الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / الجنرال يخرج من متاهته2

الجنرال يخرج من متاهته2

هند الزيادي / تونس

جلس فوق كرسي بثلاثة أرجل، وعدّل احدى إليتيه ليتوازن الكرسي فلا يسقط.ثم جال ببصره في كومة الخراب المحيطة به من كل حدب وصوب.القصف الذي تعرّضت له مدينته لم يوفّر منزله.فدمّر كلّ شيء..
كان يجلس في كامل أناقته يرتدي الزي الرسميّ ويزينه بالنياشين والشرائط .إنّه الجنرال.جنرال في أول أيام الخراب.وكومة الأنقاض التي يجلس فوقها تلك كانت بيته، أو متحفه الخاص الذي اقامه لنفسه ، سرّا ، في بهو في بيته الفخم. .الزرّ الأوّل في الجاكيت كان منزوعا، فغرز مكانه دبوسا ليبدو الزي مهندما،لاتشوبه شائبة.كان يحمل تحت ابطه حقيبة جمع فيها شهائد كثيرة جدا .منها ماهو تعبير عن الرضى، ومنها ما هو تعبير عن الإستحسان، ومنها ماهو تقدير لجهوده في القضاء على اعداء الوطن .لكنّ اهم الشهائد تلك التي نالها في أيام الهوجة التي ضربت بلده.كان لا يعود الى بيته إلا لسويعات ، وتعذبت معه عائلته ووصلتها تهديدات ، وهو لا يعرف ما اقترفت يداه غير انه حاول بكل ضمير أن يدافع عن وطنه كما علّموه.كان يجلس فوق كومة الخراب وهو يتذكّر كل اركان المتحف الذي أقامه لنفسه ، ركنا، ركنا.يبدأ من باب البهو يسارا مع صورة لنفسه في أول يوم لبس فيه الزيّ ،ثم ينتهي مع الجهة اليمنى لمدخل البهو مع صورته وهو يتسلّم وسام الإست…قلال من الرئيس السّابق.لم يكن يفهم ، أمام تجاهل الزّعيم الأوحد له في بقيّة أيام السّنة،فتساءل لم لا يكرّم نفسه بنفسه؟ ويقيم لنفسه متحفا أسوة بالزعيم الأكبر وببقية الزعماء في كلّ أنحاء العالم .فهو لا يقلّ عنه تفانيا في خدمة هذا الوطن.عزم بشدّة على تنفيذ حلُمه خصّص له بهوا خلفيّا لا يدخله أحد ونظّمه بنفسه بحيث توزّعت في اركان البهو الفخم الذي اقامه في منزله صوره ونياشينه وسيوفه التشريفاتية والشّارات التي علّقها يوما ما، والنجوم والرّتب التي زينت زيّه الرسمي على مدى عقود.الى ان نصل في صدر البهو الى صورته الضّخمة التي عُلّقت بعد أن وصل الى رتبة اللواء بيوم واحد.يومها استدعى المصوّر الرسمي للرئاسة وطلب منه ان يكون الأمر سريّا ، ثم تزيّن ببدلته الرسمية كأنه عريس، ولمّع النياشين وحلق ذقنه ووضع عطره المفضّل ثم شذّب شاربيه وابتكر سينوغرافيا كاملة لتلك الصورة.في خلفيتها نرى زيتونة عتيقة مترامية الأغصان في حقل اخضر، كان يريدها أن ترمز للوطن واخضراره.ثم نرى الكرسي الفخم المطلي بالذهب الذي ينتظر مؤخّرته ، ثم يبهرك مشهده وهو منتصب القامة في شموخ وكبرياء، كلّفاه تشنجا في ظهره وتدليكا لمدة اسبوع في احدى المصحّات الخاصة.
تقديره لنفسه ولدوره كانا كبيرين خاصة انه لم يدّخر جهدا في تلك الأيام الصعبة أيام ثار العامّة على الزّعيم .لم يتردّد في أن يحرّك قواته في كل اتجاه لتكتم الأصوات الخائنة التي تتآمر على الوطن.لكنّ ما حزّ في نفسه أنّ أحدا لم يتذكره منذ خرج من القصر الكبير بعد تسلّمه النيشان.نُسي كأن لم يكن.بل صار لما انقلبت الآية مكروها ومنبوذا من الجهتين.الآلة التي كان ترسا من تروسها لفظته لما اصبحت مهددة ودخلت دائرة الخطر ، فلمّا استنزفت قواه كلها ولم يعد هناك من تحتاجه منه، استغنوا عنه كبرغي صدئ لم يعد له ايّ دور.أما الطرف الآخر فكان من البداية ينظر اليه على انه العدوّ وانه رمز لسنوات القمع.
صار السؤال المصيري عنده أنْ كيف يثبت لهؤلاء حقّه في تكريم ومجد تعبَ من اجلهما في خدمتهم وخدمة كراسيهم؟ وكيف يُفهم معسكر الآخرين ان الّرعب الذي كانوا يعيشون فيه تحت حكم الزعيم كان عندهم رعبا مضاعفا؟ .فالزعيم الأوحدالفرد الصمد لم يكن مولعا فقط بتعذيب شعبه ودهسه تحت نعليه الغليظين بل كان يتفنن في دهس رجاله ايضا وتروس آلته الجهنمية.وكان مولعا بضرب بعضهم ببعض، وبجعلهم جواسيس على انفسهم وعلى كل من حولهم من الزملاء.حتى صار المرء منهم يخاف ظلّه ولا يأمن معه على روحه.فلا يسمح لنفسه بمحادثة نفسه خشية أن تفتن عليه.كان عليه ان يقتنع أن يحبّ الزعيم فعلا ويفديه بنفسه ويكون في وضع استعداد دائم متى طلبه.
قام من كرسيّه يعرج ، لقد امتلأت مثانته من جديد بفعل السّكري…يحتاج أن يبول، لذلك انتبذ ركنا خربا مهدما واعطى الدنيا ظهره وبال. وصادف أن وقع بوله كلّه في قبّعته الرسمية التي كانت ملقاة كجثة بلا ملامح. السكّري ايضا من إرثه العظيم الذي خرج به من سنوات التفاني الأعمى ، والضغط، والدهون الثلاثية ، والوسواس القهري، وجنون الإرتياب، والفصام .باقة الأمراض هذه كانت ميراث الرّيح الذي خرج به.
وجال ببصره في الخراب الذي كان متحفه وهو يجرّ بيده اطارا محطما كان لصندوق مذهب يحتوي نياشينه التي دفن بعضها تحت الركام وتناثر البعض الآخر عند قدميه.كان يسير كأنه شبح خارج من ثقب اسود كبير يعلو الغبار محياه وزيه النظامي .لم يدر إن كان الخراب أمامه أم في داخله.لم يعرف من أين يبدأ الترميم؟ على فرضية انه قادر على ترميم شيء ما.
وصل عند صورته القديمة عند اول ايّام استلامه لمهامّه على الحدود أيام كان رقيبا صغيرا يسدّون به الثغور ويضعونه في مواجهة اعتى مجرمي التهريب.كان شابا يافعا يحلم ان يخدم بلده وان يقدّم عمله في كنف الشرف والفداء.وكان حماسه لآداء المهمات التي توكل له لا يوازيه إلاّ حماس المهرّبين الذين يحملون أرواحهم على كفوفهم من اجل ادخال بضائعهم واخراج رؤوس اموالهم للنجاة بها من حيتان أكبر منهم.كان ينازلهم في الجبال ، ويكمن لهم في الأحراش ويطاردهم ويطلق عليهم النار ويتعرض بدوره لإطلاق النار وينجو كلّ مرة، وليس في ذهنه إلا مهامه المقدّسة التي لا تقلّ أهمّية عن منازلة العدو في ساحة الحرب. ثم تنقّل الى حيث الإطار الذي علّق فيه نيشان مذهّب يحمل ألوان الجمهورية.تنهّد بعمق ،بحث داخله على شبهة شعور بالندم ، فلم يعثر على شيء.لم يندم أبدا على ما فعله ليستحقّ ذلك النيشان…
“كان الفصل شتاء آنذاك، وكانوا قد دعوهم منذ ثلاثة أيام للرباط في العربات المدرّعة التي نشرها الزعيم في الشوارع بعد أن امتدّت الإحتجاجات للعاصمة.ولم يذوقوا النوم منذ اكثر من اثنتين وستين ساعة .لأن المتظاهرين ما كانوا يهدؤون.الإدارة لم تكن تحضر لهم ما يكفي من الأكل .هو ذلك الكسكروت اليتيم الذي كان يجب أن يعيشوا عليه يوما كاملا ويواجهوا به الكرّ والفرّ مع المحتجّين على غلاء الميشة، وعلى القمع وعلى التجويع والتركيع، ويواجهوا به الضغط العصبي والأوامر الصارمة بالمرابطة في اماكنهم ليلا نهار ، ثم جاء امر اطلاق النار.كان الطلبة قد اكتسحوا الشوارع هاتفين بقبضاتهم التي ظنت انها قادرة على تغيير وجه العالم، وكان زملاؤه يتحاشون ان يلتحموا معهم بل يكتفون باطلاق النار في الهواء لتخويفهم.افهموهم أن هؤلاء مجموعة خونة معزولين يريدون قلب النظام والتمرّد على الزّعيم الذي اخرج البلاد من الظلمات الى النور.شحنوهم بفيديوهات لأفراد منهم يعترفون بتبعيتهم لجهات اجنبية.جعلوا بعضا منهم يحضر تحقيقاتهم مع من امسكوه من المتظاهرين، بل دعي هو شخصيا الى حفلة في اقبية وزارة الداخلية.وشهد له رؤساءه بالكفاءة والشراسة في انتزاع الإعترافات منهم بفكّي الكلاّب.يتذكر أنه ساعتها قد سمع كيف ان التقاريركانت تعود اليهم بإعادة التحقيق لشبهة تواطؤ المحقق مع المحقق معه، فلم يكن يريد أن يكون موضع شبهات واتقن عمله جيدا وأدّى دوره في الذود عن البلاد كما املاه عليه الضمير الذي صنعوه داخله.يومها قتل لأوّل مرّة .كانوا مجموعة من الأجساء المفكّكة من كثرة الضرب والهرس والدهس ولم يستهلكوا منه طاقة كبيرة ليفرغ الرصاصات المعدودات في مقاتلهم، ثم ترك لبقية الأعوان مهمة وأد الجثث في ذلك المنزل المهجور داخل المدينة العتيقة.القتل لم يكن له نفس هذا الطعم ساعتها.حتى عندما وصل اليهم امر اطلاق الرصاص الحي في المظاهرات في السبعينات ،لم يتردد.رصد طالبا بالغ في الإقتراب من عربتهم وقذفهم بحجارته الكبيرة ثم فتح ذراعيه متحديا لهم وشتمهم وشتم الزعيم الأكبر ثم غادر مسرعا وهو يسابق قدره الذي أدركه على شكل رصاصة في مؤخرة الرّأس.نسيت أن اخبركم أنّه قنّاص ماهر من أيام مطاردة المهرّبين وحراسة ثغور البلاد مع البلدان الشقيقة المجاورة
مات الطالب من فوره.
وبقيت جثّته نصف يوم كامل ولم يقدر أحد على سحبها تحت وابل الرصاص الذي كان يلعلع من كل حدب وصوب.وفي النهاية حملته عربة مدرعة الى المستشفى العسكري.
اكمل الجنرال جولته بين صوره الممّزقة وانقاض مجده في متحفه المهدّم ، وكان أسئلة كثيرة تلحّ عليه بشدّة وتأبى ان تغادر ذهنه: متى تحوّل الى ما أصبح عليه.متى مات ؟ ومتى بعث الوحش الكاسر الذي لا يعرف من الحياة غير الولاء وتنفيذ الأوامر؟ عندما قرّروا تسريحه وتلويث شرفه المهني ومجده الذي قضى عمره يبنيه، هل كانوا مدركين انهم حكموا عليه بالإعدام؟ من سيستقبله الآن وقد قطع كل أواصره العائلية وروابط الصداقة مع رجال كانوا قديما زملاء دراسة او جيرانا؟
تذكّر وجوه كل من قتلهم رصاصه وجها ، وجها.ولا يدري لم تنبّه الى نفسه تغبطهم، خلسة عنه،على موتهم.بعد كل تلك السنوات لم يياس أهاليهم من البحث عن الحفرة التي ردموا فيها، أما هو فمن سيزور قبره حتى ولو شيّده من الذهب ومرمر تاج محلّ؟
تسارعت دقات قلبه ونظر خلف كتفه مرتابا كما تعوّد دائما ، ثم امتدّت يده في حركة غريزية بحثا عن مسدّسه ، فلم يجده.تذكّر انهم اخذوه منه ايضا.
حتى الموت عافه ولفظه.وكتب عليه أن يظلّ يدور هائما على وجهه داخل ذلك البهو المهدّم وسط امجاد لم تنبت عشبا ولا درّت ماء لعطشان.أفراد عائلته ذاتهم هجروه بعدما سئموا من خطابات التهديد التي كانت تصلهم.و سئمت منه شخصيّا ومن أمراضه التي أرهقته فأرهقهم معه، وسئمت من عدوانيّة النّاس نحوها.وعاد وحيدا ،عاريا، منبوذا بلا سند.
أوصدت دونه كلّ الأبواب لأنّ الزّعيم الأوحد كان مشغولا بإنقاذ نفسه وتدبّر طريقة للخروج الآمن وتامين منفى يليق بفخامته وبنوكا امينة على ثرواته، أمّا بقية الحاشية فكلّ طلب النجاة بطريقته لذلك أغلقوا دونه هواتفهم ورفضوا تلقّي مكالمات استغاثته واستعطافه المذلّ.
لكن كل هذه التفاصيل السريّة وغيرها لا يراها الأطفال الذين يتجمعون كل مساء ليلعبوا الكرة في الخربة التي كانت حديقة مزهرة لا يدخلها بشرلمنزل كان يُسمىّ “دار الجنرال”…لم يكونوا يهتمون بشيء.جلّ اهتمامهم بالكرة والأهداف وصديقهم الشّبح ، ساكن الخربة، الذي يضحكهم جدا بلعابه السائل من فمه وشتائمه التي يطلقها عليهم فيفرّون من أمامه ضاحكين و هو يلوّح لهم بإطار صورة فارغ محطم الأضلاع.ويهددهم باطلاق النار عليهم من عود قصب يمسكه بيده المرتعشة

شاهد أيضاً

تفكيك ثنائية الجنس/الجندر : اطروحة جوديث بتلر

يوسف شوقي مجدي – مصر لم تنشأ حركات التحرر الجنسي الحالية من فراغ بل سبقتها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *