جديد
الرئيسية / فكر وفلسفة / دراسات وأبحاث / ما معنى أن تكون أبيقوريا اليوم؟ 

ما معنى أن تكون أبيقوريا اليوم؟ 

حوار مع: ميشال أونفراي
ترجمة وتقديم : حسن أوزال

تقديم :
هل نعيش في عصر أبيقوريّ؟ وهل الأبيقورية تفتح أمامنا تاريخا مستقبليا ينتصب فيه الجسد كمجال لبلورة إمكانات تغدو فيها المتعة لحمة الوجود الإنسانيّ ؟ وهل كوننا حداثيين اليوم يعني أنّنا كائنات أبيقورية؟ وهل يمكن للأبيقورية أن تسعفنا على توليد أشكال جديدة لمقاومة كلّ أساليب التنميط التي تطالنا كذوات وتنال من قدراتنا كأفراد جديرين بالعيش على نحو استيطيقي؟ تلكم هي الإشكالات التي تشغل اليوم الفيلسوف ميشيل أنفراي والتي يتناولها في هذا الحوار.

الحوار:

{{دافيد رابوين :}} ما الذي تمثله الأبيقورية في سياق تاريخ الفكر القديم؟

{{ميشال أونفراي :}} لقد جاء أبيقور في الفترة – القرن الثالث ق.م – التي كان يمكنه فيها تحليل كلّ الفلسفات التي تعاقبت على الأفلاطونية وسبقته. وإذا كان معظم الناس غالبا ما لا يكترثون بهذا الصنف من الفلسفة فذلك ليس إلا لكون الفلسفة على نحو ما تقدّم إلينا اليوم مكتوبة من لدن مؤرّخين ينحدرون من المدرسة المثالية. لذلك لا يحتلّ المادّيون هنا غير مراتب ثانوية. لكن إذا أردنا بناء تاريخ الفلسفة المتعية أو المادية – إذ لا فرق بينهما عادة… – فعلينا البدء بالأبديريين(1)، لوسيبوس وديموقرطس ثم ديوجين وأريستبوس، قبل الوصول إلى أبيقور. وقد جرت العادة أن يتمّ الاهتمام أكثر، من بين الما قبل السقراطيين، بكلّ من هيراقلطس وبارمنيدس، وذلك بطبيعة الحال جرّاء تأثير الهايدجرية، كأحد أصناف الكتابة المثالية (الألمانية) التي طبعت الفلسفة التي نحيا تحت نيرها اليوم. لذلك فمن الأهمية بمكان، قراءة ديمقريطس قراءة حقيقية: ما دام أنّ 20% من كتابات الما قبل السقراطيين، إنما تتألّف مما تبقّى لنا من كتاباته. فمع مذهبه الذرّيّ غدت الفيزياء فرصة ملحدة – لنعبّر هكذا رغم عدم دقة التعبير – للتفكير في الأخلاق: فالآلهة موجودة، أكيد، لكنها متعينة ولا تكترث إطلاقا بأمور الناس. فهذه الفكرة، هي التي ساعدت، حتى قبل ظهور “نقد العقل المحض” على الفصل ما بين الله والإنسان، معلنة انتصار الثاني على الأوّل، مُبشَّرة بقدوم المذهب الإلحاديّ فيما بعد…

ومن وجهة نظر أخرى، نسجّل أنّ ثمة طابعا مربكا عند أبيقو: إذ لا يقف عند الميراث الأبديري وحده. أكيد أنه لا يصرّح لنا كثيرا بالفلاسفة الذين قرأ لهم ولا بأولئك الذين يحبّهم. وعلى ما يبدو فهو لا يريد أن يعترف بمديونيته لعظام الفلاسفة القدامى. إلا أنّه مع كلّ ذلك يبقى مدينا لهم بالشيء الكثير: مدينا لمادية الأبديريين بالطبع، لكنه أيضا مدين للكلبيين : أنتستين وديوجين ذي سينوب. وفيما يخصّ أنتستين فهو مدين بالخصوص لأطروحاته لاسيما فيها يتعلّق منها بأسلوبه التزهّديّ أي بمعنى آخر كلّ ما يخصّ التقشّف، الصرامة، الحرمان، مقاومة الحضارةla contre-culture أو مواجهة الطبيعةl’anti-nature ،الاحتفاء بالطبيعة، وكلّها وجهات نظر أبيقورية. وهو فضلا عن Undoذلك،
وهذا أمر لا شكّ فيه، قارئ لأريستيبوس القورينائي كما للقورينائيين الذين لم تتمّ إماطة اللثام عليهم وبقوا أقلّ شهرة بل وغير منشورة أعمالهم طوال قرون (2).
وعلى كلّ حال، فغالبا ما تجري على نحو تقليديّ، معارضة اللذّة الهادئةle plaisir en repos – – الناتجة عن غياب الاضطرابات – عند أبيقور باللذة كميل ديناميكيّ (متأجّج) عند أرستيبوس. والحال أنّ المواقف الأبيقورية والقورينائية إنّما هي أكثر قرابة، بخلاف ما دأب على زعمه الابتذال الفلسفيّ الذي مافتئ يعارض بينهما على نحو مفبرك معتمدا على تفاصيل جدالية لا غير.
وأخيرا، فأبيقور مدين للسفسطائيين خاصة منهم أنتيفون الآثيني باعتباره أحد الوجوه الغير المعروفة والتي اخترعت التحليل النفسيّ في ق. 5. ق . م، مع طرق علاج حوارية، واستخدامه للأنساق اللفظية واللعب البلاغيّ ناهيك كذلك عن اختراعه لتلك الفكرة التي تسود كلّ الفكر القديم والتي مؤدّاها أنّ الفلسفة هي قبل أيّ شيء آخر فرصة للخلاص الفرديّ. لعلّ الأهمّية الأولى المميزة لأبيقور تكمن في انتقائه لهذه التيارات الأربعة المتواترة على الأفلاطونية: أقصد التيار المادي الأبديري، التزهّد الكلبيّ، المتعية القورينائية وفنّ العلاج السفسطائيّ.

{{أين تكمن أصالة هذا الانتقاء ؟}}

إنّ الانتقاء الأبيقوري يعود أساسا إلى بنية أبيقور الفيزيولوجية. وإذا ما صدق نيتشه، وهذا ما أعتقده، وكان صائبا في تقديمه à ” العلم المرح” عندما كتب يقول بأننا نحصل باستمرار على فلسفة تعكس شخصيتنا ذاتها، وكلّ فلسفة هي بالأحرى اعتراف وسيرة ذاتية لجسد ما، فبذلك يكون أبيقور هو من يصوغ اعترافا شخصيا بناء على جسده . لقد كان ذا بنية نحيفة ومريضة، مثلما عانى من مشاكل في المعدة، فلم يكن يقوى على الأكل ولا على الصمود، إنّ الرجل لم يكن في صحّة جيدة، لنعبِّرْ هكذا بلسان نيتشه. إنّ هذه الفيزيولوجية الضعيفة جعلت من الضرورة فضيلة واعتبرت أنّ اللذة هي ما يقتضي أوّلا إشباع الاحتياجات الطبيعية والضرورية لا غير: أن نشرب الماء عندما نكون ظمأى وأن نأكل عندما نجوع، ممّا يدلّ على نوع من التزهّد الرهبانيّ بخلاف ما تمّ الترويج له عن أبيقور من دعاية سيّئة. ذلك أنّ أبيقور عاش سيّء السّمعة في عهده. وهذا ما يؤكّده لنا ” ديوجين لارس” بجلاء : كان يتغدّى كالخنزير ثم يتقيّأ كي يستطيع الأكل مرّة أخرى، ويشاع أيضا أنه سرق أطروحة غيره من الفلاسفة ولم يعترف بذلك الخ.

هذا من ناحية، أما من ناحية أخرى، فهو، على امتداد المسار الفلسفيّ كلّه، الفيلسوف الملغز المقاوم للمثالية: في صيغتها الأفلاطونية أوّلا، المسيحية ثانيا والترنسندنتالية أخيرا. وبقدر ما تمضي العصور، نلمس جيّدا، أنّ أبيقور حاضر على الدوام حالما استدعى الأمر مواجهة المسيحية، ذلك أنّ “مونتينيي ” هو أوّل أبيقوريّ من طينة هوراس. وهذا الحضور الفطريّ هو نفسه ما نعثر عليه في تعبير دقيق عند سبينوزا، في إحدى رسائله إلى “هيجو بوكسيل”Hugo Boxel حيث يفنّد سيادة أفلاطون، منتصرا لأبيقور، ديمقرطس ولوقراتوس – إنه نادرا ما يحصل لنا أن نقرأ نظير هذه المقاطع …. الأمر واضح كذلك ،حالما استحضرنا كتابات Gassendi الذي يسعى إلى إقامة المصالحة ما بين الأبيقورية والمسيحية مقرّبا ما بين أبيقور والمسيح، المعروضين كنموذجين أكثر انسجاما: فالأوّل بمثابة قديس لائكيّ، عاش في التزهّد، الصرامة
والحرمان، لذلك فهو من استحقّ أن يقدّم لجمهور القرن السابع عشر الفرنسيّ – على اختلاف وتنوع أوجهه الأكثر خطورة وتهديدا للكنيسة: المادية الراديكالية.
نعثر كذلك على الإحالة إلى أبيقور عند ملاحدة (3) les libertins القرن 17، المدمنين على قراءة سبينوزا خفية والذين كانوا لا يكلّون عن مواجهة المثالية المسيحية بمادية أبيقور: La Mothe Le Vayer، …Des Barreaux، Luillier، نعثر أيضا على الإرث الأبيقوري عند La Mettrie أحد كبار المفكرين الماديين الذين عرفهم القرن 18. وبخلاف ما يروّج عنه تقليديا كالعادة، فهو أوّل من صاغ هذه الفلسفة التي تعرضت لاحقا للنسيان والإهمال: وتلاه في ذلك Helvetius و D’holbach وكذلك شأن كلّ من ساد وديدرو. ويؤكد النسق الأبيقوري على نحو ما يعرضه La Mettrie بجلاء أنّ البديل الحقيقي للمسيحية كما للمثالية، إنما هو ذلك الذي نعثر عليه عند أبيقور. بوسعنا أن نسترسل هكذا، في قراءة تاريخ الفلسفة المتواترة، لنكتشف بالتالي بأنّ ميكرو- مجتمع البستان هو إلى حدّ ما رحم َمشَرك “فورييه(4) المجسَّد لرغبات القرن 19 المثلى. بوسعنا كذلك، الإشارة إلى أنّ ” دولوز” الذي كتب عن ” لوقراتوس” والسيمولاكر” في مؤلّفه ” منطق المعنى” والذي اهتم بالذرات والقوى هو نفسه من أوضح بأنه باستطاعتنا أن نضحي أبيقوريين اليوم، وأن نضحي كذلك هو ما يفيد مرة أخرى، المقاومة الدائمة للمثالية السائدة التي ما فتئت تفرز أنماطا من الحياة بئيسة.

{{توضيح:}} لقد قلتم بأنّ المذهب الأصليّ لأبيقور،هو أكثر تزهّدا بل وانشغالا بمسألة اقتصاد الملذّات وذلك بخلاف التصوّر الشعبيّ السائد عن الأبيقوريين باعتبارهم عبيدا لملذّاتهم. إلا أنكم من ناحية أخرى، تلحّون على التقليد المتعيّ، وفي كتبكم كنتم قد أشرتم إلى أنّ هذا التقليد كان حاضرا حتى لدى تلامذة البستان الأوّلين.

ثمّة تناقض يعشعش داخل المذهب الأبيقوريّ القديم. لقد عرفنا أوّلا مذهبا أبيقوريا تزهّديا، وهو المذهب الأبيقوريّ الذي كنت فيما قبل أكّدت على أنه ثمرة قوام فزيولوجيّ خاصّ. وبعده مباشرة نلاحظ بزوغ مذهب أبيقوري قد أصفه بالمتعي (قد تبدو لنا هذه العبارة منذ الوهلة الأولى كما لو كانت عبارة حديثة الاكتشاف un pléonasme لكن ومادام بوسعنا كذلك وصف الأبيقورية بالتزهد، فبإمكاننا المقابلة ما بين العبارتين): ذلك أنّ المرور من العبارة الأولى إلى الثانية حدث في القرن الأول ق.م. عندما بدأ المذهب الأبيقوريّ ينتقل من أثينا الإغريقية نحو المجتمع اليونانيّ، على يد كلّ من ” فيلوديموس دي غدارا” ولوقراتوس ثم بفضل مبدعين آخرين من فئة الشعراء خاصة وأنّ هوراس، كاتول، تيبول، بروبرس وأوفيد كلهم شعراء احتكّوا بالأبيقورية.

فالشعر الرومانسيّ يبين أنّه بوسعنا أن نكون أبيقوريين على نحو مخالف لأبيقور، مادامت لنا أجساد مخالفة وما دمنا نتمتع بصحة جيدة، لكن أيضا ما دامت حكمة الأستاذ ليست ضدّ الميل نحو مذهب متعيّ أقلّ تزهدا. وعلى سبيل الذكر فعندما يقول أبيقور بأنّ اللذة تكمن في إشباع الاحتياجات الطبيعية والضرورية فقط، يضحي الجنس والأكل الفاخر على سبيل المثال مقصيين. انّهما رغبتان حضاريتان وليستا ضروريتين – عدم إشباعهما لا يولد أيّ إزعاج/اضطرب (يؤكّد أبيقور). وبدلا من السعي وراء اللذة المطلقة، يمكننا ان نشرب الماء وأن نأكل قطعة خبز صغيرة مطلية بقليل من الجبن، وهذا هو ما ينصح به”ديوجين لارس” فيما يخصّ مأدبة الأستاذ / الحكيم في يوم باذخ…لأنّ أبيقور يلحّ على: أنكم إذا رغبتم في خمرة فالرن(5) وفي لحم الخنزير المحشوّ (وهو أفخر طعام في ذلك العهد…) تكونون قد خرجتم عن نطاق الضروريات ، فليس من المجدي إذن أن تتشبثوا بتلك الرغبات لتولدوا بالمتعة الابيقورية. نفس المنطق يسري على الجنس: انه رغبة طبيعية لكن غير ضرورية، وبوسع المرء أن يبدع في اقتصادها.أما من تلا من الابيقوريين، أقصد أولئك الذين عاشوا القرن 1 ق.م فهم يلحّون من جهتهم: على أنّ ما يهمّ قبل أيّ شيء آخر في المذهب الابيقوري إنما هو حالة الاتراكسيا :Ataraxie الخلوّ من كلّ اضطراب ألم ومعاناة. وهذه الغاية هي ما سيحملنا على التفكير في مسألة استخدام الملذات كما في كيفية اقتصادها بطريقة مغايرة .
يتساءل اوفيد اوهوراس على سبيل الذكر، كيف أحرم نفسي من ممارسة الجنس، إذا كنت رغم غلوّي فيه قادرا على أن أحافظ على هدوئي؟

فنحن أبيقوريون بقدر ما نحافظ أساسا على حريتنا، عفويتنا واستقلالنا
وبقدر ما نتخلص من كلّ معاناة. فليس ثمّة من داع، إذن، لحرمان أنفسنا من فضائل المتعية ما دمنا نستطيع أن نشبع نزوة مألوفة على حدّ تعبير أفلاطون وأن نذهب إلى ماخور حالما تغمرنا الرغبة على نحو ما ينصح بذلك لوقراتوس، لننهي المشوار كله متحرّرين من جبروت الرغبة
والمتعة ، قادرين منذئذ على مباشرة حيواتنا كفلاسفة. لعلّ نظير هذه الأبيقورية بقدر ما تقرّ بمذهب أبيقور، بقدر ما تتجاوزه. وبالنسبة لهذا المذهب الأبيقوري اللاحق ليس الجسد عدوّا على الإطلاق. ذلك انه لا ينبغي للجسد، ولئن كان عدوّا بالنسبة لأبيقور، أن يكون كذلك وبشكل مطلق بالنسبة لكل الناس . فنحن الذين – على حدّ تعبيرهم- نتمتّع بصحة جيدة، نستطيع أن نشرب كما نشاء، أن نأكل وأن نضاجع قدر ما نهوى من النساء أو الغلمان دون مخالفتنا للمذهب. فليس من الخطأ في شيء، ولا نخالف الأبيقورية طالما أمتعنا أنفسنا بكل ما لا يولّد أدنى انزعاج…

إن الكتابة المثالية لتاريخ الفلسفة قد حطت بشكل سريع من قدر الأبيقوريين: حتى كادت الوشاية السائدة في المجتمع أن تغني عن أي تحليل نقدي للأطروحات… ومنذ القدم ، كان من الطبيعي أن يتعرض الأبيقوريون على نحو مبكر وسريع للنقد. أفكر بالخصوص في ” شيشرون” كما في الرواقية الذين موازاة مع منطق تصارع المذاهب الفلسفية-على حد تعبير بورديو- ارتأوا انه من الضرورة بمكان التشكيك في الأعداء من اجل إقصاءهم و الاستيلاء من ثمة على الميدان/ السوق… على ذات النحو، نذروا أنفسهم، لتبخيس أبيقور وروّجوا لفكرة مؤداها أنّ الأبيقورية فلسفة خنازير لا غير وقد استعمل “هوراس ” نفسه عبارة ” خنازير أبيقور” هكذا ، إذن ، تكون الأبيقورية أشدّ اقترانا بالخنازير، حتى أننا كثيرا ما نجد داخل الفيلات الريفية، خنازير صغيرة وذلك بالطبع لقصد خاصّ. والحق أنّي انبهرت أمام الدلالة الفلسفية لهذا الحيوان، فلماذا الخنزير ؟ وحتى نجيب عن هذا السؤال، علينا استحضار التقليد الفيتاغوري والافلاطوني . فالروح في نظر هذين التيارين الفلسفيين تعود بعد الموت لتتقمّص جسدا فاضلا على نحو ما نكون قد عشنا حياة فاضلة، لكنها قد تتقمص جسد خنزير إذا كنا قد عشنا حياة قدرة ابتغيناها، تسودها الملذات والرغبات، النزوات والأهواء. فروح الفاسق تنفصل عن جسده عندما يموت فتتقمص جسم حيوان يرمز للدناءة والحقارة الملموسة في سلوكه. لكن لماذا الخنزير بالضبط ؟ لأنّ بنيته الفزيولوجية تحول دونما التفاتته تجاه مصدر الفكر: السماء المرصعة بالنجوم- العزيزة على قلب كانط. !- فهذه البنية هي ما يجبر الحيوان بالتالي على التنقيب في الأرض بفنطيسته وقدَره إنما هو المحايثة ليس إلا . فالخنزير حيوان ذو حسّ أرضيّ .يحيا وأقدامه لا تبرح الأرض بل
وفي عمق الطين ذاته. بناء عليه، سرعان ما غدت مسألة كون المرء ماديا إهانة: فمعتنق المادية هو إنسان ينكر وجود الآلهة، الروح وعالم المثل.إذن هو على نحو ما يصفه أعداؤه، إنسان عاجز عن فعل التفلسف وعليه ألا يطمح إلا في ما يجمعه بالحسّ المشترك (العامة). أكيد أنّ هذه النظرة ولئن كانت على الأقل معاصرة لأفلاطون(ق.5.ق.م) فقد ترسخت أكثر في عهد البستان( ق3.ق.م) وازدادت ترسخا فيما بعد. منذئذ قُرنت الأبيقورية بالمادية كما بالدناءة. ويكفينا أن نستحضر هنا حقد هيغل في ” دروسه حول تاريخ الفلسفة “. لكن الأبيقورية رغم كل ذلك، استمرت من خلال ما أسمّيه بفلسفات المقاومة: المادية، الإلحادية، الشهوانية والتجريبية ثم النفعية والبراغمــاتية – آه كــم مـن فلسفـات وفــلاسفـة تعرضـوا للتهميـش مـن لـدن تاريخ الفلسفة الرسميّ (6) – وكلها قد تشربت بهذا القدر أو ذاك بالأبيقورية.

{{منذ انطلاقها، نشأت الأبيقورية مقيمة الجسور ما بين الفيزياء والأخلاق. هل ما يزال ذلك ممكنا حتى اليوم ؟}}

حتما، لكنني أضيف وبشكل عام أنّ ذلك ممكن بفضل العلوم لا الفيزياء وحدها. فبحسبي لا يمكن لفيلسوف مهما بلغ شأنه أن يبني تصورا للعالم دونما استناده على معلومات علمية جديرة بهذه التسمية… ذلك أن معرفة طريقة اشتغال الجسد اليوم، ضرورة لا محيد عنها إذا ما رغبنا في بلورة تصور صائب إلى حد ما. وإذا ما أردنا أن نكون أبيقوريين بحق، فعلينا إعادة تنشيط هذه الفكرة التي مفادها أن فيزياء الذرات تسمح بميلاد أخلاق هي ما سيجعلنا أكثر تحررا من الله. الفلسفة إذن، هي ما لا يمكن التفكير فيه إلا إذا أعدنا التفكير في مسألة الإنسان، فيزيولوجيته وتكوينه البيولوجي لكن أيضا في مسألة وضعه المحايث داخل العالم. وهذا هو ما يلزم الفيلسوف بمعرفة قدر معين من الفيزياء، لكن كذلك من علم البيولوجيا، الطب وكل العلوم التي نصنفها بالصحيحة وتسمح لنا بالتفكير ليس في إنسان مثالي بل في الإنسان الواقعي والملموس. فعلى سبيل الذكر، كيف يمكننا التفكير في علم البيوتقنية دونما الجواب
وبطريقة معاصرة على السؤال الكانطي القديم: ما الإنسان ؟ مما يفترض على نحو بديهيّ، اكتساب معارف في علم النوروبيولوجيا (7) كما في مجالي فيزيولوجية الجهاز العصبيNeurophysiologie وبيولوجيا الدماغ. بهذا يمكننا اعتبار كلا من Jean-Pierre Changeux
و Jean-Didier Vincent أبيقورَّيين لاحقين على طريقتهما الخاصة-أو مناصرين للأبيقورية اللاحقة… إن هذا الجزء من العلم ضروري في نظري كي نبلور اليوم نظرية جديرة بهذا الاسم.

{{بكل دقة، هل بلورة نظرية جديرة بهذا الاسم، هي ما يعني: أن نستوعب بأن الآلهة لا تكترث في شيء بمصير البشر؟}}

هيا، لنبذل معا مجهودا أكبر حتى نغدو ملاحدة حقيقيين: وذلك بالطبع باستيعابنا لهذه الفكرة البديهية التي تقر بألا وجود لله ولا حتى للآلهة!
وعلى ما أظن فالبيولوجيا المستوعبة بدقة هي ما يوصلنا إلى نوع من الإلحادية جديرة بهذا الإسم. إنني لست ضد عملية بعث جديد لمذهب الإحيائية: لقد نشرت في غضون هذه الأيام كتابا بعنوان “أسرار تشريحية”(8) أدعو فيه بالضبط إلى تشييد نوع من الإحيائية أو لنقل نوع من المذهب المادي الإحيائي بالأحرى… وبغض النظر عن انتقادات Bordeu في ق.18 ومدرسة Montpellier أرى أنه من الواجب إعادة النظر في الإحيائية في سياق تصور Canguilhem الذي لا ينتابه أدنى خوف أمام هذا اللفظ. إن أهمية هذا المذهب الإحيائي تكمن في فسحه المجال لفلسفة للحياة خاصة، تطرد كل فلسفة اللاهوت والمقدس. وإذا ما أردنا النيل من المقدس واللاهوت فليس علينا إلا مماهاته بالكائن الحي ومن ثمة صياغة مذهب سبينوزي جديد… وتلكم مهمة مثيرة من وجهة نظر أخرى.
{{
تصرّحون في ” نظرية الجسد العاشق” بأنّ لوقراتوس هو من اخترع الدعارة le libertinage ، فهل بوسعكم أن توضحوا لنا كيف ذلك؟
}}
ثمة نصّان عظيمان للوقراتوس يسمحان لي بنظير ذلك الاستنتاج: أحدهما معروف جدا بيد أن الآخر منسيّ. النص الأول معروف غاية المعرفة لأن Molière يستشهد به كلمة كلمة في مبغض البشر le Misanthrope : يتعلق الأمر بانتقاده للحب – العاطفي L’amour-passion. فالعاطفة تجعلنا نتمثل الواقع على نحو غير ما هو عليه. فعندما طور Jules de Gultier مفهوم البوفارية(9) وrené Girard عندما اهتم بمسألة حب التماهي mimétique désir وسارتر عندما طرح مسألة الثقة العمياء، فهم بذلك فككوا مفهوم الحب-العاطفي، مسلطين الأضواء على العماء والاستيلاب الملازمين للحب. ذلك أن كل من يصاب بمثل هذا المرض يغدو خارج ذاته. حيث تسيطر عليه الرغبة وتقوده. وفكرة كون الحب يجعلنا ننظر إلى الموضوع المحبوب كما لو كان الموضوع المثالي فكرة شائعة حتى لدى الرأي العام. ومن القول المأثور لدى الأبيقوريين كون الحبّ يعمي الأبصار، فيرد الدناءة أناقة والقبح جمالا إلخ…

لكن ثمة نصّ ثان، أكثر روعة، يختتم الكتاب الرابع حيث نعثر على النقد سالف الذكر: إنه عبارة عن عشر شذرات مرصودة لمدح نوع من الحب خاص، سميته في درسي الذي ألقيته بالجامعة الشعبية à “كان” بالحب الاتراكسي. لا وجود لهذه التسمية عند لوقراتوس. والزوج الأتراكسي هو الزوج الناشئ بفضل ومن أجل وفي خضم غياب الاضطرابات. وهذا هو العلاج من داء الحب العاطفي عند لوقراتوس، لكن وفي غنى عنه، ينبغي إنشاء نوع من العلاقة تسمح بضمان حرية كلا الطرفين دونما خوف ولا آلام. إننا لا نصادف في هذا الصنف الثاني من الحبّ أفخاخ الحبّ – العاطفيّ. أكيد أنه حبّ لا يعرف أدنى أثر لمهيّجات الحبّ – العاطفيّ: من جمال، إغراء، الرغبة في تملي الآخر، الحماقات الليبيدوية والجنسية والانطوائية المطلقة، لكنه كذلك خال من أدنى اضطراب.
الظاهر إذن أن عاطفة الحبّ هي ما يزجّ بنا في المعاناة. إذ لها نهايتان محتملتان: التراجيديا أو الكوميديا. وبقدر ما تعني التراجيديا نهاية التاريخ، الانحطاط والانفصال بقدر ما تعني الكوميديا الزواج، الوفاء، الإنجاب والسقف المشترك ثم فيما بعد الزنا الذي لا مناص منه… أما نهاية الزوج الأتراكسي فهي تفترض شيئا مغايرا تماما: أقصد السعادة المتحققة في غياب للاضطرابات من لدن الآخر وفي حقّه.

إن هذه الفكرة الإيجابية والثرية لا تتوافق والصورة المعروفة عن لوقراتوس: إنهم يقدمونه لنا كمتشائم اغتٌر به- وهي فكرة تعود في الأصل إلى ” القديس جيروم” الذي يروي أن لوقراتوس أغويَ به من لدن امرأة بارتشافه شراب المحبة (10) Philtre حتى كاد أن يغدو عاشقا مجنونا- بل كأحمق ليس إلا. وزيادة على ذلك، فهو على حد تعبيره، ودونما حجة من أنهى مشواره منتحرا: وتلكم محض دعاية، أبدع في حبكها القديس ” جيروم” لأنه كباقي المسيحيين يرمي إلى النيل من الأبيقورية بتقديمها كما لو كانت فلسفة مجانين. والأخطر من ذلك، اعتبار أنها مثلا ما يقود إلى الدعارة، بواسطة حفنة من الشذرات…
فالدعارة le libertinage مفهوم ينحدر من الأدب الداعر مثلما ينحدر كذلك من اللغة الفلسفية. فإذا كان الداعرle trivial يفترض عرضا حاشدا للنساء: السيجارة والويسكي(11) وأجمل الحسناوات… فالداعر le libertin في السياق الفلسفيّ يعني الملحد libertinus الذي تحرّر من طغيان الآلهة كما من طغيان البشر. فالملحد هو من يتموضع في عمق ذاته فلا يقصي الآخر. وإليه يعود الفضل في اختراع اللائكية في عزّ ق. 17 الغارق في الوعظ الدينيّ والتقوى.
والمعلوم أن René Pintard قد تحدّث عن إلحاد العلماء لوصف هذه المجموعة من الفلاسفة المنسيين: لأننا اليوم لا نتكلّم عن ق. 17 إلا وتذكرنا ديكارت، مالبرانش وباسكال.

ليس غريبا في شيء أن يتم ذكر ديكارت، مادام هو من شكك في كل شيء، لكنه سلَّم بأحقية الدين الكاثوليكي وأقرّ بسلطانه ووصايته؛ ليس غريبا كذلك أن تتمّ الإشارة إلى مالبرانش المتفنّن في المواعظ الدينية ولا إلى باسكال المتصوّف المسيحيّ العاشق للمسح (12) (بكسر الميم ) وكل ذلك يحول دونما النظر إلى ق. 17 كأعظم قرن عرف اللائكية معDes Barreaux، Luillier، Le vayer، La Mothe
وGassendi- وكلهم أشخاص لا يعتبرون الحرية مجرد عرض حاشد للنساء، بل تحرر من المقدس أي-وفي تلك الفترة- من المسيحية. إن الدعارة بهذا المعنى (كفلسفة للمحايثة الراديكالية) من اكتشاف لوقراتوس لأنه يشترط ألا نضع شيئا يسمو على عرش الحرية وأن نحطم كل ما يعرقل هذه الحرية: بما في ذلك الحبّ-العاطفيّ، وهذا لاريب فيه، لكن أن نتخلص أيضا من الخوف من الآلهة، الكهنة والموت.
{{
في نظرية ” الجسد العاشق” تشيرون كذلك إلى أن “الابيقورية هي ما يخولنا عناصر عدة لبلورة الجسد الحداثي” فما معنى ” الجسد الحداثي”؟
}}
إنه جسد ضدّ مسيحي وما بعد- مسيحيّ. ذلك ما أوضحه بالضبط في هذا الكتاب اللاحق المعنون بـ “السياسة الحيوية الإباحية”. وعلى ما أظن، فنهاية الخطابات الكبرى ” تلك التي شخص بوادرها “ليوطار”، أقصد تلاشي المسيحية والماركسية وبعض الخطابات الأخرى كالتحليل النفسي العائد للسبعينات، هو ما يجعلنا في حضن عدمية أكثر خصوصية. وتتجلى أبرز علامات هذه العدمية، في انعدام القدرة على التوظيف الذكي لهذا الذي وحده تبقى لنا من هذه الكارثة: أعني الجسد. فالسؤال السبينوزي التالي: ما الذي يستطيعه الجسد؟ والذي أعاد نيتشه طرحه وفكر فيه “دولوز” من جديد، هو ما يستوجب منا كل العناية. إلى ذات السؤال يمكننا أن نضيف أسئلة من قبيل: ما هي قدرات الجسد الجديدة؟ لمَ تشبه إمكانيات الوجود الجديدة هاته؟ – والتي أكد لنا نيتشه أنها ما يستوجب الابتكار- ومن ثمّة إذن، تكون هذه التساؤلات المثيرة هي ما يتطلب منا التركيز على نحو أبيقوري. ليس بإنتاج نوع من التفكير المثالي إضافي، في صيغة فينومنولوجيا وصفية لجسد مثالي ما يزال أفلاطونيا، إثنينيا تسكنه روح محاطة بلحم مدنّّس- وذلك هو الجسد المسيحيّ الذي قوامه الوعي المخلص – لا. بل بإرساء أسس جسد حداثي، ما بعد مسيحي، واحدي، لا نسقط عنه حيازته للنفس أو لنقل الروح (يتحدّث كل من Hocquenghem و Shérer عن الروح الذرية وهو تعبير أوافقهما فيه). إنّ ثمة بالطبع روحا ذرية âme atomique لأنّ قلبي هو عيني التي ليست بدورها قدمي… فثمة أعضاء مختلفة لكن روحي فضلا عن ذلك تقوم على أساس تنسيقات فريدة، إلا أنها كلها، وهذا ما لا شكّ فيه، تنسيقات ذرية محضة.
الجسد الما بعد – حداثيّ والما بعد – مسيحيّ إذن هو جسد ماديّ محض، فَانٍ ولا يحمل في طياته أيّ شيء خالد أو لا متعيّن يسبقني في وجودي ويستحقّ البقاء بعد مماتي: ليس ثمّة غير حالة مادية خالصة تقبع بين عدمين. هي ما يدوم قليلا بيد أنّ العدمين يدومان إلى الأبد. لذلك فالمتعية هي الجواب – هي جوابي على كل حال – عن مسألة قدرات الجسد. ما الذي يستطيعه الجسد؟ أن ينتج اللذة من أجله كما من أجل الآخرين، في سياق تفاعل دائم. ثمة إذن أخلاق متعية أو لنقلْ نوع من السياسة – الإباحية في حالنا هذا – ولما لا نقول نوع من البيوطيقا والسياسة الحيوية المتعيتين… إلخ.

أعتقد أن ما تبقى لنا اليوم إنما هو هذه الدلالة الجسدية التي عليها ينبغي أن نراهن حينما ينهار كل شيء من حولنا…

المرجع:
Magazine littéraire N° 425 novembre 2003

ملحوظة:
§ كل الهوامش المشار إليها بالرمز (م) من وضع المترجم.

الشواهد:
1 – نسبة إلى أبديرا، بلدة في تراقيا .(م)

2 – نشر ميشال أونفراي بعضا من شذراتهم ضمن مؤلفه: l’invention du plaisir، éd. LGF، 2002.

3- مفكرون أكثر تحررا من القيود الفكرية الثابتة ( م ).

4 – الفيلسوف الاشتراكي الذي دعا إلى إقامة تجمع إنتاجي ، يعيش فيه العمال جماعة ( م ).

5 – نبيد إيطالي باسم المدينة التي تصنعه.

6 – يلح ” دولوز” في كتابه ” حوارات” بأن ثمة صيرورة فيلسوف لا صلة لها مع تاريخ الفلسفة، صيرورة تتجسد بالأحرى عند أولئك الذين لا يستطيع تاريخ الفلسفة تصنيفهم و بذلك يكون تاريخ الفلسفة تاريخ اضطهاد و إقصاء ، تاريخ سلطوي بامتياز مادام يقوم دوما على أساس مبدإ نيل الإاعتراف الذي عانت منه كل فلسفات المقاومة بما فيها الابيقورية بالطبع (م).

7 – علم يدرس عمل الخلايا و الأنسجة العصبية. (م)

8- Féeries anatomiques، Michel Onfray، éd. Grasset، vient de paraître.
9 – Bouvarysme : اللفظة تعود في الأصل إلى ” مدام بوفاري” بطلة رواية فلوبير، وتتجلى دلالتها في عدم رضى رومانتيكي يجعل صاحبه يتقمص دورا متاليا غير دوره الواقعي.(م)

10 – شراب ذو قدرة على إحداث الحب ما بين رجل وامرأة وتأجيج عواطفهما (م)

11 – نوع من الخمريات المعروفة جدا. (م)

12 – رداء يلبسه النساك.(م)

شاهد أيضاً

منهج  النص في سؤال الحقيقة: قراءة في فكر ماجد الغرباوي

علي محمد اليوسف: الموصل تلخيص وتعريف اولي: كتاب المفكر الاسلامي ماجد الغرباوي (النص وسؤال الحقيقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *