعه نحو الديموقراطية والتقدم وبين الاهتمام بالفلسفة {7}.

حتى لا نبتعد كثيرا أو قليلا عن تيمة الموضوع المطروق ولو أن جميع الطرق تنتهي بنا إلى التقاطع في نقطة واحدة وهي الحاجة إلى الفلسفة المتفلسفة، نقول على ضوء ما تم التقدم به، أن الدرس الفلسفي كما يمارس على صعيد الأقطار العربية لا يزال ممسوكا بحبال العقيدة أو في أحسن الأحوال هو يترنّح فيما يّمكن نعثه بالدوكسيولوجيا “doxologie”، والمغزى من تهجير هذا المصطلح اللاهوتي إلى الحقل الفلسفي هو افتعال تماثل بين الطقوس والأفعال المكرورة أثناء القيام بتقديس المقدس، والخطابات الداعية إلى التفلسف التي تتحول إلى شبه موروث لا وجود فيه لتجديد وتورّط في شجايا الإشكاليات الفلسفية على تنوعها، وإنما فقط اتباع وتطبيق حرفي خال من الاستحداث، هنا حسب اعتقادنا يجد الفرق معناه الصارخ والجارح.

وتجنبا لأي فهم مغلوط للتوظيف الاصطلاحي للفظ “عقيدة”، فنحن نُلزم هذا المُقال أيضا بالفلسفة نفسها، أي حينما تتحول إلى مجرد تراتيل، إلى مظهر من مظاهر التوحيد الفكري أو المذهبية العقائدية أو تقيّدها بصورة محددة متحجرة من صور المذهبية. إن قيمة الفلسفة وفق تعبير العقل الاستثنائي “برتراند راسل” توجد فيما هي عليه من عدم اليقين. بل هي حتى وإن تناولت موضوعات غير جديدة فهي تعمل بجهد جهيد على تقديم رؤية جديدة لها وإرساء طرائق غير مألوفة في معالجتها، حتى نستطيع تجديد منابع السؤال بدل الاكتفاء بالأجوبة المغمورة المنقضية مع طيات الزمن. وعليه، على مدرس الفلسفة مجانبة وضع بين يدي المتعلمين حلولا جاهزة أو آراء مستجلبة أو قناعات راسخة، مع غياب ثمرة التأمل المُرجى تحصيلها من فعل التفلسف لديهم {8}.

من بين الأمثلة التي نجدها تنتظر منا اللحاظ في هذا المستوى دون عناء في الاستقصاء، تلك المتعلقة بالتوجيهات الرسمية الخاصة بمادة الفلسفة والتي تطالب المدرس بتعزيز الجانب العقائدي عند المتلقي / المتفلسف أو على الأقل المطالبة به. إن فكرة الركائز المستمسك بها من قبل مُزمع الوثائق المنظمة للحقل التربوي – التعليمي في بلداننا الإسلامو-عربية لا تراعي أو تتجاهل تلك الشحنة المضاعفة التي تنعم بها الفلسفة دون سواها من المواد المدرّسة، وأنها معبر الذوات للاختيار ومنهجهم في التحكيم وسندهم في المحاجة مادامت الفلسفة في صميمها أداة رفض ووسيلة نقد ونهج فسيفسائي في مطارحة القضايا، وليست عبارة عن صدى مُستفرغ في آذان موقورة أو هو قادم من أصوات فلاسفة -أشباح- يستيقظون من نصوصهم/ قبورهم فقط أثناء قراءتها وتدبّر فحواها على نحو تاريخي اختزالي يبعد أميال عن بعث روحها الفكرية في قلب الزمن الحاضر. هكذا تتعرض الروح الفلسفية للوأد والإقبار عندما تنتشل منها فعاليتها العقلية. فحتى حدود زمننا الراهن لا تزال الفلسفة في مجتمعاتنا كلمة مشبوهة محجوبة، والناس عندنا يستخدمون هذه الكلمة غالبا للإشارة إلى لغو الحديث وهدره!

إن الفهم العميق للإبداع الفلسفي الخلاق لا يبدأ بالوقوف عند المفاهيم والنظريات التي أنتجها وما زال ينتجها كبار الفلاسفة بالأمس كما هو الشأن اليوم، بل إن عملية ولوج عمق وخصوبة اجتهاداتهم تبدأ وفقط عندما تبدأ، وبكل تواضع، في تقدير الوقت الذي خصصوه لتدارس الكيفية التي يمكن بها ومن خلالها، التفكير في تعليم الروح الفلسفية. لقد كان سؤال هؤلاء –حفدة سقراط-ولا يزال هو: كيف يمكن للدرس الفلسفي – لا المحاضرة الفلسفية – أن يكون ممكنا؟ أمام هذا السؤال أبدع فلاسفة الأنوار في فرنسا وألمانيا أروع وأبهى النظريات الفلسفية عمقا وجمالا واتساقا، وأمامه راح فلاسفة الحقبة المعاصرة بدءا بدريدا مرورا بجيل دولوز، وفوكو وباشلار وغيرهم …يفكرون داخل حلقات تجمع المبدع والمعلم والطالب والطالبة والعامل وكلّ من يهمه الأمر، أما عندنا – مع وافر التأسف-                فإن الدرس الفلسفي يبدأ كمحاضرة – أسلوب إلقائي / تلقيني على الطرف النقيض من الأسلوب الاستفزازي / التحريضي – والمحاضرة تدشن انبثاقها كحقيقة مطلقة وموضوعية {9}، تمطر العقول قسرا بوابل من الأجوبة تجمدّ آفاق التفكير وتشعر المتعلم بضآلة حجمه أمام أبنية فكرية شاهقة قدّر عليه أن يستمتع برؤيتها بدل أن يتسلقها لكي يرى من الأعلى ما لم يستطع دركه من الأسفل.

تتهاوى قيمة الدرس الفلسفي حقا – متجنبين السقوط في أي حكم قيمة -وتستأصل محركاته -من نقد / شك/ تساؤل/ جرأة / تحريك للراكد، اكتشاف للذات، سفر في تاريخ الأفكار {…} الخ -ليصدق عليه وهذا الحال الوصف المعهود لذا المتمدرسين “الحصة المألوفة”، التي يتم الحديث فيها عن كل شيء وعن لا شيء، كما يقول المثل الفرنسي. أي أن هؤلاء لم يعودوا يجدون رغبة أو لذة وسط حُجرة أملي عليهم جورا أن يدرسوا فيها مادة احتفظ باسمها لوحده على مضد، واختارها كل لسان ثرثار في تصورهم، كما قد تكون هي المادة الوحيدة المشروخة واللامطابقة لنفسها وللواقع أيضا. ومن الجلي، أن تعليم كهذا لا يمكنه إلا أن يكون تعليما مؤسسا على الانبهار والاحتفالية الفكرية التي تُعرّض إمكانية المغامرة الفلسفية الإبداعية للإتلاف التام {10}. تقول جاكلين روس: “أن نقوم بدرس فلسفي معناه أن نرى في الموضوع مشكلا ذا معنى بالنسبة إلينا .. وإلا تحول درس الفلسفة إلى مجرد تنشيط وفضاء للتواصل، وهو ما يعني إفراغ الدرس الفلسفي من كل محتوى” {11}.

إذ المطلوب الذي يكرّر نفسه ماضيا وحاضرا هو رفع الغموض عن الدرس الفلسفي بما هو يحتوي مادة فلسفية لا تثبيته. قد يكون الغموض تمحّلا في عرض الفكرة وتنطّعا حتى يصير مقصودا لذاته، مع أنه ليس دليلا على عمق الفكرة بالضرورة. وقد يكون تعبيرا معقدا عن معنى بسيط، أو أقل إن شئت: حشوا في اللفظ لتأدية معنى قريب إلى الذهن .. والحال أن الغموض في الدرس الفلسفي صار أصلا، عبارة وفكرة، بلا مسوغ ولا ضرورة {12}. فصارت حصة التفلسف سفرا من مقتطف إلى آخر، ومن حقبة لأخرى ومن غموض لغيره {13}، ليخرج المتعلم من مغارتها بفهم إما مشوه أو منقوص عن طبيعة النشاط الفلسفي، كما هناك من الحلول لإضعاف الدرس الفلسفي ما يفوق الذكر، حتى لا نسهب في التوضيح.

ليس الغاية من قراءة وتدارس الفكر الفلسفي أن نشيد قلعة محصنة باللغة والكلام، بل لكي نتجاوز كل لغة وكل كلام يمنعنا من قول حقيقتنا، ويحول هكذا دون اكتشافنا لأهم الحدود الضيقة والثابتة والتي تشكل سدا مانعا بيني وبين ذاتي، وبيني وبين كل ما يحمل في عمقه بذرة الحياة {14}. إن الوعي بأهمية الدرس الفلسفي والنظر إليه كغاية وليس كوسيلة، يفترض أن يؤدي – من جملة أهدافه – إلى اكساب التلميذ فعل التفلسف، الذي هو من جهة تعليم الاستقبال، والفحص، ووضع الشيء موضع تساؤل ونقد معطيات التجربة {15}. ينبغي على الدراسة الفلسفية أن تحرص بشكل أساسي على أن يتم بفضلها تعلم شيء ما، وطرد الجهل وملأ الرأس الفارغ بالأفكار وبالمضمون المتين وأخيرا طرد الأصالة الطبيعية للفكر، أي العرضية والاعتباطية وخصوصية الرأي {هيغل تقرير 1812}، فلا تفلسف بدون مضمون فلسفي أو استحالة الفصل بين الفلسفة والتفلسف {يتوقف هيغل، مطولا، في تقاريره التي كتبها عن تدريس الفلسفة، عند الفصل المتعسف، من وجهة نظره، بين الفلسفة والتفلسف. ولا يتردد في وصف هذا الفصل بمرض العصر. ويعتبر البيداغوجيا مسؤولة عن ذلك. والحال ان هيغل يدغم، بشكل قوي، بين تعلم التفلسف وتعلم الفلسفة لأنهما لا ينفصلان، بل يمكن القول إن هيغل لا يربط بينهما بشكل وثيق بقدر ما يعبر عن جوهرهما الكامن في هذا الترابط ذاته {16}.

من ناحية أخرى، تتسع هذه المساءلة النقدية لوضعية الدرس الفلسفي لتعميق الحديث أيضا عن الزمن المدرسي الفلسفي، والظاهر أنه هو الآخر مُلجم بشحّ في الساعات المقررة لتدريس المادة وكتب مدرسية مشحونة بالمعطيات والمضامين والتزامات منهجية {الكتابة الانشائية الفلسفية} من قبل المدرس غير مبرمجة أساسا في التقطيع الزمني للحصص على مدار السنة الدراسية وانما مستعرضة فقط ككفايات ممتدة {…} الخ. ولعلّ الحصيلة المشوشة التي يخرج بها المتمدرسون في ثلاث سنوات عجاف بالنسبة لهم – على صعيد الثانوي التأهيلي -تعكس عدم صفاء أوعية الدرس الفلسفي. إذ هناك حتما ما يشدّ الانتباه حيال هذه الوضعية المؤزومة التي تنبؤ بالأسوء والقادم ليس ببعيد ليسند هذا الحكم ببرهانه.

في مستوى آخر، مازال ينظر إلى الفلسفة كمادة خطرة على ذهن الأطفال في الوطن العربي على خلاف بعض الدول الغربية التي أمّنت حق الطفل المتمدرس في مؤانسة السؤال الفلسفي أثناء سن مبكر. وهذا مردّه مرة أخرى إلى حاجز العقيدة دون غض الطرف على المخاوف المجتمعية المعبّر عنها في السلوكيات والآراء وأحيانا بالدعابات التي تسفّل من قيمة الفلسفة وتُقعدها في مصاف المواد الثانوية. إن الحق في الفلسفة قضية إنسانية كما ينظر لها جاك دريدا، متملصة من أي توجيه عقدي أو تمركز عرقي أو هوى إيديو-معرفي أو نزوع نخبوي أو سقف عُمري يناسب الشخص المتفلسف أو نظام مدرسي يثبّت ويمحي ما شاء من المعارف *.

إنه لمن الأصوب مما كان تدريس الفلسفة للأطفال حتى لا تكون الفلسفة بمثابة شجرة أنبتت بالقوة في مرحلة الثانوي لن نحصل منها على أية ثمار ولا فائدة مُرجاة منها ما عدى كونها موجودة لا غير، تحافظ على توازنها بمشقة الأنفس حتى لا تُقتلع من طرف عمال صيانة غابة الفكر. يغيب فعل التأصيل للفلسفة في السنوات الأولى من العمر والعمل على تضمينها في الدروس المقررة وفق ما تقتضيه الهندسة البيداغوجية من مراعاة لإمكانات هذه الفئة العمرية من حيث: الكم والكيف، العام والخاص، المقدمات والطرق وغيرها، هكذا تكون صدمة اللقاء مع المادة حتى حدود سن الثانوي التأهيلي لحظة خالية من كل انفعال إيجابي أو تفاعل حيوي مبدع، لأن نظام الاستعدادات وسيولة القنوات الفكرية باتت جدّ محقونة المداخل والمخارج عند المتعلمين، بحيث قد سبق أن تحطّم عندهم أثمن كنز، وهو الحس الفضولي الطفولي فوق صخرة المعتقد.

ووفقا لهذا المقتضى، يتواتر الشرخ الناجم عن هذا الانكسار الوجودي والهشاشة المعنوية والانكماش المعرفي لتقبل الخطاب الفلسفي من طرف المتعلم، لتنسج على نحو سببي أو اعتباطي، تلك الخيوط الخفية للعداوة والنفور بينه وبين مادة الفلسفة مع اختلاف الاسقاطات اللاواعية على شخص المدرس من طرف متمدرس لآخر، وكذلك غليان الثقافة المضادة التي يتحصّن بها، حتى لا تجد إلى عقله طريق يورطه السير فيه، في أمسية عاشقة ودافئة مع كتاب فلسفي قد يشكّل قراءته منعطفا بارزا في حياته أو نقطة تحول لا عودة بعدها إلى الوراء. فالفلسفة تمثُل بغرابتها وغموضها وجرأتها أمام وعي فتي لم يطعم جيدا ولم يتدرب على عملية الهضم كفاية، لهذا فهو قد يحسن القيء والاستظهار الآلي والوفاء للمكتوب المرصع في دفتر ينتهي المطاف بأوراقه أن تضمد في حاجيات يقتنيها الأفراد من محلات البقالة أو ما شابه ذاك.

لا شك أن تأخير تدريس مادة الفلسفة إلى آخر المرحلة الثانوية، سيطرح أكثر من سؤال بالنسبة للتلميذ، ويعمّق لديه الرغبة في استكشاف عالمها الغريب. وكأن كل غرابة، فهي تولد نوعا من القلق: يهم المادة والمدرس معا. ففيما يتعلق بالمادة يزخر ذهن التلميذ بالعديد من التمثلات المتسربة إليه إما من وسطه الاجتماعي أو من زملاء له، سبق أن دفعه فضول ملحاح إلى استفسارهم عن طبيعة المادة التي يدرسونها وعن مدرسيها. وفي الغالب، يكون قد حصل على إجابات مشحونة بمواقف معادية للمادة وللمدرس، وجد لها أصحابها مبررات، مثل صعوبة المادة أو أنها تؤدي إلى الإلحاد أو تسوق إلى الجنون، أما المدرس فهو إما متفوق معرفيا، أو صعب المزاج أو يعاني من أزمات نفسية. عندما يحصل التلميذ على هذه الأحكام، يتمثلها على نحو سالب لكي يبرر بها هو أيضا عزوفه عن دراسة المادة، ويخلق بذلك حاجزا سيكولوجيا بينه وبين المدرس الجلاد في تصوره: فهم يختبرونه لكي يصححوا ما سمعوه عنه سابقا، وهو يحاول من جهته تحطيم معارفهم الجاهزة عنه وعن مادته ويخلخل مواقفهم المسبقة اتجاههما {17}.

كلمة ختم

ثمة قصة قديمة جاءت على لسان الفيلسوف سلافوي جيجيك، عن عامل اشتُبه في أنه سارق، إذ كانت عربته التي يدفعها أمامه تُفتش كل مساء عند خروجه من المصنع تفتيشاً دقيقاً حسيبا، لكن الحراس أخفقوا في العثور على أي شيء. ففي كلّ مرة كانت العربة فارغة تماماً. وأخيرا كُشِف اللغز، كانت العربات نفسها هي ما كان يسرقه العامل. قد نستذكي من هذه الحكمة، أن الفلسفة بمثابة عربة الفكر تسرق من عقول المتمدرسين، ولكن يبدو ألا أحد مهتم أصلا بالعربة، مكتف بالحاجيات المحمولة فيها من علب مواقفية وإشكاليات هجينة ومعارف مبتورة عن سياقاتها وأسئلة هاربة من الأذهلن بمجرد تخطي المتمدرس عتبة حجرة الدرس. لكم يتفاقم الوضع المأساوي للفلسفة في بلداننا وينهشها سوء الظن وسذاجة صناع القرار وتواطؤ الببغاوات اللذين أساؤوا إلى الفلسفة تدريسا وسلوكا وأخلاقا أكثر من أعدائها.

* أستاذ باحث في الفلسفة

هوامش:

 

  1. Husserl : la crise des sciences européennes, trad., E, Gerrer, In, Etudes philosophiques, 1949. Pp. 139-142.

راجع أيضا: مشكلات الفلسفة 4، مشكلة الفلسفة، د، زكرياء إبراهيم، 1971، مكتبة مصر، ص 345.

  1. عبد القادر المذنب، الفلسفة فكر وبيداغوجيا، السلسلة البيداغوجية – دار الثقافة-ط 1، 2000، ص 23.

* يعود تلقيب ارسطو “بالعقل” الى استاذه افلاطون، فقد كان لا يبتدئ محاضراته ودروسه في الأكاديمية حتى مجيء ارسطو والتحاقه بباقي الأفراد، وحين يريد ان يسال عن ارسطو يردد ام لم يأتي العقل بعد.

  1. فريديريك نيتشه، الفلسفة في العصر المأساوي الإغريقي، ترجمة سهيل القش، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع – بيروت – ط 11، 1983، ص 39.
  2. عبد القادر المذنب، الفلسفة فكر وبيداغوجيا، مرجع مذكور، ص 26.
  3. Heidegger, Introduction à la métaphysique, p 22.
  4. Meyer, De la problématique, p 38.

راجع أيضا: فكر ونقد مجلة ثقافية شهرية، ملف العدد تدريس الفلسفة -رهانات وقضايا، دار النشر المغربية، العدد 48، ص 54.

  1. فكر ونقد مجلة ثقافية شهرية، ملف العدد تدريس الفلسفة -رهانات وقضايا، دار النشر المغربية، العدد 48، ص 54
  2. راجع أيضا: عبد الكريم غريب، فلسفة التربية، منشورات عالم التربية، ط1، ،2013 ص 9 – 13.
  3. التفكير الفلسفي – دفاتر فلسفية -العدد 8، 1988، ص 59.
  4. نفس المرجع، ص 57.
  5. في نقد فلسفة الغموض، مجلة علوم التربية، العدد 59، ص 121.
  6. نفس المرجع، ص 120.
  7. فكر ونقد، ملف العدد تدريس الفلسفة، مرجع مذكور، ص 32.
  8. دفاتر فلسفية، مرجع مذكور، ص 58.
  9. فكر ونقد، ملف العدد تدريس الفلسفة، مرجع مذكور، ص 52.
  10. راجع في هذا الصدد: فريديريك هيغل، ظهور علم الظواهر، ص 58. مجلة فكر ونقد، مرجع سابق، ص 75.

*نشيد في هذا الصدد بتجربة الفيلسوف الأمريكي ماثيو ليبمان، في تدريس الفلسفة للأطفال – الفلسفة كمادة في الاعدادي- من خلال الاعتماد على القصص الهادفة في مشروعه الفلسفي، أسفرت عن ظهور ما يمكن تسميته الفلسفة للأطفال.

  1. فكر ونقد، ملف العدد تدريس الفلسفة -رهانات وقضايا، مرجع مذكور، ص 65.

 

 

 

شاهد أيضاً

في ثقافة الاعتراف تعليق على كتاب سفر في ذاكرة فنان لعزيز المجذوب

بقلم عبد الرحيم رجراحي إن الاعتراف بالفضل فضيلة، ولعل من سمات الاعتراف تأليف كتاب عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *