الفلسفة ونقد الطيش …

عزيز لزرق

هل قدر الفلسفة أن تعيش دائما هذا الصراع الخالد من أجل الحفاظ على معنى وجودها؟ نعم ذلك هو الأس الجيني لولادة الفلسفة، وذلك أفقها اللانهائي: إنها تحارب الخوف، تواجه الموت، تساءل الموجود، تتحرر من الألفة، تحارب القبح، ترفض البلاهة، تهدم الأوثان، تعانق الفكرة و تعشق الحياة…
هكذا هو مصير أهل الفلسفة، وهذا مصدر سعادتهم ومبرر وجودهم… ونحن واعون بذلك، بل راضون عنه، فمنه نمتح طمأنينتنا التي تقوي سكينة القول و الفعل فينا…لكن هل قدرها أن تعيش داخل رداءة التدبير الإنساني؟ هل قدرها أن تتلقى رصاصات طائشة، لا تستهدفها بقدر ما تستهدف العمق الإنساني، وتسيئ لحلم المغربي، في أن يزهر العقل وتنضج ثمرات نقده، في أن يتجذر الحق و تنبت حقوله؟ هذا ما لا نرضى عنه، حينما نرى قرارات طائشة، تحجب شمس ديموقراطية الفعل وتسد أفق الممكن…
من الذي اتخذ قرار إلغاء الفلسفة من البكالوريا المهنية؟ و لماذا اتخذه؟ هل هو تعبير عن توجه جديد يرسم معالم ما يطبخ في الغد القادم؟ هل هو جس نبض، أم أنه مجرد جرة طلقة طائشة؟ لا نريد أن يكون أهل الفلسفة، ولا أن يزج بهم، في صراع وهمي “حرب المواد الدراسية”، فالفلسفة لا تقدم خدمة مدفوعة لأية جهة، فهي لا تعوض(بكسر الواو) ولا تعوض( بفتح الواو). إنها ليست أثاثا يمكن أن تغير أماكن تموقعه، أو طرحه خارج البيت…
إن إلغاء تدريس الفلسفة في الباكالوريا المهنية، يتناقض مع التصور العام للمنظومة التعليمية، على تعلاتها، إنه يخلق تمييزا غير مبرر بين الباكالوريا المهنية وباقي الأنواع الأخرى. ماذا يريد أن يقول صاحب هذا القرار؟ هل التلميذ الذي اختار شعبة مهنية، لا يحتاج إلى التفكير و لا إلى ضياع وقته في السؤال و النقد؟ هل هو محتاج فقط إلى أن يكون وحدة إنتاج، لأنه مجرد يد عاملة مفصولة عن عقلها المدبر؟
كيف اتخذا هذا القرار؟ هل هو نتاج لاستشارة موسعة؟ هل تعبير عن حاجة؟ هل حل لمشكلة؟ يبدو أن عبثية هكذا قرار، تكمن في انعدام مبرراته المرجعية والاستراتيجية. فلا هو يقف على أرض صلبة، ولا هو يروم تحقيق هدف استراتيجي يخدم الإنسان والمجتمع والدولة، فلا هو برد الاعتبار لمنظومة تعليمية متهالكة، ولا هو يصلح اعوجاجا، ولا هو يجود أداء، ولا هو ينتصر لقيم معرفية أو أخلاقية أو سياسية، لأنه بكل بساطة ضدها، وضد هاجس الإصلاح عموما.
لا نستغرب مثل هذا القرار، لأنه نتاج لتدبير عبثي أصلا، لأنه متولد عن رحم تشبع بمنطق الاستعجال، والانحباس في الآني والتنظيمي: إننا أمام خدعة التسيير التقنوي، حيث يرى الأجزاء لا تنتج الكل، وحيث لا يرى في الجزئي حضور للكلي، بل لا تحكمه رؤية الكلي و الشمولي. إنه قرار طائش غير مفكر فيه، ضيق الأفق، عديم المصير، تائه المسير. إنه ابن شرعي للتوظيف بالتعاقد، وللعبث بالتقاعد، وللإجهاز على منظومة التعليم عموما و على المدرسة العمومية على الخصوص.
كم هو مؤلم أن نشعر بأننا لا نتقدم في الخطو، بل الأخطر أننا نتراجع إلى الوراء، ليس الأمر متعلقا بتدريس الفلسفة أو عدم تدريسها، فأهل الفلسفة أدرى بشعابها، وبسبل الدفاع عنها و النضال من أجل توطينها داخل الفكر الإنساني المغربي، بل إن المؤلم أننا لا زلنا في قراراتنا بعيدين عن العقلنة والدمقرطة، لا زلنا بعيدين عن إرساء مشروع مجتمعي كفيل بأن يخرجنا من بوتقة الأزمة، ومن ارتجاجات الرتق والفتق، إننا أمام قرارات تعمق شراسة الهتك العظيم…
إن النقاش الآن يجب أن يرتفع ليساءل المسؤول السياسي والفاعل المدني، وينبه المواطن الذي لازال ينتظر أن يجود الزمن بترشيد الفعل السياسي وعقلنة آليات التدبير. إن الفلسفة لا تخشى مثل هكذا طيش، و لا ينتظر أهل الفلسفة الترحيب الملغوم، والانفتاح المزعوم. لكن من واجب الفلسفة أن تطرح سؤالها المعتاد: ” من يخاف الآن من الفلسفة؟”، ومن هم أعداء الإصلاح؟ ومن هم مدبجو الكراهية والاحتراب؟ من هم مؤزمو الوضع أكثر فأكثر؟ هل هو جهاز الدولة نفسه؟ هل هم أفراد معزولون يدبرون مصير الشأن العام، ويدفعونه إلى الاختناق، ويغرسون مدية الإحباط واللاجدوى؟
إنها فرصة مهمة، لكي نفك رموز المنخرطين في الفعل السياسي، لكي نختبر هل ما زال بإمكان المدرس و الباحث و المناضل و المعارض أن يطرح سؤالا مقلقا: هل لازال المغرب أفقا للتفكير؟ أم أننا دخلنا معترك الطيش غير محسوب العواقب، حيث يتساوى الشيء ونقيضه، العدالة والظلم، الحكمة والبلاهة، الديموقراطية والاستبداد، المواطنة و الاستفراد بالهدم وليس بالبناء…

 

شاهد أيضاً

“الموسيقى ﻛ “رؤية للعالم ”  تأليف: غيورغ لوكاتش 

ترجمة وتقديم: أ.د/ كمال بومنير غيورغ لوكاتش György Lukács فيلسوف مجري معاصر (1885-1971). يُعّد أحد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *