الرئيسية / منشورات / جرائد / هل ينبغي تدريس الفلسفة لتلاميذ البكالوريا المهنية؟

هل ينبغي تدريس الفلسفة لتلاميذ البكالوريا المهنية؟

محمد الهلالي

“ليست الفلسفة معبدا، وإنما هي ورشة”.

(الفيلسوف والطبيب والابستمولوجي الفرنسي جورج كانغليم)

لماذا ينبغي تدريس الفلسفة لتلاميذ البكالوريا المهنية؟ ما هي المشاكل البيداغوجية التي يواجهها تدريس الفلسفة لهذه العينة من التلاميذ؟ ما هي المشاكل الفعلية التي تشكل عائقا أمام هذا الأمر؟ هل هؤلاء التلاميذ لا يملكون مكتسبات قبلية مثل غيرهم تؤهلهم لتعلم الفلسفة أم أن طبيعة تكوينهم العملي تتعارض في جوانب معينة مع تدريس الفلسفة لهم؟ هل يمكن اعتبار تدريس الفلسفة لتلاميذ يتعلمون المهن فلسفيا؟ هل ينبغي الإصرار على تدريس الفلسفة لتلاميذ غارقين في الحياة العملية حتى ولو أضر ذلك بالفلسفة نفسها؟ هل يمكن إبداع طريقة خاصة لتدريس الفلسفة تتلاءم مع تلاميذ البكالوريا المهنية؟

هل يتعلق الأمر بتلاميذ مختلفين كل الاختلاف عن الآخرين؟ وما هي المكانة التي ستحظى بها الفلسفة في هذا النوع من التعليم العملي والتطبيقي؟

حسب الصورة التي ترسم لتلاميذ البكالوريا المهنية فإنهم يتميزون بما يلي:

– ضعف المكتسبات المدرسية القبلية

– ضعف شديد في امتلاك اللغة العربية

– ضعف شديد في الكتابة الإنشائية

– عدم استقرار التلاميذ بفعل التداريب المفترض القيام بها من حين لآخر

– العداء للمدرسة لاعتبارهم فاشلين مقارنة مع تلاميذ البكالوريا الأدبية والعلمية

– ضعف شديد في المعارف الضرورية التي ترتكز عليها الفلسفة

– ضعف في التجريد الذي يعتبر من الأسباب التي جعلتهم يحشرون في البكالوريا المهنية

– تفضيلهم التعبير الشفوي بالدارجة

يمكن القول من الناحية المبدئية أن حرمان فئة من التلاميذ من تعلم الفلسفة هو تجسيد لعدم تكافؤ الفرص، وخرق لتعميم الفلسفة على جميع التلاميذ في الثانوي التأهيلي، وإضعاف لشخصية التلميذ الذي لن يستفيد من فضائل هذه المادة الدراسية.

كما يمكن القول أيضا أنه تم اللجوء لسياسة الأمر الواقع بالحسم القانوني في عدم تدريس الفلسفة في مسلك البكالوريا المهنية، وهو الأمر الذي لا يحظى بالإجماع.

يطرح هذا المشكل مسألة اشتغال الديمقراطية في التعليم، ومسألة الإقصاء وحرمان شريحة من التلاميذ من الحق في الاستفادة من تعلم مادة حيوية لها تأثير كبير على تكوين شخصياتهم، ونمط تفكيرهم. كما يطرح مشكلة تأجيل تدريس هذه المادة في هذا المسلك وطبيعة انتظار توفر “الظروف” ليصبح تدريس الفلسفة ممكنا لهذه الفئة من التلاميذ. إضافة إلى التبعية للنظام التعليمي الفرنسي الذي يعيش نفس المشكلة من حيث المبدأ مع اختلاف في التعاطي الواقعي معها في بعض الأكاديميات بفرنسا.

ويمكن أن ننظر إلى المشكل من واوية عدد التلاميذ المعنيين، من حيث وزنهم العددي اجتماعيا هم وآباؤهم وأولياؤهم، وموقفهم هم بالتحديد من عدم تدريس الفلسفة لهم.

وبما أن هذه المادة تعتبر مزعجة وصعبة وغير مفيدة وتساهم في السقوط في الامتحان أو التقليل من المعدل العام، ومادة قد يدرسها أشخاص “غير عاديين” بناء على خطابهم “الغامض” وولائهم لليونان ومن ورثهم، مادة تؤدي من خلال ممارسات معينة في تدريسها للخلط بين النبي والفيلسوف وبين السفسطة وحكمة السفسطائيين، وبين فشل التفلسف وانعدامه في مدن المسلمين وازدهاره في مدن ورثة اليونان، مادة تلح على التورط في مواجهة السؤال المعلق: العقل أم الإيمان؟… فإن هؤلاء التلاميذ لو خيروا بين أن يدرسوا الفلسفة أو لا يدرسونها لاختاروا الحل الثاني.

لكن من جهة أخرى: في أي مكان تدرس الفلسفة لتلاميذ البكالوريا المهنية؟ ففرنسا التي تشكل المرجع والنموذج أقصت هذه الشعبة من تعلم الفلسفة، ولا تدرس إلا هامشيا ومن خلال مبادرات فردية أو جماعية.

إذن، هناك نقاش فعلي حول “جدوى تدريس الفلسفة لتلاميذ البكالوريا المهنية أو عدم جدواه”. ومن المفترض أن يخوض مدرسو الفلسفة في هذا الأمر من منظور مادتهم وبأدواتها. ولا يمكن اختزال الأمر في الجانب المطلبي الذي هو بديهي بل وآلي، شريطة أن تلتف حول الموضوع فئات عديدة مناصرة للفلسفة؟

لكن من يدافع عن الفلسفة وعن تدريسها في المغرب؟ إنهم قلة قليلة، وتختلف أهدافهم ونواياهم، ومن الصعب الجزم بالقول أن ما يحركهم هو الفلسفة كغاية. يمكن المجازفة بالقول أن مؤيدي الفلسفة بالمغرب ومناصري تدريسها يشكلون نخبة النخبة، ويمكن تصنيفهم على الشكل التالي:

– الحقوقيون الليبراليون

– الحقوقيون اليساريون بكل فئاتهم من التقدميين حتى الثوريين

– السياسيون اليساريون بكل أصنافهم

– السياسيون الليبراليون

– الجناح الليبرالي في الدولة

– المثقفون

من الملاحظ عدم وجود طبقة اجتماعية أو حتى فئة اجتماعية وازنة وفعالة تؤيد الفلسفة وتدريسها، لا يوجد لوبي حقيقي له مكانة فعلية في المجتمع وفي دواليب آلة الدولة والسياسة والاقتصاد يؤيد الفلسفة وتدريسها.

والأدهى من كل ذلك أن الصورة التي يقدمها تدريس الفلسفة بالمغرب للناس هي صورة سلبية، سواء كانت هذه الصورة من نتاج الدعاية المضادة للفلسفة أو من نتاج ممارسات لتدريس الفلسفة حوّلت هذه المادية إلى أضحوكة أو إلى ألغاز.

وإذا كانت الفلسفة تعرف – في الإشهار المضاد لها والذي يكرسه جزء من ممارسات تدريسها – بأنها فكر عام (وليس مجردا)، ولا علاقة لها بالواقع (غياب الأمثلة والعلاقة مع قضايا من حياة المتعلم)، وقدرة على الجدال الفارغ من المضمون (العقيم الذي لا يهدف إلا لإفحام الآخر صوريا)، وقد تؤدي عند البعض إلى زعزعة العقيدة… فكيف ستجد صدى مُهمّا في مجتمع تقليدي في بنياته الخفية التي تحركه بالرغم من مظاهر التحديث وسلوكيات الانتماء للعصر؟

هناك خلط بين تدريس الفلسفة وبين التوعية (حتى وإن كانت عقلانية)، علما بأن تدريس الفلسفة قد يؤدي إلى معادة العقلانية، إضافة إلى وجود تصور آخر لممارسة التفلسف والذي يرى فيها فنا للعيش أكثر من كونها مجرد تمرين عقلاني لبلوغ حقيقة قد تظل دوما متشظية، إشكالية وغير مقنعة.

تسود في ممارسات تدريس الفلسفة أطروحة ساذجة تقول “بعدم وجود حقيقة واحدة”، وتنسبُ هذه الأطروحة لفلاسفة لا تذكر أسماؤهم ولا أين دافعوا عن هذا النوع من الأفكار العامية التي لا ترقى حتى لمستوى النزعة التلفيقية أو النزعة الارتيابية في صيغها المبسطة. من هو هذا الفيلسوف الذي يبني نسقا فلسفيا طيلة حياته ليتوّجه في الأخير بالقول “لا توجد حقيقة واحدة”؟

إلى جانب فلسفة الفلاسفة تكرّسَ بؤسُ ممارسات لتدريس الفلسفة، ممارسة تقفز بطرق بهلوانية من فيلسوف لآخر كما لو أن الأمر يتعلق باللعب مع حيوانات في السيرك. إنه مكر وغدر انْدسّ في “أروقة” الفلسفة ليكرس المدرس فوق جميع الفلاسفة مادام هو الذي يستدعيهم ويخرسهم ويؤول أقوالهم.

ينبغي الحذر كل الحذر من الذين “يعلنون أنفسهم مدافعين عن الفلسفة”. بل ينبغي الحذر كل الحذر من “كل من ينصب نفسه مدافعا عن الآخرين”. نحن في بداية عصر ينبغي أن ينقرض فيه المدافعون عن “الآخرين”، لأن “الدفاع عن الآخرين” له وجه آخر هو “استغلال هذا التوكيل المزور” وهذه “التمثيلية” التي فرضها “الممثلون” وحدهم بطرق تشبه “النصب والاحتيال” حتى وإن تم اللجوء إلى فبركة اجتماعات ولجان وتجمعات وائتلافات وجمعيات. إن ما نحتاجه في عصرنا هذا “هو تعليم الآخرين كيف يدافعون بأنفسهم عن أنفسهم”.

فالمدافع عن الآخرين (بدون إذنهم ككل لاستغلال أقلية منهم لتتوجيه ممثلا عن الكل) يستثمر في هذا الدفاع بحثا عن مصلحته الخاصة (الاعتراف، احتلال موقع، التقرب من السلطة، الشهرة التي تيسّرُ نسج علاقات مع آخرين)، وينصّب نفسه وسيطا، ويصبح جزءا من منظومة اتخاذ القرار، وذراعا من أذرع انتشار مواقف السلطة، ويخون في الوقت المناسب القضية التي نصب نفسه مدافعا عنها: كيف نثق بالمدافعين؟ ما هو أساس الثقة فيهم؟ طبقي؟ ديني؟ مبدئي؟ بأية ضمانات؟

تمكن الفلسفة من مساءلة كل أفعالنا الإنسانية، وكل أفكارنا الخاصة وكل مشاريعنا الجماعية، وتمنعنا الفلسفة من التصديق بناء عل الوعد البشري والنية النفسية والادعاء الإيديولوجي.

إن رهان الحياة العامة اليوم هو إنجاح الديمقراطية، لأن الانفراد بالسلطة صار متجاوزا، وحل محله التشاور والتداول والنقاش العمومي، وأصبحت المشروعية في مجال الحكم قائمة على المشاركة العامة في اتخاذ القرار.

إن فكرة “التمثيلية” التي تجسدها نخبة مختارة لأسباب غير عقلانية، والتي ترتكز على فكرة “الإرادة العامة” التي تقوم بدورها على فكرة العقد الاجتماعي، هي فكرة متأزمة. إن فكرة التمثيلية في أزمة في المجال السياسي والجمعوي والنقابي (كيف نختار من يمثلنا؟ لماذا نثق فيه؟). والبديل الذي فرض نفسه (ضدا على روسو وأطروحته) يرتكز على مفهوم العقل (مونتسكيو) عوض الإرادة العامة.

صارت المهمة هي تطوير وتثقيف عقل الفرد عبر التعليم في المدرسة، حتى يتمكن فيما بعد من تحمل مسؤوليته في المجال العمومي، تصبح المدرسة صانعة للديمقراطية القائمة على المشاركة الفعلية للأفراد، وليس للديمقراطية التمثيلية. وهنا تقوم الفلسفة بدور متميز وهام وهو تمكين الفرد المتعلم من الاستقلالية في التفكير وفي اتخاذ القرار وإعداده للتدخل في المجال العمومي ولتحمل المسؤولية.

لجأ الفرنسيون في بعض الأكاديميات لمواجهة عدم تدريس الفلسفة لتلاميذ البكالوريا المهنية إلى حلين:

– تدريس الفلسفة بصفة تجريبية في بعض المؤسسات التعليمية المختارة وفق مواصفات معينة، وعدم تدريس المادة في الزمن المدرسي الإجباري، وعدم القيام بأي تقويم جزائي مرتبط بالامتحان.

– تطوعُ مُدرسي الفلسفة لتدريس الفلسفة مجانا لمن يرغب في تعلمها من تلاميذ البكالوريا المهنية، مما يجعلها تدرس لذاتها بدون أي إلزام، وبعيدا عن مشكلة النجاح والسقوط.

وبناء على ما سبق يمكن القول أنه لا بد أن يتمتع تلاميذ البكالوريا المهنية بحقهم في التعليم الفلسفي، وأن لا يتم إقصاؤهم من القيام بدورهم المستقبلي وجعلهم مجرد منفذين لقرارات سلطة خارجية. فالمدرسة صارت في عصرنا المكان الوحيد للتربية الاجتماعية، ولا وجود لمجال آخر يتم فيه التكفل بتربية وتعليم الأطفال والمراهقين: وللفلسفة دور استراتيجي في هذا الشأن.

ولا يمكن القبول بحجة ضعف المستوى المعرفي واللغوي لهذه الفئة من التلاميذ، لأن هذه النقائص يعاني منها جل تلاميذ التعليم العام في المغرب.

ويمكن أن نتساءل بهذا الصدد: ماذا لو قرر مدرسو الفلسفة عدم التنازل عن المستوى المطلوب معرفيا ولغويا للتلاميذ الذين يلجون قسم الفلسفة لأول مرة؟ ماذا لو قرروا أن يحتكموا لاختبار المكتسبات المدرسية القبلية التالية:

– لغة عربية سليمة كتابة وقراءة

– معارف مكتملة وبناء على مضامين المواد التي درسوها قبل ولوجهم قسم الفلسفة

– آداب الحوار والإنصات والتعامل مع المكان والغير

لو قرروا فعل ذلك لرفضوا تدريس الفلسفة لمعظم التلاميذ ولأدانوا عمليا منظومة التربية والتكوين ومناهجها في التقويم والتوجيه والتخطيط. وبما أنهم لم يقرروا فعل ذلك بعد، فإنهم يقبلون بعدم تدريس الفلسفة عمليا واستبدالها بحصص من الثقافة العامة أو بحصص من الجدال الصوري.

وفي الأخير يمكن القول أن علاقة الفلسفة بالسياسي من جهة وبالسياسة من جهة أخرى هي مسالة تتضمن الجواب على السؤال التالي: ما مآل تدريس الفلسفة بالمغرب في غياب حدوث تغيير فعلي راديكالي في منظومة التربية والتكوين؟

شاهد أيضاً

هل خلقنا لنعبد رمضان ،،،، أم نعبد الله في رمضان!!!!!!!!!

د. مها توفيق شبيطه /// فلسطين يدخل رمضان هذا العام،،، وككل الأعوام في جعبته الكثير …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *