الرئيسية / فكر وفلسفة / دراسات وأبحاث / ﻓﻮﻛﻮ ﻭﻣﻴﻜﺮﻭﻓﻴﺰﻳﺎﺀ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ 

ﻓﻮﻛﻮ ﻭﻣﻴﻜﺮﻭﻓﻴﺰﻳﺎﺀ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ 

ﻣﻌﺰﻭﺯ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﻌﺎﻟﻲ – الدار البيضاء المغرب

ﻳﻌﺎﺭﺽ ﻓﻮﻛﻮ ، ﻓﻲ ﻧﻈﺮﻳﺘﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ، ﺍﻟﺘﺼﻮﺭ ﺍﻟﻤﺎﺭﻛﺴﻲ ﺍﻟﻜﻼﺳﻴﻜﻲ ﻭﻧﻈﺮﻳﺎﺕ ﺍﻟﺤﻖ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﻲ . ﻻ ﻭﺟﻮﺩ ﻟﺬﺍﺕ ﺃﻭ ﻟﻔﺎﻋﻞ ﻳﻤﻠﻚ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ، ﻣﺜﻠﻤﺎ ﻻ ﻭﺟﻮﺩ ﻟﺠﻬﺎﺯ ‏( ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ‏) ﻳﻨﻔﺮﺩ ﻟﻮﺣﺪﻩ ﺑﺎﺳﺘﻌﻤﺎﻝ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ . ﻳﻘﺘﺮﺡ ﻓﻮﻛﻮ ﻧﻤﻮﺫﺟﺎ ﺍﺳﺘﺮﺍﺗﻴﺠﻴﺎ ﻟﻠﺴﻠﻄﺔ ، ﻓﻼ ﻳﻨﺒﻐﻲ ﺍﻟﻨﻈﺮ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﻛﻤﻠﻜﻴﺔ ﻗﺎﺭﺓ ﻭﻣﺴﺘﻘﺮﺓ ﻓﻲ ﻳﺪ ﺫﺍﺕ ﻓﺮﺩﻳﺔ ﺃﻭ ﺟﻤﺎﻋﻴﺔ ، ﻭﺇﻧﻤﺎ ﻳﺠﺐ ﺍﻟﺘﻔﻜﻴﺮ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﻛﺈﻧﺘﺎﺝ ﻻﺳﺘﺮﺍﺗﻴﺠﻴﺎﺕ ﺍﻟﺼﺮﺍﻉ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻘﻮﻯ . ﻳﺘﺤﺪﺙ ﻧﻴـﺘـﺸﻪ ﻋــﻦ ﺗـﻌـﺪﺩ ﻋــﻼﻗﺎﺕ ﺍﻟﻘــﻮﻯ ﻭﻛﺜﺮﺗﻬﺎ ، ﺑﺤﻴﺚ ﻻ ﺗﻨﺒﻊ ﻣﻦ ﺫﺍﺕ ﻭﺍﺣﺪﺓ ﻣﻤﺘﻠﻜﺔ ﻟﻠﻘﻮﺓ . ﻓﺎﻟﺴﻠﻄﺔ ﻫﻲ ﻋﻼﻗﺎﺕ ﻗﻮﻯ ﺑﺤﻴﺚ ﺃﻧﻬﺎ ﺗﺸﻜﻞ ﻧﻈﺎﻣﺎ ﻭﺗﺴﻠﺴﻼ ، ﺃﻭ ﺍﻧﻘﻄﺎﻋﺎ ﻭﺍﻧﻔﺼﺎﻻ . ﺇﻧﻬﺎ ﻣﻨﺒﺜﺔ ﻓﻲ ﻛﻞ ﺍﻟﻌﻼﻗﺎﺕ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ ﻭﺍﻟﺮﻣﺰﻳﺔ ﺍﻟﻤﺘﺼﺎﺩﻣﺔ . ﻻ ﺗﻔﺮﺽ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﻣﻦ ﻓﻮﻕ ، ﺑﻞ ﺗﺄﺗﻲ ﻣﻦ ﺗﺤﺖ ، ﻻ ﺗﻨﺠﻠﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻼﻗﺎﺕ ﺍﻟﺜﻨﺎﺋﻴﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺤﺎﻛﻤﻴﻦ ﻭﺍﻟﻤﺤﻜﻮﻣﻴﻦ ﺑﻞ ﺑﺎﻷﺣﺮﻯ ﻓﻲ ﻋﻼﻗﺎﺕ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﺍﻟﻤﺠﺴﺪﺓ ﻓﻲ ﺁﻟﻴﺎﺕ ﺍﻹﻧﺘﺎﺝ ﺩﺍﺧﻞ ﺍﻷﺳﺮﺓ ، ﻭﺍﻟﻤﺠﻤﻮﻋﺎﺕ ﺍﻟﺼﻐﻴﺮﺓ ، ﻭﺩﺍﺧﻞ ﺍﻟﻤﺆﺳﺴﺎﺕ ، ﻭﺗﺴﺮﻱ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﺴﺪ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﺑﺄﺳﺮﻩ :
“ ﺇﻥ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﺗﺄﺗﻲ ﻣﻦ ﺗﺤﺖ ، ﻭﻣﻦ ﺛﻢ ﻻ ﺛﻨﺎﺋﻴﺔ ﻭﻻ ﺗﻌﺎﺭﺽ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺴﺎﺋﺪﻳﻦ ﻭﺍﻟﻤﺴﻮﺩﻳﻦ ﻓﻲ ﺟﺬﻭﺭ ﻋﻼﻗﺎﺕ ﺍﻟﻘﻮﺓ ، ﻭﻻ ﺛﻨﺎﺋﻴﺔ ﺗﻨـﻄﻠﻖ ﻣـﻦ ﺍﻟﻘﻤـﺔ ﺇﻟﻰ ﺍﻟــﻘﺎﻋﺪﺓ .“
ﻓﺎﻟﺴﻠﻄﺔ ﻫﻲ ﺩﻭﻣﺎ ﺷﻜﻞ ﺧﺎﺹ ﻭﻣﺆﻗﺖ ﻟﺼﺮﺍﻉ ﻣﺎ ﻳﻔﺘﺄ ﻳﺘﻜﺮﺭ ، ﻭﺍﻟﺼﺮﺍﻉ ﺍﻟﻤﺘﻜﺮﺭ ﺑﻜﻴﻔﻴﺔ ﺩﺍﺋﻤﺔ ﻻ ﻳﺴﻤﺢ ﺑﺎﺳﺘﻘﺮﺍﺭ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﻓﻬﻨﺎﻙ ﺣﺮﺏ ﻻ ﻫﻮﺍﺩﺓ ﻓﻴﻬﺎ ، ﺩﺍﺋﻤﺔ ﻭﻣﺴﺘﻤﺮﺓ ﻣﻦ ﺃﺟﻞ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ، ﻭﺍﻣﺘﻼﻛﻬﺎ ﺭﻫﻴﻦ ﺑﺎﻟﺸﺮﻭﻁ ﺍﻟﻤﺘﻐﻴﺮﺓ ، ﻭﺍﻻﺳﺘﺮﺍﺗﻴﺠﻴﺎﺕ ﺍﻟﻤﺘﻘﻠﺒﺔ ، ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﻋﻼﻗﺔ ، ﻭﺍﻟﻌﻼﻗﺔ ﺗﺘﻐﻴﺮ ﺑﺎﺳﺘﻤﺮﺍﺭ ، ﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﻋﻦ ﻣﺮﻛﺰ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﺃﻭ ﺳﻠﻄﺔ ﺍﻟﻤﺮﻛﺰ ، ﻓﻬﻲ ﻣﻨﺒﺜﺔ ﻭﻣﻨﺘﺸﺮﺓ ﻓﻲ ﻛﻞ ﻣﻜﺎﻥ ، ﻭﻓﻲ ﺩﺍﺧﻞ ﺍﻟﺠﺴﻢ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﺑﺮﻣﺘﻪ . ﻭﺑﻬﺬﺍ ﺍﻟﻤﻌﻨﻰ ﻓﺎﻟﺴﻠﻄﺔ ﻏﻴﺮ ﻣﻨﻀﺒﻄﺔ ﻟﺤﺪﻭﺩ “ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻲ ،” ﺇﻧﻬﺎ ﺗﺘﺠﺎﻭﺯ ﺗﺨﻮﻣﻪ .
ﻣﺎ ﺗﻔﺘﺄ ﺍﻟﺤﺪﺍﺛﺔ ﺗﻮﻟﺪ ﺃﺷﻜﺎﻻ ﺟﺪﻳﺪﺓ ﻟﻠﺴﻠﻄﺔ ﺗﺨﺘﻠﻒ ﻋﻦ ﺇﻃﺎﺭ ﺍﻟﺘﺼﻮﺭ ﺍﻟﻤﺎﺭﻛﺴﻲ ﻟﻠﺪﻭﻟﺔ . ﻓﺎﻟﺪﻭﻟﺔ ﻻ ﺗﺤﺘﻜﺮ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﻛﻤﺎ ﻫﻮ ﺷﺎﺋﻊ ﻭﻛﻤﺎ ﺗﻘﺘﺮﺡ ﺍﻟﻨﻈﺮﻳﺎﺕ ﺍﻟﻜﻼﺳﻴﻜﻴﺔ ﻟﻠﺴﻠﻄﺔ .
“ ﺗﻮﺟﺪ ﻋﻼﻗﺎﺕ ﻗﻮﺓ ﺑﻴﻦ ﻛﻞ ﻧﻘﻄﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﺴﻢ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ : ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺮﺟﻞ ﻭﺍﻟﻤﺮﺃﺓ ﺑﻴﻦ ﺃﻓﺮﺍﺩ ﺍﻷﺳﺮﺓ (…) ﺑﻴﻦ ﻛﻞ ﻣﻦ ﻳﻌﺮﻑ ﻭﻛﻞ ﻣﻦ ﻻ ﻳﻌﺮﻑ ” .
ﺇﻥ ﺗﺮﻛﻴﺰ ﺍﻟﻨﻈﺮﻳﺔ ﺍﻟﻤﺎﺭﻛﺴﻴﺔ ﻟﻠﺴﻠﻄﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﻋﺎﺟﺰ ﻋﻦ ﺗﻔﺴﻴﺮ ﻣﻴﻜﺮﻭﻓﻴﺰﻳﺎﺀ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ‏( Micro-physique du pouvoir ‏) ، ﻓﻼ ﻳﻤﻜﻦ ﺗﻨﺎﻭﻝ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﻔﻬﻮﻡ ﺍﻟﻤﺠﻬﺮﻱ ﻟﻠﺴﻠﻄﺔ ﻣﻦ ﻣﻨﻈﻮﺭ ﺟﻬﺎﺯ ﻣﺮﻛﺰﻱ ﻣﺠﺴﺪ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ، ﻳﺒﺤﺚ ﻓﻮﻛﻮ ﺃﻳﻀﺎ ﻋﻦ ﺗﺸﻜﻞ ﻭﺇﻋﺎﺩﺓ ﺇﻧﺘﺎﺝ ﺑﻨﻴﺎﺕ ﻣﻌﻘﺪﺓ ﻟﻠﺴﻠﻄﺔ ﺑﺎﻻﻋﺘﻤﺎﺩ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻨﻤﻮﺫﺝ ﺍﻻﺳﺘﺮﺍﺗﻴﺠﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﺑﻤﻘﺘﻀﺎﻩ ﺗﻔﻬﻢ ﺍﻟﻌﻼﻗﺎﺕ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ ﻟﻠﺴﻠﻄﺔ ﺿﻤﻦ ﺳﻴﺮﻭﺭﺓ ﻳﺘﻢ ﻣﻦ ﺧﻼﻟﻬﺎ ﺗﻮﻟﻴﺪ ﺑﺆﺭ ﻟﻠﺴﻠﻄﺔ ﻓﻲ ﻛﻞ ﻣﻜﺎﻥ ، ﻣﺜﻞ ﺷﺒﻜﺔ ﻓﻲ ﻧﻈﺎﻡ ﻻ ﻣﺮﻛﺰ ﻟﻪ ، ﻓﺎﻟﺴﻠﻄﺔ ﻻ ﻣﺮﻛﺰ ﻟﻬﺎ ، ﻭﻻ ﺗﺘﺠﺴﺪ ﻓﻲ ﺟﻬﺎﺯ ﺳﻴﺎﺳﻲ ، ﻭﺑﺎﻟﺘﺤﺪﻳﺪ ﻓﻲ ﺟﻬﺎﺯ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ، ﻓﻬﻲ ﻣﻨﺘﺸﺮﺓ ﻓﻲ ﻛﻞ ﺍﻟﺠﺴﻢ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ، ﻭﻏﻴﺮ ﺛﺎﺑﺘﺔ ﻭﻻ ﻣﺴﺘﻘﺮﺓ ، ﻭﺗﺘﺤﻮﻝ ﻣﻦ ﻣﻜﺎﻥ ﻵﺧﺮ :
“ ﻻ ﺃﺯﻋﻢ ﺃﻥ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﻻ ﺃﻫﻤﻴﺔ ﻟﻬﺎ ، ﻣﺎ ﺃﺭﻳﺪ ﻗﻮﻟﻪ ، ﻫﻮ ﺃﻥ ﻋﻼﻗﺎﺕ ﺍﻟﻘﻮﺓ ، ﻭﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﺃﻥ ﺍﻟﺘﺤﻠﻴﻞ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻨﺒﻐﻲ ﺃﻥ ﺗﺨﻀﻊ ﻟﻪ ، ﻳﺘﺠﺎﻭﺯ ﺑﺎﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﺣﺪﻭﺩ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ . ﻭﺫﻟﻚ ﺑﻤﻌﻨﻴﻴﻦ : ﺃﻭﻻ ﻭﻗﺒﻞ ﻛﻞ ﺷﺊ ﻷﻥ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ، ﻭﺑﺎﻟﻨﻈﺮ ﺇﻟﻰ ﺣﻀﻮﺭ ﻛﻞ ﺃﺟﻬﺰﺗﻬﺎ ، ﺑﻌﻴﺪﺓ ﻛﻞ ﺍﻟﺒﻌﺪ ﻋﻦ ﺃﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﻗﺎﺩﺭﺓ ﻋﻠﻰ ﻣﻞﺀ ﻣﺠﻤﻞ ﻋﻼﻗﺎﺕ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ، ﺛﺎﻧﻴﺎ : ﻷﻥ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﺗﺆﺩﻱ ﻭﻇﻴﻔﺘﻬﺎ ﺳﻮﻯ ﺑﺎﻻﻋﺘﻤﺎﺩ ﻋﻠﻰ ﻏﻴﺮﻫﺎ ، ﺃﻱ ﻋﻠﻰ ﻋﻼﻗﺎﺕ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﺍﻟﻤﻮﺟﻮﺩﺓ . ﺇﻥ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﻫﻲ ﺑﻨﻴﺔ ﻓﻮﻗﻴﺔ ﺗﺪﺧﻞ ﻓﻲ ﻋﻼﻗﺔ ﻣﻊ ﻛﻞ ﺳﻼﺳﻞ ﺷﺒﻜﺎﺕ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺴﻜﻦ ﺍﻟﺠﺴﻢ ، ﻭﺍﻟﺠﻨﺴﻴﺔ ﻭﺍﻷﺳﺮﺓ ﻭﺍﻟﻤﻌﺮﻓﺔ ﻭﺍﻟﺘﻘﻨﻴﺔ ﻭﻫﻠﻢ ﺟﺮﺍ ﻳﻌﺎﺭﺽ ﻓﻮﻛﻮ ﺍﻟﺘﺼﻮﺭﺍﺕ ﺍﻻﺧﺘﺰﺍﻟﻴﺔ ، ﻭﺍﻻﺳﺘﺎﺗﻴﻜﻴﺔ ﻟﻠﺴﻠﻄﺔ .
ﻣﻴﻜﺮﻭﻓﻴﺰﻳﺎﺀ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ
ﺗﻌﻨﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﻴﻜﺮﻭﻓﻴﺰﻳﺎﺀ ﺃﻥ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﻣﺠﻬﺮﻳﺔ ﺗﺨﺘﺮﻕ ﺍﻟﻌﻼﻗﺎﺕ ﺍﻻﺳﺘﺮﺍﺗﻴﺠﻴﺔ ﺿﻤﻦ ﺻﺮﺍﻋﺎﺕ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺍﻟﻴﻮﻣﻴﺔ . ﺍﻟﻤﻴﻜﺮﻭﻓﻴﺰﻳﺎﺀ ﺗﻀﻔﻲ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﻃﺎﺑﻊ ﺍﻟﺘﻌﺪﺩ ﻭﺍﻟﻜﺜﺮﺓ ، ﺑﻤﻌﻨﻰ ﻭﺟﻮﺩ ﻋﺪﺩ ﻻ ﻧﻬﺎﺋﻲ ﻣﻦ ﻧﻘﻂ ﺍﻟﻤﻮﺍﺟﻬﺔ ﻭﺑﺆﺭ ﻋﺪﻡ ﺍﻻﺳﺘﻘﺮﺍﺭ ، ﻭﻣﻦ ﺗﻢ ﺗﺤﺘﻤﻞ ﻛﻞ ﻭﺍﺣﺪﺓ ﻣﻨﻬﺎ ﻣﺨﺎﻃﺮ ﺍﻟﺼﺮﺍﻉ ﻭﺗﺤﺪﺩ ﺍﻟﻄﺎﺑﻊ ﺍﻟﺰﻣﻨﻲ ﺍﻟﻤﺆﻗﺖ ﻟﻌﻼﻗﺎﺕ ﺍﻟﻘﻮﺓ . ﻻ ﺗﺨﻀﻊ ﻣﻴﻜﺮﻭﻓﻴﺰﻳﺎﺀ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﺇﻟﻰ ﻣﻨﻄﻖ “ ﺍﻟﻜﻞ ﺃﻭ ﻻ ﺷﺊ :” ﻓﻬﻲ ﻻ ﺗﺨﻀﻊ ﻟﻠﻤﺮﺍﻗﺒﺔ ﻭﺍﻟﺘﺤﻜﻢ ﻓﻲ ﺃﺟﻬﺰﺓ ﺃﻭ ﻣﺆﺳﺴﺎﺕ ، ﻭﻻ ﺗﻘﺎﺱ ﺳﻮﻯ ﺑﻤﻔﻌﻮﻻﺗﻬﺎ ‏( Ses effets ‏) . ﻫﻨﺎﻙ ﺣﺮﺏ ﺩﺍﺋﻤﺔ ﻣﻦ ﺃﺟﻞ ﺍﻣﺘﻼﻙ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ . ﻛﻞ ﺳﻠﻄﺔ ﻫﻲ ﻓﻲ ﻣﺤﻚ ﺩﺍﺋﻢ ، ﻭﻓﻲ ﺍﺧﺘﺒﺎﺭ ﺩﺍﺋﻢ ﻻﺳﺘﻤﺮﺍﺭﻫﺎ ﻓﻲ ﺑﺆﺭﺓ ﻗﻮﺓ ﺃﺧﺮﻯ . ﻭﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﻟﻌﻼﻗﺎﺕ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﺃﻥ ﺗﺴﺘﻘﺮ ﻭﻟﻮ ﺇﻟﻰ ﺣﻴﻦ ﺳﻮﻯ ﺑﻮﺍﺳﻄﺔ ﻣﺎ ﻳﺴﻤﻴﻪ ﻓﻮﻛﻮ ﺑـ ” ﺍﻟﻤﺄﺳﺴﺔ ” ‏( Institutionalisation ‏) .
ﻻ ﻳﺤﺴﻢ ﺍﻟﺼﺮﺍﻉ ، ﺃﻭ ﻋﻼﻗﺎﺕ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﺑﻴﻦ ﻃﺮﻓﻴﻦ ﺑﻮﺍﺳﻄﺔ ﺍﻟﺘﻮﺍﻓﻖ ‏( Consensus ‏) ﺃﻭ ﺑﻮﺍﺳﻄﺔ ﺍﻟﻤﻨﺎﻗﺸﺔ ﻭﺍﻟﻤﻨﺎﻇﺮﺓ ، ﺃﻭ ﻣﺎ ﻳﺴﻤﻰ ﺑﺎﻟﺘﻮﺍﺻﻞ ﻋﻨﺪﻫﺎ ﺑﺮﻣﺎﺱ ، ﺑﻞ ﻋﻦ ﻃﺮﻳﻖ ﺗﻔﻮﻕ ﻏﺎﻳﺔ ﺃﺣﺪﻫﻤﺎ ﻋﻠﻰ ﺍﻵﺧﺮ ، ﺃﻱ ﺗﺤﻘﻴﻖ ﺃﻏﺮﺍﺽ ﺃﺣﺪﻫﻤﺎ ﻋﻠﻰ ﺣﺴﺎﺏ ﺍﻵﺧﺮ؛ ﺑﻌﺒﺎﺭﺓ ﺃﺧﺮﻯ ﻻ ﻭﺟﻮﺩ ﻻﻋﺘﺮﺍﻑ ﻣﻌﻴﺎﺭﻱ ﺑﻤﺸﺮﻭﻋﻴﺔ ﻣﺎ .
ﻓﻜﻴﻒ ﻳﻤﻜﻦ ﻣﺄﺳﺴﺔ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﻭﻫﻲ ﻓﺎﻗﺪﺓ ﻟﻠﻤﺸﺮﻭﻋﻴﺔ ، ﺃﻭ ﻋﻠﻰ ﺍﻷﻗﻞ ﻟﻴﺴﺖ ﻣﻮﺿﻮﻉ ﺗﻮﺍﻓﻖ . ﻳﺒﺮﺯ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﺍﻟﻤﺎ ﺑﻌﺪ ﺣﺪﺍﺛﻲ ﻟﺪﻯ ﻓﻮﻛﻮ ﻓﻲ ﺗﺸﺮﻳﺤﻪ ﻟﻔﻴﺰﻳﻮﻧﻮﻣﻴﺔ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﺑﺈﻋﺘﺒﺎﺭﻫﺎ ﻣﻈﻬﺮﺍ ﻣﻦ ﻣﻈﺎﻫﺮ ﺍﻟﺤﺪﺍﺛﺔ ، ﻭﻓﻲ ﺗﺒﻴﺎﻧﻪ ﺃﻥ ﻣﺎ ﻳﺴﻮﺩﻫﺎ ﻫﻮ ﺍﻟﻘﻮﺓ ، ﺃﻭ ﻋﻼﻗﺎﺕ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﻭﺍﻟﺘﻔﻮﻕ ﻭﺍﻟﺘﻐﻠﺐ ، ﻭﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﺍﻟﺘﺤﻜﻢ ﻭﺍﻟﻤﺮﺍﻗﺒﺔ ﻭﺍﻟﻌﻘﺎﺏ ‏( Surveiller et punir ‏) . ﻭﻫﺬﺍ ﻣﺎ ﺩﻓﻊ “ ﺟﻴﻞ ﺩﻭﻟﻮﺯ ” ﺇﻟﻰ ﺍﻋﺘﺒﺎﺭ ﻓﻮﻛﻮ ﻧﻴﺘﺸﻮﻱ ﺍﻟﻤﻨﺰﻉ ﻓﻴﻤﺎ ﻳﺨﺺ ﺗﺤﻠﻴﻠﻪ ﻭﺗﻔﻜﻴﻜﻪ ﻵﻟﻴﺎﺕ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ . ﻓﻬﻮ ﻳﻨﻜﺮ ﺍﻟﻤﻌﺎﻳﻴﺮ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻴﺔ ﻭﺍﻻﺗﺠﺎﻫﺎﺕ ﺍﻷﺧﻼﻗﻴﺔ ، ﻭﻳﻘﺼﻴﻬﺎ ﻣﻦ ﻣﻀﻤﺎﺭ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﺑﺴﺒﺐ ﻋﺠﺰﻫﺎ ﻋﻦ ﺗﻨﻈﻴﻢ ﺍﻟﻌﻼﻗﺎﺕ ﺑﻴﻦ ﺃﻋﻀﺎﺀ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ، ﻭﻳﻌﺘﺒﺮﻫﺎ ﻣﺠﺮﺩ ﺃﻭﻫﺎﻡ ، ﺑﻞ ﺇﻧﻬﺎ ﻻ ﺗﻌﻤﻞ ﺳﻮﻯ ﻋﻠﻰ ﺇﺧﻔﺎﺀ ﻭﺗﻘﻨﻴﻊ ﺍﻟﻌﻼﻗﺎﺕ ﺍﻻﺳﺘﺮﺍﺗﻴﺠﻴﺔ ﺍﻟﺨﻔﻴﺔ .
ﻳﺬﻫﺐ ﻓﻮﻛﻮ ﻣﺬﻫﺐ ﻧﻴﺘﺸﻪ ﻓﻲ ﺗﺼﻮﺭ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ، ﻓﻬﻲ ﺗﺎﺭﺓ ﺗﺴﺘﻌﻤﻞ ﺍﻟﻮﻫﻢ ﺃﻭ ﺍﻻﻳﺪﻳﻮﻟﻮﺟﻴﺎ ﻭﺍﻟﺨﺪﺍﻉ ، ﻭﺗﺎﺭﺓ ﺗﺘﻮﺳﻞ ﺑﺎﻟﻌﻨﻒ ، ﻣﺮﺓ ﺗﻠﺠﺄ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﺍﻟﻔﺰﻳﺎﺋﻴﺔ ﻭﻣﺮﺓ ﺃﺧﺮﻯ ﺗﺴﺘﻌﻤﻞ ﺍﻟﺨﺪﺍﻉ ﺍﻟﻤﺤﻮﺳﺐ ﻣﻦ ﺃﺟﻞ ﺇﺧﻀﺎﻉ ﺍﻹﺭﺍﺩﺍﺕ ﺍﻟﻤﻌﺎﺭﺿﺔ ﻟﻐﺎﻳﺎﺗﻬﺎ . ﻭﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻧﻘﺎﺭﺏ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺼﺪﺩ ﺑﻴﻦ ﻓﻮﻛﻮ ﻭﺃﺩﻭﺭﻧﻮ . ﻓﺎﻟﺴﻠﻄﺔ ، ﻭﺗﺒﻌﺎ ﻻﺳﺘﺮﺍﺗﻴﺠﻴﺎﺕ ﻗﻤﻌﻴﺔ ﻣﻌﻘﺪﺓ ، ﺗﺸﺘﻐﻞ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻌﺎﺕ ﺍﻟﺤﺪﻳﺜﺔ ﺑﻜﻴﻔﻴﺔ ﺗﺴﻤﺢ ﺑﺈﺧﻀﺎﻉ ﺍﻟﻘﻮﻯ ﺍﻟﻤﻨﺎﻭﺋﺔ ، ﻓﻼ ﻣﺠﺎﻝ ﻟﻠﺘﻮﺍﻓﻖ ﺃﻭ ﻟﻼﻋﺘﺮﺍﻑ ﺍﻟﻤﺘﺒﺎﺩﻝ ﺑﺎﻟﻘﻴﻢ ﺍﻟﻤﺸﺘﺮﻛﺔ ﻟﻠﻘﻮﻯ ﺍﻟﻤﺘﺼﺎﺭﻋﺔ .
ﺗﺤﻤﻞ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ – ﻓﻲ ﻣﻨﻈﻮﺭ ﻓﻮﻛﻮ – ﻃﺎﻗﺔ ﺳﻠﺒﻴﺔ ﺗﻨﻔﻲ ﻛﻞ ﻣﺎ ﻳﻌﺎﺩﻳﻬﺎ ﻭﻳﻌﺎﺭﺿﻬﺎ ﻭﻻ ﺗﺠﻴﺰ ﻓﻌﻞ ﺳﻮﻯ ﻣﺎ ﺗﺴﻤﺢ ﺑﻪ . ﻓﻬﻲ ﺗﺤﺘﻮﻱ ﻋﻠﻰ ﺗﻘﻨﻴﺎﺕ ﻗﻤﻌﻴﺔ ‏( technologies Répressive ‏) ﻭﻋﻠﻰ ﻃﺮﻕ ﻏﻴﺮ ﻣﺒﺎﺷﺮﺓ ﻟﻨﻔﻲ ﺍﻟﺤﺎﺟﺎﺕ ﺍﻟﺤﻴﻮﻳﺔ . ﺗﻤﺎﺭﺱ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﻗﻤﻌﻬﺎ ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﺗﺤﺮﻳﺾ ﺍﻟﺬﻭﺍﺕ ﺍﻟﻤﺴﻠﻮﺑﺔ ﺍﻹﺭﺍﺩﺓ ﻋﻠﻰ ﻣﺰﻳﺪ ﻣﻦ ﺍﻹﻧﺘﺎﺟﻴﺔ ﻭﺍﻟﻨﺠﺎﻋﺔ ﻭﺍﻟﻤﺮﺩﻭﺩﻳﺔ .
ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ، ﺍﻟﻤﻌﺮﻓﺔ ، ﺍﻟﺠﺴﺪ ﻭﺍﻟﻘﻴﻤﺔ
ﺗﻠﻚ ﻫﻲ ﻣﺮﺗﻜﺰﺍﺕ ﺍﻟﺘﻘﻨﻴﺎﺕ ﺍﻟﺤﺪﻳﺜﺔ ﻟﻠﺴﻠﻄﺔ : ﺍﻟﻤﺮﺍﻗﺒﺔ ﻭﺍﻟﺤﺮﺍﺳﺔ ﻭﻓﻲ ﻧﻬﺎﻳﺔ ﺍﻟﻤﻄﺎﻑ ﺍﻟﻌﻘﺎﺏ . ﻓﻬﻲ ﺗﺤﺚ ﻋﻠﻰ ﺍﻹﻧﺘﺎﺝ ﺃﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﺍﻟﻘﻤﻊ ، ﻭﺑﺬﻟﻚ ﻓﻬﻲ ﺗﺨﻀﻊ ﻛﻼ ﻣﻦ ﺍﻟﻘﻴﻤﺔ ﻭﺍﻟﺠﺴﺪ ﻭﺍﻟﻤﻌﺮﻓﺔ ﻹﻣﺮﺗﻬﺎ ، ﺗﺨﻠﻖ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﻣﻌﺎﻳﻴﺮ ﺍﻟﺴﻠﻮﻙ ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﺍﻟﻤﺮﺍﻗﺒﺔ ﻭﻓﺮﺽ ﺍﻻﻟﺘﺰﺍﻣﺎﺕ ﻭﺗﻄﻮﻳﺮ ﺍﻟﻌﺎﺩﺍﺕ . ﻓﻬﻲ ﺗﺤﺪﺩ ﺍﻟﺴﻮﻱ ﻭﺍﻟﻤﺮﺿﻲ . ﻛﻤﺎ ﺗﻬﺪﻑ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﺇﻟﻰ ﺗﻄﻮﻳﻊ ﺍﻷﺟﺴﺎﺩ ﺑﺤﻴﺚ ﻻ ﺗﻤﻠﻚ ﻫﺬﻩ ﺍﻷﺧﻴﺮﺓ ﺍﻟﺨﺮﻭﺝ ﻋﻦ ﺇﻧﺘﺎﺝ ﻣﻌﺎﻳﻴﺮ ﺍﻟﺴﻠﻮﻙ . ﻓﺎﻟﺠﺴﺪ ﻫﻮ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﻨﻄﻘﺔ ‏( ﻟﻴﺲ ﺑﺎﻟﻤﻌﻨﻰ ﺍﻟﺘﻮﺑﻮﻏﺮﺍﻓﻲ ﺃﻭ ﺍﻟﻄﻮﺑﻮﺱ ‏) ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻘﻮﻯ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺘﻌﺒﻴﺮ ﻋﻦ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ، ﻭﺇﻟﻴﻬﺎ ﺗﺘﺠﻪ ﺍﻟﺘﻘﻨﻴﺎﺕ ﺍﻟﺤﺪﻳﺜﺔ ﻟﻠﺴﻠﻄﺔ ﻣﻦ ﺃﺟﻞ ﺇﺧﺮﺍﺳﻬﺎ ﻭﺇﺟﺒﺎﺭﻫﺎ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺼﻤﺖ . ﺗﺤﺘﺎﺝ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ، ﻣﻦ ﺃﺟﻞ ﺗﺜﺒﻴﺖ ﻧﻔﺴﻬﺎ ، ﻭﺗﻜﺮﻳﺲ ﺳﻴﻄﺮﺗﻬﺎ ﺇﻟﻰ ﻣﺮﺍﻗﺒﺔ ، ﻟﻴﺲ ﺍﻷﺷﻜﺎﻝ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﻴﺔ ﻟﻠﻔﻜﺮ ، ﺑﻞ ﺃﻳﻀﺎ ﺃﺷﻜﺎﻝ ﺗﻌﺒﻴﺮﺍﺕ ﺍﻟﺠﺴﺪ .
ﻳﻤﺜﻞ ﻣﻔﻬﻮﻡ “ ﺍﻟﺠﺴﺪ ” ﻓﻲ ﻓﻜﺮ ﻓﻮﻛﻮ ﻗﻄﺐ ﺍﻟﺮﺣﻰ ، ﻓﻬﻮ ﻳﺤﻤﻞ ﺩﻻﻟﺔ ﻛﻴﻔﻴﺔ ﺍﻟﻌﻴﺶ ﻭﺃﺳﻠﻮﺏ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ، ﻭﻳﺨﺘﺰﻝ ﺗﻌﺎﺑﻴﺮ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺮﺗﺒﻂ ﺑﻮﻇﺎﺋﻔﻪ ﺍﻷﺳﺎﺳﻴﺔ : ﻣﻦ ﺟﻬﺔ ﺑﺎﻋﺘﺒﺎﺭﻩ ﺁﻟﺔ ﺃﻭ ﻣﺤﺮﻙ ﺃﻭ ﺣﺮﻛﺔ ، ﻭﻣﻦ ﺟﻬﺔ ﺃﺧﺮﻯ ﺑﺎﻋﺘﺒﺎﺭﻩ ﻳﻤﺜﻞ ﺍﻟﻮﻇﺎﺋﻒ ﺍﻟﻌﻀﻮﻳﺔ ﻟﻠﺘﻮﺍﻟﺪ ﻭﻟﻸﻟﻢ ، ﺗﻘﺎﺱ ﻓﻌﺎﻟﻴﺔ ﺍﻟﺘﻘﻨﻴﺎﺕ ﺍﻟﺤﺪﻳﺜﺔ ﻟﻠﺴﻠﻄﺔ ﺑﻤﺪﻯ ﻗﺪﺭﺗﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﺗﻄﻮﻳﻊ ﺍﻟﺠﺴﺪ ﻭﺗﺮﻭﻳﺾ ﻣﻨﺎﻃﻘﻪ ﻭﻭﻇﺎﺋﻔﻪ :
“ ﺗﻠﻚ ﻫﻲ ﺍﻟﻔﻜﺮﺓ ﺍﻟﺮﺋﻴﺴﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺩﻓﻌﺖ ﻓﻮﻛﻮ ﺇﻟﻰ ﺇﻓـﺮﺍﺩ ﺩﻭﺭ ﺟــﻮﻫـﺮﻱ ﻓﻲ ﻧﻈﺮﻳﺘﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﺇﻟﻰ ﺳﻠﻮﻙ ﺍﻟـﺠـﺴﺪ ﺍﻹﻧـﺴـﺎﻧﻲ ﺃﻛـﺜـﺮ ﻣـــﻦ ﺍﻟﻤﻮﺍﻗــﻒ ﺍﻟﻤﻌﺮﻓﻴﺔ ﺃﻭ ﻻ ﺧﻼﻗﻴﺔ .”
The Critique of power, Axel Honneth, p .167
ﻟﻘﺪ ﻃﻮﺭﺕ ﺍﻟﺤﺪﺍﺛﺔ ﺃﺳﺎﻟﻴﺐ ﻭﺗﻘﻨﻴﺎﺕ ﻭﺇﺟﺮﺍﺀﺍﺕ ﻣﺮﺍﻗﺒﺔ ﺍﻟﺠﺴﺪ ﻭﺗﻄﻮﻳﻌﻪ ﻭﺗﺮﻭﻳﻀﻪ . ﻓﻬﻲ ﻻ ﺗﻜﺘﻔﻲ ﺑﻤﺮﺍﻗﺒﺘﻪ ، ﺑﻞ ﺗﺘﺠﺎﻭﺯ ﺫﻟﻚ ﺇﻟﻰ ﻓﺮﺽ ﻭﺇﻧﺘﺎﺝ ﻣﺎ ﺗﺮﻳﺪ ﻣﻦ ﺳﻠﻮﻛﺎﺕ ﺟﺴﺪﻳﺔ ﻧﻤﻄﻴﺔ ﻋﻦ ﻃﺮﻳﻖ ﺗﻄﺒﻴﻊ ﺇﺷﺎﺭﺍﺗﻪ ، ﻭﺗﻨﻤﻴﻂ ﺣﻮﺍﻓﺰﻩ ، ﻭﻗﻮﻟﺒﺔ ﺣﺮﻛﺎﺗﻪ . ﺫﻟﻚ ﻣﺎ ﻳﻮﺿﺤﻪ ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺑﻪ “ ﺍﻟﺤﺮﺍﺳﺔ ﻭﺍﻟﻌﻘﺎﺏ .” ﺇﻧﻬﺎ ﺗﺮﻭﺽ ﺍﻷﺟﺴﺎﺩ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻘﻴﺎﻡ ﺑﺴﻠﻮﻛﺎﺕ ﺃﻭﺗﻮﻣﺎﺗﻴﻜﻴﺔ ﺁﻟﻴﺔ ﻭﺭﻭﺗﻴﻨﻴﺔ ﻣﻦ ﺃﺟﻞ ﺍﻹﺷﺒﺎﻉ . ﻻ ﻳﻨﻈﺮ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺠﺴﺪ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻲ ﻋﻠﻰ ﺃﻧﻪ ﻭﺣﺪﺓ ﻓﻴﺰﻳﺎﺋﻴﺔ ﻭﻧﻔﺴﻴﺔ ، ﺑﻞ ﻋﻠﻰ ﺃﻧﻪ ﻧﺴﻖ ﻳﻌﻤﻞ ﻭﻓﻖ ﺁﻟﻴﺎﺕ ﻣﻴﻜﺎﻧﻴﻜﻴﺔ . ﺇﻥ ﻓﻮﻛﻮ ، ﻭﻋﻠﻰ ﻏﺮﺍﺭ ﻣﺪﺭﺳﺔ ﻓﺮﺍﻧﻜﻔﻮﺭﺕ ، ﻳﺮﻯ ﺃﻥ ﺗﺮﻭﻳﺾ ﺍﻟﺠﺴﺪ ﻫﻮ ﻋﻨﻮﺍﻥ ﺍﻟﺤﺪﺍﺛﺔ ﻓﻲ ﺃﻭﺭﻭﺑﺎ .
ﺗﺘﺴﻢ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺼﺮ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﻟﻴﺲ ﺑﺎﻟﺘﺤﻜﻢ ﻓﻲ ﺣﻮﺍﻓﺰ ﻭﺣﺮﻛﺎﺕ ﺍﻟﺠﺴﺪ ، ﺑﻞ ﺃﻳﻀﺎ ﺑﺎﻟﺘﺤﻜﻢ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﻭﺍﻟﻤﻤﺎﺕ ﻭﺍﻟﺘﻮﺍﻟﺪ ﺣﺴﺐ ﺗﻘﻨﻴﺎﺕ ﺟﺪ ﻣﻌﻘﺪﺓ ﺗﻤﺘﺪ ﺣﺘﻰ ﺇﻟﻰ ﻣﺮﺍﻗﺒﺔ ﺍﻟﺴﻠﻮﻙ ﺍﻟﺒﻴﻮﻟﻮﺟﻲ ﻟﻠﺴﺎﻛﻨﺔ .population
ﻳﺠﻤﻞ ﻣﻴﺸﺎﻝ ﻓﻮﻛﻮ ﺍﻻﺳﺘﺮﺍﺗﻴﺠﻴﺎﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺘﺪﺧﻞ ﻓﻲ ﺗﻨﻈﻴﻢ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺍﻟﻌﻀﻮﻳﺔ ﺗﺤﺖ ﺍﺳﻢ “ ﺍﻟﺒﻴﻮ – ﺑﻮﻟﻴﺘﻴﻚ ‏) ﺃﻭ “ ﺍﻟﺒﻴﻮ – ﺳﻴﺎﺳﺔ ‏) Bio-politique .
“ ﺑﻌﺒﺎﺭﺓ ﻭﺍﺿﺤﺔ ، ﺍﺑﺘﺪﺍﺀ ﻣﻦ ﺍﻟﻘﺮﻥ ،17 ﺗﻄﻮﺭﺕ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺴﻴﻄﺮﺓ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﻓﻲ ﺷﻜﻠﻴﻦ ﺃﺳﺎﺳﻴﻴﻦ ﻟﻢ ﻳﻜﻮﻧﺎ ﻣﺘﻌﺎﺭﺿﻴﻦ ، ﺑﻞ ﺑﺎﻟﻌﻜﺲ ، ﻛﺎﻧﺎ ﺃﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﺫﻟﻚ ﻗﻄﺒﺎﻥ ﻟﻬﺬﺍ ﺍﻟﺘﻄﻮﺭ ﻭﻫﻤﺎ ﻣﺮﺗﺒﻄﺎﻥ ﺑﺠﻤﻠﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﻼﻗﺎﺕ ﺍﻟﻮﺳﻴﻄﺔ :
ﺃﺣﺪ ﻫﺬﻳﻦ ﺍﻟﻘﻄﺒﻴﻦ ﻣﺮﻛﺰ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺠﺴﺪ ﺑﻮﺻﻔﻪ ﺁﻟﺔ : ﻓﺘﺮﻭﻳﻀﻪ ، ﻭﺍﻟﺰﻳﺎﺩﺓ ﻣﻦ ﻗﺪﺭﺍﺗﻪ ﻭﺳﻠﺒﻪ ﻟﻘﻮﺍﻩ ﻭﺩﻣﺠﻪ ﻓﻲ ﻧﺴﻖ ﺍﻟﻔﻌﺎﻟﻴﺔ ﻭﺍﻟﺮﻗﺎﺑﺔ ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩﻳﺔ ، ﻛﻞ ﻫﺬﺍ ﺗﻀﻤﻨﻪ ﻭﺳﺎﺋﻞ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺤﺾ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﺮﺍﻗﺒﺔ . ﺇﻧﻬﺎ ﻧﻮﻉ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﺢ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻲ ﻟﻠﺠﺴﺪ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻲ .
ﺃﻣﺎ ﺍﻟﻘﻄﺐ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﺗﺸﻜﻞ ﻓﻴﻤﺎ ﺑﻌﺪ ، ﻓﻬﻮ ﻣﺴﻠﻂ ﻋﻠﻰ ﺧﺼﺎﺋﺺ ﺍﻟﺠﺴﺪ ، ﺍﻟﺠﺴﺪ ﺍﻟﻤﺮﺗﺒﻂ ﺑﺘﻘﻨﻴﺎﺕ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ، ﻭﺍﻟﺬﻱ ﻳﺼﻠﺢ ﻗﺎﻋﺪﺓ ﻟﺴﻴﺮﻭﺭﺍﺕ ﺑﻴﻮﻟﻮﺟﻴﺔ : ﺍﻟﺘﻮﺍﻟﺪ ، ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﻭﺍﻟﻤﻮﺕ ﻭﻣﺴﺘﻮﻯ ﺍﻟﺼﺤﺔ ﻭﻣﻌﺪﻻﺕ ﺍﻟﻌﻤﺮ ، ﻣﻊ ﺍﺧﺘﻼﻑ ﺍﻟﺸﺮﻭﻁ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﻤﻜﻨﻬﺎ ﺍﻟﺘﺪﺧﻞ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ، ﻫﺬﺍ ﺍﻹﺷﺮﺍﻑ ﺻﺎﺭ ﻓﻌﻠﻴﺎ ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﺃﻧﻮﺍﻉ ﺍﻟﺘﺪﺧﻞ ﻭﺍﻟﻤﺮﺍﻗﺒﺔ ﺍﻟﻤﻨﻈﻤﺔ : ﺇﻧﻬﺎ ﺑﻴــﻮ – ﺳﻴﺎﺳـﻴــﺔ ﺍﻟﺒــﺸـﺮ .”
ﻓﺎﻟﺘﻘﻨﻴﺎﺕ ﺍﻟﻤﻤﺎﺭﺳﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻷﺟﺴﺎﺩ ، ﺧﺎﺿﻌﺔ ﺇﻟﻰ ﻧﺘﺎﺋﺞ ﺍﻟﺘﻄﻮﺭ ﺍﻟﻌﻠﻤﻲ ﻣﻦ ﺃﺟﻞ ﻣﻼﺀﻣﺔ ﺍﻟﺠﺴﺪ ﻣﻊ ﺳﻴﺮﻭﺭﺍﺕ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ . ﺑﻤﻌﻨﻰ ﺁﺧﺮ ﺇﻥ ﺗﻘﻨﻴﺎﺕ ﻣﺮﺍﻗﺒﺔ ﺍﻟﺠﺴﺪ ﻭﺗﺮﻭﻳﻀﻪ ﻭﺗﻄﻮﻳﻌﻪ ﺭﻫﻴﻨﺔ ﺑﻤﺪﻯ ﺗﻘﺪﻡ “ ﻣﻌﺮﻓﺔ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ” ﻓﻬﺬﺍ ﻳﻘﻮﺩ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻔﻜﺮﺓ ﺍﻟﺜﺎﻟﺜﺔ : ﺃﻻ ﻭﻫﻲ ﻣﻔﻬﻮﻡ ﺍﻟﻤﻌﺮﻓﺔ .
ﺇﻥ ﺣﻔﺮﻳﺎﺕ ﺍﻟﻤﻌﺮﻓﺔ ﺗﻘﻮﺩ ﻓﻮﻛﻮ ﺇﻟﻰ ﺗﺤﻠﻴﻞ ﺍﻟﺨﻄﺎﺏ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻌﺘﺒﺮ ﻭﺳﻴﻠﺔ ﻟﺘﺤﺪﻳﺪ ﺍﻟﻮﺍﻗﻊ . ﻓﺎﻟﻤﻌﺮﻓﺔ ﻋﻨﺼﺮ ﺃﺳﺎﺳﻲ ﻓﻲ ﻋﻼﻗﺎﺕ ﺍﻟﻘﻮﺓ ، ﻳﻨﺒﻐﻲ ﺍﻟﺘﺨﻠﻲ ﻋﻦ ﺍﻟﺘﺼﻮﺭ ﺍﻟﻘﺪﻳﻢ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻨﻈﺮ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﻌﺮﻓﺔ ﺧﺎﺭﺝ ﻋﻼﻗﺎﺕ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﻭﺭﻫﺎﻧﺎﺗﻬﺎ ﻭﺃﻫﺪﺍﻓﻬﺎ ﻭﻏﺎﻳﺘﻬﺎ . ﻭﻋﻠﻰ ﺍﻟﻨﻘﻴﺾ ﻣﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﺼﻮﺭ : ﺍﻟﻤﻌﺮﻓﺔ ﻣﻨﺘﻮﺝ ﻟﻠﺴﻠﻄﺔ ، ﻓﻜﻞ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻌﺮﻓﺔ ﻭﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﻳﺴﺘﺪﻋﻲ ﺃﺣﺪﻫﻤﺎ ﺍﻵﺧﺮ .. ﻓﺎﻟﻤﻌﺮﻓﺔ ﺗﻤﻬﺪ ﺍﻷﺭﺿﻴﺔ ﻟﻠﺴﻠﻄﺔ ، ﻭﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﺗﻔﺘﺮﺽ ﻋﻼﻗﺎﺕ ﺍﻟﻘﻮﺓ .
ﺑﻔﻀﻞ ﺍﻟﻨﺸﺎﻁ ﺍﻟﻌﻠﻤﻲ ﻳﻤﻜﻦ ﺗﻘﻄﻴﻊ ﺍﻟﻮﺍﻗﻊ ﺍﻧﻄﻼﻗﺎ ﻣﻦ ﻣﻨﻈﻮﺭ ﺇﻧﺘﺎﺝ ﺍﻟﻘﻮﺓ ، ﻟﻴﺲ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﻣﺤﺎﻳﺪﺍ ، ﻭﻻ ﺍﻟﻤﻌﺮﻓﺔ ﻓﻮﻕ ﺍﻟﻮﺍﻗﻊ ، ﺃﻭ ﺧﺎﺭﺝ ﻋﻼﻗﺎﺕ ﺍﻟﻘﻮﺓ؛ ﻓﺎﻟﻌﻠﻢ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﻳﺴﺘﺠﻴﺐ ﺇﻟﻰ ﻣﺘﻄﻠﺒﺎﺕ ﺍﻟﺤﺪﺍﺛﺔ ، ﺑﻮﺍﺳﻄﺘﻪ ﻳﻤﻜﻨﻬﺎ ﻏﺰﻭ ﺍﻟﻮﺍﻗﻊ ﻭﺗﺴﺨﻴﺮ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﺔ ﻭﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻭﺍﻟﺠﺴﺪ ﻭﺑﻨﺎﺀ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﻭﺍﻟﻬﻴﻤﻨﺔ ‏( ﻳﻤﻜﻦ ﺍﻟﻤﻘﺎﺭﻧﺔ ﻫﻨﺎ ﺑﻴﻦ ﻓﻮﻛﻮ ﻭﺃﺩﻭﺭﻧﻮ ‏) . ﻟﻴﺲ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﻭﺍﻟﻤﻌﺮﻓﺔ ﻭﺳﺎﺋﻞ ﻣﺤﺎﻳﺪﺓ ﻭﺃﺩﻭﺍﺕ ﻣﻮﺿﻮﻋﻴﺔ ﻳﻤﻜﻦ ﺗﺴﺨﻴﺮﻫﺎ ﻟﻠﻤﺮﺍﻗﺒﺔ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ . ﺍﻟﻌﻠﻢ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﻧﻔﺴﻪ ﺳﻠﻄﺔ ﻭﻋﻨﺼﺮ ﺃﺳﺎﺳﻲ ﻓﻲ ﺍﺳﺘﺮﺍﺗﻴﺠﻴﺔ ﺍﻟﺼﺮﺍﻉ ، ﻭﺣﺘﻰ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻳﻌﺘﻘﺪﻭﻥ ﺃﻥ ﺑﺈﻣﻜﺎﻧﻬﻢ ﺍﺳﺘﻌﻤﺎﻟﻪ ﻟﻐﺎﻳﺎﺗﻬﻢ ﻫﻢ ﺃﻧﻔﺴﻬﻢ ﻳﻘﻌﻮﻥ ﻓﻲ ﺷﺮﺍﻙ ﺗﻠﻚ ﺍﻻﺳﺘﺮﺍﺗﻴﺠﻴﺔ . ﻫﻨﺎﻙ ﻋﻼﻗﺔ ﻭﻃﻴﺪﺓ ﺑﻴﻦ ﺍﻻﺧﺘﻴﺎﺭ ﺍﻟﻌﻠﻤﻲ ﻭﺍﺳﺘﺮﺍﺗﻴﺠﻴﺔ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ . ﻭﻣﻦ ﻫﻨﺎ ﻧﻘﺪ ﻓﻮﻛﻮ ﺍﻟﻌﻨﻴﻒ ﻟﻠﻌﻠﻮﻡ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ : ﻋﻠﻢ ﺍﻟﻨﻔﺲ ، ﺍﻟﻄﺐ ﺍﻟﻌﻘﻠﻲ ، ﺍﻟﺒﻴﺪﺍﻏﻮﺟﻴﺎ ﻭﻋﻠﻢ ﺍﻹﺟﺮﺍﻡ ، ﻓﻜﻠﻬﺎ ﺗﺮﺳﻲ ﺍﺳﺘﺮﺍﺗﻴﺠﻴﺎﺕ ﻣﻦ ﺃﺟﻞ ﺍﻟﺘﻼﻋﺐ ﺑﺎﻟﻌﻘﻮﻝ ﻭﺗﺮﻭﻳﺾ ﺍﻟﺠﺴﺪ . ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﻌﻨﻰ ﻓﺎﻟﺤﺪﺍﺛﺔ ﺣﺒﻠﻰ ﺑﺘﻘﻨﻴﺎﺕ ﻭﻃﺮﺍﺋﻖ ﻟﻠﻤﻌﺮﻓﺔ ﺗﺼﺐ ﺇﺟﻤﺎﻻ ﻓﻲ ﺍﺳﺘﺮﺍﺗﻴﺠﻴﺎﺕ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ، ﻭﺗﺘﻈﺎﻓﺮ ﺍﻟﺤﺪﺍﺛﺔ ﺍﻟﻌﻠﻤﻴﺔ ﻭﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻴﻄﺮﺓ ﻋﻠﻰ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ .
ﺍﺳﺘﻨﺘــﺎﺟـﺎﺕ
ﻳﻘﻀﻲ ﻧﻈﺎﻡ ﺍﻟﻤﻌﺮﻓﺔ ﺃﻭ ﻧﻈﺎﻡ ﺍﻟﺨﻄﺎﺏ ﻓﻲ ﻧﻈﺮ ﻓﻮﻛﻮ ﺣﺘﻤﺎ ﺇﻟﻰ ﺇﺭﺳﺎﺀ ﺃﺷﻜﺎﻝ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﻘﻨﻴﺎﺕ ﺍﻟﻤﺴﻠﻄﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺒﺸﺮ : ﻋﻠﻢ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻉ ، ﺍﻟﻄﺐ ﺍﻟﻌﻘﻠﻲ ، ﻋﻠﻢ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻭﺍﻟﺒﻴﺪﺍﻏﻮﺟﻴﺎ ﻭﻳﺘﺮﺟﻢ ﻛﻞ ﻫﺬﺍ ﺇﻟﻰ ﻣﻤﺎﺭﺳﺎﺕ ﺗﻬﺬﻑ ﺇﻟﻰ ﺗﺮﻭﻳﺾ ﺍﻷﺟﺴﺎﺩ ، ﻭﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﺮﺍﻗﺒﺔ ﺍﻹﺩﺍﺭﻳﺔ ﻟﻠﺴﻠﻮﻙ ‏( ﺍﻟﺒﻴﻮ – ﺳﻴﺎﺳﺔ ‏) . ﻭﻛﻠﻤﺎ ﺯﺍﺩﺕ ﺗﻄﻮﺭﺍ ﺻﺎﺭ ﺑﺎﻹﻣﻜﺎﻥ ﺍﻟﺘﺤﻜﻢ ﻓﻲ ﻛﻞ ﻣﻨﺎﺣﻲ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺍﻟﺒﺸﺮﻳﺔ : ﺍﻟﺪﻳﻤﻮﻏﺮﺍﻓﻴﺔ ، ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﺔ ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩ .
ﻭﻻ ﺗﺴﺘﺜﻨﻰ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﻘﻨﻴﺎﺕ ﺍﻟﺤﺪﻳﺜﺔ ﻟﻠﺴﻠﻄﺔ ﺣﺘﻰ ﺍﻷﺟﻬﺰﺓ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ . ﺑﻤﻌﻨﻰ ﺁﺧﺮ ﻻ ﺳﺒﻴﻞ ﺇﻟﻰ ﺍﺣﺘﻜﺎﺭ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﻣﻦ ﻃﺮﻑ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﻛﻤﺎ ﺗﺮﻯ ﺍﻟﻤﺎﺭﻛﺴﻴﺔ ، ﻭﻳﺮﻓﺾ ﻓﻮﻛﻮ ﻣﻨﻈﻮﺭ ﺃﻟﺘﻮﺳﻴﺮ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺨﺘﺰﻝ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﻓﻲ ﺍﻷﺟﻬﺰﺓ ﺍﻹﻳﺪﻳﻮﻟﻮﺟﻴﺔ ﻭﺍﻷﺟﻬﺰﺓ ﺍﻟﻘﻤﻌﻴﺔ ﻟﻠﺪﻭﻟﺔ ، ﻳﺘﺠﺎﻭﺯ ﻣﻔﻬﻮﻡ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﻋﻨﺪ ﻓﻮﻛﻮ ﺍﻟﺤﻘﻞ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻲ ﻟﻠﺪﻭﻟﺔ ، ﻓﻬﻲ ﺗﻨﻔﺬ ﺇﻟﻰ ﻛﻞ ﺃﻧﺤﺎﺀ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ، ﻭﺗﺘﻮﺍﺟﺪ ﻓﻲ ﻛﻞ ﻣﻜﺎﻥ ﺣﺘﻰ ﻓﻲ ﻣﺎ ﻳﻌﺘﻘﺪ ﺃﻧﻪ ﺣﻜﺮ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﺔ .
ﻓﻬﻲ ﻓﻲ ﻛﻞ ﻣﻜﺎﻥ ﻭﻓﻲ ﻻ ﻣﻜﺎﻥ ‏( Partout et nulle part ‏) ، ﻻ ﻣﺮﻛﺰ ﻟﻬﺎ ﻭﻻ ﺃﻃﺮﺍﻑ ﻭﺗﺤﻜﻢ ﻗﺒﻀﺘﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﻛﻞ ﺷﺊ ، ﻭﻫﻲ ﺳﻴﺮﻭﺭﺓ ﺑﻼ ﺫﺍﺕ ‏( Processus sans sujet ‏) ﻭﻟﻴﺴﺖ ﻣﻔﻌﻮﻻ ﻟﺬﺍﺕ ﻓﺮﺩﻳﺔ ﺃﻭ ﺟﻤﺎﻋﻴﺔ ﺃﻭ ﺗﺎﺭﻳﺨﻴﺔ ، ﻭﺣﺘﻰ ﺗﻢ ﺣﺬﻑ ﻣﻔﻬﻮﻡ ﺍﻟﻄﺒﻘﺔ ﻛﻔﺎﻋﻞ ﺗﺎﺭﻳﺨﻲ ، ﺇﻧﻬﺎ ﻣﻔﻌﻮﻝ ﻟﻠﻤﺆﺳﺴﺎﺕ : ﺍﻷﺳﺮﺓ ، ﺍﻟﺴﺠﻦ ، ﺍﻟﻌﻴﺎﺩﺓ ﻭﺍﻟﻤﺼﻨﻊ .
ﺗﺘﻌﺎﺭﺽ ﻧﻈﺮﻳﺔ ﻓﻮﻛﻮ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﻣﻊ ﺍﻟﻨﻈﺮﻳﺎﺕ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ ﺍﻟﺤﺪﻳﺜﺔ ﻭﺍﻟﻤﻌﺎﺻﺮﺓ ﻭﺗﻘﺼﻲ ﻛﻞ ﺇﻣﻜﺎﻧﻴﺔ ﻹﺭﺳﺎﺀ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﻋﻠﻰ ﺃﺳﺲ ﺍﻟﻤﺸﺮﻭﻋﻴﺔ ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﺍﻟﺘﻮﺍﻓﻖ ﺃﻭ ﺍﻟﺘﺮﺍﺿﻲ ‏( Consensus ‏) ﺃﻭ ﺍﻟﻤﻨﺎﻗﺸﺔ ‏( Discussion ‏) ، ﻭﻻ ﻋﻠﻰ ﺃﻱ ﺃﺳﺎﺱ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﻌﺎﻗﺪ ‏( Contrat ‏) . ﻻ ﺷﺊ ﻳﻤﻜﻨﻪ ﺍﻟﺤﺪ ﻣﻦ ﺍﺳﺘﺮﺍﺗﻴﺠﻴﺎﺕ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﺃﻭ ﺍﻟﺤﺪ ﻣﻦ ﻋﻼﻗﺎﺕ ﺍﻟﻘﻮﺓ . ﻭﻳﻤﻜﻨﻨﺎ ﻫﻨﺎ ﻣﻌﺎﺭﺿﺔ ﻓﻮﻛﻮ ﺑﻬﺎﺑﺮﻣﺎﺱ ﺃﻭ ﺭﺍﻭﻟﺰ ‏( Habermas/ Rawls ‏) ﺍﻟﻠﺬﻳﻦ ﻳﺘﺠﻬﺎﻥ ﺇﻟﻰ ﻧﻈﺮﻳﺔ ﺑﺮﺍﺟﻤﺎﺗﻴﺔ ﻭﻣﻌﻴﺎﺭﻳﺔ ﻟﻠﺴﻠﻄﺔ .
ﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﺇﺯﺍﻟﺔ ﻓﺘﻴﻞ ﺍﻟﺼﺮﺍﻉ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ، ﻭﻻ ﺍﺟﺘﺜﺎﺕ ﺍﺳﺘﺮﺍﺗﻴﺠﻴﺎﺕ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﻣﻨﻪ؛ ﻓﺤﺘﻰ ﻣﺄﺳﺴﺘﻬﺎ ‏( Instituttionalisation ‏) ﺃﻭ ﺗﺜﺒﻴﺘﻬﺎ ﻓﻲ ﻣﺆﺳﺴﺎﺕ ﻻ ﻳﻨﺠﺢ ﻓﻲ ﺇﻳﻘﺎﻑ ﺟﻤﻮﺣﻬﺎ ﻧﺤﻮ ﻣﺰﻳﺪ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﺤﻜﻢ ﻭﺍﻟﺘﺴﻠﻂ . ﻓﺎﻟﺴﻠﻄﺔ ﺭﺩﻳﻒ ﻟﻠﺘﺴﻠﻂ ﻭﺍﻟﺘﺤﻜﻢ ، ﻭﺍﻟﺤﺮﺍﺳﺔ ﻭﺍﻟﻌﻘﺎﺏ ﻭﺍﻟﺘﺮﻭﻳﺾ ﻭﺍﻟﺘﻄﻮﻳﻊ

شاهد أيضاً

حوار كوة مع المفكر التونسي فريد العليبي

خاص كوة 1 : من هو فريد العليبي وكيف اهتجس بالفلسفة؟ ـ ولدت في سفح …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *