الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / العبثية في فكر ألبير كامو

العبثية في فكر ألبير كامو

رنا خالد – مالطة

لم أكن أنوي أن أخوض كثيرًا في هذا المسألة، إلاّ أن منشورًا لأحد الأصدقاء على هذا الفضاء منذ أيامٍ خلت كان قد استوقف انتباهي ، وبالرغم من أن الكاتب قد حمّل المنشور بعضًا من روح الدعابة ، غير أن النظر فيه عن كثب يكشف الكثير من الحقائق الفلسفية غير البعيدة عن أذهان الدارسين أو المشتغلين أو حتى الهواة لهذه المدرسة الفكرية : الفلسفة العبثية Absurdism التى يمثلها ببراعة الفيلسوف الفرنسي والكاتب الصحفي ألبير كامو Albert Camus.

كل جهود الإنسان في إدراك الحقيقة ستفشل بالضرورة في نهاية المطاف، فمحدودية العقل البشري لن تتمكن من الإلمام بكافة الحقائق وسيكون من الصعوبة بمكان اختبارها كافةً للتأكد من مصداقيتها ؛ عقل الإنسان يميل بطبيعته للبحث في الحقائق الكونية، للوصول إلى معنى الحياة ، ومابين السعي للوصول للحقيقة واستحالة أو صعوبة الوصول هوة واسعة يتمخض عنها الكثير من مشاعر الإحباط. إن التناقض الكبير الواضح مابين العقل البشري والكون(الذي خلق بدوره الغربة لدى كامو) هو الذي ولّد هذه (العبثية). هذه بإيجاز رسالة هذه المدرسة. وما الاهتمام الآني بالأسطورة وصيغ التساؤلات والإشكالات الفلسفية في الواقع إلاّ تعبير عن توق الكائن البشري لإدراك حقيقة العالَم.

الموضوع شاسع إلى الحد الذي يمّكن المهتمين بالدلو فيه كلٌ على قدرِ عزمه ، لكنني سأفرد هذا المجال للحديث فقط وباختصار عن الكيفية التي مثّل بها ألبير كامو هذا المفهوم( العبثية) في كتاباته.

هذا الكاتب الذي أثار ولازال جدلاً واسعًا يتبنى هذا المفهوم ويتمرد عليه في آنٍ واحد،وقد نوّهتُ في سياق فائت إلى هذه المسألة مشيدةً بمفهوم التمرد الذي تناوله كامو بالكثير من التفصيل والكثير من الإيجابية. انه ينادي بالتسليم بالعبثية ويؤمن بأنها شيء لا يمكن إيقافه لذا وجب التمرد عليه؛ يقول في (الإنسان المتمرد) 1951: “أنا أتمرد إذًا نحن موجودون”.

ليست العبثية مفهومًا تافهًا أو سَخِيفًا في فكر ألبير كامو كما يمكن أن يتطرق إلى الذهن للوهلة الأولى،فهو يضع على عاتق المفهوم عبء الكثير من المسؤوليات، وبالتالي النتائج المترتبة عليه.
إذًا يوظف كامو مفهوم العبثية للوصول أخيرًا إلى شكل الحياة الفاضلة التي ينبغي أن يحياها الإنسان بمجموعةٍ من القيم التى لا غنى عنها.

إنَّ عبثية الكون ليست سببًا في نشأة هذا المذهب ، بل إن قصوره في الخضوع للمعايير العقلانية هو السبب الرئيس لنشأة العبثية ؛ عدم الوصول إلى الرضى الكامل في الفهم يسرع في عملية المخاض، هذا ماتنص عليه فلسفة كامو ، وهذا مايعبر عنه في أسطورة (سيزيف)،1942. إنّ القراءة المتعمقة في هذه الأسطورة سيكشف للقارىء عن تحليل كامو ونظرته لعبثية الحياة، ويقال نفس الشيء عن روايته (الغريب)، 1942، وروايته (الطاعون)،1947.

“أصرخُ قائلاً إنني لا أؤمن بشيء , وأن كل شيء عبث”

فيما كتب كامو وحلّل نتبين أن الحياة التي تخطو خطاها بلا جدوى محافظةً على وتيرتها الرتيبة ونقيضها (الموت) في الجهة المقابلة ،ثم هناك أيضًا الزمن الفاصل بين الحقيقتين، والذي يدفع بالمرء لمضاعفة الجهد بلا طائل ، كل ذلك يصرح بالعبثية..

ومن زاويةٍ أخرى نجد أن التمرد يسير في خطٍ موازٍ للعبثية عند ألبير كامو، فهو يؤمن بها ويدعو للتسليم بها كواقعٍ لا مفر منه، لكنه في ذات الوقت يتمرد عليها كحلٍ للخروج من هكذا مأزق؛ جدير بالذكر هنا أن سورين كيركجاردSoren Kierkegaard الذي يُعد رائدًا مِن روّاد الفلسفة العبثية قد عارض بشكلٍ أو بآخر الحل الذي طرحه كامو (الانتحار) للخروج بالمرء من مأزق المجهودات الحياتية التي لافائدة منها ووصفه بأنه (حل جنوني) على حد تعبيره، وهذا ليس المخرج الوحيد الذي صممه كامو، فهو على يقينٍ من رفض الإنسان الغريزي للموت بل إنه أشار إلى خيار آخر هو الخروج عن المألوف وبتعبيرٍ أدق ، التمرد على ماهو سائد.

” كل تمردٍ حنينٌ إلى البراءة ونزوعٌ إلى الكينونة”

الموت ، الذى هو عقدة الوجود الإنساني هو مايخشاه ألبير كامو ويعبر عن ذلك صراحةً بما أفرد له مساحة واسعة في كتاباته ، فهو يتحدث تارةً عن (الموت السعيد) و(الموت الواعي ) تارةً أخرى، ثم هناك كذلك واحدٌ طبيعي وآخر منطقي، دون أن نغفل عما ورد عنه أن الإنسان يموت (وحيدًا كاملاً) .ويرى أن للمرء وحده الحق كاملا في تصميم أُطر النهاية التى تتوافق معه، لكنه يخلص إلى نتيجة حتمية هي أن الموت هو الحقيقة المطلقة التي تناقض هذا الكون العبثي. الموت أو العدم هو الذي يفسر لنا السبب الذي وضعه كامو بعدم جدوى الحياة البشرية طالما أن الموت سيكللها عاجلاً أم آجلاً أيا كانت صفته( سعيدًا، طبيعيًا،…..) الخ وانه لا سبيل للخروج من هذا المأزق الوجودي العبثي الا بالموت أو بالتمرد عليه، أما عن تفضيل المرء للمشاركة في عبثية الكون بدل الموت فتعني أنه سيعيش حياةً لا جدوى تُرجى منها.

“ولكن الجميع يعرفون أن الحياة ليست جديرة بأن تعاش”

” نتجه صوب الموت كسهم يتجه إلى هدفٍ لا يضيّعه أبدًا، الموتُ هو يقيننا الوحيد”.

إن عملاً واحدًا لكامو قد لا يكون كافيًا لتسليط قدرٍ وافٍ من الضوء على فلسفته ، فعلى ماأرى أن التمعن في أعماله مجتمعةً هو ما يعطي فكرةً واضحةً عن آراءه بهذا الصدد.

ولعل هذا الاقتباس يوجز فكرة كامو عن المسألة المطروحة أعلاه :

” إن مهمتي ليست أن أغير العالَم فأنا لم أُعط من الفضائل مايسمح لي ببلوغ هذه الغاية، ولكنني أحاول أن أدافع عن بعض القيم التى بدونها تصبح الحياة غير جديرة بأن نحياها”.

شاهد أيضاً

الاغتراب في الوجودية  الجزء 2

  علي محمد اليوسف الفهم الفلسفي الاغترابي لدى فيورباخ وماركس: يفهم (فويرباخ) الذي سبقت مفاهيمه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *